دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
سكة صدي
السنة -714ه - العدد1428صفرمن28- م2007مارس من18 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:07:16 AM الساعة - 3/17/2007 آخر تحديث يوم
      أحداث
الشاعر اللبناني شربل داغر:
ضد الواحدية في الشعر
حسن عبدالموجود
يبدو أن الشاعر اللبناني شربل داغر أكثر تفاؤلا في نظرته لمستقبل الشعر المصري من معظم المثقفين المصريين أنفسهم..
فهو يري في الكم الهائل من الدواوين الذي تصدره مؤسسات وزارة الثقافة ودور النشر الحكومية مؤشرا ايجابيا علي قوة الشعر هنا لا دليلا علي الاستسهال!
التقيت به لأحاوره حول كتابه الجديد 'لا تبحث عن معني لعله يلقاك' الصادر مؤخرا عن دار 'شرقيات' إلا أن الحوار تشعب الي قضايا الشعر المصري وعجز النقدعن ملاحقته وتجاهل الاعلام له..
كما تطرق الحوار الي الحديث عن مصطلحه 'آلقصيدة بالنثر' وسمات قصيدة ما بعد الحداثة موت الناقد الأدبي في مقابل ظهور الناقد الثقافي..

هناك من يرون أن الشعر المصري يتراجع ويعيش اسوأ مراحله.. فهناك استسهال في عملية النشر.. وعدد الشعراء أصبح كبيرا بشكل لايصدق.. ما رأيك؟
­أعتقد أن في هذا الكلام قسوة غير منصفة للشعر المصري الحالي، أولا أري ان وفرة صدور المجموعات الشعرية في حد ذاتها ليست مؤشرا سلبيا عن الشعر بل هي دلالة إقبال. الأمر الآخر أري­ خاصة في السجال حول الشعر­ بين الشعراء وبين النقاد في مصر دلالة علي حيوية هذا الشعر، حدة المنافسات والجدال تجعل الشعر بالضرورة حيا..
الملاحظة الثالثة هي أننا دائما ننساق الي نظرة اسميها 'واحدية' للشعر، بمعني ان هناك تصورا واحدا للشعر نحتكم إليه وهو مقياس التقدم والتأخر في هذا المجال، فيما الشعر­ علي ما أري­ مجموعة من التجارب تتسم بمقادير من التنوع، والشعر بتعدد مناحيه خرج عن منطق 'الواحدية' الجمالية التي حكمت الشعر العربي طوال قرون وقرون.
أن يتم الكلام عن غث وسمين في الشعر فهذا أمر اعتيادي وإن كنت لا أنفي أن هناك استسهالا في كتابة الشعر ونشره في بعض الأحيان اعتقد ان التربة نفسها تؤدي بحكم جريانها إلي نوع من التنافس، وهي لن تلبث أن تصطفي شعراء وتسقط شعراء، وأن تتقدم الي أفضليات وخيارات أخري، وبهذا المعني لا استسيغ هذا الحكم المعياري تجاه الشعر المصري..
طبعا أنا أفهم ملاحظات البعض حول الضعف الفني في عدد من المجموعات الشعرية، هو الذي أدي الي ما اسميته بالتراجع في بعض مظاهر الشعر المصري، ولكني بحكم معرفتي به أؤكد انه لم يعرف بتاريخه المتأخر علي الأقل­ مثل هذا الاقبال علي طبعه.. حمية السجال اليوم لم تعد مقتصرة كما في الماضي علي صراعات أبطالها عباس محمود العقاد أو صلاح عبدالصبور أو غيرهما من الشعراء، الآن تجدها في الجامعة، المنتديات، المقاهي، صفحات الجرائد، رقعة الجدل حول الشعر تتوسع وتتعدد وتتنوع وهذا مؤشر ايجابي في حد ذاته..
إذن لماذا حدثا قطيعة بين الجمهور وبين الشعر، الناس لديهم استعداد لدفع ثمن رواية لا ديوانا..
­طبعا، هذا أمر طبيعي، لا يحدث في مصر فقط وانما يحدث في بلاد العالم كلها، أولا لدينا صورة خاطئة بعض الشيء عن رواج الشعر أين كان رواج الشعر القديم؟ كان يتم في البلاط أو مجالس العلماء أو الشعراء والنقاد، رقعة الشعر كانت ضيقة وليست بالشكل الذي يفترضه البعض دون تبصر ودون تفكير في حقيقة المشكلة..
الأمر الآخر يخص الشعر الحديث وهو مثل الفن الحديث يحتاج الي عين مثقفة لكي تراه وتقرأه، في الفن القديم، الكلاسيكي­ علي سبيل المثال يكفي أن تري دقة الرسم، جمال الموضوع لكي تقول ان هذا الفنان جميل، الآن لا تستطيع أن تقف أمام لوحة وتحكم عليها بالمعايير نفسها، إن لم تكن لك ثقافة فنية بالمعني الأسلوبي للكلمة وهذه تحصلها في البيت، والمدرسة، وأمام شاشة التليفزيون، في الشارع وأنت تري الإعلانات، أقول دون هذه الثقافة الأسلوبية لاتستطيع ان تتعامل، لا مع بيكاسو ولا فان جوخ ولا كل موجات الفن الأوروبي والعالمي، وهذا يصح أيضا في الشعر..
وعلينا قبل ان نتكلم عن صعوبة العلاقة بين الشعر والجمهور ان نسأل: ماذا تفعل الحكومة لصالح الشعر: ماذا تفعل وزارة الثقافة، الجامعة، مؤسسات الإعلام، البلديات والجهات المسئولة لصالح الشعر: لكي يكون الشعر حاضرا، ومجالا لبلورة وتنمية الذائقة الجمالية للتلقي نفسه..
أنت اليوم تستطيع ان تتحدث عن ذائقة فنية خاصة بالمسلسلات التليفزيونية والأفلام، لماذا؟ لأن المسلسل التليفزيوني والفيلم السينمائي موجودان في كل بيت، بحيوية وحضور قوي، أنت لاتستطيع ان لم تتوافر هذه الظروف والشروط أن تقول ان الشعر ضعيف أو 'تقبله' ضعيف، مع أنني اقر ان تقبله ضعيف واقعيا..


هناك ارتباك في خريطة الشعراء لا أعرف من المسئول عنها فثمة من يصرون علي وضع حدود جيلية، سبعينيات، وثمانينيات، وتسعينيات. مع أن هناك شعراء سبعينيين مثلا يكتبون القصيدة الجديدة ومنهم محمد صالح، وحلمي سالم، ومحمد سليمان..
لا أقر بقسمة الأجيال، لقد تم تصنيفي أيضا ضمن جيل السبعينيات مع حلمي سالم، ورفعت سلام، وجمال القصاص، لا أقر بها لأنه لا معني دقيقا لها، الشعر يتغير ويحافظ في الوقت نفسه علي مقادير تميز تجربة هذا الشاعر أو ذاك، هناك شعراء يثبتون ويتحصنون فيما يكتبون، أقصد في خياراتهم الفنية والجمالية وهناك شعراء يعاملون بقدر من الانفتاح أو تقبل الأشياء الجديدة الي غير ذلك، هذه خيارات الشعراء وليس لنا أن نقول ان هذا الخيار هو الأكثر صوابا وصحة، ما يجب ان نأخذ بالنا منه جيدا هو مدي قدرة هذه التجربة بالمعني الفني في ان تكون ثرية ومتميزة وفيما يمكن ان تشكله من اسهام مجدد في الشعر العربي.


كل الجماعات الشعرية سقطت أو انتهت هناك فردية شديدة في التجارب الشعرية، هل لأنه ليس ثمة اتفاق علي جماليات معينة للشعر الآن؟
­درست في عدد من بحوثي مسألة التيارات والمذاهب في الشعر العربي الحديث وخلصت الي مجموعة من الأفكار وهي ان في غالب نشأة هذه التيارات والمذاهب في شعرنا تمت بناء علي تأثرات ذات طابع ثقافي، مثلا اقبال شعراء عرب علي الرمزية­ مثلا­ في فترة ما بين الحربين، أو الاقبال علي استلهام الأساطير في شعر الخمسينيات، يعود الي التأثر بتجارب عالمية وجد فيها الشعراء نموذجا يصلح للتمثيل والاقتداء به واتباعه بمعني ما، وهناك ايضا تأثرات حدثت بناء علي حسابات ايديولوجية سياسية قامت في اساس تكوين عدد من أجيال الشعر او جمعياته او شعرائه.. في العقود الأخيرة تغيرت الأمور بسبب ضعف الايديولوجيات من جهة، وتعدد المذاهب والأساليب الشعرية المتبعة في الشعر العربي الحديث واتساع رقعة الثقافة الشعرية يعني الشاعر المصري أو اللبناني في فترة ما بين الحربين كانت معرفته بشعر العالم تكاد تقتصر علي شعراء فرنسا والمانيا وانجلترا وامريكا فقط لاغير، أما شاعر اليوم فيعرف عددا أوسع من شعراء البلدان المذكورة علي وفرة تجاربها وعقولها، كما يعرف شعرا في اليابان وشيلي وافريقيا وغيرها، مصادر الشاعر تعددت وتنوعت، وأشكال التأثر أيضا بالتجارب العالمية تنوعت بحيث تري شاعرا يتأثر بريتسوس مثلا، أو بشعر الهايكو في اليابان، وبالتالي خريطة الأشكال والأساليب في الأجيال الجديدة أصبحت صعبة القراءة، وهي علي درجة من الخفاء، بل هي علي درجة عالية من اللعب، وهذا يدل علي نضج في التجربة وتعامل فني مع الشعر وليس تعاملا اسلوبيا أو أيديولوجيا مع الشعر، شاعر اليوم ينتبه علي سبيل المثال الي طريقة بناء الجملة عند شاعرما آخر، تروق له فيأخذ بها أو يحاول ان يبني جملته انطلاقا منها أو يلاحظ عند شاعر آخر كيف يبني قصيدته بالمعني الشكلي والمعماري، لاحظ في هذا الجانب البصري للقصيدة كم تعدد الأشكال البصرية للقصيدة فوق الورقة؟ وهذا يشير كما ذكرت الي تأثرات الشعراء ومعرفتهم بأشكال أخري من الشعر تصدر في بلدان مختلفة..
معظم الشعراء يشكون من تجاهل النقد لهم أو عدم متابعته لما يصدر هنا وهناك.. ما رأيك؟
­آراء هؤلاء الشعراء ليست متطرفة وتشير الي وجه من الصحة في درس النقد للشعر العربي الحديث، النقد لايزال غير مواكب كفاية لغني التجارب الشعرية العربية، وأحيانا الجامعات ليست المكان المناسب في بلادنا لدرس الشعر او لنقده أو حتي لتأريخه، قسم كبير من نقادنا اليوم يعتنون بدراسة الشعر القديم، ومن يعتنون بدرس الشعر الحديث.. (ولا أريد أن أقول انهم قلة لأنهم ليسوا كذلك) ينصرفون الي أمور في درس الشعر لاتلبي حاجات الشعراء..
أسوق مثالا، 'القصيدة بالنثر' موجودة في البلاد العربية منذ خمسين عاما وهناك مئات من الشعراء يكتبونها اليوم، أما في نقدها فنحن نلاحظ عددا هزيلا من الدراسات والكتب التي تناولت هذه التجربة وشعراءها علي اختلافاتها وتنوعها.. الأمر الآخر.. أن الصحافة الأدبية لا تقوم بدورها في الأغلب كما يجب ان يكون عليه هذا الدور، بمعني أن النشر فيها تتحكم به أحيانا حسابات شللية وصداقات وتبادل منافع وأمور أخري مما يفسد عملية النقد وتقديم المنتج للقاريء بالطريقة المناسبة، طبعا يبقي أن هناك جهات اخري في المجتمع، المدرسة. الجامعة، البيت، عليها ان تتكفل بايصال الشعر، بعرضه، بنقده، بتعميم الثقافة الفنية اللازمة لتقبله والحكم عليه وفرزه وغربلة أصحابه..
ما رأيك في كتاب الدكتور مصطفي الكيلاني الذي صدر عن دار 'شرقيات' بعنوان: 'شربل داغر.. الرغبة في القصيدة'؟
­لايمكنني أن أبدي فيه رأيا لسببين: الأول لانه كتاب عني يعالج تجربتي الشعرية، والثاني لأنني لم انته من قراءته بعد، فقد استلمت نسخته في القاهرة قبل أيام قليلة. ما استطيع التشديد عليه هو أن الدكتور الكيلاني ناقد مرموق، يمتاز برصانته المنهجية وعمق تناوله الفكري للشعر، فضلا عن أنه يكتب النقد بلغة شديدة الأناقة، لغة مبدع أكثر منها لغة ناقد. ولقد كانت لي في هذا الكتاب مفاجأة جميلة، اذ تضمن قصيدتي الأولي التي نشرتها في صيف 1971، وكنت قد نسيتها فعلا، ولم انشرها في أي من كتبي الشعرية السابقة.
سيكون هذا الكتاب مفيدا دون شك لمن يهتم بشعري، وبالتفسير التأويلي للشعر، فضلا عن انه يشتمل علي توثيق موفق لعدد من الكتابات والدراسات التي تناولت شعري في أكثر من لغة، ولقد قام الكيلاني بتقديم مختارات لي، ونشر مقابلات صحفية مركزة عن تجربتي الشعرية الأخيرة.
وما استوقفني في كتابه، في قراءتي السريعة له، انه اقام مبنيين للدراسة النقدية: واحد، هو الدراسة نفسها، واخر هو الهوامش التي ضمنها معلومات كثيرة والتفاتات ذكية لعلاقات بين قصائد ومجموعات مختلفة في شعري، بما لايرهق نص الدراسة ويبقيها مسترسلة.
وأشد ما استوقفني في قراءتي انه اختار الشواهد في متن دراسته بحساسية وذائقة شعريتين عاليتين، ما لا نجده في أحيان كثيرة عند عدد من النقاد، فهؤلاء يوردون في دراساتهم شواهد ليست من أفضل ما كتبه الشاعر، وبما لا يناسب أحيانا مضمون التحليل النقدي.
أليس في مقدور قصيدة التفعيلة أن تفعل ذلك؟
لا، أبدا. فقصيدة التفعيلة هي أمام هذا التحدي أشبه بالعمل النظمي التقليدي الذي له أن يقولب ما يستقبله، سواء أكان شعرا جيدا أم رديئا. ولاتملك هذه القصيدة بالتالي الطواعية المناسبة لاستقبال وامتحان قدرات تعبير متنوعة.
ماذا تكون قصيدتك في هذه الحالة؟
ما توفره هذه القصيدة لنفسها ولقارئها شيء مختلف، وهو بناء فضاء لايقع في التخييل وحسب، كما هي عليه أية قصيدة أساسا، وإنما يقع في بناء فضاء افتراضي تتمثل فيه الأشياء والهيئات، لا الكلمات وحسب.
وهو ما يمك قوله في قصيدة مطولة في هذه المجموعة، أقصد: 'المقهي جريدة'. فهذه القصيدة ترسم عالم المقهي، كما ترسم الفضاء الافتراضي ولكن الحقيقي في آن معا للشخوص الذين يرتادونه يوما بعد يوم، بما فيهم الكاتب المدعو شربل داغر. فللمقهي فضاء افتراضي، إذ يأتي رواده إليه في تمثل مختلف لحياتهم، ولرغباتهم في الحياة المقهي هو أشبه بمسرحهم، بمنصة عروضهم المتبدلة والمشتهاة. وهذا ما يمكن أن تجده في فضاءات قصائد أخري.
وأين تضع نفسك وسط من تتحدث عنهم؟
أنا حيث لاتجدني حين تبحث عني. وهو السبب الدفين الذي دفعني في اتجاه هذا النوع من القصيدة الذي اجترحه. فأنا لطالما انتقدت في القصيدة العربية تحكم الشاعر بها، اذ يكتبها بوصفه خطيبها، أو الناطق فيها بوصفه المالك الحصري لها. هكذا وجدت في هذه الصيغة التي أقترحها حلا فنيا وعمليا أيضا للقصيدة التي أطلب، وهي قصيدة لاتتعين في متكلم واحد، وإنما في عدة متكلمين. فضلا عن أنني أوجدت في هذين النصين المطولين متكلما هو: ش. د، أي من يحمل الحرفين الأولين من اسمي الأول ومن اسم عائلتي، ما يصعب أو يبطل إمكانية نسبة باقي الكلام الشعري إلي ش. د، أو إلي بشكل صريح.
إلا أنك في ذلك تخرج من القصيدة، أليس كذلك؟
أخرج منها فعلا إلي فضاء مختلف هو الفضاء الذي يتكشف في مدي النص، وفي سياقات مادية وديكورية معينة. بل أخرج من القصيدة، ومن المسرحة، إلي خارج الشعر نفسه. قد تكون كتابتي لهذين النصين شكلا من أشكال خروجي إلي الشارع، إلي التموقع في عدد من مسائله. فهذا النصان يدوران حول الموت المتعدد الأشكال، وحول العنف الماثل في حوار الناس والدال علي اقتتال أهلي...
ألا يظهر هذا منذ عنوان المجموعة 'لاتبحث عن معني لعله يلقاك' الذي يقوم علي المناداة؟
فعلا. مجموعتي هذه تختلف في عنوانها عما كانت عليه عناوين مجموعاتي السابقة. فأنا لأول مرة لا أستعمل جملة اسمية للعنوان بل جملة فعلية.
كما إنني لا استعمل ألفاظا أو تراكيب لفظية قديمة، مثل 'رشم' و'حاطب ليل' و 'إعرابا لشكل' وغيرها، فأحملها حمولات جديدة، وإنما أستعمل كلاما يكاد يقترب من الكلام اليومي، بل المباشر. بل يمكن قول المزيد في العنوان الجديد وهو إنه يقوم علي جملتين، قد يقولهما أو يتوجه بهما إلي القاريء متكلمان متباينان، أو ربما قال متكلم الجملة الأولي ثم توقف ليستعيدها أو يعدلها أو يستدرك ما سبق أن قاله فيها. وهذا المعني الأخير يناسب خصوصا مضمون النصين المطولين اللذين تحدثت عنهما للتو.
ألهذا صلة بما قدمه الشاعر والمسرحي التونسي سالم اللبان الذي عاد إلي بعض شعرك لمسرحته قبل عام؟
لا، خاصة وأنني كتبت هذين النصين قبل تجربة اللبان نفسها.
وماذا تقول في تجربته، وهي ليست الأولي التي تعامل فيها فنانون مع شعرك؟
هي تجربة مختلفة بمعني أن المسرح اذ يأتي بكلام القصيدة إليه فعليه أن يحافظ بمعني ما علي اللغوية التعبيرية التي في القصيدة، أما في التشكيل فإنه يسلك سبيلا مختلفا، بل أكثر تحررا وتفلتا من المسرح نفسه.
إلا أن شعرك لم يقترب من الغناء، أو لم يقترب منه مغنون. لماذا؟
هذا لا أحسن الجواب عنه، ولن أكلف نفسي الاجابة عنه علي أي حال. إلا أنني أعتقد في جميع الأحوال أن غناء الشعر أمر ميسر ومتداول، إلا أنه أقل تحريضا وإثارة وغني مما هي عليه علاقة الشعر بالفنون الاخري.
هل يمكن القول إنك استفدت من دراستك لعلم الجمال في شعرك؟
لاأستطيع نفي هذا، خاصة وأنا أنادي بالاستفادة من علم الجمال فأنا أري أن بعض شعرانا لايولون قصيدتهم العناية الجمالية المناسبة. كما أري أن بعض شعرنا يبدو مثل تدوين أعمي فوق الورق.
هكذا لاينزل السطر الشعري فوق الورقة نزولا فنيا أو معماريا، عدا أن القصيدة تبدو مثل خطبة، لامثل نص كتابي للقراءة، ولاستعادة القراءة.
سبق أن استخدمت في هذا الحوار كما في كتابات سابقة لك تعبير: 'القصيدة بالنثر'. لماذا؟
أستعمل هذه التسمية، كما اقترحها، في ترجمة أمينة لما يقوله التركيب الفرنسي الذي تعود إليه هذه التسمية تاريخيا.
كما يمكن استعمال تسمية أخري أكثر استساغة ربما للذائقة العربية، وهي: القصيدة النثرية. طلبت من هذه التسمية شيئا آخر، إضافيا، وهو أن أولي القصيدة عنايتي وتركزي. فكتابة هذه القصيدة لاتعني، في حسابي، الذهاب بالقصيدة إلي النثر، بل الإتيان بالنثر إليها. هذا ما حاوله غيري، وهذا ما أسعي إليه معددا وممتحنا قدرات النثر المتنوعة في أن يكون شعريا.
إلا أن البعض يري أن قصيدة النثر لم تصل بعد إلي أن تكون ما يشبه الملامح العامة لها. هل أنت مع من يرون ضرورة لحدوث ذلك أم أنك مع أن تكون لكل قصيدة جمالياتها؟
هذه القصيدة لم تحظ بعد بما يناسبها من درس فني وتاريخي.. وهذا يعود إلي عدة أسباب، منها أن المنظور العروضي يتحكم بالمنظور النقدي حتي عند نقاد يخالون أنفسهم قريبين أو مدركين لطبيعة هذه القصيدة المختلفة. والسبب الآخر يعود إلي كون هذه القصيدة قابلة لتشكيلات متباينة، قد تستجمع في القصيدة الواحدة الشيء وعكسه، مثل التركيز والتمطيط، والجملة القصيرة مثل الجملة المطولة، والموسقة مثل تدافع الكلام المتلاطم... هذا ما يصعب من دراستها، إذ أن علي الناقد أن يبني القاعدة ثم لايلبث أن يتأكد من بطلانها، أو من تعدلها أو تغيرها. لهذا سبق أن كتبت بأن 'القصيدة بالنثر'، أو القصيدة النثرية، ليست شكلا شعريا، وإنما هي ميدان شعري، وهو مفتوح علي احتمالات تركيب متعددة.
وهذا يعني أن علينا أن نعاين هذه القصية في تحققها النصي، الذي قد يحمل مقادير من التشابه والتتابع لدي شاعر أو في احدي مجموعاته، وقد يحمل انتقالات وتبدلات ضمن القصيدة الواحدة.
ولو شئت تقريب الصورة لقلت بأن هذا هو ما يحصل تماما في الفن الحديث، حيث تجد مثل هذه التشكيلات المتكررة أو المتباينة في معرض واحد لفنان لهذا لا أبالغ في القول إن قلت بأن هذه القصيدة هي أغني بكثير مما تبدو عليه في النقد، ولهذا وجب علي النقد أن يعاينها كما تظهر، كما تتعين، لا أن ينزل عليها، اذا جاز التعبير، بعدة جاهزة، فتبدو عصية عليه أو ممتنعة.
تكتب الشعر، تمارس الترجمة وتكتب في تاريخ الفن وجمالياته. كيف توفق بين هذه المجالات؟
هذا بيتي، وله غرف كثيرة فعلا. هكذا أقيم فيما أؤثث له، عدا أنني أستقبل غيري فيه. هكذا وجدت في الكتابة ما يلبي نهمي وفضولي، سواء في الشعر أو في المعرفة.
وأنا لايكفيني الحديث عن غرف وإنما الحديث خصوصا عن الممرات الواقعة بينها، وعن النوافذ التي فيها. فهذه الممرات تقيم علاقات وصل وفصل، هي التي بين صنوف الكتابة المختلفة التي أتدبرها. فترجماتي لاتعدو كونها غرفة خلفية لشعري نفسه، حيث إنني ترجمت لشعراء عرفتهم وأحببتهم، ولشعراء طلبت تملكهم عبر الترجمة.
هذا ما يجعل التلصص نوعا من السكني الأليفة إذا جاز القول. وهذا ما يمكن أن أقوله في دراساتي الأدبية أو الفنية إذ أنني بنيت لها مقاربات منهجية وإجرائية، تصلح لهذا الميدان كما لذاك.
كما وجب التنبه في بيتي هذا إلي أن له نوافذ عديدة، تفضي إلي خارجه، من جهة، كما تقضي نافذة فيه إلي غرفتين وفي آن معا. فأنا حين أقول في قصيدة: 'أكتب إذ أري'، أتلصص كذلك إلي ما أجريه من درس في الغرفة المجاورة.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: