|
|
| السنة - | 718 | ه - العدد | 1428 | ربيع الأول | من | 27 | - م | 2007 | إبريل | من | 15 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:03:43 ك |
 |
الساعة - |
 |
14/04/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| سكة صدي |
 |
|
|
رقابة.. أم حروب شعراء؟
الضجة التي أثارها قرار وقف توزيع مجلة 'ابداع' تطرح العديد من الأسئلة حول الواقعة نفسها وحول حدود حرية التعبير، وحول المسكوت عنه دائما في قضايا المصادرة وهو مسئولية الكاتب.
فيما يخص الواقع هناك كلام عن وشاية بالمجلة مصدرها شاعر كما يبدو في مقال الشاعر حسن طلب مدير تحرير ابداع وفي الوقت ذاته يلقي الشاعر حلمي سالم صاحب القصيدة باللائمة علي عمال المطابع، وفي المقالين نقاش حول تأويل الابداع يذهب فيه حسن طلب الي التأكيد علي أن المستوي الفني للابداع يحميه من تطفل الرقباء، وهذه في الحقيقة احدي القضايا التي تتجاوز الواقعة الحالية الي المسكوت عنه في كثير من الوقائع بكتابة البعض لنصوص تافهة لاترقي الي مستوي الشعر هدفها الصدام ولفت النظر فقط ثم تقديم البلاغات في أنفسهم لجهات الرقابة أو يتبرع غيرهم بذلك. وهو موضوع يستحق النقاش.
' اخبار الأدب '
|
|
|
علي هامش إيقاف العدد الأول من (إبداع)
حتي لا يعود فقهاء المصادرة بهراواتهم الغليظة
حسن طلب
ربما تكون الضجة المثارة حول العدد الأول من الاصدار الثالث لمجلة (ابداع)، فرصة مواتية لايضاح بعض القضايا الملتبسة، سواء في قصيدة الشاعر 'حلمي سالم' التي تضمنها العدد وأثارت هذه الضجة، أو في طبيعة اللغة الرمزية للفن عامة، وللشعر علي وجه الخصوص.
وإذا كان الدكتور 'ناصر الأنصاري' رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب وهو الرجل الذي نحترمه جميعا ونقدره قد اتخذ قرارا بإيقاف توزيع ما تبقي من نسخ العدد مؤقتا، وهي النسخ التي كانت معدة للتوزيع الخارجي: فهذا حقه المشروع، ووجه المشروعية هنا، هو خوفه من أن يأخذ القراء ما ورد في أحد مقاطع القصيدة بالمعني الحرفي، علي أن إيقاف توزيع المجلة لا يبدو أنه الحل الأمثل في هذه الحالة، اللهم إلا إذا كان الدكتور 'ناصر' نفسه، مقتنعا بأن الشعر لا يمكن أن يحمل وراء معانيه الحرفية المباشرة، معاني ودلالات أخري توحي بها لغته الرمزية: ولاشك في إننا سنسيء إلي 'أمل دنقل' وإلي الشعر كله، لو حملنا قوله: (المجد للشيطان معبود الرياح) علي المعني الحرفي، فحكمنا عليه بالخروج علي الدين لأنه يمجد الشيطان الملعون، أما إذا ما فهمنا الشيطان هنا علي أنه مجرد رمز للمقاومة والرفض، فسنكون قد أعطينا الشعر حقه، وعصمنا أنفسنا من الفهم الخاطيء الذي سيقودنا بالضرورة الي المبالغة والتهويل في تحميل لغة الشعر غير ما تحتمل. ولعل الحل الأمثل في حالة كهذه هو الحوار العقلاني المتحضر الذي يستطيع به من يختلف مع المقطع المذكور، أن يطرح رأيه للمناقشة في (إبداع) نفسها أو في غيرها من المنابر، وهو حوار ليس بالغريب علينا، وإن كنا قد افتقدناه خلال العقود الأخيرة المظلمة، فبالأمس كان أحدنا يكتب: (لماذا أنا ملحد؟)، فيرد عليه المعارض: (لماذا أنا مؤمن؟)!
غير أن هذا لا يعني أننا ننحي باللائمة علي الدكتور 'ناصر': فنحن هذه المرة ينبغي ألا نلوم إلا أنفسنا نحن المثقفين، مذ سمحنا لضعاف المواهب والنفوس أن يندسوا بيننا مع رصفائهم من الموظفين الذين لا يعملون ويسوؤهم أن يعمل الآخرون، علي نحو ما وصفهم بحق 'طه حسين'. لكم ساءهم بالفعل أن تظهر مجلة مصرية بهذا المستوي الرفيع! فلم يكتفوا بأن يبلغوا رئيس الهيئة فحسب عن (المقطع) المذكور، وإلا لهان الأمر: ولكن تطوعوا بإرسال البلاغات الكيدية إلي أمثالهم من صغار الصحفيين، لكي يشعلوا الفتنة ويهيجوا الرأي العام علي الهيئة التي يعملون بها! وحسنا فعل الدكتور 'ناصر' حين أشار في حديثه التليفزيوني مساء الأحد الماضي إلي هذا الشاعر/ المخبر الذي أبلغه: حتي ينفضح أمره أمام زملائه، بعد أن ارتدي بالأمس قناع الحداثي المتمرد علي المؤسسة وهو يشاركهم ملتقي (الشعر البديل)، بينما يقبض باليد الأخرئ منحة التفرغ من المؤسسة ذاتها ويجهز الآن قناع الطليعي الثائر من خلال المجلة التي يعد لها مع زملائه! وسيظل علي الأرجح محتفظا بقناع الغيرة علي الدين يستخدمه وقت اللزم. وبغض النظر عن موقف هؤلاء المخبرين في المركز الإعلامي بالهيئة، وعن قرار إيقاف توزيع المجلة مؤقتا: فإن المقطع الذي ورد في القصيدة المذكورة متضمنا كلمة (الرب) في سياق بدا وكأنه غير لائق، هو مقطع تسمح لنا تقاليد تذوق الشعر بتأويله علي أنحاء شتي، ولعل الفرق الدلالي المائز بين لفظ الجلالة (الله) من جهة، وكلمة (الرب) المطلقة من جهة أخري، لا يخفي علي القاريء عامة، وقاريء الشعر خاصة، فكلمة (الرب) المقصود هنا، ينتمي إلي الديانات السابقة علي نزول (سورة البقرة)، أي السابقة علي الإسلام.
***
أعلم أن هذه القراءة ليست الوحيدة بالطبع، فقد يرفضها آخرون ممن يصرون علي القراءة الحرفية، وربما شجعتهم هشاشة النص وركاكاته علي هذا الرفض، وهم في ذلك محقون من حيث المبدأ، فنحن إلي الآن نقرأ ألوانا من خروج الشعراء الكبار قديما وحديثا، وإنا لنستمتع بها في الغالب، علي ما فيها من شطط يصدم الشعور الخلقي، أو يمس الاحساس الديني. ونحن حين نغفر لهؤلاء الشعراء الكبار تجاوزاتهم الأخلاقية والدينية، فإنما نفعل هذا بسبب ما فيها من لغة رمزية رفيعة، ومن صياغة قوية محكمة، ومن صور مبتكرة مدهشة: ألسنا نتداول إلي الآن ديوان 'المتنبي' ونقرأ فيه:
يترشفن من فمي رشفات هن فيه أحلي من التوحيد! فيعجبنا قوله ويدهشنا، ولا نطعن علي الشاعر في دينه لأننا نحمل ما قاله علي لغة الرمز: في الوقت الذي ننكر فيه المعني نفسه، إذا أتي أحدهم فنثره ليقول لنا إن طعم القبلة في شفتي الحبيب، ألذ وأحلي من طعم الشهادتين!
ومثل هذا كثير من شعر 'أبي نواس' و'أبي تمام' و'المعري' وغيرهم قديما وحديثا. وقد يأتي معترض فيقول إنه لا يجوز لنا ما جاز للقدماء وهذا قول بيٌن البطلان، لأنه يهدم فكرة الحرمة المطلقة للمقدسات، فيخضعها للنسبية التاريخية، بحيث يحل لجيل من الناس ما لا يحل لسواهم! ولعل الأوفق من ذلك أن نقول إننا نقبل من الشعر الرفيع ما لا يمكن أن نقبله من الشعر الركيك، وهذا هو الذي جعل شعر كبار المتصوفة حيا بيننا إلي اليوم، علي ما فيه من تجاوزات تتضاءل إلي جوارها تجاوزات 'حلمي سالم'، ولعل هذا أيضا هو الذي جعلنا ننتشي بقول 'أحمد شوقي' ولا نجرؤ علي أن نرميه بالشرك وهو يدعو إلي عبادة الوطن:
وجه الكنانة ليس يغضب ربكم
أن تجعلوه بينكم معبودا!
وهو بيت من قصيدة معروفة غنتها 'أم كلثوم'، واستمتع بها عامة الناس، ولكن يبدو أن العامة في الماضي القريب، لا يقارنون بالنخبة المثقفة في هذه الأيام!
هشاشة النص وركاكاته شجعت
من يصرون علي القراءة الحرفية للإبداع !
وما قيل عن 'المتنبي' و'شوقي' يمكن أن يقال عن رواد الشعر الحر، مثل 'نزار قباني' و'صلاح عبدالصبور' و'أحمد عبدالمعطي حجازي' و'أدونيس' و'محمود درويش' ومن جاء بعدهم من ذوي التجارب الروحية مثل 'محمد الشهاوي' و'وليد منير'، وغيرهم: ومن منا لم يؤخذ بالحس الصوفي العميق وبروح الطفولة البريئة في هذا المقطع:
في الماضي كان الله
يظهر لي حين تغيب الشمس
في هيئة بستاني
يتجول في الأفق الوردي
ويرش الماء علي الدنيا الخضراء
وأظن أن 'حلمي سالم' في قصيدته المذكورة، نظر إلي هذه الصورة، ولكن شتان بين (البستاني) هنا، و(القروي) هناك! فقوة الرمز في الصورة الأولي تفرض نفسها علي الحس وتفتح أبواب الخيال، بلا واسطة، أما في الثانية، فنحن نحتاج إلي محام، قد تقنعنا حجته، وقد لا تقنعنا!
والأمثلة كما يعرف قراء الشعر ومحبوه كثيرة.. كثيرة: فلم يبق إلا أن يقول المعترضون: ولكن قصيدة 'حلمي سالم' لم ترق إلي هذا المستوي الفني الرفيع، الذي يجعلنا نقبل جرأة الشاعر علي المقدسات، ونحمل تجاوزاته علي لغة الرمز. وهذا الاعتراض مقبول بلاشك: غير أنه يضعنا أمام المسألة الذوقية في الفن: حيث يختلف الناس أكثر مما يتفقون.
ومادمت قد اعترفت بأن الاعتراض مقبول: فلن أعدم من يسأل من جديد: ولم أقدمت المجلة علي نشر قصيدة كهذه تثير الشكوك، علي الأقل حول مستواها الفني؟!
وربما تكون لهذا السؤال وجاهته، لو أن صاحب القصيدة ناشيء مغمور يستوجب الحذر، أو مبتديء يحتاج إلي من يعلمه ويوجهه، غير أن صاحبها شاعر معروف مصريا وعربيا، ولئن كانت له قصائد كثيرة رديئة، فإن له مثلنا جميعا قصائد كثيرة جيدة.
ومن أجله هو وأمثاله حرصت المجلة علي أن تثبت في صدرها علي سبيل الاحتراز، وبعبارة لا تحتمل اللبس، أن المواد المنشورة تعبر عن رأي صاحبها وحده، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المجلة.
وبعد هذا كله، يأتي المتربصون من صغار الشعراء، ليتركوا المجلة كلها بصفحاتها الأربعمائة، ليتصيدوا بضعة سطور في قصيدة من بين تسع قصائد، ولم يزدهم نفاد النسخ المطروحة من السوق (مع ارتفاع الشعر نسبيا): إلا إصرارا علي الكيد ورغبة في الهدم، لا يحركهم هذا إلا شعار العاجزين في كل زمان ومكان: (إما فيها.. أو نخفيها)! لقد عميت عيونهم عن الجهد الكبير الذي بذله القائمون علي المجلة لتخرج بهذه الصورة المشرفة، وفي مقدمتهم مديرة التحرير: 'غادة الريدي' والفنانة الشاعرة 'ميسون صقر' صاحبة الرؤية الإخراجية، بالإضافة إلي بقية فريق العمل الذي لم يدخر أي منهم جهدا، سواء في مقر المجلة أو داخل الهيئة بأقسامها الفنية المختلفة.
***
وأخيرا، فقد كان علينا أن نرفض قصيدة ' حلمي سالم'، لو كنا نشرف علي مجلة واسعة الانتشار مثل كثير من مجلاتنا الاسبوعية السيارة الموجهة إلي الجمهور العريض، فنحن أول من يعلم أن ما يصلح لمجلتنا، لا يصلح بالضرورة لهذه المجلات، وما يصلح لهذه المجلات لا يصلح كذلك للجرائد اليومية. إن مجلة (إبداع) بحكم توجهها، وبحكم ما يطبع منها، تحرص علي أن تخاطب نخبة المثقفين ممن يقرأون 'ماركس' و'نيتشه' و'سارتر' فلا يتأثرون بإلحادهم، ولهؤلاء المفكرين كتب كثيرة مطبوعة في الهيئة المصرية العامة للكتاب نفسها، وفي غيرها من المؤسسات الرسمية: هذا فضلا عما تنشره الهيئة من كتب تراثية فيها من التجاوزات ما يستوجب الخوف والحذر أكثر بكثير مما تستوجبه قصيدة 'حلمي سالم' المسكين! وخير مثال نسوقه هنا هو ديوان 'ابن الرومي' بأجزائه الستة، وكتاب (الفتوحات المكية)، وتعلم الهيئة وهي تطبع هذه الكتب، أنها موجهة للنخبة من المثقفين.
يا ليتنا نتعلم من دروس الماضي البعيد والقريب، فنعرف كيف أن العمل الجيد سيبقي رغم أنوفنا، ورغم مقص الرقيب، أما العمل الرديء فسيسقط من تلقاء نفسه، هكذا بقيت كتب 'المعري' التي غسلوها في الماضي، وبقي في الحاضر (الشعر الجاهلي) و(فقه اللغة العربية) و(أولاد حارتنا)، وغيرها من الأعمال التي حاول فقهاء المصادرة بكل ما في وسعهم، أن يعدموها، فبقيت شامخة مضيئة وانجرفوا هم الي زوايا النسيان!
|
|
|
ثقافة يحكمها عمال المطابع
حلمي سالم
ما ان فرحنا بعودة مجلة 'ابداع' الي الصدور 'حتي ولو فصلية' بعد انقطاع أربع سنوات كاملة بنفس قيادتها السابقة: رئاسة الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، ونائبه الشاعر الصديق حسن طلب، حتي هبط الخفاش الاسود بجناحيه الاسودين. صودرت أعداد المجلة، بعد أن طرحت في السوق لعدة أيام والسبب أن رئيس هيئة الكتاب ناصر الانصاري 'الذي كان هنأ حجازي بصدور العدد الجديد' وصلته شكاوي من عمال المطابع بهيئة الكتاب تقول ان العدد به قصيدة بعنوان 'شرفة ليلي مراد' تسيء الي الثوابت الدينية وتغض من قداسة المعتقدات والذات الإلهية.
وأود باعتباري صاحب قصيدة 'شرفة ليلي مراد' أن أعرض في هذا الصدد النقاط التالية:
1 توجيه التحية للشاعر الكبير حجازي ورفيقه طلب لانه طيلة عمله في 'ابداع' منذ 1991 لا يتواني عن نشر النصوص والفنون الحرة، التي لا يلبث أن يتهم بها: أمام القضاء تارة، وأمام التطرف الديني مرة، وأمام العقلية الجمعية السلفية تارة. وهو في كل ذلك مدافع صلب عن الحرية وحق المبدعين في الحرية، حتي وإن اختلف مع مبدعيها فكريا أو فنيا. وهو بذلك يدفع الضريبة المستحقة عليه، كمفكر تنويري، وكشاعر رائد قال ذات يوم : 'أنا اصغر فرسان الكلمة' وقال: 'أنا في صف المبدع من أي ديانة'.
2 ليس في القصيدة المذكورة ما يسيء الي قداسة الدين أو يغض من الذات الإلهية. ولعل العكس هو الصحيح، لان السطور المقصودة هي تنزيه لله عن القهر والتعسف والترصد. وهي فوق ذلك تنتقد المتواكلين الذين ينتظرون أن ينزل الله ليحل لهم مشاكلهم اليومية بنفسه، من غير أن يبذلوا هم جهدا أو سعيا. وهي الفكرة التي تقرها القاعدة الدينية نفسها حين تقول 'إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم'، ادانة للتواكل والخمول وانتظار الحلول العلوية!
3 إن تعبير 'الرب' تعبير أوسع من حصره في المنظور الديني الاسلامي وحده، فهو التعبير المستخدم في شتي الديانات السماوية وغير السماوية، وهو التعبير المستخدم في الاساطير اليونانية، بل هو التعبير المستخدم في الاشارة الي كل كبير أو مسئول أو مالك، مثل: رب الاسرة، ورب العمل، وربة البيت، وربة الصون والعفاف. ثم هو رمز الي كل مثل أعلي يتوق له البشر، وحصره في المعني الديني الاسلامي وحده ينطوي علي سوء قراءة وسوء فهم وسوء خلق.
4 القراءة التي اتهمت النص هي القراءة الضيقة المتعسفة، التي لا تصلح لتفسير الادب. فالأدب فن مجازي ينبغي أن يقرأ قراءة مجازية. وهذه القراءة المجازية لها متخصصون، هم نقاد الادب وعارفوه، والغريب أن أهل التيارات الدينية الجامدة يجأرون في وجوهنا صباحا ومساء مطالبين بألا يتحدث أحد منا في الدين، صائحين فينا 'اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون'، بينما هم يفتون فيما لا يعلمون. ونحن نصيح في وجوههم 'اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون'.
5 هذه الواقعة هي حلقة في السلسلة الطويلة التي تحاكم الفكر والادب والفنون بمعيار ديني ضيق، متجاهلة المعيار الديني الواسع، وهي التي تقيم محاكم التفتيش في الضمائر والعقول.
وهي محاكم تفتيش قديمة: بدأت بقطع لسان الحطيئة، ووصلت منذ أسبوع الي معاقبة مارسيل خليفة وقاسم حداد في البحرين بسبب عرض 'مجنون ليلي' الشعري الغنائي، وبينهما كان صلب الحلاج ونفي الطهطاوي ومصادرة طه حسين وقتل فرج فودة وحسين مروة ونفي نصر حامد أبوزيد وطعن نجيب محفوظ. هي إذن سلسلة متصلة متواصلة تسعي الي إغلاق كل نوافذ الهواء في بلادنا العربية.
6 ليست هذه هي المرة الاولي التي تواجه فيها 'ابداع' تحت قيادة حجازي هذه الريح المظلمة، فقد عانت من ذلك مرات: بسبب نشر نص للمفكر الفرنسي المسلم مكسيم رودنسون، وبسبب نشر رسوم عن آدم، وبسبب قصيدة من عبدالمنعم رمضان. كأن رأس المجلة هو المطلوب أو رأس رئيس تحريرها، أو رأس ما يرمزان اليه!
7 ان معظم المصادرات التي تمت في السنوات الاخيرة تم بسبب ابلاغ عمال المطابع في الهيئة المصرية العامة للكتاب عن كل ما لا يروق لقراءتهم الضيقة وأفهامهم المبسطة عن الدين والفن جميعا حدث هذا مع ديوان حسن طلب 'آية جيم' ومع ديوان لمحمد آدم. لقد نصب عمال المطابع في هيئة الكتاب 'وهيئة قصور الثقافة' من أنفسهم قضاة ومشرعين وفقهاء ووكلاء لله علي أرض وزارة الثقافة!
8 ولأن المناخ الديني المتعصب لا السمح صار هو المناخ السائد، فان ادارات هذه الهيئات سرعان ما ترضخ لبلاغات عمال المطابع، ممالئة للتيارات الدينية ونفاقا لها ومزايدة عليها، حتي لو كان بعض هؤلاء المسئولين مثقفين ليبراليين في الاصل. هذه الممالأة دفعت نواب الحزب الوطني الي الاصطفاف خلف الاخوان المسلمين في أزمة وزير الثقافة والحجاب حتي صاروا أكثر تطرفا منهم وأشد عنفا. هكذا صار عمال المطابع يتحكمون في مصير النشر والأدباء والثقافة المصرية.
9 صحيح أن الرقابة قد ألغيت رسميا في أواخر عهد السادات، لكن المناخ الديني المتطرف وتيارات العنف التي رباها السادات نفسه وغذاها، جعلت كل مواطن في مصر رقيبا. فظهرت هذه المفارقة العبثية: ألغيت الرقابة رسميا وقانونيا فصار عامل المطبعة رقيبا، وسواق الميكروباص رقيبا، وشيخ الزاوية رقيبا، والبقال رقيبا. لاسيما اذا كان كل هؤلاء مسنودين بما يسمي 'قانون الحسبة' الذي يعطي لكل شخص الحق في أن يرفع قضية 'من خلال النيابة' علي أي عمل فني أو فكري يراه مسيئا له شخصيا من حيث يسيء للمعتقدات أو الذوق العام أو الثوابت!
10 سنظل ندور في هذه الحلقة الجهنمية السوداء، ما لم يتم الغاء قانون الحسبة نهائيا، وما لم يتم الفصل بين المنظور الديني والمنظور المدني، بحيث يعزل الدين عن السياسة، لنكون بحق دولة مدنية تحكم بالقانون وحده، ويصبح الدين فيها علاقة بين العبد وربه، تطبيقا للقاعدة الدينية التي تقول: 'أنتم أدري بشئون دنياكم'.
بغير ذلك الفصل الذي لا يحق فيه لانسان أن يحكم دينيا علي انسان، بينما هو ليس أدين منه، وليس محتكرا لمفاتيح الجنة، وستظل الدولة التي تفخر بسبعة آلاف سنة حضارة دولة يحكمها عمال المطابع، يقررون لها ما ينشروما يحجب، ويخططون سياستها الثقافية، ويعينون الممنوع والمشروع للمفكرين والفلاسفة والمبدعين الذين هم قلب الامة النابض وعقلها المضيء!
'شرفة ليلي مراد' اليهودية التي أسلمت هي شرفة التسامح لا القمع، وشرفة المحاورة لا المصادرة، وشرفة الأمام لا الخلف.
|
|
|
|