رضوي عاشور في سويسرا:
لابد من اصطدام الرواية بالتاريخ!
يوسف ليمود
في بيت الأدب بمدينة بازل السويسرية أقيمت مساء الاثنين الماضي ندوة للأديبة المصرية رضوي عاشور بمشاركة الكاتب السويسري المعروف هوجو لوتشر, الذي سبق ودعي إلي مصر في أكثر من برنامج للتبادل الثقافي, وتربطه بمصر من خلال بعض من أبرز أدبائها وشائج تواصل فنية وإنسانية ليست بالسطحية. يتكرر برنامج هذا اللقاء الأدبي الذي يتخطي حدود الأشخاص, إلي مستوي تواصل وتفاعل النتاج الأدبي لثقافتين مختلفتي الظروف والنشأة والتاريخ والجغرافيا وربما مختلفتي الحس بالزمان أيضا, في بيتي الأدب لمدينتي بيرن وزيوريخ خلال الأيام التالية لأمسية ذاك الإثنين. وقد نظم أمر هذا التلاقي (الكوبري) مؤسسة بروهلفيتسيا السويسرية في مركزها الثقافي بسفارة سويسرا بالقاهرة.
رضوي عاشور أستاذة الإنجليزي بجامعة عين شمس غنية عن التعريف كروائية, فهي صاحبة ثلاثية غرناطة التي ستكتمل ترجمتها إلي الإسبانية مع نهاية العام, و تقارير السيدة راء و قطعة من أوروبا ، فضلا عن عدد من المجموعات القصصية: الرحلة , حجر دافئ , رأيت النخل , سراج , والعديد من الدراسات الأدبية الأخري ك الطريق إلي الخيمة الأخري: دراسة في أعمال غسان كنفاني , صيادو الذاكرة و البحث عن نظرية للأدب بالإنجليزية...وغيرها من الدراسات.
بعد قراءتها لبعض المقاطع السردية, بدأت عاشور الأمسية بملامسة هم عام مازال يثقل علي الوعي العربي الجمعي وهو الغزو الأمريكي الأول للعراق في 1991 من خلال الحديث عن ثلاثيتها غرناطة , حيث شعرت, وسط كل ذاك الرعب والموت بالجملة, بالحاجة إلي التقليب في أوراق غرناطة ومحاولة العثور علي مفتاح تلك الهوية الجمعية التي تواجه بكرامة اليد المنزوعة السلاح, آلة إبادة لا تفرق بين بني آدم وشجرة وحجر. إنه زمن رجوع القشتاليين وعمليات التنصير القسري (العولمة القسرية) وكنس بقايا مسلمي الأندلس. ثم عرجت الأديبة, من خلال أسئلة بعض الحاضرين عن حضور الحس التاريخي في رواياتها, علي فكرة القرين, التي اعتمدت عليها روايتها عن السيدة راء, فالفكرة موجودة في الميثولوجيا الفرعونية: كا و با . الراوية في هذا الكتاب شجر تشترك مع السيدة راء في ذات الحساسية, وتتقاطع تفاصيل حياتهما معا. هي تكتب الروايات, والسيدة راء تقوم بدراسات تاريخية, ولا مفر من اصطدام الرواية بالتاريخ, وسكون التاريخ الي الأبد في زنزانة الرواية. هذه بعض الأمثلة التي حدت بعاشور, مؤيدة برؤية لوتشر, إلي الاستطراد في التأكيد علي الثراء الكامن في طبقات التاريخ المصري, وضخامة منجزاته الحضارية عبر العصور, الأمر الذي انعكس بوعي أو بغير وعي علي المنجز الأدبي المصري الحديث, والذي لا يعرف منه القارئ الغربي البسيط , للأسف, سوي لياليه العربية الألف. وكم أن الوقت قد أتي للانفتاح علي ثقافة الآخر, وليس فقط قبول اختلافه, بل حب هذا الاختلاف. ساعة قبل, وساعة بعد هذا الحدث, كانت الطاولة الهادئة التي جمعت الكاتب السويسري هوجو لوتشر بالكاتبة المصرية رضوي عاشور بصديقها الحميم الروائي المصري جميل عطية ابراهيم المقيم بالمدينة المضيافة بكاتب هذه السطور.. ساعتين من الشعور الرخيم بالتلاقي الإنساني في أرفع معانيه, تلاشت فيه مؤثرات الاختلافات المكانية والزمانية علي لحن البساطة, وكأن لسان الحال يقول إن فكرة لقاء الحضارات هي اتساع رؤية الإنسانيين, في حين أن فكرة صراع الحضارات هي ضيق أفق من هم دون ذلك.
سويسرا
|
|