|
|
| السنة - | 718 | ه - العدد | 1428 | ربيع الأول | من | 27 | - م | 2007 | إبريل | من | 15 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:55:15 ص |
 |
الساعة - |
 |
14/04/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
الكاتب الكاميروني: جان بول دزوكو:
كي تعيش..
اعبر الصحراء
ترجمة : عاطف محمد عبدالمجيد
في كتابه (مسيرتي نحو الحرية) والذي صدر مؤخرا عن دار نشر (ميزونيف ولاروز) الفرنسية في مائة واثنتين وعشرين صفحة وبمقدمة ل (جوزيف لابين) وخاتمة ل (جارم فالوي) يسرد الكاتب الكاميروني (جان بول دزوكو) جانبا مهما للغاية من حياته يتعلق بتفاصيل وملابسات رحلة فراره من الكاميرون وطنه الي الجانب الاخر من الصحراء/ اسبانيا.
يوم ان كان عمره عشرين عاما ترك (جان بول دزوكو) الكاميرون منفصلا عن مدينة Douala التي ولد فيها قاصدا الوصول إلي مكان اخر يستطيع ان يتعاطي الحياة فيه بكل حرية، اذ لم يكن ذلك ممكنا في بلدته اما ماكان ممكنا فهو البؤس.. الامراض.. الحروب التي انتهت بعد ان أعاقت مجيء المستقبل كما ينبغي'.
وكان جان بول دزوكو قد حصل علي شهادة كفاءة كميكانيكي للكهرباء ولم يمسح له هذا العمل سوي بالاكل فقط أما أن يكون أسرة فكان ذلك مستحيلا.
ولهذا بدأ يفكر في الرحيل مثلما يلجأ الآلاف منذ عشرات السنين الي الرحيل الي أماكن اخري بغية تحسين الوضع سواء أكانت تلك الاماكن بعيدة في الشمال او في اوروبا حيث هناك السيارات والمستشفيات والمراكز التجارية الكبيرة.
وبعد ان تحول حلمه إلي كابوس مثله مثل كثيرين يعيشون في بلاد: الكاميرون، مالي، السنغال، نيجيريا، غانا، بوركينا فاسو ودول اخري، يسير هؤلاء لمدة اسابيع أو شهور يعملون هنا او هناك وفي النهاية اما يموتون في الطريق واما يوفدون الي معسكرات المرحلين شرع جان بول دزوكو في بداية رحلة تجوال مع صديق طفولته استغرقت عدة أشهر.
ان هؤلاء يعيشون دائما في هذا الجحيم المتكرر والذي أصبح عاديا بالنسبة لهم، اما جان بول فهو الوحيد الذي نجا تقريبا بمصادفة ما بعد ان تجاوز حدود كل من : نيجيريا: النيجر، الصحراء الغربية: ليبيا: الجزائر والمغرب لكنه أصيب بكسر في ركبته وهو يعبر الحواجز المعدنية التي تفصل المغرب عن حدود مدينة Melilla الاسبانية فاعاده الحراس الي الجانب المغربي لكنه بقي شهرين كاملين دون ان يتحرك بعد ان انقذ الاطباء حياته باجراء بعض العمليات الجراحية له.
الأب (جوزيف لابين) جمع تفاصيل هذه الرحلة الطويلة وأضاف اليها تعليقاته الخاصة دون ان يميز بينها بدقة وبين كارام (جان بول دزوكو) ورغم اي شيء فثمة عدد وفير من العبارات والمشاهد الموثوق بها والتي تظهر جليا في هذه الوثيقة الاستثنائية.
في جحيم الفقر ليس هناك شيء أكيد، ولا أحد يعرف أين سينام في المساء؟
هل سينام مع الحيات والعقارب ام مع غيرها؟ هل سيجد ماء أم لا؟ وهل ثمة من نقود يقوم بدفعها الي رجال البوليس، المرشدين، السائقين، مهربي الافراد أم لا؟
في الصحراء.. بين وهمين وبين أنياب الجحيم يأكل البعض لحوم الحيوانات الميتة بينما تحوم حولهم اسراب الطيور الجارحة بالمعني الحقيقي والمجازي للكلمة.
وفي ظروف كهذي يتحدثون معا ويفرون قيل الرمق الاخير فلربما اهتدوا إلي مكان اكثر أمانا وطمأنينة باكين وهم ينتقلون من مرحلة الي أخري.
هناك ايضا بعد روحي لهذه الرحلة اللا تنتهي حيث يلجأ البعض الي الله مصلين وداعين ومتوسلين إليه.
كما يمكننا ان نستخلص بعض الدروس منها: الاب الذي قام بجمع تفاصيل هذه الرحلة لم ير فيها سوي جانب واحد للحرية الانسانية، لمرتبة المهانين، للمضي من الطمأنينة إلي الفزع المخيف.
أما العالم الاجتماعي 'جاروم فالوي' والذي كتب خاتمة هذه المخطوطة فقد صور التناقض القائم بين عالمين، أولهما الذي تمضي فيه دون ان تجد شرابا ماتحتسبه، وثانيهما ذلك الذي تختار فيه (كوكتيلا) تشربه وأنت تستقل الطائرة، اضافة إلي أنه أدان جمود السياسات الأوروبية وتعاون بلاد المغرب العربي معها.
وهنا نجد ان ثلاث دوائر تظهر امامنا: الفضاء الاوروبي والذي يحمي وبعنف حدوده، والبلاد التي تسانده في طرد الاشخاص غير المرغوب فيهم وأراضي العذاب والمعاناة والغفر ايضا.
غير ان هذه المحصلة النهائية ينقصها غالبا عنصر جوهري وهو انانية الاثرياء الذين لايرتابون في شيء لكن العار لا يأتي من جهة واحدة.
خذ مثلا الدائرة الثالثة والتي تمثل البؤس الذي لايطاق أبدا ليست نتاجا' خالصا وبسيطا لاحداث وحركات الشمال، فأفريقيا هي ايضا مريضة بمرض بالغ الخطورة ومنذ أمد بعيد والذي يغذي هذا المرض ويقوم بتلغيم اراضي افريقيا هو: فساد الحكام، فوضي الانظمة، اللصوص، العنف الذي لايتوقف بين الطوائف احزابا وجماعات. في الوقت الذي تمتلك الدول الافريقية كفاءات نادرة ورفاهية ممكنة لكن ماذا يحدث؟ لا أحد يدري!
واذا كانت الحقيقة بعيدة جدا فهذا ليس فقط بسبب ناس الخارج أو ماترتب علي الماضي الاستعماري المظلم او نتيجة آثام التحرر والليبرالية.
لكن هذه الصورة هي عموما ناقصة بل ربما تكون بلا اساس صحيح، فلابد رغم كل هذا من ان تكون هذه الحقائق غير المناسبة تماما ثابتة يصحبها تحليل جيد فلربما تغيرت المواقف ذات يوم!
واثناء هذه المسيرة الطويلة وفي الوقت الذي قطع فيه مسافة مائة واربعين كيلو مترا سيرا علي الاقدام خلال خمسة ايام قال جان بول دزوكو عبارة مهمة هي (الروح التي تتعذب وتعيش في حالة قلق تتدرب علي انتاج رد الفعل'.
ويجب ان نضع هذه الكلمات حرفا حرفا في الاعتبار فالفكر ينطلق في الظرف الذي نري فيه الحقائق غير المناسبة.
في ابريل من عام 2005 وقبل ان يتعافي، عاد هذا الشاب بساقه المكسورة الي الرحيل اخيرا مرة اخري ، لقد أراد ان يتم تجربته الثالثة عابرا. في النهاية اسوار مدينة Melilla التي ترتفع مسافة ستة أمتار من الاسلاك الشائكة مع وجود ابراج المراقبة والحراس والكلاب البوليسية.
ومنذ ذلك الوقت ولا احد يعرف شيئا عنه، لكنه علي الارجح مازال علي قد الحياة.. ولكن ماهي الظروف التي يحيي فيها؟ غير انه وهو هناك في الجانب الاخر من الصحراء الذي وصل اليه عليه ان يعرف ماهو مقدار النفقات التي تلزم هؤلاء الذين يتدبرون امورهم دون عون من قبل الاب (نوبل).
ربما يتذكر جان بول ذزوكو حينئذ ان الروح المعذبة تتدرب علي انتاج رد الفعل، ولكن ماذا بعد؟
عن جريدة (لوموند) الفرنسية.
|
|
|
|