|
|
| السنة - | 718 | ه - العدد | 1428 | ربيع الأول | من | 27 | - م | 2007 | إبريل | من | 15 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:57:22 ص |
 |
الساعة - |
 |
14/04/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
في محاولة لتفسير الرعب من الجنون والنظر إليه باعتباره العاري:
العقل السيادة وفعل الإقصاء
د. محمد يحيي الرخاوي
مدخل
لكي تكون هوية لا بد أن تكون حدود، ولكي تكون حدود لا بد من عنف الإقصاء والاستبعاد، لا بد أن يحدث فصل وتمايز وتمييز، ولكي يمكن هذا لا بد أن تكون سيادة. ليس هذا أمرا اختياريا، بل هو حكم التعريف وحكم المفهوم نفسه. يدرك النفسانيون هذه الحقيقة، ويعرفون أن الذات، ذات الطفل الصغير صغيرا، ولكي تكون ذاتا، تبدأ بمعرفة (وربما رسم) الفرق والحد بين الأنا واللاأنا. دون هذا الفرق، دون أنانية الأنا في مواجهة اللاأنا، دون هذا المظهر السيادي: لا ذات ولا هوية ولا سيادة ولا أنا.
التفريق لا يكفي، علي الأنا أن ترسخ نفسها وترسم ملامحها، عليها أن تفرض سيادتها لتحافظ علي حدودها: هل تبدو الاستعارة المكانية محض مجاز أدبي غير ملزم؟ لماذا إذن نجظر للجنون بوصفه العاري وأقصي كما أقصي اليهودي والمسلم وغيرهما؟ لماذا كل هذا الرعب من الجنون، ذلك الرعب الذي يسهل رصده فيما يتم من عزل واستبعاد وتجاهل؟ أليس للعقل دولته التي عليه أن يحافظ عليها؟ العقل، السيد، سيد هذا الزمان (الذي يوشك أن يتنازل عن عرشه)، دولة العقل: لماذا يهددها الجنون كل هذا التهديد؟
ليست المسألة كما قد يود البعض أن يصور مسألة حق الجنون والمجنون في الحماية، بل هي في فهم رعب العقل واضطراره الحتمي للدفاع عن دولته. كما أنها، وفي الوقت نفسه، مسألة ظلمه لنفسه وهو يفعل.
وكأننا نعرف الكثير عن العقل، وكأننا نعرف جيدا ماهية ما نعرف، وكأننا نعرف جيدا ماذا تعني كلمة نعرف، تتقارع المعلومات في المجالس وكأننا نعرف ماهية المعلومة، هكذا نستمر، بل ربما أيضا، وأخطر: هكذا علينا أن نفعل لكي نستمر. كلنا يحاول البقاء، كلنا احتمال يحاول الاتساع علي حساب احتمال آخر.
تري كم منا مستعد لقبول هذه الصيغة؟ تري كم منا يعرف أن ما نسميه العقل إنما هو محض محاولة للتغلب علي هذه الصيغة: صيغة (أو حقيقة) أننا محض احتمالات ؟
مقدمة أولي: عن معلوماتنا (وأساميها)
ما المعلومة؟ سؤال قد يبدو سخيفا وغير متعالق: فالمعلومات هي ببساطة تلك الجزئيات التي تتكون منها معارفنا وتنبئنا عن أحوال العالم من حولنا بل وعن أحوالنا. ولقد تكاثرت المعلومات من حولنا وتشعبت وأصبحنا في عصر نصفه بأنه عصر المعلومات: فلماذا نتسائل الآن عن تعريف ما أصبح صفة عصرنا وسمته المميزة؟
تعرف المعلومة في إطار نظرية المعلومات بأنها ما يخفض اللاتأكد المتعلق بأمر ما، فإذا كان عدد البدائل المطروحة كبيرا: فإن حجم الإعلام الذي تمارسه المعلومة كبير: لأن توقع هذا البديل من بين البدائل المحتملة هو توقع أقل فرصة للترجيح. وبهذا المعني فإن أحد أهم أدوار المعلومة هو التنظيم، ذلك الذي يحدث عن طريق اعتماد الاحتمالات المرجحة وإقرارها، وبالتالي إقصاء الاحتمالات التي لا تساعد علي تنظيم البيئة المعلوماتية ونفيها. أما اللاتأكد الخاص بحدث (أي معلومة) ما (قبل التأكد منه) فيعرف بأنه لوغاريتم عدد البدائل الممكنة لهذا الحدث، والتي تكون من بينها المعلومة التي يتم الحصول عليها عند حدوث الحدث وهبوط اللاتأكد إلي درجة الصفر.
أهم ما يشغلني في مثل هذه التعريفات هو تضميناتها ومترتباتها. فالمعلومة هي أولا عملية تنظيم للاحتمالات المتاحة في بيئتنا المعرفية. وهي في الأصل محض احتمال يتم ترجيحه لهذا الغرض تحديدا. إذا لم يتم ترجيح احتمال معين، وهو ما يتم بالطبع علي حساب الاحتمالات اللانهائية الأخري: فإن بيئة المعلومات وعلاقاتها ستعاني من ارتباك وتوتر وتفكك وضعف بناء لا يمكن الصبرعليه بطبيعة الحال. إن البيئة التي تعاني من نقص في التنظيم توصف بأنها إنتروبية، حيث يمثل مفهوم الإنتروبيا معكوس مفهوم المعلومة أو الإعلام: فالإنتروبيا هي تعبير عن اختلال نسق ما، بينما المعلومات تعبير عن تكامل البنية الداخلية لهذا النسق أو المنظومة. ومصطلح أو مفهوم الإنتروبيا مستمد من دراسات الديناميكا الحرارية ليعبر عن ذلك الجزء من الحرارة أو الطاقة الذي لا يستطيع أن يؤدي إلي عمل بسبب تناثره وعدم انتظامه في محصلات للقوي ذوات اتجاه. أما في مجال الإعلام فقد اعتبر كلود شانون أن الإنتروبيا هي كمية الاختيار التي تتيح نفسها للفرد في بنائه لرسالة إعلامية. فإذا كان للفرد درجة كبيرة من حرية الاختيار في انتقائه لرموز الرسالة أو عناصرها، فلابد أن يكون ذلك راجعا إلي وجود درجة صغيرة جدا من التنظيم (أي درجة كبيرة من الإنتروبيا)، والاختيار نفسه سيؤدي حجما كبيرا من الإعلام. ويري برلاين Berlyne أن قياس نظرية المعلومات للاتأكد هو تعميم لفكرة الإنتروبيا كما تستخدم في الحسابات الميكانيكية بوصفها كمية تعكس عشوائية نظام ما، أو كما يقول كيتل Kittel إنها تعكس لادقة معارفنا عنه.
علي سبيل المثال: أنت تعاني من ضعف النظر، وإذ تتريض مستمتعا أبصرت علي مسافة منك جسما لا تستطيع التحقق منه. هناك عدة احتمالات: أن يكون هذا الجسم أسدا، أو أباك، أو حبيبتك، أو أوتوبيس، أو صخرة صماء، أو ظلا لشجرة، أو حقيبة ملْئّي بالنقود وفيها خطاب يهديها لمن يجدها بلا مقابل، أو أخري ملئي بالمخدرات ويختبئ بالقرب منها ضابط مباحث، أو أي احتمال آخر مما لا نهاية له. بنظرك الضعيف أنت تفتقد ما يؤكد لك أيا من هذه الاحتمالات: لذا فأنت في بيئة معرفية شديدة الاضطراب والتفكك ومنعدمة الاستقرار، أي أنك في بيئة إنتروبية، خصوصا مع وضع احتمالات معينة في الحسبان (الأسد وحبيبتك وحقيبة النقود). بمجرد أن يتأكد لك احتمال ما، سوف تستطيع التصرف في الاتجاه المناسب. كلما حذفت، أقصيت، نفيت، استبعدت، أهملت احتمالا، زاد تنظيم بيئتك المعرفية وزادت ثقتك في اختيارك. ستقصي أولا احتمالات أن هذا الجسم ليس بشرا (مثلا)، ولهذا ستطمئن وتستعد لإدارة حوار أو تفاعل ما. ثم ستستبعد احتمال أن هذا البشر لا يعرفك: فتطمئن أكثر وتستعد لأن يكون التفاعل أكثر حميمية. وحين تتأكد من معلومة أن هذا أخوك سوف تنتظم بيئتك المعرفية لمداها بحيث يمكن أن ترتخي عضلاتك وتزفر نفسا لم تكن تعرف أنك تحبسه احتشادا واحتسابا. هذا محض تشبيه للوظيفة الأهم التي تؤديها لنا المعلومة، نحن ضعاف النظر الذين نحب أن نري وأن نتأكد، ولكننا لا ندرك بما يكفي أن نظرنا ضعيف. ولأن نظرنا ضعيف علينا أن نحسم أمرنا ونراهن بترجيح أشياء محددة لنتصرف علي أساسها، ونحافظ علي سيادة نظامنا العقلي الذي لن يوجد إذا لم يستطع أن يعرف وأن يسمي. ولتحقيق هذه السيادة نمارس عنفا وعدوانا غير قليلين علي كل ما لا نتأكد منه، نحن نقصي وننفي ونستبعد ما لم نرجح، أو نحن نعرٌيه إذا ما استعرنا مصطلح أجامبن Agamben المجشْكِل.
قبل أن أترك هذا المثال، أتمني أن نلاحظ أننا لم نستطع محض الإشارة إلي احتمالات لا نستطيع تسميتها. إن كل الاحتمالات الواردة فيه هي من ذلك النوع الذي يستطيع ذهننا العقلاني النزعة أن يتعامل معها حتي ولو كانت خطيرة واقعيا: فالأسد حيوان مفترس ولكن معرفتي به ومعلوماتي عنه التي يختزلها ذهني في صورة مفهوم واسم، كل هذا قد يوفر لي فرصة للهرب إذا ما تحققت منه. ولكن ماذا لو وضعنا احتمال أن الجسم غير الواضح هو جنٌ ما، أو هو العنقاء، أو هو يوم القيامة شخصيا، أو هو جنوني وقد تشخص في صورة نداهة تنتظرني علي الطريق، أو هو شيء آخر لا أستطيع تسميته أو التفكير فيه فضلا عن إدراكه بصريا، شيء لديه (مثلا) جناحان وبالذات اليمين!! يبدو أن إقصاء ونفي هذه الاحتمالات أفضل جدا لحياتنا العقلية الحالية.
مقدمة ثانية: خبرة شخصية قديمة
في بداية مرحلة دراستي الثانوية، بدأت أعاني من إعاقة دراسية ظاهرة، ظهرت أكثر ما ظهرت في أغلب مواد الرياضيات، تلك التي كنت متفوقا فيها بشكل خاص حتي نهاية المرحلة الإعدادية. كانت الصعوبة أشد في الفروع الرياضية الأكثر تجريدا: فكان تأثيرها أقل علي كل من الديناميكا والاستاتيكا، حيث يمكن تخيل الأمثلة الواردة في المسائل وتعيينها بسهولة نسبية. وكأن المسألة إذن نقص في كفاءة التفكير المجرد، مسألة يقولون أنها تميز الفصاميين خاصة: فهل كنت مهددا بالفصام؟ وهل انتهي التهديد؟
أذكر جيدا تفسيرا تداولته وأبي وبعض المدرسين (ربما للتقليل من وطأة الخيبة المجردة): تأتي علي ذهني مجموعة كبيرة من الاحتمالات لمسار حل المسألة الرياضية الواحدة. أقرأ المسألة فلا أعرف أي طريق أسلك، لا لنقص الطرق، بل لكثرتها. تتعدد بدايات الحلول المحتملة، بل تتكاثر، ولا يكتمل أي منها، بل لا يؤدي إلي شيء. وسواء لأنني لم أستذكر القوانين المتبعة بما يكفي، أو لأنني عانيت من اضطراب جعل حفظي غير مجد: فالنتيجة في مرحلة ما من عملية حل المسألة واحدة: ذهني ينتج بدايات أو احتمالات لبداية الحل أكثر مما يمكن معالجته، بل أكثر مما هو مطلوب. أو بصيغة أخري: لم يكن ذهني يستطيع أن يحذف أو ينفي أو يستبعد (أو يعرٌي بمصطلح أجامبن) الاحتمالات الأخري التي تعطل اشتغال واحد فقط يصل بخطوات حل المسألة إلي نهايتها.
ألهذا إذن مطلوب في استذكار الرياضيات خاصة الإكثار من حل التمارين؟ هل وظيفة عملية التمرين هذه أن يسود الأسلوب المتبع ويقطع الطريق علي كل سبيل غير متبعة؟ لقد كنت أفهم القوانين والنظريات بسهولة لأنها معطاة في صورة سابقة التجهيز غير مطلوب فيها إعمال أي تجريب، أما المسائل المطلوب حلها فكانت تحتمل إنتاج احتمالات متعددة هي نفسها ما كان يعطلني تماما. وكأنه مطلوب من كثرة التمرين أن تسهل فعل قتل الاحتمالات الأخري، تماما مثلما يسهل التمرين علي الرماية فعلّ إطلاق النار علي كائن حي في موقف قتل فعلي. كان علي التمرين أن يرسخ التعود علي اختيار مسار واحد، ولم أكن أعرف ذلك، أو لم أكن أحبه. الآن يمكنني القول إن معاناتي من تعدد المسارات هي مشكلتي الأساسية. ولكنني أشعر أيضا بشكل ما أنها مشروعي الأساسي، مشروعي الذي يأمل أن يجد وطنه وتناغمه في المجاز، بينما لا يزال عاجزا بشدة أمام الرياضة. مشروعي الذي يصر علي بل يتمني السير علي حافة الجنون، ويعاني أيما معاناة من وطأة العقل الحرفي والعملي.
مقدمة ثالثة: تفسير علمي
لخبرتي الشخصية القديمة
تشير الدلائل الإحصائية وخبرات الإكلينيكيين إلي تواتر بداية الفصام في فترة المراهقة (أي فترة بداية معاناتي الشخصية من مشكلتي مع الرياضة) وهو تواتر لافت ومثير للتساؤلات العلمية عن إمكان تفسير هذا المرض من خلال فحص معني التوقيت المتواتر لظهوره وربطه بمختلف الظواهر العصبية والنفسية الأخري.
ثمة فرض علمي رصين وحصيف لفاينبرج Feinberg,I. ، يعتمد علي دلائل مستمدة من تناقص فترات النوم العميق، ومن معدلات التمثيل الغذائي (الأيض) للمخ، ومن رسام المخ الكهربائي، ومن تضاؤل المهلة الزمنية الفاصلة بين وقوع الأحداث ورد فعل المخ عليها ومن عدد كبير غيرها من المؤشرات الفسيولوجية والنفسية / العقلية. يشير هذا الفرض ويرجح أن النمو السوي، أي ذلك الذي يضع الفرد في فئة الأسوياء، العاقلين، العاديين، يعتمد علي خفض جوهري لعدد المسارات المتاحة للنبضات العصبية، التي من تضعيفاتها تتكون حياتنا النفسية والعقلية. يعتمد هذا الخفض علي تشذيب أو حذف أو إقصاء للنسبة الأكبر من المشتبكات العصبية (نقاط الوصل بين عدد من الخلايا العصبية) فإذا لم يحدث هذا الخفض الجوهري ولم يتم بكفاءة ظهر مرض الفصام. وتشير الدلائل أن الطبيعة البيولوجية تملي أن يحدث هذا الخفض في مرحلة المراهقة، وهو ما يفسر ظهور مرض الفصام في هذه المرحلة خاصة، عندما تفشل هذه العملية، وتبقي كثير من المشتبكات التي كان من المطلوب إبطال تشغيلها. أما المشتبكات التي تبقي فهي الأكثر استخداما والأكثر تداخلا في كثير من التحالفات العصبية، أما ما عداها فسوف يستهلك من الموارد بأنواعها ما لا يفيد، بالإضافة إلي أن بقاءه يعني مضاعفة احتمالات مسار النبضات العصبية: مما يعوق التنظيم ويصعب الإنجاز ويهدد الهوية ذات الملامح الأثبت.
بعبارة تبسيطية تشبيهية: نولد وعقولنا أو أمخاخنا صحراء شاسعة تتصل فيها كل نقطة بكل نقطة أخري دون نظام حاسم. وكما يحدث في الصحراء: يجرب المرتحلون مسارات متنوعة كلها ممكنة. بعضها يتميز علي البعض بالقصر، وبعضها بثبات التربة، وبعضها بكونه يتقاطع مع مسارات مهمة أخري مما يسهل التجارة والتبادل والأمان من قطاع الطرق. وتمر السنون لتتأكد عبرها مسارات وتثبت تربتها أكثر، بينما تهمل مسارات أخري وتضيع معالمها. ويعتاد الناس المسارات المطروقة ولا يفكرون كثيرا في طرق غيرها، ويسمونها أسماء تكفي للاتفاق والتواصل بشأنها، وربما تأتي أيام حيث يرصفونها ويجملونها ويحمونها. أغلب الظن أن الناس (أو الخلايا العصبية) سينظرون بعين الشك إلي من يطرق مسارات غيرها، وهو شك قد يؤدي إلي الاحتراز مما قد يكمن وراء هذه المغايرة، ويدعو إلي مزيد من الاقتصاد الشديد في حماية المسارات الأخري. إن من يختارها بطبيعة الحال يختار أن يسير بلا حماية من التي يوفرها الناس لطرقهم المأهولة المتعارف عليها. هكذا يصبح الارتحال في المسارات القديمة (التي كادت تختفي) ضربا من المغايرة الخطرة، غير مبررة، ولا اقتصادية، ولا عاقلة.
علي المخ إذن، لكي لا يجن، أن يكون عنيفا وحاسما تجاه بعض أجزائه التي لم تستطع أن تقرٌّ لنفسها ترابطات وتحالفات وتواضعات هي ما يعرف هوية هذا الفرد، عليه أن ينفي، أن يقصي، أن يستثني من دعمه (المتمثل في حجم الغذاء والأكسجين) كل مشتبك عصبي لم يثبت أنه متحالف مع الباقين في حماية الشخصية السوية والهوية، المكونين لها في الوقت نفسه.
يبدو أنني تأخرت كثيرا في إقصاء العدد الأكبر من مشتبكات مخي في المراهقة. هكذا عملت جميعا علي تعطيل العثور علي الحل الواحد لمسائل الرياضة التي كنت مكلفا بحلها. لست متأكدا من أنني اكتفيت بما أصابني مراهقا من جراء هذا.
مقدمة رابعة: عن الذاكرة والبقاء
يشير النفسانيون أيضا إلي أن تلك المعلومة التي ترتبط بغيرها (أي نوع من الارتباط) من محتويات الذهن تكون مؤهلة للبقاء والتخزين أكثر من تلك المعلومة التي تأتي معزولة منفردة. إنه نوع من التحالف المحض عصبي/معرفي. هو تحالف في اتجاه المعني. ليس المعني في هذا السياق إلا هذه المترتبات التي تترتب علي معلومة ما علي مستوي تغيير أو دعم العلاقات بين المعلومة الجديدة وبقية معلومات النظام المعرفي. أما المعلومة التي بلا مترتبات فلا تستأهل التخزين واستهلاك الموارد، إنها لا تستطيع الصمود في مواجهة تحالف بقية المعلومات الأخري التي تتنافس علي مساحات الوعي المتاحة. هكذا يحافظ العقل علي سيادة دولته المترابطة، أو التي يسعي أن تكون كذلك لتشكل هويته، في مواجهة العابر والشارد وغير المتحالف. البقاء حتي في الذاكرة مرهون بالتحالف، بالتنظيم، بالمعني.
هل لنا بعد هذه المقدمات غير الكاملة أن نقفز إلي استنتاجات؟
استنتاج غير ضروري
لا بد من الإقصاء والاستبعاد (أو التعرية بمصطلح أجامبن). ليس هذا موقفا أخلاقيا بل طبيعيا. لكي يحدث هذا الإقصاء الضروري لا بد أيضا من تحديد التحالفات، وإعطاء السيادة للتحالفات الأقوي. صلاحية البقاء ومشروعية التسلط تأتي من هذا الاتفاق المعقود بين أطراف (هي محض احتمالات) متحالفة علي البقاء المشترك، الأطراف التي تنظر لوجود الاحتمالات الأخري بوصفها تهديدات بالإنتروبيا، بالعجز عن الحسم والاختيار والتقرير، بالجنون، بضياع الذاكرة في النسيان.
لا يبدأ التحالف ضد أحد. ولكن وجود احتمال آخر هو ضد التحالف، لهذا ينبغي إقصاؤه. ضرران واضحان يمكن للاحتمال الآخر أن يهدد بهما التحالف القائم ودفعه للهجوم: محدودية الموارد، وتشتيت التوجهات. يبدو أن توجهات التحالف غير حاسمة نهائيا، لهذا تهدده مسألة تشتيت التوجهات: فيبادر بالقتل، بالإقصاء.
استنتاج غير ضروري آخر
يبدو أن الموارد توفرت لهؤلاء الغربيين المدافعين عن حقوق المجانين لدرجة تدعو لتخفيض درجة الخوف منهم والاضطرار لنفيهم النفي الأقسي. يبدو أنه في البراح المعتمد علي تاريخه ونجاحه وووفرة موارده يصبح من الممكن استيعاب عدد أكبر من تعدد الاحتمالات، بسماح متعال.
أظن أيضا أنه توفر لي شخصيا بعض البراح الذي سمح لي بالاستمرار في الاعتراض علي كثير من قوانين الرياضة الراسخة، وبالتنازل عن قوة الذاكرة، للأسف.
استنتاج غير ضروري ثالث
(أو هو تعقيب يبدو غير متناسق)
كل هذه التعددية للاحتمالات، كل هذه الصراعات بين الاحتمالات، لا تعدو أن تكون محاولات معرفية (أو ميتافيزيقية)، لا جواهر وجودية. هي ليست جواهر وجودية. بشكل ما استطاع كل ما هو موجود، كل ماهو فيزيقي، كله: أن يتناسق، أن يقبل بعضه بعضا، أن يتكامل، أو بعبارة أخري: استطاعت احتمالاته ألا تتنافر.
أدعي أن ثمة محاولة معرفية أكثر جوهرية، لا تخلو من جنون، ولكنها أيضا لا تنتقص من عقل، تسعي لاستيعاب هذا الذي تناسق كله، تسعي للتناغم مع كون الكل واحدا، مع مسألة أن كل الاحتمالات هي نتيجة طبيعة وجودية واحدة، موجودة ومتحققة بالفعل. بين المجنون والمبدع فارق حاسم: الأول يطرق الاحتمالات غير المأهولة، البعيدة ويشرد، ويتوه بين الطرق والمساحات. الثاني يطرقها، ويصر علي العودة للكل بعد محاولته استيعابها.
هكذا يبدو هذا الاستنتاج الأخير غير متسق مع الحتمية البيولوجية والإعلامية لتضييق نطاق التحالف وإقصاء ما لم ينجح في الانضمام إليه، ولكنه في الوقت نفسه استنتاج حريص علي استيعاب الاحتمالات الأخري إذ هو يسعي لاستيعاب الكل. يبدو أن ما علينا أن نعترف به ونعيه بوضوح هو أنه ليس لدينا اختيار بعيدا عن هذا التناقض: استحالة تمثيل الكل مع حتمية السعي نحوه.
|
|
|
|