دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
سكة صدي
السنة -718ه - العدد1428ربيع الأولمن27- م2007إبريل من15 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:40:46 ص الساعة - 14/04/2007 آخر تحديث يوم
      جسر الحنين
ضحايا دارفور ليسوا من 'بني جلدتنا'
د. رجاء بن سلامة
فعلا، ما قيمة دم الأفارقة عند المثقٌفين والإعلاميٌين والحكماء والنٌجوم العرب، بمن فيهم أصحاب المشاعر الرٌقيقة الذين دمعت أعينهم لمرأي إعدام الدٌكتاتور صدٌام حسين، وربٌما صلٌوا صلاة الغائب عليه، وينتظرون استتباب الأمن في العراق حتٌي يزوروا قبره؟ لماذا لا ترقٌ قلوب هؤلاء لملايين المشرٌدين والقتلي والمغتصبين والمجوٌعين ولمجزرة بدأت شتاء 2003 وتتواصل إلي اليوم؟ أم أنٌ حقوق الزٌعماء في عرفنا أهمٌ من حقوق الشٌعوب، والشٌعوب يجب أن تكون في خدمة زعمائها لا العكس؟ ما هي الشٌروط التي يجب توفٌرها في القضايا الإنسانيٌة حتٌي تنال اهتمام المهتمٌين بالشٌأن العامٌ والإعلاميٌين، أم أنٌ الشٌأن العامٌ لا يتٌسع عندنا لكلٌ القضايا؟ أم أنٌ القضيٌة لا تكون قضيٌة إلاٌ إذا كان الخصم المباشر فيها هو العدوٌ الصٌهيونيٌ الأميركيٌ؟ أم أنٌ قيمة إنسان القارٌة السٌوداء دون قيمة إنسان الشٌرق الأوسط؟ أم أنٌ كلٌ قضيٌة تثار في العالم غايتها الإلهاء عن القضيٌة الفلسطينيٌة، وعن قضايا العرب والمسلمين عامٌة كما يفهم من مقال السٌيٌد فهمي الهويدي الذي كتبه تحت عنوان شكوك وراء تفجير قضية دارفور وتدويله وكان ربٌما بمثابة المانيفستو بالنٌسبة إلي الكثيرين؟ (نشر هذا المقال في صحيفة الشٌرق الأوسط بتاريخ 21/07/ 2004).

إذا استثنينا بعض المقالات التي نشرت علي الإنترنت خاصٌة، وفي موقع شفٌاف الشٌرق الأوسط علي وجه أخصٌ، وبيانا يتيما وقٌعه بعض المثقٌفين من العالم العربيٌ وقد صيغ بمبادرة من جمعيٌة بيان الحرٌيٌات بفرنسا، ولم تتفضٌل أيٌ صحيفة ورقيٌة عربيٌة بنشره علي حدٌ علمي، بل نشرت نسخته الفرنسيٌة صحيفة اللٌيباراسيون الفرنسيٌة، إذا استثنينا صيحات الفزع المعزولة هذه، فإنٌ صمت المثقٌفين وكتٌاب الرٌأي مطبق علي هذه المأساة. بل الأدهي والأمرٌ أنٌ الكثير من المثقٌفين الإسلاميٌين والقوميٌين وصل بهم استخفافهم المعهود بالضٌحايا وبالحقٌ في الحياة إلي حدٌ التٌشكيك والطٌعن في صحٌة الأخبار والمشاهد والتٌقارير التي تفيد بمقتل قرابة 400 ألف شخص وتشريد مليونين ونصف، وحرق 80 بالمائة من القري، إضافة إلي اغتصاب النٌساء وتجنيد الأطفال وقطع المؤونة عن اللاٌجئين... لم تتغلٌب فحسب المعالجة السٌياسيٌة علي المعالجة الإنسانيٌة، بل إنٌ النٌعرة الإسلامويٌة والقوميٌة أدٌت إلي إنكاري أقلٌ ما يقال عنه أنٌه لامسؤول ولاأخلاقيٌ. فمثقٌفونا الإسلاميٌون والقوميٌون ومن لفٌ لفٌهم ينتصرون للنٌظام العسكريٌ الدٌينيٌ، ولميليشيات الجنجويد العربيٌة المتحالفة معه ضدٌ المدنيٌين العزٌل، وضدٌ أيٌ تدخٌل أمميٌ لحمايتهم. بعبارة أخري تحركت ضمائرهم للمطالبة بحقٌ القائد الإسلاميٌ وحقٌ ميليشيات المجاهدين بالانفراد بمدنيٌي دارفور لإبادتهم وتشريدهم، دون منغٌص خارجيٌ من شأنه عرقلة عمليٌة التٌطهير العرقيٌ.
كان يمكن لهؤلاء أن يدافعوا عن خيار الإسلام السٌياسيٌ وخيار مقاومة العدوٌ دون إنكار الكارثة الإنسانيٌة، وكان يمكن أن لا يضعوا قضايا الشٌرق الأوسط وقضيٌة دارفور في الميزان، وكأنٌ علينا أن نختار بين قضيٌة حقيقيٌة وقضايا زائفة ومختلقة من شأنها أن تلهينا عنها. ولكنٌ نظريٌة المؤامرة أصبحت في ربوعنا ثابتا من ثوابت كلٌ تفاعل سياسيٌ مع كلٌ قضيٌة. وفي هذه الحالة، فإنٌ ما يسمٌي ب نظريٌة المؤامرة ليست نظريٌة بل هذيانا حقيقيٌا، لأنٌها تتمثٌل في خطاب ينفي وجود الواقع الماثل أمام الأعين ليبني واقعه الخاصٌ، ومشهده الخاصٌ، وسيناريوهاته الخاصٌة. ورغم التٌحرٌكات الدٌوليٌة وصيحات الفزع المشار إليها، فإنٌ هذا التٌشكيك مستمرٌ إلي اليوم دون رادع ولا وازع. فعلي سبيل المثال لا الحصر، صدر في يوم 19 مارس بصحيفة القدس العربيٌ مقال يذهب فيه صاحبه إلي أنٌ أزمة دارفور أزمة مفتعلة بهدف خلق المزيد من الأزمات لهذه الحكومة التي ترفض مسايرة السياسات الأميركيٌة في المنطقة العربية والإفريقية حتي أصبحت دارفور إحدي أهم القضايا المثيرة في العالم بفضل الأخطبوط السياسي والإعلامي الامبريالي .
المفترض في هذا الكلام هو أنٌ مساكين دارفور ليسوا ضحايا لميليشيات النٌظام السٌودانيٌ، بل ضحايا للمؤامرة الخارجيٌة الإمبرياليٌة، فهم إلي حدٌ ما أغبياء يستحقٌون ما ينالونه، علي فرض أنٌهم تعرٌضوا فعلا إلي الضٌيم. المهمٌ في هذا الوعي السٌياسيٌ هو أن يكون لنا زعماء يمسرحون الرٌفض، ويقولون لا لأمريكا، ويقسمون باللٌه وهم يتٌخذون قراراتهم العنتريٌة، ويتوعٌدون الأعداء، ويحمون بيضة خير أمٌة أخرجت للنٌاس، ولا يهمٌ بعد ذلك ما يصنعه هؤلاء الزٌعماء بشعوبهم.
ولكن ليس كلٌ المثقٌفين العرب وكلٌ المهتمٌين بالشٌأن العامٌ من أنصار الإسلام السٌياسيٌ ونظريٌة المؤامرة، ولا تكفي فجاجة الرٌؤية السٌياسيٌة أو هذيان المؤامرة لتفسير هذا الصٌمت. فربٌما كان خطاب المؤامرة حجابا يخفي وراءه بؤسا من نوع آخر. هناك تبريرات وشكوك أصحاب الموقف، وهناك صمت من لا موقف له، ووراء ثرثرة أولئك وصمت هؤلاء توجد منطقة آسنة من إنكار آخر، وهذه المنطقة يلفٌها الصٌمت هي الأخري.





عوٌدنا أغلب نجوم المشهد الثٌقافيٌ علي الصٌمت عن انتهاكات حقوق الإنسان علي الصٌعيد العربيٌ، سواء منها الانتهاكات الظٌرفيٌة أو الانتهاكات المؤبٌدة بالمنظومات القانونيٌة، لأنٌ هذا الصٌمت جزء من لعبة المشهد ولعبة النٌجوميٌة، وشرط من شروط دخولها. ولكن هناك نوعان من الصٌمت : صمت الخوف وصمت الازدراء. ويهمٌنا من صمت الخوف ذاك الذي لا يهدف إلي الدٌفاع عن النٌفس من الأنظمة المحلٌيٌة الجائرة، بل يهدف إلي الحفاظ علي الحظوة والمكانة علي النٌطاق العربيٌ. الكثير من مثقٌفينا لا رأي لهم في هذه القضايا، أي لا رأي يعلنون عنه من باب الفعل العموميٌ السٌياسيٌ. إنٌهم لا يطالبون مثلا بالمساواة بين الرٌجال والنٌساء، ولا يجهرون بآرائهم الحقيقيٌة عن الدٌين والسٌياسة لأنٌ جهرهم بها يعني زوال الحظوة الإعلاميٌة وتضاؤل حظوظ الظٌفر بالجوائز السٌنيٌة التي تبقي مشروطة بحدٌ أدني من الحفاظ علي ثوابت الأمٌة . وقد شاهدت بعينيٌ مثقٌفين أشهر من نار علي علم لا يمضون عريضة مساندة لمساجين سياسيٌين خشية أن يمنعوا من زيارة البلد الذي يقبع هؤلاء في زنزاناته، ويمتنعون عن الدٌفاع عن حقوق النٌساء خشية فقدان الحظوة في الدٌول الثٌريٌة التي تعتبر استرقاق النٌساء ركنا سادسا من أركان الإسلام، ويتبرٌؤون من المتٌهمين بالرٌدٌة خشية فقدان الشٌهرة والشٌعبيٌة. هذا هو صمت الخوف من فقدان الحظوة والنٌجوميٌة، أمٌا في قضيٌة الحال، فإنٌ الصمت هو صمت الازدراء، وهو ازدراء غير منطوق به، وإن كان ناطقا.





أليس منطق بني جلدتنا هو المهيمن في هذه اللاٌمبالاة؟ فأهل دارفور بشر، وهم إلي ذلك مسلمون، ودارفور تقع في بلد عضو بالجامعة العربيٌة، ولكنٌ ذنب الدٌارفوريٌين الأوٌل في عيون العرب أنٌهم ليسوا عربا، فهم شبيهون بالأكراد الذين قتل منهم صدٌام حسين بالغازات السٌامٌة وفي يوم واحد 5 آلاف، وذنبهم الثٌاني أنٌهم أقلٌ إسلاما من النٌظام الذي يبيدهم، وذنبهم الثٌالث الأساسيٌ وغير المعلن هو أنٌ جلدتهم غير جلدة العرب. شعور الانتماء البدائيٌ من السٌهل أن ينقلنا من بني الجلدة إلي لون الجلدة .
تضخٌم النٌقاش عن التٌعصٌب وحوار الأديان، ولكن لم يفتح عندنا باب النٌقاش عمٌا هو دون ذلك من أوٌليٌات التٌعايش المدنيٌ، أقصد مناهضة العنصريٌة باعتبارها شكلا عتيقا بدائيٌا من أشكال رفض الآخر. فنحن لا نهتمٌ إلاٌ بعنصريٌة الغربيٌين والصٌهاينة ضدٌنا، ولا نهتمٌ بعنصريٌتنا نحن، ولا نتحدٌث عنها، ولا نطالب بأدوات قانونيٌة للعقاب عليها. وليس أدلٌ علي ذلك من اللٌغة التي نتكلٌم بها. ففي مناطق كبيرة من العالم العربيٌ، ما زال يسمٌي الإنسان ذو البشرة السٌوداء عبدا ، وفي مناطق المغرب يسمٌي وصيفا ، أي خادما، وإلي اليوم ينظر العرب إلي سود البشرة كما نظر إليهم القدامي : فهم حالة استثنائيٌة ناتجة عن احتراق جدٌهم الأوٌل في المرجل الإلهيٌ، أو هم سليلو اللٌعنة التي لحقت ب حام ابن النٌبيٌ نوح وسوٌدت وجهه. وإلي اليوم لم يعترف العرب بدورهم في تجارة العبيد طيلة قرون طويلة، ولم يعتذر أحفاد نخٌاسي الأمس لأحفاد عبيد الأمس بأيٌ شكل من الأشكال، ولم يتصالحوا. وأوٌل شكل من أشكال الاعتذار في رأيي هو الاعتراف وتذكٌر الماضي لكي لا يبسط ظلاله علي الحاضر، وفتح الملفٌات التي لا نرغب في فتحها، واحترام ما أصبح يعرف ب واجب الذٌاكرة .





ليست لي أدلٌة ملموسة من ثرثرة المنكرين ولا من صمت الصٌامتين علي أنٌ المشكل الأساسيٌ يكمن في هذه العنصريٌة، ولكنٌ فداحة الكارثة من ناحية، والإمعان في الإنكار أو اللامبالاة من ناحية أخري لا يمكن تفسيرهما في نهاية المطاف إلاٌ بهذا الاحتقار للبشريٌة السٌوداء. ويقيني أنٌ اللٌغة تعبٌر عن النٌاس وتفضحهم بقدر ما يعبٌرون بها ويستخدمونها، فمن السٌهل أن نلحق من نسمٌيهم اليوم عبيدا بمنزلة العبيد، ومن السٌهل أن يأخذ بنو الجلدة في حسبانهم لون الجلدة.
مثقٌفو بني الجلدة ، و الأمٌة والقبيلة الموسٌعة، ومثقٌفو لون الجلدة مهما اختلفت مشاربهم واستراتيجيٌات صمتهم أو خطابهم يشتركون في أمرين اثنين، أوٌلهما أنٌهم لم يتعلٌموا بعد أبجديٌات المساواة بين البشر، والكرامة البشريٌة، أي أن تكون للإنسان قيمة في حدٌ ذاته، وأن يكون غاية لا وسيلة، وأن تكون حياته أغلي من كلٌ شيء. وثانيهما أنٌهم لم يدخلوا بعد عصر حقوق الشٌعوب، ولم يفهموا أنٌ حقوق الأفراد أولي من حقوق الدٌول التي تنتهك حقوق الأفراد، والمصالح الإنسانيٌة العامٌة أولي من المصالح الفرديٌة للدٌول، ولم يفهموا أنٌ المنتظم الأمميٌ علي علاٌته، والمحكمة الجنائيٌة الدٌوليٌة علي نقائصها هما الأمل الذي يجب أن نتمسٌك به ونرعاه في مواجهة البربريٌة القائمة في الدٌاخل أو الزٌاحفة من الخارج.
ويجب أن لا نغترٌ بكثرة انتقاد مثقٌفينا للأنظمة السٌائدة، فبني الاستبداد والتٌمييز ذات دوائر مصغٌرة ومكبٌرة، وهي تبسط نفوذها علي النٌفوس قبل أن تبسط سلطانها علي المجتمعات.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: