دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -723ه - العدد1428جمادي الأوليمن3- م2007مايو من20 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:39:48 ك الساعة - 19/05/2007 آخر تحديث يوم
      البستان
رواية من الأدب السلوفاكي
خلف طاحونة الجبل
ميلو أوربان ترجمة: خالد البلتاجي
يبدو الأدب السلوفاكي بالنسبة لنا مثل جبل ثلجي، حتي قمته لا تظهر للثقافة العربية. لم يترجم منه علي حد علمنا إلا القليل أو النادر. في هذا البستان نحاول أن نلقي بعض الضوء علي هذا الأدب ، وقد اخترنا رواية قصيرة لأحد أشهر الأدباء هناك ميلو أوربان ( 19.4­ 1982) قام بترجمتها الدكتور خالد البلتاجي أستاذ الأدب العربي بجامعة برتسلافيا، الذي قام أيضا بترجمة عدد آخر من الروايات والقصص القصيرة سوف ننشرها تباعا في أعدادنا القادمة.
يستمد أوربان موضوعات قصصه ورواياته من الحقائق النفسية والإجتماعية الأساسية في تشكيل العادات والتقاليد في بلده ، وقد اعتبرها النقاد محاولة للتغلغل إلي تفاعل القوي في داخل النفس البشرية وخارجها. تلك القوي التي ينتهي بها المطاف إلي لغز تراجيدي غير مفهوم يقرر مصيره بحيث يصير الإنسان مجرد جزءا غير فاعلا في الكون. ليس من وظيفة أبطال قصص وروايات أوربان أن يصفوا للعالم ما يحزنهم بل وظيفتهم أن يغوصوا في أعماق أنفسهم وفي بعض الحالات يقوموا بنقل قلقهم الداخلي إلي غيرهم.
وتعتبر روايته القصيرة خلف طاحونة الجبل خلاصة الفكر القصصي عند أوربان وقد تحولت فيما بعد إلي عمل أوبرالي بعنوان (كروتنيافا). العمل التالي ل أوربان هو مجموعة قصصية بعنوان من الجبهة الباردة 1932 ويضم ست قصص. تعتبر أولي رواياته السيف الحي ­ 1927 العامود الفقري في الأدب السلوفاكي. يدور موضوعها حول سنوات الحرب العالمية الأولي وتدور أحداثها في إحدي القري السلوفاكية. استكمل الرواية برواية أخري بعنوان ضباب الفجر ويكشف فيها عن ألاعيب السياسة واستغلالها للمشاعر القومية والدينية. محور الرواية ليس فقط أهل القرية لكن سكان المدينة وطبقة رجال الأعمال الصاعدة. في محور الرواية أيضا نجد أيضا المواطن السلوفاكي البسيط الذي يبحث عن مخرج من الفوضي التي سادت بعد الحرب. يدخل فيها أيضا إلي عالم الأغنياء والشركات المحدودة والدوائر المالية واستغلال النفوذ من قبل رجال السلطة في السنوات الأولي من تأثيث شيكوسلوفاكيا. قام بعد ذلك بتحليل المعايير الاجتماعية وكون بروايته الثالثة في الشراك ثلاثية . جاءت روايته التالية الأضواء المطفأة استكمالا للثلاثية بصورة حرة، تلتها روايتان هما من يأخذ الرياح و بالحديد علي الحديد والتي صدرت بعد موته. في الرواية الأخيرة يصف تطور الأوضاع بعد انهيار الإتحاد التشيكوسلوفاكي في عام 1939 . في عام 1995 صدرت له آخر كتبه وهو كتاب الحرية ليست مزحة . كان لأعماله وخاصة تلك التي كتبها في عشرينات القرن الماضي صدي واسع في مختلف أنحاء العالم وترجمت إلي العديد من لغات العالم منها (البلغارية ، الألمانية ، البولندية ، الرومانية ، الروسية ، الإيطالية ، اليابانية ، المجرية). كما حصل علي جائزة الدولة في عام 1931 عن رواية ضباب الفجر وفي عام 1933 عن رواية السيف الحي .

خلف
طاحونة الجبل

1
في صباح أحد الأيام عندما كان أهالي قرية مالكوفا في طريقهم لجمع أخشاب الصنوبر وجدوه هناك ­ عشيق كاترينا زالتشيكوفا في الغابة خلف طاحونة الجبل ، يده اليمني ملقاة علي عينيه وكأنه يخشي النظر إلي الشمس . يسند بيده اليمني خصره بطريقة لاتبدو طبيعية. في خصره ثقب أسود كبير. عندما رآه أهالي مالكوفا كان النمل يخرج من تحت قميصه ويتجه نحو شفتيه المنسحبتين إلي داخل فمه.
أصابهم الذهول. شرع ستيفان هرين الذي كان أول من رآه يتلو الصلوات ، وأخذ كروبا يردد يا إلهي! يا إلهي! ، أما يانو أولين الذي كان يسير خلفهم انصرف مذعورا عائدا إلي القرية.وصل إلي بيت بيتر شتالينا وهو يئن من التعب ، عيناه جاحظتان وجبينه يتفصد عرقا . دخل إلي البيت ثم جلس علي مقعد خشبي وأخذ يتمتم قائلا:
­ يانو ! الحق ... ابنك!
كان بيتر شتالينا يضع أمامه أحد الأطباق حيث كان يتناول فطوره. وعندما سمعه مسح فمه في كمه وسقطت منه الملعقة علي الأرض.
­ ماذا؟
­ ابنك...
­ يانو ؟
­ نعم
­ ماذا به؟
قال أولين وأسنانه تضطرب وتصطدم:
­ وجدناه مقتولا.
عند سماعه هذه الكلمات بدا وكأن أحدا ضربه بقبضة يده علي صدره. قفز واقفا ثم صرخ مولولا:
­ أين؟
­ خلف طاحونة الجبل ... في الغابة.
سحب شتالينا معطفه من علي الحائط ثم ارتدي قبعته وانطلق إلي فناء البيت وقد نسي الباب مفتوحا. في الفناء كان ينتظره مجموعة من الناس الذين تجمعوا من كل ناحيه. كانوا يقفون عند سور البيت وعلت وجوههم علامات استفهام ولهفة لمعرفة ما يجري. ألقي عليهم بيتر شتالينا نظرة ، وما أن رآهم وقد تسمروا في أماكنهم ينتظرون سماع ما يدور صاح:
­ ابني الوحيد...
كان هذا كل ما نطق به حتي الظهيرة. صعد الجبل والناس يسرعون خلفه . ولما عجزوا عن اللحاق به توقفوا وقد توردت وجوههم وأطلت من عيونهم نظرات استغراب ودهشة. لم يسألوا عن شيء بل واصلوا السير ، وما إن وصلوا خلف طاحونة الجبل في الغابة حتي ازداد عددهم وامتلأت عيونهم بالتساؤلات واللهفة لمعرفة ما يجري.
جاء صوت من الغابة: ­ أين هو؟
رد عليه صوت آخر: ­ هنا
في النهاية رأوه يرقد في جدول ماء تحت شجرة صنوبر كبيرة مائلة .أزرار معطفه مفكوكة وقميصه ممزق، إحدي قدميه تحت جسمه وكأنه تعثر وهو يجري. وثب بيتر شتالينا عليه عندما رآه يرقد هكذا. احتضنه وانخرط في بكاء شديد.
كان نحيبا ، نشيجا ، بكاء ثقيلا من رجل لم يعتد البكاء . عندما سمعه الناس وهو يبكي هكذا ، طأطأوا رؤوسهم وترقرق الدمع في أعينهم.
أول من استفاق منهم كان ستيفان هرين الذي صاح:
­ يجب أن نأخذه من هنا.
وافقه الرجال وصاح أحدهم: ­ نحن في حاجة إلي حمالة.
تردد في الغابة صوت ينادي: ­ حمالة ، حمالة!
انطلق الرجال وبعد قليل عادوا ومعهم حمالة من عيدان الشجر.ثم وضعوا الجثة عليها وحملوه إلي البيت حيث وضعوه علي مقعد خشبي في الغرفة وألقوا عليه الغطاء.
كانت كاترينا زالتشيكوفا التي كان يتردد عليها يانو شتالينا ترعي الماشية خلف أشجار الصنوبر في قرية مالكوفا . كانت تذهب إلي بيتها مرة أو مرتين في الأسبوع لتغير ملابسها وتأخذ بعض الأغراض التي تحتاجها في عزلتها هذه عن العالم. لم تكن تخطط للذهاب إلي القرية في ذلك اليوم ، لكن شيئا ما دفعها إلي أن تذهب اليوم. فجمعت أغراضها وذهبت إلي البيت قبل الظهيرة.
عندما علمت بما حدث ل يانو شتالينا . لم تصدق الأمر في البداية ثم نزل الرعب في قلبها وامتقع لونها وانطلقت إلي بيت شتالينا .
كانت النساء تقمن الصلوات علي روح الميت عندما دخلت الحجرة. لمحت عند النافذة أباه السيد شتالينا وهو يسند رأسه في راحتيه ، رأت نساء تجلسن في أحد الأركان وتبكين.
وقف عند الباب مشدوها. لقد علمت بما حدث غير أن ما تراه أما عينيها أصابها بالذهول:
فصرخت بصوت ملئ بالفزع: ­ يا الهي! ماذا حدث يا عمي؟
رفع بيتر شتالينا رأسه ونظر إليها بحدة ، نظرة عميقة وكأنه يراد أن يطلع علي ما في داخلها. فقد كانت رفيقة ابنه . كان يعرف ذلك ، وكان ابنه يانو أشار له ذات مرة بأنه يريد أن يتزوجها. لم يكن يحمل لها سوي كل خير ، لكن الآن وهو يراها أمام عينيه مفعمة بالنشاط والصحة انقبض صدره. أمر مخيف جال بنفسه. أسرع نحوها وأمسك بذراعها وأخذ يهزها:
­ كاترينا !
نظرت كاترينا إليه في ذهول ، أما هو فتقعقعت أسنانه وهو يقول:
­ هل كان عندك؟
ترددت قليلا لكنها تحت تأثير نظرته الحادة ارتعدت قوائمها فقالت علي الفور بصوت حزين:
­ نعم كان عندي.
­ هل قضي الليل عندك؟
­ نعم
­ ألا تعرفين ماذا قد يعنيه هذا؟!
ثم رفع رأسه وأشار إليها بإصبعه:
­ أنت ... أنت المسئولة عن موته!
سقطت كاترينا زالتشيكوفا علي ركبتيها وكأن حجرا سقط في الغرفة.ثم رفعت يديها نحوه وهي تعصر قبضتيها وصاحت:
­ عمي ، أنا ...
لكن شتالينا لم يستمع اليها. سقط علي المقعد وأخذ يهز رأسه ثم صرخ:
­ ابني الوحيد ، ابني الحبيب.
ساد الصمت . لم تقطعه سوي أنفاس شتالينا الثقيلة المتقطعة ودمدمة النساء الحزينة في ركن البيت ، اللواتي فرغن من توهن من أداء الصلوات علي روح الميت. في هذا الصمت أدركت كاترينا زالتشيكوفا مدي خطورة التهمة وانتبهت إلي الأمر. فمالت علي الأرض وهي تطوق بيديها ركبتي شتالينا وصرخت بمرارة:
­ عمي ! أعوز بالله ! لست أنا ، لست أنا.
لاذ بالصمت وواصلت كاترينا قائلة:
­ كنت أحب يانو وكنت لأذهب معه حتي آخر العالم ، لولا ... صدقني!
لم يرد عليها.
­ عمي ...!
بعد وهلة رد عليها بتشكك: كنت تحبينه؟ ­
­ أقول لك ، كنت لأذهب معه حتي آخر العالم ، لولا ...
­ آه !
همست في تردد : ­ لقد كنت أعاشره.
­ كنت تعاشرين ابني يانو ؟
­ نعم ، كان يحبني وكنت أحبه وتبادلنا القبلات.
­ تبادلتما القبلات ...
نظر إليها باستغراب. أراد أن يقول لها شيئا لكن الكلمات لم تسعفه ، هربت من علي لسانه. ابتلع بصعوبة لعابه الثقيل الكثيف الذي وقف في حلقه.


2
في اليوم الثالث حملوه إلي جبانة مهجورة وصغيرة ينمو فيها نبات القجرٌّاص وتفوح فيها رائحة زهرة البلسان0 دقت الأجراس ، كانت الغربان الضالة تحوم حول البرج والغيوم تغطي السماء وأصوات الصلوات تنتشر في الجبانة وترتد إلي الأرض بدون صدي0
وقف بيتر شتالينا أمام القبر محزون الصدر 0 ورغم أنه كان يحب ابنه أكثر من أي شيء في العالم ،لم تسقط من عينيه دمعة واحدة0 عبس وجهه وحني ظهره: ظهرت التجاعيد طويلة علي جبينه وتملكه شعور رهيب لم يستطيع أن يتخلص منه ، وتحول إلي حقد أعمي علي كل البشر0 فهو لا يكن لهم سوي الكراهية وهو يراهم يقفون من حوله وفي عيونهم المكفأة والمتكسرة من الحزن شفقة بلهاء 0 ود لو يقتلهم جميعا0
صمتت الأجراس وتوقفت الصلوات0
ساد صمت يبعث علي الحيرة: بدأ من كان ينظر إلي الأرض يتطلع حوله وكأنه يبحث عن شخص ينتظره0لكن أحد لم يأتي 000 بقيت زهرة البلسان عند الحوائط المتداعية وحيدة حزينة ، وبدت أشجار الحور التي غطاها الغبار جافة وعالية0
دوي في هذا الصمت وقع خطوات عمال الدفن، خطوات وحيدة قاسية في أرض متكسرة: صمتت أصواتها الحادة وكأنه اجتثت من علي الأرض0 ثماني أيادي ثقيلة وحبلان أسقطوا التابوت ببطء واختفي في الحفرة الصفراء0
هز بيتر شتالينا يده بخفة ، يبدو أنه كان يريد أن يقول شيئا0 ثني شفتيه وشد فكه بشدة ورفع حلقه الجاف ، ولم ينطق بكلمة0
شخص ما يبكي في هذا الحشد0 جاء صوت بكائه هادئا وبطيئا وكأنه ينبوع 0 ارتجفت له فرائصه وكأن أحدا قد ألقي عليه بخيط ملتهب0 التفت تجاه الصوت 0 رأي كاترينا زالتشيكوفا وهي تركع علي ركبتيها وتبكي، دار علي كعبيه لكنه لبث في مكانه0 سقط علي ركبتيه وطال ركوعه وعندما نهض كانت الجبانة قد خلت من زوارها0
التقت أنفاسه ثم ألقي الصلوات0
عندما حل المساء ذهب إلي كاترينا 0 دخل البيت ثم جلس عند الفرن0 طال جلوسه دون أن نبث بكلمة ثم قال وهو ينصرف:
­ أنت كاترينا !
­ ماذا يا عمي؟
سعل الرجل وبدا لها أكبر من عمره عشر سنوات علي الأقل0
قال ببطء وبهدوء كادت لا تسمعه: ­ المعذرة !
تقدمت وجلست بجواره0 ثم بدآ يتحدثان عن يانو في ضوء القمر الصاعد ورائحة العشب تملأ المكان0 تحدثا بهدوء وعلي مهل 0 كلمات مليئة بالحب جاءت مسترسلة ، صنعت إنسان بدون جسد يجلس في ركن البيت يتابعهم0 كانت عيناه جميلتان مليئتان بالتأمل ، شفاهه منبسطة 0 تدمع له عين الناظر إليه0 أخذا يلاطفان هذا الإنسان الطيب المتأمل ويحكون عنه الذكريات0 لقد أحبه كلاهما0لو استطاع أن ينضم إليهما لكان أمرا طيبا0 سيجلسانه بينهما ويحكيان له ما دار في الأيام الثلاث الماضية وكأنه أمر طبيعي0
لكن أحد لم يأتي0 لم يكن هناك سوي صوت الضفادع القادم من المستنقعات يسمعها السيد شتالينا وهو يهم بالانصراف0 انصرف بسرعة 0 لكنه في هذه الليلة بدا وكأنه يعاني من كسر في ركبتيه: أخذ يجر قدميه علي مهل في حديقة يفوح في شذا قطرات الندي المنعشة ورائحة الأخشاب المحترقة التي تنبعث من أسطح المنازل في الظلام0
كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل عندما وصل إلي المنزل0 القمر الشاحب لا يتحرك من مكانه 0 لقد علق في السماء ينشر ضوءه علي الأرض التي تلمع بنوره الفضي الحاد 0 سقط عليها هذا النور كالثلج ليتحول إلي برودة بيضاء صامتة ، تسللت إلي كل ما علي وجه الأرض فتجمد وتحول إلي مشهد أبدي في السماء0
وقف بيتر شتالينا في مكانه كالحجر ، لا يبرحه ، وسط الفراغ المشرق الكبير الذي لا يسمح بميلاد بصيص أمل0 يري أمام عينيه وهو يستند إلي سياج البيت ويداه مسدلتان ، مطرق الطرف بيوتا ورثها عن أبيه وجده ، أسطحها مغطاة بالألواح الخشبية ، أطرافها وجوانبها يكسوها اللون الأبيض0 عندها أدرك تماما ما يعنيه موت ابنه ، ونهايته هو شخصيا0وكأنهم أخذوا شيئا من هذا المنزل فصار سخيفا وغريبا عنه بكل ما فيه0 لقد سلبوه كل شيء0 كان شعورا غريبا لم يستطع التخلص منه0 لقد سيطر عليه تماما 0 سرت في جسده رعشة ثم صدرت من أعماقه صرخة:
­ ابني يانو !
لم يكتف بهذا فقال:
­ لمن؟
لكن الكلمة علقت بلسانه 0 انتفض جسمه من الألم حتي ارتعشت أسنانه0 ساد الصمت في الغابة والحديقة وكأنهما يتجاهلانه0 لقد ضرب بيتر شتالينا بقبضته علي وجه الطبيعة مئة صفعة بسؤاله هذا:
­ لمن أترك هذا المنزل 000؟ قل لي يا يانو 000 لمن أتركه؟
وقف شتالينا طويلا صامتا ، ينتظر إجابة 0 لا مجيب ، وحتي رأسه لم يجبه0 لم يكن هناك سوي صوت أوراق شجر الحور تتطاير في الهواء وتأخذها بعيدا رياح جنوبية تهب بلا توقف0
بدأت من بعيد ناحية الشرق تظهر حمرة الأفق0
نهض طوعا أو كراهية0
وهنا وكأن كل شيء قد تلاشي من أمامه ، البيت والأطيان وحتي القمر الباهت: بدأ يشعر في قرارة نفسه ، بل بدأ يؤمن بأنه سيلتقي معه مع قاتل ابنه0
لم يواصل التفكير في الأمر ، لكنه عصر قبضته0 كانت ثقيلة وباردة كالثلج0


3
جاء رجال الشرطة من قرية تبعد عنهم بثلاث قري : جاءوا يهرولون واستمروا في البحث لمدة ثلاثة أيام0 استجوبوا كل من في القرية ، طرحوا أسئلة أجاب البعض عنها باقتضاب وبعضهم بإسهاب وبجمل طويلة متقطعة وهم يحركون أيديهم في الهواء0 لم يتوصلوا إلي نتيجة0 القوا القبض علي حارس الغابة وبعض الشباب _ من بينهم أوندري زيمون الذي كان يتردد بين الحين والحين علي كاترينا 0 في اليوم التالي أطلقوا سراحهم جميعا لنقص الأدلة0 حارس الغابة لأنه لم يكن هناك في تلك الليلة، الشباب لأنهم لم يكن بينهم وبين القتيل أية نزاعات0 أما أوندري زيمون الذي رفضته كاترينا فقد تصرف بحذر مما جعل القس يتولي أمره بنفسه 0 وهدأت أنشطة الجهات التي كانت تتجمع في حديقة المنزل0 ولم يسفر البحث سوي عن كم كبير من المحاضر عند عمدة القرية الذي يتفاخر بها في المقهي0 وتوقف الناس عن التفكير في الحادث0 وأخذوا يهزون أكتافهم ويتسامرون في أمسياتهم أمام البيوت ويطرحون في الهواء أياديهم التي انطبعت عليها آثار الفقر والعمل الشاق0 انتشرت آراء هنا وهناك يتهمون فيها فلان وعلان وهم يلتفتون حولهم ، ثم يعودون وينفون التهم بجمل واضحة محددة ثم يسود الصمت وقد نال منهم الإرهاق0 يكسر هذا الصمت صوت الهارمونيكا التي يعزفها الشباب في صمت الليل وهم يسرعون إلي الغابات الهادئة0
اختفت أية آثار تقود إلي القتلة0 انحسرت الشبهة في كاترينا زالتشيكوفا ، لكن بمجرد أن اعترفت بكل ما كان بينها وبين القتيل وتحدثت مع كل من تقابله بأسي عميق صادق ، توقف الناس عن توجيه التهمة إليها0 وهكذا سادت حالة من النسيان الغريب الذي لم يتقبله أحد0
في هذا النسيان نشأت علاقة مشبوهة ، صداقة غريبة بين السيد ستالين و كاترينا زالتشيكوفا 0 كان شتالينا يتوقف عند بيتها وهو عائد من الحقل ، ينادي عليها بصوت منهك ، يتلاشي صداه عند الحائط0 تخرج كاترينا عند سماع الصوت ثم ترافقه إلي المنزل ويسيران علي رصيف الشارع وقد خلا من المشاة وليس به سوي كتل من الطين وأعشاب داستها الأقدام0 جعلتهم هذه اللقاءات ينسون همومهم: شتالينا موت ابنه يانو و كاترينا حزنها0 انفتح أمامهم عالم مهجور صامت خال من الحزن والتعب ، كل ما فيه تعايش مع قدر لا يحسدون عليه0 صارت كاترينا يوم بعد يوم جزءا من حياته0 وجد عندها ما يذكره بابنه يانو ، عاداته وكلماته0 شعر أنه لولا كاترينا لفقد كل شيء حي يذكره بابنه يانو 0 لذلك لازمها ووضعها نصب عينيه0
لكن شتالينا فوجئ يوما من الأيام بشائعات غريبة تنتشر في قرية مالكوفا 0 وما أن بلغته هذه الشائعات حتي امتقع لونه وارتعشت يداه0 ومع استمرار الشائعات ذهب إلي بيتها0
وجد كاترينا في الحديقة تعد طعام الماشية ، كان المطر ينزل ، بدت البيوت كأكوام كبيرة من روث الحيوان في جو يملأه الضباب والغيوم0
جلس بيتر شتالينا عند عتبة الباب ، التقط جزلة من الخشب وأخذ يكسرها ثم نادي:
­ كاترينا 000!
­ ماذا يا عمي؟
­ سمعت أن 000
لم يكمل كلامه ، حيث نزلت من عينيه دمعتان كبيرتان0 صمت طويلا ثم قال بصوت أجش ضعيف:
­ كاترينا ! يؤسفني ما يجري لك0
كان يريد أن يقول لها المزيد لكنه لم يستطع0 وحني رأسنه 0 تقدمت منه كاترينا وهي تراه حزينا0 ثم طبطبت عليه كالطفل وهمست له قائلة:
­ لماذا يا عمي؟
­ كاترينا ! أنا 000
ثم أمسك بيدها في توسل وهو ينظر إلي عينيها 0 كانتا زرقاوان وصافيتان إلي درجة جعلت شتالينا ينهض ثم ينصرف0
في مساء ذلك اليوم التقي ب كارول زلاتشيك الذي يعود يوم الأحد دائما البيت وهو سكران ، ضرب بعصاه علي أسوار البيت ثم بدأ في ردهة البيت في مضايقة زوجته وأخذ ينعتها بالثرثارة القبيحة المتعجرفة0
­ سمعت أن كاترينا 000
هكذا بدأ الحديث بعد مقدمة طويلة ، بحث خلالها عن كلمات مناسبة يعبر بها عن ما استحال التعبير عنه0 لكن كارول فهم ما يقصده شتالينا فاستند علي السور ثم شبك قدميه وبصق0
­ إن هذا الشاب زيمون يتقدم به العمر و كاترينا أيضا حان الوقت لأن تتزوج0
طرفت عينا شتالينا وانتفض وكأنه تلقي ضربة قوية ثم بلع ريقه0
­ لقد تقدم العمر بالفتاة و يمكن أن تظل هكذا بدون زوج0
شحذ شتالينا عزمه وقال:
­ لا داعي للعجلة0 يا الهي ! إن الفتاة 000
أراد أن يتحدث بلهجة جادة لكن صوته انحشر في حلقه وانخفض حتي كاد لا يسمع0 حدق إلي زالتشيك بعينيه التي ملأهم الحزن والهم ، لكن زالتشيك الذي كان يحفر بالعصا في الأرض لم يلاحظه:
­ ليس في يدنا أن نفعل شيئا0 كنا نعتقد أن ابنك يانو لكن 000 الله أعلم كيف حدث ذلك! لكنها كانت تعاني منه0
استفاق شتالينا عند أسمعاه هذه الكلمات:
­ تعاني منه؟
­ نعم0
­ ربما كان ابني يانو 000
­ كان يزعجها0
­ يزعجها000 ؟
­ ألم يكن الأمر كذلك؟
انحني جسم شتالينا وارتعشت يداه0 كاد يفعل به شيئا لكنه رأي زالتشيك وهو يجلس بطريقة عادية علي سور البيت الرمادي المائل فخفض رأسه وأكد له قائلا:
­ إن ابني يانو كان شابا محترما0
لقد كان علي استعداد أن يهجم علي كل من لا يصدقه ويجبره علي الاقتناع بما يقوله عن ابنه 0 لكن الجميع كانوا يوافقونه الرأي: فهو كسحابة وردية علقت في السماء لا تطالها الأيدي احترقت وتحول لونها إلي لون الرماد ثم سقطت في الأرض بهدوء وتجمد في ليلة مليئة ببوادر عاصفة ورعد قادم من بعيد0
كانت تدق في القرية أجراس المساء عندما نهض زالتيشك من علي سور البيت ثم أضاف بإمعان قائلا:
­ لم يقل أحد أنه لم يكن شابا محترما0 لكن هذا ما حدث ولا فائدة من الكلام0
بيتر شتالينا الذي انتظر بتلهف كلماته بدا وكأنه أصابه وهن وقال له: إلي اللقاء ثم انصرفا0 ذهب شتالينا خلف جدول الماء 0 أما زالتشيك صعد التل عائدا إلي البيت0 أحدهما مستغرقا في التفكير والآخر راضيا عن نفسه ويسير بخطوات واسعة0
منذ هذا اللقاء صار شتالينا يظهر بين الناس كثيرا0 رآه كثير منهم يجلس مرة أمام البيوت ومرة عند حظائر الحيوانات أو في مخازن الخشب0 يتفوه ببعض الكلمات ثم يصمت ليستمع إلي ما يقوله الآخرون0 بعد ذلك يغرق في التفكير ثم يذهب عائدا إلي البيت0 كان الناس ينظرون إليه ويطيلون النظر ، وما أن يختفي خلف أسوار البيوت أو المزارع حتي يبدءون الحديث عن حبه الكبير لابنه0
بعد مرور ستة أشهر علي الحادث ، حدث ما لم يكن يتوقعه علي الإطلاق: لقد تزوجت كاترينا 0 لقد أخبرته بالأمر لكنه لم يصدق حتي شرحت له كل التفاصيل0 قالت أنها لم تكن تريد أن تتزوج وأنها لا تحب زيمون ، وأن أهلها أجبروها علي الزواج منه 0 انخرطت بعد ذلك في البكاء0 ربت علي رأسها وهو علي قناعة بأن شيئا ما سيحدث في اليوم الأخير وهي في الكنيسة تؤدي قسم الزواج ، وستصبح كاترينا حرة0
لكن شيئا من هذا لم يحدث0 جاء اليوم عقد قران كاترينا علي زيمون في الكنيسة0 عاد شتالينا الذي شهد عقد القران إلي بيته محطما مكلوما0 لكنه ذهب إلي حفل الزواج في مساء نفس اليوم0 لقد كانت آخر أمل له0 جلس علي سور الحديقة وأسند رأسه في راحتيه وانتظر0 كانت السحب البيضاء تصدر ضوءا أصفر علي الحديقة التي تفوح منها رائحة الأعشاب ، وتقف فيها أشجار التفاح صامتة0 هناك في مكان ما تفوح رائحة كريهة من حظيرة الخيول والمواشي وكلاب ثائرة تنبح 0 علا في الحجرة صوت الموسيقي ، كانت عنيفة وكأنها تريد أن تدعو العالم كله للرقص0 الناس يتحركون هنا وهناك وهم يقفزون في الهواء ويخبطون بأحذيتهم علي الأرض0 يغنون أغاني الحب ، عن التلال السوداء والديك والفتاة البيضاء0 فتحت الأبواب وطار صوت الموسيقي في الظلام كتيار ساخن أراد أن يسابق الرياح0
جلس بيتر شتالينا وسط جموع المدعوين حزينا حتي الصباح0 ومع إطلالة نور الصباح ، عندما صاحت الديوك للمرة الثالثة وانطلقت الغربان من الحدائق نهض شتالينا عائدا إلي البيت وهو يحمل في نفسه جرحا جديدا0

4
اصطحب أوندري زيمون عروسه إلي بيته الذي يقع أسفل شجرة الصنوبر الحمراء وقد صنع للبيت سقفا جديدا0 كان ارتفاعه مترين تقريبا _ كارتفاع زيمون نفسه _ وحتي لا ترتطم جبهته بسقف الباب وهو يدخل المنزل انحني كالإوزة المتهورة0 جحظت عيناه الرمادية من وجهه الشاحب وارتسمت عليها علامات الخوف0 ربما لهذا السبب كانت خطواته طويلة ، يجر قدميه كالقطة الخائفة ويعطي انطباعا بأنه يبحث بإمعان عن شيء غامض ضاع منه ولا يستطيع العثور عليه0 كان يحب كاترينا بنفس القوة التي يحب بها الكبار العقلاء0 ورغم أنه لم يتحدث عن هذا إلا أنه كان واضحا بأنه ليلقي بنفسه في النار من أجلها0
وماذا عن كاترينا 000؟ لم يكن يهتم بهذا الأمر كثيرا0 لقد تربي زيمون في أسرة تجر النساء من الحقول بين التلال دون أن تسألهم0 يعاشرونهم دون أخذ رأيهم ، ويلدون منهن الأطفال دون استشارتهم 0 وأيضا يسحبونهم إلي الجبانات الضيقة دون سؤال0 لا يسألون عن أحد إن كان سعيدا أم لا0 هنا ، في هذه القرية يجب أن تعمل وتعيش ، أو العكس ، تعيش وتعمل0
كانت كاترينا التي كانت حتي وقت قريب تحب يانو شتالينا الذي قتل خلف طاحونة الجبل تعي هذا الأمر جيدا0 لكنه مات ولم يعد له وجود 0 عاشرت أوندري زيمون في سريره الخشبي الكبير الذي تعلوه صورة مريم العذراء في إطار من خشب الزان0 مرر يده علي جسدها وضمها إلي صدره 0 مالت كاترينا إليه كأية امرأة مطيعة0 تحملت كل شيء0 حفيف شجرة الصنوبر الحمراء يصدر كأغنية غريبة انطلقت أصواتها إلي الغرفة وانصبت في أذنها كشفرة حادة 0 كانت ليال طويلة ومظلمة: من بعيد وعلي الجانب الآخر نار تشتعل ، أشعلها حراس الغابة0 في الحديقة طيور تغرد ، وهما يتعانقان ويهمس كل منهم للآخر بكلمات عذبة تنطلق في الظلام ثم تتصلب كالصمغ0
خمس مرات ناما معا ، وفي المرة السادسة عندما استلقيا في السرير حدث شيء كدر صفوهم0 شعر أوندري زيمون فجأة وهي تضع رأسها علي صدره بشيء ساخن يتسلل من تحت قميصه ، مد يده فوجد علي صدره دموعا ساخنة0 انزعج وأصابه الذهول0 دفع كاترينا بعيدا ثم استدار وأخذ ينظر إلي الأرض0 شعر وهو ينظر إليها بشيء يخرج من صدره وينسل إلي رأسه ويقبض عليها بقوة وكأنه ذراع من حديد0 امتقع لونه وهو يحتضنها وتصبب العرق من جبينه0 فتحسس في الظلام كاللص وقال:
­ كاترينا !
أراد أن يكمل لكن الخوف تملكه وابتلع ريقه الذي أحدث طرقة في الفراغ 0 وكأن الظلام صار باردا0 ساد صمت قاتل في الغرفة 0 في الخارج تحت النافذة كلب ينفض عن جسمه الحشرات ويضرب بقدميه علي الحائط0 عندما سمعه زيمون استدار علي جانبه ثم استقر كقطعة خشب0 شيء ما جال في خاطره ، هز كيانه ، جعله يشعر بألم حتي في جسده0
كانت ليلة صعبة0
استيقظ حزينا0 ظلت عينا كاترينا متورمتين طوال اليوم0
في الصباح ذهبت لإحضار الماء ، قابلت وهي تمشي علي الرصيف بجوار ساحة بيت عائلة بيلا­هورنيهو السيدة بيلا والعمة شكولنيتسا التي كانت تقف وسط الساحة وهي تحمل في يدها معيار للدقيق ، ابتسمت لها العمة ابتسامة عريضة 0 أما السيدة بيلا فبمجرد أن لمحتها حتي سألتها علي الفور:
­ كاترينا ! ما هي الأخبار؟
ردت كاترينا وهي تحاول النظر إلي الأرض:
­ أنا ذاهبة لإحضار الماء0
لكن العمة شكولنيتسا اعترضت طريقها وقالت:
­ ما هي الحكاية؟ ألا تريدين الحديث معنا؟
­ إنها تتكبر علينا0
حاولت أن تتظاهر بالسعادة غير أن صوتها لم يسعفها:
­ دعكي من هذا ! لم يخطر هذا علي بالي قط0
قالت السيدة شكولنيتسا وهي تنظر في عينيها:
­ إنها تبكي !
­ تبكي؟
­ هل ضربك؟
­ لا
­ ما الأمر إذن؟
­ لم يضربني!
ضحكت السيدتان وقالتا:
­ يا سلام ! لا داعي أن تخفي عنا شيئا0 أتعتقدين أننا لا نعرف؟
­ وكيف 000؟ فالرجل نعرفه جيدا0
­ أقول لكما أنه لم يضربني 0 ما الداعي لكي يضربني؟ لم يمر حتي أسبوع علي زواجنا000
­ ما الأمر إذن؟
­ بدون سبب 000 فقط شعرت بالأسي0
ثم انفجرت في البكاء أمامهن وانصرفت نحو النهر وهي تبكي0 ضحكت السيدة شكولنيتسا وقالت:
­ انظري ! شعرت بالأسف 000 غير معقول! تبكي بعد مرور أسبوع علي زواجها بدون سبب0
في نفس اليوم عرف شتالينا بما جري لكنه لم يعلق علي الأمر ، بل راح يفكر فيما سمعه0
شيء ما أصاب بيت زيمون بالتجمد0 وكأن شخص ثالث انسل إلي البيت ونشر فيه ثلجا0 كل شيء صار باردا كصقيع الخريف: كاترينا تسير باكية و أوندري زيمون يبدو عابثا متجهما كالليل ، دون أن يعرفا السبب0 كان كل منهما يتجنب الآخر ، إذا التقت عيناهما ينظران علي الفور في الأرض ويعود كل منهما في الاتجاه الآخر0 زيمون يصرخ في حارس الغابة و كاترينا في الخادمة0 ويظلا يصرخان حتي بعد أن يتجاوزا الباب ، عبثا ، فلم تكن الخادمة ولا الحارس يفهمان ما يقولان0
غير أن أم أوندري التي بلغت السابعة والسبعين من عمرها وتساقطت أسنانها وأصيب بداء الربو مثل ابنها زيمون ، عيناها مثل عيناه ، هذه السيدة التي تتوكأ علي عصاها بدأت تلاحظ ما يدور ثم تهز رأسها التي تعلوها بطريقة مثيرة للضحك ضفيرة رقيقة وصغيرة0 في نهاية الأمر دعت ابنها أوندري إلي الغرفة ثم أغلقت الباب بعد أن دخلت وأخذت تلقي عليه نظرة متفحصة ثم قالت:
­ أوندري ! ، أنا 000 في الواقع ، أنت تعرف كاترينا هذه تبدوا 000 ما يحدث؟
لم يرد عليها0 جلست السيدة العجوز علي المقعد وهي تفكر ثم أسعلت وقالت وعايناها مسلطة عليه:
­ أري 000 دموع 0
لكن أوندري زيمون هز كتفه ثم انصرف تتبعه برودة مصحوبة بغموض حطم الجميع0 أصابها من جديد السعال وهزت رأسها0 ومنذ ذلك المساء وهي تطيل في صلواتها تستجدي العون0 واصلت كاترينا بكائها حتي اليوم الثالث في حين لزم أوندري الصمت0
مع غروب الشمس عند جدول الماء أخذت السيدة شكولنيتسا تستجوب حارس غابة زيمون وزوجها هو الآخر يسأل السيد شتالينا الذي ما أن سمع ما سمعه حتي نزل إلي القرية علي الفور0 قابل عند ينبوع الصنوبر كاترينا التي كان تحمل الأعشاب للإوز 0 نادي عليها:
­ كاترينا ! ، سمعت أن 000 أنك تبكين0
ردت بحدة لغضبها من سؤاله وقالت:
­ نعم أبكي0
­ ولماذا؟
جاء سؤاله خاطفا جعل كاترينا تكاد تدور حول نفسها0 لماذا000؟ هي نفسها لا تعرف السبب0 غير أن صورة يانو شتالينا قفزت أمام عينيها وظلت ماثلة بقوة ولم تستطع الهرب منه0
تحدثا وطال حديثهم ، تكلما في موضوعات مختلفة ثم عادت كاترينا زالتشيكوفا إلي البيت وصورة يانو شتالينا لا تفارقها0 في هذه الليلة أوت إلي سريرها وهي تفكر فيه0
كانت النافذة مفتوحة0 تجمع الشبان في الحديقة ينشدون أغاني عن الليلة الهادئة وغابة الصنوبر والدجاجات الملونة الخجولة التي تحلم في الغابة 0 كان الرد يأتيهم من الوادي المظلم 0 ويرتد الصوت الذي توغل فيه لينا وضعيفا كالسماء في منتصف الليل0كانت صورة يانو شتالينا عند سماعها أصوات هذه الأغاني تصيبها بالمهانة ، فحاولت التخلص منها 0 أمسكت بيد أوندري وعندما رد بالضغط علي يدها مالت عليه0
تبعتها ليلة مجنونة أخري ، بدأت فيها مرحلة جديدة من حياتهما0

5
ذات مرة وهو عائد من الكنيسة قابل السيد شتالينا أوندري زيمون 0 لم يلحظه زيمون إلا وهو بجواره فمال بطريقة غير طبيعية وطرف بعينيه وألقي عليه التحية:
­ مرحبا!
­ أهلا!000 هل أنت عائدا من الكنيسة؟
­ نعم ، غادرت الكنيسة منذ قليل0
­ ألقي الكاهن اليوم خطبة جيدة0
­ نعم ، كانت خطبة جيدة0
صمت زيمون ووضع شتالينا الذي يسير بجواره يديه خلف ظهره0 ثم صعدا أحد تلال القرية0 كانت تقطع الطريق بعض أخاديد المياه التي تحمل روث خيول وأحجار متكسرة0 صارت الأرض التي كانت منذ وقت قريب تغطيها الثلوج تفوح برائحة زكية 0 لكن البيوت والغابة والماء تبدو عكرة كالمريض الذي يتعافي فخرج إلي الشمس بعد مرض طويل0
بدأت الحياة تدب في مكان ما0 الأرض تطلب الحبوب0 الغابة تصدر أنينا وهديرا غامضا ، خرير الماء في الجداول يعلو سعيدا والغربان تنشر أجنحتها وهي تعلو في السماء وتطير بعيدا حيث تشتعل نار زرقاء تلألأ في برك المياه الصغيرة0 كانت صورة جميلة وسعيدة تجعل الإنسان يلتقط أنفاسه ويعلو صوته0
لكن أحدا من لم يتكلم ، لا شتالينا ولا زيمون 0 سار كل منهما مستغرق في التفكير ، شتالينا يمشي منحنيا و أوندري زيمون يخطو خطوات طويلة تغوص بعمق في الرمال0 بعد لحظات التقط شتالينا أنفاسه ثم جفف جبينه بأكمامه وتوقف ثم قال:
­ لا أستطيع0
التفت إليه زيمون من وراء كتفه0 أراد أن يقول شيئا آخر لكنه دمدم قائلا:
­ إنه طريق شدد الإنحدار0
اتكأ علي عصاه 0 جلس شتالينا علي جزع أحد الأشجار ثم شد جسمه وقال:
­ وحدي ، يا الهي! آه لو تعرف كم أحن إليه0 حتي البيت والأطيان! 000 ينادون ويصرخون ويمدون لي أياديهم ، وأنا 000 ماذا بيدي؟
هز زيمون رأسه بعدم اهتمام 0 واصل شتالينا كلامه:
­ ليس بيدي شيئ000 لقد نفذت قواي، لم تعد لدي يا أوندري القوة الكافية!
يبدو أنه أفرغ ما في داخله بهذه الكلمات0 سقطت رأسه التي شاب فيها الشعر علي صدره وهو حزين ، تملأها حسرة شديدة 0 بعد لحظة استطاع أن يدور برأسه بحدة حتي التف عنقه كالحبل ثم رفع يده التي غطاها لون داكن وبرزت عروقها وتجعدت أصابعه من شدة العمل0انطلق إلي الوادي حيث يعلو صرير الماء في الجدول 0 وفي نهاية الوادي تقف طاحونة ، كونت الغابة حولها دائرة داكنة اللون0 الماء يتساقط من المزراب علي عجلات الطاحونة ويتحول إلي آلاف القطرات البيضاء 0 تتلألأ في ضوء الشمس الساطع كطوفان من حبات اللؤلؤ وهي تتراقص سعيدة في الهواء الصافي0 لكن عندما لمح بيتر شتالينا هذه الدائرة السوداء خلف الطاحونة ضاقت عيناه وملأها الحزن وصاح:
­ هناك 000 قتلوا ابني!
رفع يده ونهض بحركات متثاقلة0 صمت قاتل يأتي من ناحية الطاحونة0 وكعادته حرك أوندري زيمون رأسه: سار متثاقلا إلي الأمام 0 وهنا تخيل أن عنقه طال بصورة غير طبيعية وفي عينيه بريقا غريبا0
سار بيتر شتالينا خلفه كالشبح0
كانا يلتقيا منذ ذلك الوقت كل أحد تقريبا وهما عائدان من الكنيسة0 يمشيان معا: أوندري زيمون ينظر أمامه وكأنه يخاف أن يصطدم بعتبة الباب ومن خلفه السيد شتالينا يسير كالشبح0 يتبادلان الحديث عن ابنه0 كلمات عذبة هادئة تخرج من فمه وكأنها نسيج العنكبوت0 كانت بمثابة دواء لروحه ، لا عني له عنها 0 بدونها لا طعم ليومه0 في البداية كان أوندري زيمون يستمع له بدون اهتمام ، وسرعان ما بدأ ينصت إليه0 قال له في إحدي المرات بحدة:
­ لما كل هذا الحديث عنه؟ لقد مات! ولن يفيده شيء من هذا0
ثم التفت ناحيته ولم يكد يعد رأسه ، فقد ألقي شتالينا عليه نظرة غاضبة وقال:
­ ماذا تقول 000؟
لم يرد عليه أوندري زيمون وكذلك شتالينا لم يسأله مرة أخري0 لقد تاهت كلماته وكأنها ذهبت أدراج الرياح0 منذ ذلك الحين كلما التقيا وهما عائدان من الكنيسة التزما الصمت وانصرفا علي هذا الحال 0 كان حديثهم غالبا عن الطقس0 لكن بدا الأمر وكأن كل منهما يراقب الآخر وبدأ يتجنبه0
ذات مرة كان أوندري زيمون يسير في الطريق ثم انعطف علي الرصيف ،لم يكد يصل إلي كوخ في بيت عائلة ديوبكا حتي سمع من خلفه وقع أقدام وصوت نفس ثقيل ، إنه شتالينا ، أظهر زيمون الامتعاض من رؤيته الأمر الذي تعجب له شتالينا 0 ألقي كل منهما التحية علي الآخر ثم سارا معا0 في الأسبوع التالي وبمجرد أن أنهي الكاهن خطبته حتي انصرف شتالينا مسرعا من الكنيسة حتي لا يلتقي مع زيمون 0 وللتأكيد سار مهرولا0 ثم جلس علي أحد الأحجار بين أشجار الصنوبر يضع التبغ في غليونه ، وهنا ظهر في الطريق زيمون 0 توقف عنده وألقي عليه التحية ثم سارا معا0 بدا زيمون متجهما ، بصق علي الأرض 0 شتالينا أخذ يسب ويلعن في سره0
في الأسبوع الثالث قرر زيمون أنه لن يذهب إلي الكنيسة0 لكن ما أن دقت أجراس الكنيسة للمرة الثانية ، قوة خفية جعلته ينهض ويذهب إلي هناك0 وأيضا التقيا0 بدا الغضب علي كل منهما0 عندما اكتشفوا أن كل جهودهم تذهب سدي تركوا الأمر للصدفة التي دائما ما جمعتهم كل أحد من الكنيسة وحتي البيت0 كان كل منهم يفكر في نفس الشيء الذي يفكر فيه الآخر ، رغم أن كلاهما لا ينظر إلي الآخر ولا يحدثه0 وكأن شخص ثالث يوحي لهم بالأفكار التي يتبادلانها وتشحذهما بالغضب والسخرية التي تستفزهما0 ذات مرة سحب زيمون شفتيه وقال علي مضض:
­ ماذا عن ابنك؟
لقد صوب وأصاب0 نظر السيد شتالينا إليه وأخذ يقلده وهو يمص شفتيه ثم قال:
­ لقد أطلق عليه النار 000 شخص ما كان يصطاد الحيوانات0 وبدلا من يقتل الظبي قتل ابني0
­ هو بالتأكيد صياد ماهر0
­ لم يري جيدا 0
­ لكنه أصاب0
­ من علي بعد عشرة أمتار 000 أصاب ، هذا الأعمي0
أمر غريب ! احمر وجه زيمون كسرطان البحر0 نظر إليه شتالينا والتقت نظراتهما0 كانت طويلة ومستفزة0
واصل بيتر شتالينا حديثه وهو يلهث من الإجهاد:
­ أصيادون هؤلاء الذين يخفون بنادقهم في القش ويختبئون كالكلاب قبل المعركة ؟
­ ماذا 000؟
انتفخت عروق زيمون في جبهته0 ثم تقدم من شتالينا وكأنه يريد أن ينقض عليه ثم كرر ما قاله:
­ ماذا 000؟
أخذ شتالينا يتفحصه في ذهول ثم سأله:
­ أتدافع عنه؟
امتقع وجه زيمون بسرعة جعلته يرتبك ، لكنه سرعان ما ابتسم وأضاف بحدة:
­ أنا لا أدافع عنه 000 لكن يجب أن تعترف بأنه رجلا ماهرا لأنه استطاع الاختفاء حتي الآن0
تقدم منه شتالينا وهو يفكر في أمر يكاد يكون واثقا منه ثم قال بانفعال:
­ إن كان رجلا سأبثق في وجهه، إن كان امتلك الجرأة علي قتل إنسان فلتكن لديه نفس الجرأة علي أن يعترف بما ارتكب0
­ لكن النظر إلي الشمس من بيت ريفي أفضل من النظر إليها من خلق قضبان السجن0
­ أمن الأفضل أن تكون كلبا أجربا علي أن تكون نسرا سجينا؟
­ هذا كلام نقوله للأطفال0
ضرب أوندري زيمون بيده في الهواء0 أخذ السيد شتالينا ينظر إلي ظهره وهو يسير خلفه وكأنه يريد أن يخرق معطفه 0 لكنه لم يكن سوي معطف أسود لا يضر و لا ينفع 0 فنظر في الأرض0
ذات مرة وهما يسيرا معا التفت إليه زيمون ببطء وسأله علي حذر:
­ أتعتقد أنهم سيعثرون عليه؟
­ علي من؟
­ هذا 000 ذلك ال000
ثم نطق بصعوبة كلمة القاتل 0 فقال له شتالينا مؤكدا:
­ سيظهر يوما ما0 سيأتي يوما ينكشف فيه سره0
­ صحيح؟ 000 سنري0
انتصب أوندري زيمون وأسرع في مشيته حتي ابتعد عن السيد شتالينا الذي انكشف له أمرا ، وكأنه بصيص ضوء ا خفي سري في عقله0
6
اخضرت من جديد شجرة الصنوبر الحمراء أمام منزل أوندري زيمون وصارت الحجرة ­ التي كانت حتي ذلك الوقت يغمرها الضوء ، باردة كالثلج وتسللت إليها عتمة خضراء 0 أجراس البقر العائد من المرعي يصحبها غناء الراعيات بث فيه شعور بالسكينة ، دفعه أن يجلس وينظر إلي الوادي الفسيح ، حيث تنمو أشجار الكرز ويعلو في الجو دخان أبيض0 الناس يهرولون ويتحدثون ، غير أن كلامهم يتلاشي في السحاب ويخلفون وراءهم شعور طيب وهدوء عميق يكسره شباب عائلة زيمون بعد أن لاحظوا وجود الثلج في غير أوانه0 بالفعل سقط الثلج وتجمدت الأشياء0 شباب العائلة يلتقطونه بيدهم ثم ينظرون إلي بعضهم البعض يلقون به ثم يسقطون علي الأرض بكامل ثقلهم0 كاترينا تتحرك ولا تكلم أحدا0 الراعي يسب ويلعن علي الخشب الطري ، الجميع يلاحظ أن ضفيرة أمهم مازالت ملقاة أعلي رأسها بصورة غريبة0
لم يعد أوندري زيمون إلي البيت إلا في المساء ، يحني رأسه ويسير في المنزل صامتا ، يعطي انطباعا بأنه إنسان يعرف أمرا ما لكنه يلتزم الصمت وهو يكابر ، وكأنه غاضبا علي العالم كله0 كانت أمه تلقي عليه الأسئلة ما أن تجده بمفرده عندما كانت تأتي مع أبيه لزيارتهم 0 لكنه إما أن يمتنع عن الرد أو يهز كتفه وينصرف0 زاد حبه ل كاترينا عن ذي قبل لكنه لم يكن يصرح بذلك0 بدا وكأنه غاضبا منها هي الأخري ، ولا ينوي أن يتغير0 علي الرغم من أنهمها كانا ينامان معا ، إلا أن شيئا ما يخفيانه ولا يعرفه أحد0 ساد صمت باهت ، يوحي بصمت السجون والمساجين الذين يمضون عقوبة السجن المؤبد0
في هذا الوقت دارت في قرية مالكوفا شائعات في كل مكان بأن كاترينا زيمونوفا حامل0 كان هذا الخبر مهما لأهل القرية _ وكأنهم أرادوا أن يضعوا حدا لشيء ما­ فأخذوا يتحدثون عنه بحماس في كل مكان ، سواء كانوا في الجبانة أم وهم عائدون من الحقول0 كانت السيدة بيلا­هرونيهو سيدة ثرثارة0 استوقفت يوما أوندري زيمون نفسه وسألته:
­ أوندري ! هل تعرف؟
­ أعرف ماذا؟
­ أنت رجل جيد000
ثم ابتسمت ببراءة جعلت زيمون يرق لها وهو الذي كان لا يحبها و يبصق عند ذكر اسمها0 هز رجله وقال:
­ أولم أكن كذلك؟
­ يا الهي!
­ لماذا كل هذا؟
­ ألا تعرف ما يدور في بيتك؟
جاء علي باله ما يدور من شائعات فعقد حاجبيه وقال:
­ ماذا؟!
­ امرأتك
­ كاترينا
­ طبعا!
­ ماذا؟
­ ستكون أبا 000
ثم خبطت علي ظهره الذي امتلأ بحبات الثلج0
كان يعرف أن هناك حمل لكنه دهش بأن الأمر يعرفه الآخرون0 رقة متجمدة انبعثت منه كالماء المختلط بالثلج0 تحدث وهو مزهوا بكلماته الواضحة الدافئة ، تحدث طويلا عن كاترينا حتي بدت من كلماته وكأنها سيدة مرموقة يجب أن يحبها هو أوندري زيمون وكل من في القرية0
عاد إلي البيت سعيدا علي غير العادة0 عند الباب قرص الخادمة ثم أصدر ضحكات عالية في المطبخ علي كلبه جعلت أمه تهز رأسها0 وعندما دخل الحجرة أمسكت بيده وقالت:
­ أوندري !
­ ماذا؟
­ هل أنت سكران؟
­ أنا؟
­ نعم
­ ولماذا؟
­ لأنك تضحك0
فقال مداعبا:
­ وهل لا يضحك سوي السكاري؟
كانت هذه أول مرة هذا العام يضحك ويمزح 0 ومن جديد علت الضحكات في البيت0 سعادة بالغة عمت بيته ذلك المساء0 وكأنهم لم يلتقوا منذ زمن راحوا يتحدثون عن الماضي الذي بدا لهم الآن بعد عام مضحكا وطفوليا ، فراحوا يضحكون علي ما كانوا يبكون عليه0
حتي الكلب راح ينبح من السعادة في تلك الليلة0 همس أوندري زيمون ل كاترينا وهو يمسك بيدها قائلا:
­ كاتوشا 000!
وعندما أخذ يعتدل ليترك فراغ بينه وبين كاترينا شيء ما خطر له 0 فتملكه الحزن ، وبدون أن يدري سقطت يداه علي السرير000
مر الوقت وهم في انتظار أن تلد كاترينا 0
رزقت بولد0 أطلقوا عليه اسم أوندري عن أبيه0 حمله شتالينا والسيدة بيلا­هرونيهو ليعمداه (لم يستوعب أهل القرية هذا الأمر لكن أبوه هو الذي دعاه)0 وبعد انتهاء التعميد يوم الأحد تجمع في الحجرة أناس كثيرون: والدي أوندري والسيد أوتيابكا وزوجته ، ستيفان هرين و كيدون ، كروبا و يانو أولين وبنتيهما اللتان وقفتا عند الباب تعضان عجقّد ثيابهما0 طلب أوندري زيمون بإحضار لترين من الكحول المطبوخ0 وبعد أن خلطوه ظلوا يحتسوه طوال الوقت بعد الظهيرة0 السيد كودان شرب بلا تردد أما البنتان فبعد توسل تناولتا الكحول وهما عاقدان وجهيهما وتنظران في الأرض0
دار الحديث عن كل شيء: عن محصول العام القادم وعن السيد بافل تاراب الذي أوصي وهو علي فراش الموت بأشجار الصنوبر لإحدي خالاته من قرابة بعيدة والتي لم يكن يعرفها أحد في القرية وليس لابنه كما كانوا يتوقعوا0 ثار السيد كودان لما فعله الرجل لأنه لم يكن يحب مثل هذا التحولات المفاجئة ، فخبط بيده علي الطاولة 0 وبعد أن هدأ الحاضرون قليلا صرخ بصوت عال:
­ من منكم رأي ممتلكاتنا يوما؟
غير أن أحدا لم يهتم بما يقول0 السيدة بيلا­ هرونيهو كانت بعد كل كأس تذهب إلي كاترينا في الغرفة تهمس لها طويلا ثم تعود وعلي وجهها ابتسامة0 أما الفتاتان عند الباب فقد تجرأتا وجلستا علي السرير0 من جديد دب خلاف بين كروبا و هرين حول الخشب 0 وعندما رأي كيدون أن الخلاف سيطول حني رأسه مستسلما للأمر وراح يغط النوم0
ساد السرور في الحجرة0 طال الحديث عن أوندري الصغير 0 زوجة أوتيابكا راحت تتنبأ بناء علي علامات عديدة بأنه سيكون طفلا سعيد0 أمن كل من كروبا و هرين علي كلامها0 راح السيد أوتيابكا يفكر لبعض الوقت ثم انتبه ، وعلي الفور التقط الغليون من جيبه وضغط علي التبغ ثم أشعله0 وبدا وكأنه يريد أن يذهب إلي مكان ما0 هدأ الحديث عندما نادت كاترينا من الحجرة 0 كانت الفتيات يقفزن علي السرير فانطلقت السيدة بيلا خلفهم وهي خائفة0
الوحيد الذي لم يحضر كان أوندري زيمون 0 لقد عاد لتوه من الكنيسة ، لكنه علي عتبة الباب قال مع السلامة وقد أعطي انطباع بأن مكروه أصابه ولا يريد ولا يمكن أن يخبر أحدا عنه0في الواقع انصرف باهت الوجه 0 تعجب الباقون 0 كانوا يعتقدون أن الصحبة ستكون معه أكثر مرحا0 تحول عجبهم إلي دهشة أدت إلي نوع من القلق0
انصرفوا قبل أن يحل الظلام0 لكن يانو أولين لمح صدفة يوسف سيفكا يسير تحت النافذة وفي يده الهارمونيكا ويتجه نحو الثيران0 نادي عليه أولين فجلس سيفكا علي حافة الحديقة ، وما أن بدأ يعزف علي الهارمونيكا حتي بدأت الفتاتان ترقصان0 حتي ستيفان هرين الذي كان يحب هو الآخر الرقص انضم اليهما0 لم يمر وقت طويل حتي تجمع الشبان والشابات في الحديقة 0 الشابات تمسكن مناديل في أياديهن ورسمن علي شفاههن تكشيرة0
جعل جو المرح هذا أوندري زيمون سعيدا0 لم يشاركهم بل بمجرد أن رآهم يلهون ويمرحون انفرجت أساريره وأرسل الراعي لإحضار برميل صغير من البيرة0 علي الفور بدءوا يشربون حتي آخر نقطة في البرميل0 أرسل السيد هرين في طلب برميل آخر0 وعندما حل الليل علي القرية كان الجميع في بيت زيمون يرقصون ويشربون حتي الثمالة0 في وقت الراحة جلس السيد كروبا عند الماء وأخذ يحرك قدميه في الهواء وفجأة انطلق في الغناء:
طارت الغربان ،
طارت الغربان إلي الوادي 000
وما أن سمعه من في الحديقة أخذوا يغنون معه:
000 غربان غير أليفه
الليل الأسود فات
واليوم الأبيض آت
ثم تغيب الشمس 000
علت أصواتهم بعفوية وطال غنائهم ، كانت أغنيات حزينة ، تتردد كتيار من البكاء تحت قبة السماء0 كانت أغنيات مليئة بالحزن في ليلة من ليال الصيف ، بادلتهم الحزن بحزن مماثل0 يقف أوندري زيمون مستندا علي باب الردهة ، يستمع إليهم وهو شاخص بصره بعيدا 0 هو نفسه لا يعرف ماذا يري هناك0 فقط يشعر في نفسه بشيء يلين _ وكأن ذقنه صار في موج الأصوات طويلا وعيناه يغشاها الضباب0 أراد أن يضحك حتي يتخلص من حالته هذه ويصيح علي من في الحديقة ، لكن شفتاه لم تطيعاه0 دخل إلي الغرفة واجما ، وفجأة ذكر أن له ابنا0 أسرع إلي غرفته ، ولما رأي أن كاترينا مازالت مستيقظة سألها:
­ يمكن أن أفتح النافذة؟
أومأت برأسها0
فتح النافذة فدخل صوت الأغنية منسابا إلي الحجرة0 كانت أغنية حزينة ، جعلته يشعل المصباح ويجلس علي المقعد حتي يخفف من وقعها قليلا0
جلس ينظر أمامه ، فوقعت عيناه علي المهد حيث ينام أوندري الصغير 0 علي غير قصد أخذ يتساءل: يشبه من هذا الطفل؟
كانت فكرة مجنونة0
لم يكن وجهه الصغير الضئيل يحمل بعد أية علامات تشبه أحد0 لكن عندما نظر إليه نظرا مليا ، ارتبك 0 إنه يري سمات يعرفها0 لم يكن يريد أن يصدق ما يراه 0 رفع المصباح واقترب من المهد0
تأمله جيدا حتي بدأ المصباح يتأرجح في يديه0 ملامح وجه الطفل _ هكذا يراها هو _واضحة وجلية وكأن أحد نحتها بيد قوية0
هكذا سيكون ­ ثم عاد ليؤكد نعم ، هذه هي ملامحه 0
وضع المصباح وهو مرتبكا مما رآه0 تطاير الغضب من عينيه ، فتقدم إلي السرير وصاح بصوت مهيب:
­ كاترينا !
­ ماذا؟
تردد ثم عض علي أسنانه وقال:
­ أتعرفين من يشبه هذا الطفل؟
نظرت إليه في دهشة من سؤاله الغريب:
­ من؟
­ انظري 000!
ثم التقط الطفل بعنف من كتفه ومال علي المهد وهو يضغط عليه بشده0 وعندما طال صمت كاترينا سألها:
­ ألا ترين؟
­ لا
­ انظري مرة أخري !
كان الغناء مازال يتردد في الحديقة0 الأغاني تطير في الظلام هادئة وبطيئة0 أوندري يسألها وهو يجرها من ركبتيها من علي السرير بصوت ثقيل ، غاضب:
­ ردي ! ألا ترين؟
­ أتعني 000؟
تطلع كل منهما إلي الآخر وقد فهمت ما يعنيه0
قال أوندري : معقول؟!
ثم طرحها علي السرير وكأنها قطعة من خشب0


7
منذ مساء ذلك اليوم لم يصرف أوندري زيمون نظره عن الطفل سواء وهو في مهده أو بين أيادي كاترينا 0 أطال فيه النظر ، تأمله وكأنه يريد أن يقتله بنظراته هذه0 غير أن أوندري لم يتأثر بذلك ، كان يعيش في دنياه غير عابئا بما يدور حوله0 فهو مخلوق مستقل عما يدور حوله ، يضحك ويبكي ويحرك يديه وينمو، سواء أراد من حوله أم لم يرد0 والأكثر من ذلك أنه رغم ضعف حيلته كطفل كان مليئا بزهو الإنسان الذي يعي حقه في الحياة0 كلما فكر زيمون في هذا عصر قبضته وعض علي أسنانه يائسا0
رأي وهو يراقبه التغيرات التي تحدث في وجه الرضيع0 بدأ يختفي من وجهه لون الطفل الرضيع ، أخذت هذه الملامح المفزعة _كما يراها هو­ تتضح يوما بعد يوم0 ملامح تختفي تحت جلده ، يشتد عضده كالوتر ، يتشكل وجهه خلف هذه الملامح كالأرض تحت جزر شجرة البلوط وهو يتغلغل فيها بلهفة0 ابْيّضٌ وجهه خلف هذه الملامح وتشكل 0 لا شيء علي وجه الأرض يقدر علي أن يوقف نموه0
وجه الطفل يحمل تلك القسمات الرهيبة كالفاكهة فوق الشجرة0 هكذا يراه زيمون ، بدأ يخفيه عن الناس حتي لا يرون ما يراه0 كان قدر الطفل أن يبقي في حجرة لا تراها الشمس علي مدار اليوم ، ليس بها سوي عتمة خضراء تشبه الهواء المتجمد ، يملأها بكاء الطفل وغناء كاترينا الذي يصدر كصوت من القبور0
ذات مرة جاء شتالينا بعد الظهيرة ، لم يكن يريد أن يدخل لكن السيدة بيلا _ هورنيهو أجبرته ، فدخل ثم جلس وقال علي الفور:
­ ما هي أخباركم؟
ردت السيدة زيمونوفا الأم وهي تنهض من علي المقعد حيث كانت نائمة:
­ كما ترانا، محبوسون هكذا كل يوم0
لم يكن أوندري موجود في الغرفة0 كانت كاترينا تجلس عند الطاولة وتقشر البسلة 0 دار شتالينا بنظره في الغرفة ثم قال:
­ ­ أين أوندري ؟
قالت كاترينا بهدوء:
­ ذهب لإعداد العربة0
في صوتها شيء ما غامض0 ما أن سمعها شتالينا حتي انتابه شعور بأن كل شيء قد ضاع ولم يستطيع مواصلة الحوار0 التزم الصمت ولم يرد الكلام ، لولا أن أوندري دخل الحجرة0 عندما رأي شتالينا والسيدة بيلا _ هورنيهو يجلسان علي المقعد اندهش قليلا لكنه دخل وحني ظهره كالمعتاد:
­ مرحبا بكم !
ابتسمت السيدة بيلا _ هورنيهو وقالت:
­ جئنا نطمئن عليكم0
أضاف شتالينا بطريقة رسمية:
­ كيف حالك؟
­ ماشي الحال0
جلس زيمون عند الطاولة وأسند رأسه وهو ينظر في الأرض0 فقالت أمه:
­ بصحة جيدة ، هو قوي مثل الفجل الحار 0 عائلة زيمونوف دائما تعمر0
­ وماذا عن العشب؟ كيف ينمو؟ هل هناك ما نحصده؟
قال زيمون وهو يجر يخط علي الأرض:
­ سيكون هناك عشب 0 الطقس جيد والعشب متواجد ، وبدونهما يسوء الحال0
قال شتالينا :
­ لقد نزل المطر في العام الماضي0
رغم أن الشمس كانت تشرق في الخارج إلا أن جو الغرفة بدا وكأن السماء ملبدة بالغيوم والأمطار تتساقط0 أمر صعب 0 ساد الصمت وعم الوجوم واغبرت وجوههم البيضاء0 عيونهم الكبيرة تبدو ميتة وهي تجوب الغرفة بلا هدف0 بدوا خمستهم وكأنهم لا يعرفون بعضهم البعض0 طال صمتهم: أرادوا أن يهموا جميعا وينصرفوا وسط هذا الصمت0 غير أن هذا لم يكن لائقا0 فجلسوا متصلبين في أماكنهم 0 أخيرا كسر شتالينا الصمت وقال:
­ كيف حال الطفل؟
كان في سؤاله مكر جعل أوندري ينزعج0 لكن كاترينا قالت:
­ هو نائم ، منذ قليل وضعته في السرير0
قالت السيدة بيلا­هورنيهو :
­ هل سينام طوال حياته؟ كم مرة أسأل عنه والإجابة هي نفسها0 كيف هذا 000؟ أجيبوني 000! نحن لا نراه كل يوم0 كاترا ! اذهبي واحضريه!
عبس أوندري وشعر وكأن كل من في الغرفة قد اتفقوا عليه ويتظاهرون فقط بغير ذلك حتي يتمكنوا من عصره علي الحائط0 ألقي عليهم نظرة شك ، لكن وجوههم المكسوة بالصفاء جعلته يقول:
­ مهلا ، لماذا تزعجون الطفل؟ لقد رأي العم شتالينا الكثير من الأطفال000
بقي الضيوف في أماكنهم وبعد لحظة ساد فيها الصمت انصرفوا وفي أنفسهم سأم وضجر0
ساد الوجوم في بيت زيمون 0 انصرفت أمه و كاترينا إلي الحجرة وظل أوندري جاسا ، غارقا في التفكير علي المقعد وحتي المساء0
في المساء نهض وارتدي معطفه ثم انصرف0 ولم يرجع طوال الليل0 عند الفجر رآه خادم السيد سيميك ثملا للغاية0 ساعدوه في خلع ملابسه ثم أوصلوه إلي السرير0 في اليوم التالي ذهب من جديد وشرب خمرا أكثر من اليوم السابق0 هذه المرة لم يرجع إلي البيت ، بل ظل في الحانة مستلقيا علي الطاولة0 بعد الظهيرة ذهب مرة أخري وشرب من جديد بصورة لا مثيل لها حتي الليل0 في منتصف الليل عاد إلي البيت ، لكنه لم يدخل الغرفة بل ذهب لينام علي التبن في المخزن0 استيقظ في الصباح ورأسه تؤلمه 0 ضرب الراعي في فناء البيت وكاد يقتله لولا أن أمه جرت عليه وأخذته من بين يديه ، ولم يصب سوي بنزيف في فمه0
صار أوندري مصدرا لرعب جميع من في المنزل0 أما هو فقد غطي وجهه وجوم ثقيل0 كان وهو يحني جسمه الطويل وينظر إلي العالم نظرة كئيبة يشبه الخنزير الثائر الذي يجري و يرتطم بكل عائق أمامه كالأعمي0 ولا عجب من أن كل من في البيت صار يتجنبه0 لكن أوندري الصغير _ وكأنه يخالفهم­ لم يكن يتجنبه0
لكنه هو نفسه يذكره وباستمرار ب يانو شتالينا 0

8
حتي كل الذين كانوا يلقون علي أوندري زيمون نظرة عابرة يلاحظون أنه يتغير يوما بعد يوم0 صار وجهه الذي امتلأ بشاشة يوما ما شاحبا معلولا: عيناه زائغة لامعة ، قطب ما بين عينيه وكأنهم وصلوا حاجبيه بخيط ، فمه مبلل عند جانبيه بلعاب أبيض0 تقلصت رقبته أكثر من ذي قبل حتي كادت تنغلق ، تجعد الجلد فوقها ومالت أسفل رأسه وبرزت عقدة حنجرته الكبيرة التي انحشرت بشدة تحت قميصه المصنوع من الكتان وكأنها ستخنقه0
تغير في كل شيء 0 بدأ يتأني في كل شيء ، صار يمشي كرجل عقد أمره علي شيء ويريد أن ينهيه0 لم يكن ينظر إلي شيء أو شخص من حوله0 بل يسير بثقة نحو هدفه ، حتي جعل الناس يعتقدون بأن أوندري زيمون سيحقق مأربه مهما صادفه من عوائق0 مما أكد من قناعتهم هذه أنه بدأ يتردد علي الحانة بانتظام0 فكل يوم وبعد أن تدق أجراس المساء يرتدي معطفه وبعد لحظات يكون في الشارع ، يسير وكأنه ذاهب لأمر يتوقف عليه مصيره أو أنه ذاهب لقضاء أمر هام0
لكن أوندري زيمون لم يكن يقضي أي شئ0 ربما لهذا السبب اعتقد الناس أن ذكاءه يكمن في أنه لا يقضي أي أمر وأنه بهذه الطريقة سيبلغ ما يخطط له0 لكن الأمر ليس كذلك0 ما أن دخل الحانة رفع قبعته ونادي علي سيميك الذي يحتسي الخمر مع خادمه:
­ أيها العراب ! مرحبا!
صافحه سيميك ثم أفسح له مكانا 0 أوندري زيمون الذي لا ينبث بكلمة في بيته هنا يضحك ويمزح كأسعد إنسان في العالم0
نادي علي الساقي عند البار:
­ كأس!
ثم استدار ونظر إلي سيميك وعلت ضحكته أكثر وقال:
­ يقال إن الإنسان لا يجب أن يشرب ! نحن نجتهد في العمل مثل الخيول ، فلماذا لا نستمتع بوقتنا؟ فلن نأخذ معنا شيئا إلي القبر ، أليس كذلك يا يوسف ؟
يوسف هو اسم خادم سيميك الذي كان ينظر إلي الأرض أو ينقر بأصابعه علي المقعد0 لكنه ما أن سمع الاسم رفع رأسه واحمرت وجنتاه كالصبية ثم رفع صوته بالموافقة0 كان سيميك كثيرا ما يعلق علي ردة فعله هذه قائلا:
­ ماذا دهاه ! إن هذا الرجل ليس له رأي! الغبي ليس عنده سوي نعم 000
غير أن سيميك لا يستغني عن خادمه 0 كان غالبا ما يأخذه معه في كل مكان 0 يستمع إليه الخادم بوجه جاد0 قويت صداقتهم حتي أن الخادم يعمل عنده للعام الخامس علي التوالي0الخادم غالبا ما يصحب سيميك إلي المنزل وفي البيت سيميك يقبله علي وجنتيه كابنه0
بدأ سيميك يتحدث بعد أول كأس0 استدار إلي أوندري وخبط علي كتفه وقال:
­ ما رأيك لو بدأنا نتاجر؟
كان هذا سببا وجيها للحديث 0 فكر أوندري في البداية قليلا ثم أجاب:
­ هذه فكرة ليست سيئة0
ثم تحدثوا عن التجارة وعن الرجل الذي كسب من بيع حصان واحد 500 كرون0 لكن يوسف لم يستطع أن يصدق ذلك 0 هرش سيميك في قفاه ، أما أوندري فقد خبط علي الطاولة وهو يصيح:
­ اللعنة!
­ هكذا يصير المرء غنيا0
­ صحيح0
­ أليس هذا أفضل؟
­ بالتأكيد!
ظلوا طوال الليل هكذا يتحدثون حول الموضوع ويتناولون كأسا وراء الآخر0 تحت سقف الحانة يشتعل مصباح ويشع ضوءا مختلطا بدخان يلتصق علي الحائط0 لذلك بدت الحانة صغيرة جدا0 سيميك ينظر في أحد الأركان بدهشة متزايدة لأنه يعتقد أنه يري فرنين0 لم يصدق ذلك 0 التفت إلي أوندري ثم أخذ يسأله عن بعض الأشياء0
­ ماذا عن ابنك؟
أزعجه السؤال ، ظهر الغضب علي وجهه ثم همهم بكلام غير مفهوم وقال:
­ هيا بنا0
ثم انصرف0 كان الطريق مفروشا بالثلوج ، تقفز عليه ضفادع كسولة وقبيحة0 ساد الصمت في القرية باستثناء صوت الشباب الذين يتهامسون في البيوت ، بين الحين والآخر يسمع صوت ضحكات نسائية حادة وعوي كلاب0 سرعان ما ساد الصمت من جديد0
عاد إلي البيت كما هو حزينا ، قلقا 0 وجد كاترينا مازالت مستيقظة ، فسألها:
­ لماذا لا تنامين؟
نظرت إليه في استغراب وقالت:
­ أنا؟
­ نعم أنت؟ من غيرك؟
قالت وقد استفزها الغضب:
­ نم أنت! بدلا من الجلوس في الحانات استلق ونم000!
­ أنت تأمريي؟
­ وهل أنت تأمرني؟
­ أنا؟
نظر إليها كالذئب لكنها لم تتحرك وقالت بحدة وبجرأة:
­ نعم ، أنت!
­ أيتها الكلبة!
­ وماذا تكون أنت؟ ألا تخجل من نفسك؟
ثارت ثورته فهجم عليها وصفعها مرتين في وجهها وركلها في رجلها0 أراد أن يوسعها ضربا إلا أن أمه جاءت مسرعة إلي الغرفة وصاحت وهي تري أوندري منكبا علي كاترينا :
­ أوندري !
جاء صوتها الداعي للتصالح حائلا ، فصلهما عن بعضهما في هذا المشهد القبيح0 تراجع أوندري ، وعندما رأي أمه تقف عند الباب تقهقر وانسحب كالكلب الخائف0 نام في هذه الليلة في مخزن القش0 يداه تدعواه للقتال0 تملكته رغبة في أن ينهض ويهدم السقف ، الجو في المخزن تحت هذا السقف خانق وباهت كالسجن0 لكنه لم ينهض ولم يهدم السقف0 في اليوم التالي ثمل كاليوم السابق ، لكنه عاد إلي البيت قبل طلوع القمر0 جلس عند الطاولة ثم قال ل كاترينا دون أن يلقي عليها التحية:
­ ماذا تفعلين أيتها الصبية؟
لم ترد عليه كاترينا 0 استدارت تغسل الأطباق0 فكرر سؤاله:
­ أيتها العشيقة! أتسمعين؟
كان الكلب ينبح في الخارج 0 كاترينا لزمت الصمت0 لكنه أسند رأسه ثم صاح بصوت عال:
­ أيتها العشيقة!
بدلا من الرد سمع نحيبها الهادئ0 لأنه لم يسمع الرد الذي كان يتوقعه نهض وغادر الغرفة0
في اليوم التالي عرفت السيدة بيلا هرونيهو بما حدث 0 وعندما كانت كاترينا في طريقها لإحضار الماء استوقفتها في الساحة وقالت:
­ كاترا !
وقبل أن ترد كاترينا سألتها:
­ لقد ضربك0 أليس كذلك؟
انفجرت كاترينا في البكاء وقالت:
­ نعم ضربني0
تعاطفت السيدة بيلا _هورنيهو معها وكذلك كل من في القرية باستثناء شكولنيتسا التي لم تتعاطف مع أحد في حياتها0 صبوا لعنتهم علي أوندري وجمعتهم كراهية مشتركة له0 بدأوا يتجنبونه ويبتعدون عنه وكأنه أسوأ إنسان في القرية ، حتي وأن جمعتهم به الظروف أو اضطروا للنظر إليه يتمتمون وأحيانا يوبخونه مباشرة0 نال كذلك حظه من التوبيخ من والديها ، غير أنه بدأ يتجنبهم لذلك أخذوا يوجهون لومهم إلي أمه التي كانت دائما تهز رأسها عند سماعها هذا الكلام وتولول قائلة:
­ وماذا بيدنا؟ وماذا بيدنا؟
رغم أن والدي كاترينا أسمعوهما الكثير من اللوم والتوبيخ لكنهما لم يفعلا الكثير لمساعدة ابنتهما وهي تتعذب0 كانا يبرران تخاذلهما هذا بمقتطف من الإنجيل ، يقول إن المرأة يجب أن تكون في طاعة زوجها0 لكن السيد شتالينا عندما سمع ما يدور في بيت زيمون أراد أن يذهب ليجسمِع أوندري ما لا يحب0 لكنه عدل عن هذه الفكرة علي الفور حيث شعر بنوع من الرضا وقال لنفسه: ­ ليفعل بها ما يشاء ، لماذا تزوجته؟ 0
ذات مرة كانت كاترينا خارجة من المتجر فاستوقفها وقال لها:
­ أسمع كلاما غير طيب0
صاحت قائلة: ­ إنه يضربني
­ أترين؟000
­ ليتني مت قبل أن يحدث هذا0
­ هل كنت مضطرة أساسا للزواج به
­ من كان يعرف؟
­ لقد قلت لك ولأبيك أيضا0 لكنكم لم تسمعوا الكلام ، ولم يطل الانتظار 000 لقد حدث الآن! قلت عن ابني إنه000 ! أنت تستحقين ما يجري لك ولا أسف عليك0
هز كتفه ثم انصرف غاضبا وهو غير آسف حتي علي نفسه0 لقد انتقم لابنه، وهذا الانتقام رغم أنه شفوي ومؤلم إلا أنه كان سعيدا به حتي ولو لم يرض أهل القرية أو حتي العالم بأسره0 نظر خلفه فوجد كاترينا لم تبرح مكانها حيث التقيا0 أراد أن يرجع ويقول لها المزيد ، لكن الوقت قد تأخر ، فقد بدأت مصابيح القرية تضاء0
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: