|
|
| السنة - | 723 | ه - العدد | 1428 | جمادي الأولي | من | 3 | - م | 2007 | مايو | من | 20 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:49:38 ك |
 |
الساعة - |
 |
19/05/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
امرأة من بار
محمود عبدالوهاب
دخل إلي المكان وألقي عليها السلام في إهمال.
ألقي بمفاتيحه علي الرخامة الرمادية وجلس، تبادل حديثاّ جانبيا مع البارمان وتعمد أن يكون صوته عاليا.
بدأ البارمان يحكي له، وبصوت منخفض، عن خبراته في السياحة عندما كان سائقا يجوب شبه جزيرة سيناء بعربة الشركة، أفاض له في الحديث عن مغامراته مع السياح ومشاكساته لرجال شرطة السياحة.
جاءت نادلة وطلبت منه سيجارة، أومأ لها برأسه موافقا وإبتسامة ودودة علي شفتيه ثم عاود حديثه مع البارمان.
جاء فوزي وجلس إلي الناحية الأخري من البار بعد أن تبادلا التحية، جاء عبده بعده وجلس في منتصف البار البيضاوي.
مايزال المرح يبدو علي ملامحه ويبدو أكثر في صوته العالي الذي لم يعتده هو نفسه.
عندما مرت من أمامه حياها بابتسامة هادئة، أكثر ما أسعده أنه قد تخلص من رغبته فيها، ولذلك استمر في حديثه مع البارمان براحة لم يعتدها من قبل.
عندما مرت مرة ثانية عزم عليها بسيجارة، أخذتها، أشعلها لها ثم حوٌل وجهه إلي البارمان.
تذكر عندما رآها أول مرة في هذا البار.
سألها:
عارفة تشبهي مين؟
ضحكت قائلة:
الممثلة..
كنت عارفة؟
أيوه، بس أنا أجمل واللا هي؟
ناوشها.
بصراحة.. هيٌّ.
ضربته ضربة خفيفة علي كتفه.
ود لحظتها لو قرصها في ذراعها ولكنه تراجع تحت تأثير طبيعته المتحفظة.
ازداد اقترابا منها وقرأت ذلك في عينيه وفي تعبيرات وجهه المنطلقة بلا أية قيود بعد البيرة الثالثة.
حكت له عن ظروفها وعن أنها تزوجت من أمين شرطة ثم طلقت منه بعد عامين لأنه لم يكن نظيفا.
حكت له أيضا أن أسرتها تملك عمارة في بولاق الدكرور وتقيم بها وأنها تملك شقة في هذه العمارة مؤثثة بالكامل تسكن بها بمفردها.
قالت له إنها مش بتاعة كده ، وأنه لو أراد فإنه يستطيع أن يأخذ فلانه أو علانه، أما هي فلا.
لايدري لماذا أحس إنها تلمح إلي إمكانية الزواج، وهو الشيء الذي أكده صديق له عندما كانا معا في يوم آخر.
قال لها إن كل مايريده منها أن يخرجا معا لتناول غداء أو عشاء في أي وقت من اليوم من أجل الصحبة الحلوة ليس أكثر، لكن تعبيرات وجهها جعلته يحس أنها تشك في كلامه.
أحس بشيء من اليأس، هل طلب منها شيئا غير منطقي؟
هل هو أمر محال أن تصدقه امرأة وهو جالس في بار، أنه ليس بحاجة إلي الفراش بل إلي مجرد الكلام؟
أم أنها من كثرة تجاربها مع الرجال لن تتصور أن الكون مازال به بلهاء مثله؟
كيف يقنعها أنه أبله؟
لم يكن لديه الجهد الكافي لذلك فتركها تفهم ماتريد، لكن العلاقة بينهما استمرت مع ذلك حتي خصته ذات يوم بتليفون منزلها، كلمها في اليوم التالي ودعاها للخروج لتناول العشاء قبل ميعاد ورديتها، إقترحت ميعادا آخر في يوم إجازتها، سر كثيرا أنها تبادله الاقتراح باقتراح، لكن عندما جاء اليوم المحدد لم تجب علي اتصاله.
في زيارته التالية للمكان عاتبها فاعتذرت ببعض الانشغال، ثم أعطته رقم الموبايل.
لكنها لم ترد عليه أبدا.
أدرك الخدعة التي دائما ماينساها بعد تناول الزجاجة الثالثة، إنه، وكما كان يعرف قبل أن يراها، ليس إلا زبونا جديدا للبار، هذا الذي يحدث معه يحدث مع آخرين غيره، لاشيء يميزه، ربما باستثناء البله الذي يجاهد دائما في إخفائه، ثم يفشل أثناء الشراب.
استاء للموضوع كله فأصبح في زياراته التالية يتجنبها، لكنه كان دائما ما يقع في الفخ في منتصف السهرة، يبدأ في التصديق بأنها له، وأنه من الممكن أن يعرض عليها فكرته من جديد فتوافق.
تلتقي عيونهما وهي تمر بين المناضد فيبتسمان، تأتي إليه وتسحب سيجارة من علبته فيشعلها لها، تعطيه إياها ثم تمضي ضاحكة بعد أن تقول له:
خد لك نفسين لحد ما أرجعلك.
تروح وتجيء ويتبادلان بعض الجمل القصيرة وقد يعرض عليها الأمر مرة فتقول له صادقة:
حاضر.
ولا يحدث شيء.
بانقطاعه عن البار حرر فكره من تأثيرها وانطلق يعربد في أماكن أخري.
كانت النظرية التي اعتنقها في هذا الصدد هي أنه _وبأي حال من الأحوال لايجب أن يشتهي المرء امرأة من بار.
لايجوز.
ولايليق.
أما ليلة أمس فكانت تتويجا لهذا الفكر الجديد، حيث اعتراه فيها الملل من كل شيء ففكر في هذا المكان علي سبيل التغيير، مقررا أن لايكثر من شرب البيرة التي تجعله عاطفيا.
علي أية حال لقد كان سعيدا لأن الليلة مرت علي مايرام، الحديث مع فوزي وعبده والبارمان طال وتشعب حتي طلبوا منه في نهاية السهرة أن يغني.
قال لهم بأن من الأفضل أن يستمعوا لأم كلثوم التي كانت تغني في التليفزيون المعلق علي الحائط.
وآدي التليفزيون.
أغلقوا التليفزيون من أجله وقد اعترتهم نشوة السكر وراحوا يتضاحكون، بينما كان البارمان قد بدأ في طلب الحساب.
دفع حسابه بينما كانوا قد انشغلوا في حديث فرعي منتظرين أن يبدأ.
نظر حوله ليقدر حجم الجمهور قبل أن يغني.
كانت قد غادرت.
نظر إلي كأسه التي كانت بها رشفة واحدة.
ابتلعها وقد أحس فجأة بانطفاء غريب في روحه بلا أي سبب.
بلا أي سبب.
هرب من المكان دون أن يلاحظه أحد.
|
|
|
تحت أي السقوف سأغفو إذن؟
شوقي بزيع
لم تقدني إليها الخطي
حين عدت،
ولا أمل يائس بالعثور
علي صرخة أقفزت
أو نجوم تشظت علي ضفتي
جنة من دخان
لم يقدني الهواء،
الذي لم يزل بعد حيا،
ولاحفنة من روائح غائرة
في جروح المكان
ولامشي القهقري
كي أري من جديد
قوافل موتاي
عائدة كالثمار إلي جوف
أثلامها الأم،
لاشيء من كل هذا
فقط رغبتي في الرجوع
إلي أي مهد
يسيلني كالمياه علي ضلعه
كي أصفي حسابي مع العمر
في لحظة حاسمه
فقط كي أسير الهوينا
وراء بقايا الحياة التي أنجبتني
وأبحث عن فسحة للتأمل
في مايهيئه البرد
من نذر قادمه
لا الطريق ولا سالكوها
يقودانني نحوها
ولكنني رحت أمشي مع العائدين
لعلي أراني هناك
لعلي أري جسدي طائرا سابحا
في فضاء الوهاد
التي ضيعتني صغيرا
وعادت إلي حيث كنت
مكورة نفسها كالأجنة
في ظلمات الرحم
رحت أمشي
كأني الجنازة والميت والقبر
نحو البيوت التي جثمت قرب أحزانها
كالطيور المدماة
حتي إذا يئست من رجوع بينها
انحنت فوق صفرة أيامها
كالعجائز،
تلك البيوت التي صدئت كالمفاتيح
في أصص الزهر،
والمستعادة كاللغز مع كل ريح تهب،
البيوت التي لم تجد من تناديه،
في ذروة الخوف،
إلي الفراغ المصوب من فوهات الكوابيس
نحو الوسائد،
تلك البيوت التي أفلتت مع مزاريبها
من فخاخ الشتاءات،
ماذا أقول لها الآن؟
في ظل أي السقوف سأغفو علي صدرها
مثلما كنت أفعل طفلا؟
وذاك البخار الذي يتصاعد
من جوفها
مثل أرواح موتي بعيدين
من سوف يرفعه
عن أباريق شاي الصباح؟..
رحت أمشي مع العائدين
ولكن: إلي أين؟
يسأل كهل سماء أشاحت
بسكانها عنه،،
والناس يستنطقون الركام
الذي كان قريتهم،
قبل شهر وعشرين قبرا،
ولايبصرون
سوي قطع من جذوع الحياة
التي انتصبت فجأة في المكان
ولايسمعون
سوي الحشرجات التي علقوها
علي سفح أعمارهم
وهي تهرم،
لم تبق كسرة ومع
لكي يمضغوها مع الخبز،
لم تبق خابية لادخار الحنين
إلي ما سيمضي
ولا رقعة من قماش
لتضميد جرح الأمل..
رحت أمشي مع العائدين
وصولا إلي
وقلت لنفسي، وقد غرقت في وساوسها،
ما سيشفع بي
أن تلك الزوايا التي كنت خبأت
في ظلها برتقال الصبا
سوف تعرفني
والأسرة، أو ما ترسب من هدهدات
علي جانبيها،
ستعرفني
ولن تتنكر لي
نبتة عرشت في سبات النوافذ
أو خشب منهك 'تحت ظهر السنين'
غير أني،
وقد غامت الذكريات بعيني،
لم أجد البيت،
لم ألفني عند بوابة البيت،
لم ألف ضحكة أختي الصغيرة
راكضة نحو شرفته
كي تقول وقد عدت:
'أهلا وسهلا'،
وحدوة 'رجل الحصان' التي ألصقتها
يد الأم ذات خريف
علي حاجب الباب
لم يبق منها سوي رعشة عالقة
في رؤوس الأصابع،
لاشيء ينبض في ذلك الصمت
إلا قلامة عمر
تجمع تحت المقاعد
ثم اضمحل إلي غير ما رجعة،
أين أسند رأسي إذن؟
أين أجلس هذا الخراب الذي في
إن لم يكن ها هنا
حيث يلتف قلبي علي نفسه
كالشرانق،
قبل العثور علي خلجة آفله
ها هنا
حيث يسدل هذا الغبار الستار
علي ما تناثر فوق الأريكة
من فضلات الأماسي
ومن صور العائلة
من أنا دون تلك الرياح
التي كان يحملها الزمهرير بأظفاره
ثم ينأي
لكي يجد الطفل دربا
إلي نومه المطمئن؟،
من أنا الآن
ان لم أكن رجع ذاك الهدير
الذي تتصايح أعوامه كالاوز
علي عتبات اللغة
وما كان نزلا فقط ذلك البيت
كيما أواري حجارته في الثري
مثلما يدفن الناس أمواتهم
ثم أمضي،
ولكنه ذهب الروح تحت
التراب المخبأ،
وخزة شوك الشقاء،
الضباب الذي يتخلل ضوء العيون،
المراثي،
وقد أوشكت أن تسيل بلا أمهات
علي شرفات العدم
فماذا تراني إذن فاعلا
في لقاء كهذا؟
أأبقر أمعاء تلك الحجارة
كيما أري تحتها
صورتي يافعا؟
أم أحدق في التيه
معتذرا عن عقوق الصبي
الذي ضل دربي الوصول إلي البيت
خمسين عاما
وجاء ليرمي علي خبر أحلامه
باقة من ندم
أي شيء سأفعل
في مثل هذا النهار الأصم
سوي أن أصيخ طويلا
لأسمع صوت انهمار الأعاصير
قادمة من سماواتها
كي تهديء من حيث لاعرق ينبض
هذا الألم
|
|
|
أشياء لا تخص أحدا بعينه
محمد كمال حسن
عارفة أننا تخرجنا منذ شهور وأنك لم تشتغل بعد وأن ال . آه ، هذا الكلام الذي يبدأ ب(عارفة) ثم ينتصف ب(لكن) ثم ينتهي ب(أقترح)، وهو ليس اقتراحا وإنما أمر واجب النفاذ: لأنه ماما متضايقة جدا من وضعنا وأخي يتخانق معي كلما نزلت . عنده حق وماما عندها حق، أنا كبرت.. كبرت فعلا. زوي ما بين حاجبيه ينتظر الكلمة التالية. بالمناسبة، بالأمس جاءني عريس ورفضته طبعا ، لم أقل لك من قبل هذا حتي لا أضايقك . مشكلتك أنك صدقتِ ما قلته لكِ . كانت تجلس علي حافة مقعدها وتتكلم بحماس وتقدم رأسها نحوه ممسكة بطرف المنضدة بيدها الاثنتين. وهو كان ينظر إلي البخار الذي يتصاعد من فمها أثناء الكلام ويبدو مستغرقا فيه . ماما خائفة عليٌ ، تصور بنت خالي لم تتزوج حتي الآن ، تصور 30 سنة من غير زواج ولي جارة 27 سنة وصديقة 29 ، هناك كثيرات طبعا ولكن . صمتت لحظة لتلتقط نفسا ثم تابعت بحماس: أنا عندي21 وقدامي وقت طبعا ، لكن ماماااا.. أنت عارف، أما أنا لو عليٌ ف . الميدالية كانت في يدي الآن أين ذهبت ، وقعت تحت الكرسي. متي وقعت وكيف لم أشعر بها . الميدالية غالية عليٌ جدا، هدية من صديقة قديمة . أخي لا يكرهك ولكنه طبعا لن يقبل ب . كانت صديقة فعلا وكنا نتكلم بالساعات في التليفون ، صحيح كانت بنت لا مؤاخذة لكن كانت جدعة ، يخرب عقلك دمك شربات . بنت خالي راسها وألف سيف تتزوج عن حب وهذا ما أخرها إلي الآن . ياااااه كل ما أفكر..30 سنة.. كثير فعلا . ياليت كنت أقدر أكلمك ، لولا غيرتِ الرقم يا بنت الإيه. غيرت الرقم وقالت له إنها ستتزوج بعد شهر ، وضعت أصبعها تحت إبطه تداعبه وتكمل : أنت عارف الإحراج ، ثم ضحكا.المشكلة ليست أن تأتي البيت لتخطبني ، المشكلة في ، في ، في ،........، هل أنت جاد فعلا . حاول أن يتخذ أفضل الأوضاع في جلسته غير المريحة وهز رأسه أمامها متفهما مشكلتها . كانت لديه عادة لم تكتشفها إلا صديقة قديمة ، كان يردد آخر كلمة يقولها الجالس أمامه ويقول: ممكن توضح: فيسترسل الآخر في الكلام بينما هو يحملق فيه مبديا التفهم والانغماس في حين يفكر ويرتب في أشياء أخري ، ثم يقول الشخص الجالس شادا علي يديه بعد انتهاء الحوار إنه أفضل مستمع رآه في حياته . الناس في بلدنا تتكلم أكثر ما تسمع ، ابتسم علي الرغم منه عندما تذكر صديقته وهي تحذره بعنف أن يفعل معها هذا. لماذا تبسم ، أخي فعلا رجل البيت ، بابا لم يمت ولكنه منفصل عن ماما من زمان . عارف ، هو أيضا يحب . دخل المكان شاب فرآه، كان صديقا قديما يراه دائما بالمصادفة وعلي فترات متباعدة ، سلام حميمي وسؤال حميمي وعابر وغرضه الوفاء بحق المقابلة العارضة ، أحوال و أخبار وسلام و أشوفك بخير . الكرسي غير مريح بالمرة . عارف طبعا أني أعرفك من وقت قريب، لكن والله العظيم والله العظيم والله العظيم أتعامل معك كما لم أتعامل مع شخص في حياتي لدرجة إني أحكي لك كل خصوصياتي ، خصوصياتي كبنت ، عارف .... هذه المرة الدورة اتأخرت. اتأخرت ، ممكن توضحي . الدورة لما تتأخر إما حمل أو حالة نفسية ، يعني أنا في حالة نفسية بسبب موضوعنا وماما و . نظر فجأة باستغراب حوله ثم رفع كفه أمام عينيه يقبضها ويبسطها أكثر من مرة ، ثم فرك عينيه محاولا أن يعتصر ذاكرته ، متي ، كيف ،أين ، مالك . تململ في مقعده كثيرا وهرش رأسه بحيرة وظل وقتا كأنه يريد أن يسألها سؤالا ثم يعود فيحجم إلي أن قال أخيرا : من أنت .
بالعدد المطبوع ننشر نصوص
محمد الروبي
السعيد المصري
سيد غالب اسماعيل
|
|
|
|