دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -723ه - العدد1428جمادي الأوليمن3- م2007مايو من20 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:12:39 ص الساعة - 19/05/2007 آخر تحديث يوم
      كتب
خيول تكتئب ودببة تحب النساء:
جدل الغواية بين الإنسان و جاره الحيوان
افتفاصيف

ناصية
أيام طه حسين غير ذات قيمة الأجمل : أيام عزبة واصف !
افتفاصيف

للسنة شهورها ... وللشاعر رؤيته:
غنائية الحزن ... والانتظار
افتفاصيف

كلمة
الترصيع السردي

صبري حافظ
Katibmisri@yahoo.co.uk


والجوع في حد ذاته تجربة مؤلمة وبائسة، لكن ما حولها إلي عمل فني رائع هو ربط البساطي كما فعل فؤاد التكرلي في روايته بين الجوع والكبرياء، ولجوئه إلي الترصيع السردي الذي يرصع الخط السردي الأساسي بما يثري هذه الحياة الفقيرة ويجعلها حياة مترعة بالإنسانية والعمق
لا يمكن الإلمام في هذا العمود بكل ما تطرحه رواية محمد البساطي الجميلة (جوع) من قضايا اجتماعية أو رؤي فنية وجمالية. فالرواية تعيد خلق عالم القرية المصرية بشاعرية مرهفة تضفي عليه عمقا وإنسانية. وتكشف في شخصياتها الريفية البسيطة عن تلك القدرة المصرية الفذة علي اقتناص لحظات التحقق والمتعة من قبضة أعتي الظروف معاندة للبشر. فالرواية تحكي لنا تفاصيل الحياة اليومية البسيطة لأسرة تتكون من أب 'زغلول' وأم 'زكية' وولدين. وتقدم لنا حياة هذه الأسرة التي تتضور جوعا، ويجتهد فيها الأبوان لرد غائلة الشظف والمسغبة عن بقية أفراد اسرتهما. لكن هذا الخيط السردي ما كان له إلا أن يقدم حياة فقيرة لا تستحق السرد، لكن براعة الكاتب التي تتجسد من خلال عاملين أساسيين سأتوقف عندهما وهما تغيير المنظور والترصيع احالت هذه الحياة العارية من كل زخرف، المفتقدة لأبسط شروط الحياة نفسها، إلي منجم ثري من الخبرات الإنسانية الفذة والرؤي الريفية الخصبة.
ولنبدأ بالعامل الأول وهو تغيير المنظور السردي وتعزيز البنية الدائرية من خلاله. حيث تعتمد البنية الروائية فيها علي تغيير منظور السرد ثلاث مرات من الزوج إلي الزوجة إلي الإبن، دون أن تتخلي عن منطلق السرد الأساسي. إذ تقدم لنا الرواية منطلقيا تنويعات سردية ثلاثة علي منظور الراوي الساذج، الأمي، البسيط، والمترع في الوقت نفسه بإنسانية من نوع خاص تتسم بكبريائها الفريد وتستعصي علي التلويث والإفساد في عالم تلوث فيه كل شيء. هذه التنويعات السردية تثري عالم السرد وتملأه بالتفاصيل الدالة والموحية، وتخلق نوعا من تقنية المرايا، فنري الزوجة في مرآة الزوج ثم نراه في مرآتها حينما ينتقل إليها منظور السرد، ونراهما معا في مرآة الإبن في القسم الأخير من الرواية. ومن خلال تغاير منظور السرد عززت الرواية بنيتها الدائرية عندما يغلق الإبن 'زاهر' برفض الجلباب الدورة السردية التي بدأها الأب حينما رفض 'زغلول' من قبله أمتار القماش. لكن الفرق بين الرفضين جليٌ ودال. لأن رفض 'زاهر' مترع بالتمرد والتحدي عكس رفض أبيه المكسور، رفض يكشف عن مدي ضيق هذه الأسرة بما حاق بها من ظلم، ويشي بتطور الأحداث ويحدس بمستقبلها المرتقب.
أما العامل الثاني فهو ما أودعته بالترصيع السردي الذي يحيل الكتابة إلي عمل أقرب إلي عمل الصائغ الماهر الذي يرصع سواره بجواهره المتعددة والمتناغمة والمتكاملة معا. فالرواية كما يقول لنا عنوانها تقدم لنا تجربة الجوع الذي يعتصر فقراء مصر في هذا الزمن الردئ. والجوع في حد ذاته تجربة مؤلمة وبائسة، لكن ما حولها إلي عمل فني رائع هو ربط البساطي كما فعل فؤاد التكرلي في روايته بين الجوع والكبرياء، ولجوئه إلي الترصيع السردي الذي يرصع الخط السردي الأساسي بما يثري هذه الحياة الفقيرة ويجعلها حياة مترعة بالإنسانية والعمق. فالرواية لاتقدم لنا حياة هذه الأسرة بمعزل عن سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، وإنما في تفاعل كامل معها. لذلك كانت هذه المسارد أو الجواهر السردية العديدة التي يتسم كل منها بنوع من الاستقلال السردي النسبي، ولكنها تتفاعل باستمرار من خيط السرد الرئيسي، هي أداة الكاتب لتعميق وعي قارئه بمأساة أبطاله من ناحية، وبتناقضات الواقع الذي يعيش فيه، والذي لابد من تحديه والتمرد عليه من جهة أخري.
وأول المسارد التي يرصع بها البساطي حياة بطله 'زغلول' هي قصة سامية بنت خليل وهي أقرب ما تكون إلي الجوهرة السردية التي يلقيها السرد أمامنا وكأنه يطلب منا تأملها: ليس فقط مصير سامية وما وقع عليها من ظلم فادح، ولكن أيضا شخصية خليفة المتأسلم ومنطقه السقيم الذي أجهز به عليها دونما ذنب أو جريرة. وتتابع بعدها المسارد التي يتم بها هذا الترصيع المتأني الدؤوب. قصص تلاميذ المدارس التي يقدمها لنا من حرم من التعليم. 'زغلول' الذي يشوقه حديثهم عن المدينة وعن السياسة وعن ثورات عرابي وثورة 1919 وأخيرا عن ثورة 1952 والعسكر الذين يحكمون مصر منذ ستين عاما برغم أنه لايفهم كثيرا منه، وهو حديث لايفتح أبواب السرد فحسب أمام جانب آخر من الترصيع السردي، ولكنه يرهف ذاكرة النص التاريخية أيضا، ويموضع الأحداث في الحاضر. ويفتح عقل زغلول علي الأسئلة المدببة التي لايملك لها جوابا، ولكن حينما يتحدثون عن تجاربهم مع المرأة يكتشف أن تجاربه معها منذ كان يتلصص علي المستحمات في الترعة وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة أثري من تجاربهم وأمتع.
وهناك قصة الشيخ رضوان أستاذ الفقه والشريعة بالجامعة وخطبه النارية في مسجد القرية، وورعه الزائف وتحليه بالخواتم الذهبية، واكتنازه للأموال ومشاركته في تربية البهائم أو امتلاكه لمحلات السوق المختلفة. وتلمظه علي الشهيات اللواتي يترددن علي محل القماش. وحينما طلب منه زغلول أن يفتيه في تلك الأسئلة المدببة التي أثارتها فيه أحاديث الطلاب، لم يستطع إلا اللجوء إلي ما يلجأ له المتأسلمون دائما: العنف ومصادرة الأسئلة وإلقاء تهم التكفير علي عواهنها، وتمزيق جلبابه الذي ليس لديه سواه. وهناك العديد من هذه المسارد التي ترهف حدة السرد وتوسع أفق البنية الروائية معا، وتدفع القارئ إلي التفكير في دلالات ما قرأ وتأمل أسباب هذا الجوع الكافر واتخاذ موقف رافض منها.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: