دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -757ه - العدد1428محرممن5- م2008يناير من13 الأحد
بتوقيت القاهرة 02:01:38 ك الساعة - 12/01/2008 آخر تحديث يوم
      رحبة
بورتريه
بنت الشاطئ
يوسف القعيد
كنت أري الدكتورة عائشة عبد الرحمن التي عرفتها الجماهير باسم بنت الشاطئ . كلما ذهبت إلي الأهرام لزيارة نجيب محفوظ أو لويس عوض. كان الثلاثة: بنت الشاطئ ومحفوظ وعوض. يجلسون في غرفة واحدة صغيرة. في الدور الرابع من الأهرام. وباب الغرفة ملاصقا لباب المكتب الكبير الذي يجلس فيه توفيق الحكيم. مواجها لباب مكتب صغير في الناحية الأخري. يستخدمه إحسان عبد القدوس.
كنا نجلس ونتكلم. تشرٌِق بنا الأمور وتغرب. كلام يقف في منتصف المسافة بين الثرثرة وتناول القضايا الهامة والعامة. في حين كانت تجلس هي صامتة. يمكنك ألا تشعر بوجودها في نفس الغرفة التي كانت صغيرة. لا يصدر عنها أي صوت. لا تفعل أي شئ. ليست راغبة في المشاركة في الحديث. أشك في بعض الأحيان أنها كانت تسمع كلامنا أصلا. ينسج الصمت حولها شرنقة تجعلها كما لو كانت تجلس في غرفة أخري.
تجلس محتمية بصمتها. بعيدة بسكوتها. وهي بالنسبة لي. الفتاة العصامية التي حصٌّلت تعليمها من منزلها. كتبت ونشرت باسم مستعار. لأن والدها كان ضد النشر. لأن جدها كان شيخا للأزهر الشريف. ووالدها ينحدر من قرية في محافظة المنوفية. وهاجر إلي دمياط.
في دمياط عرفت معني الشاطئ. ففي هذه المدينة ذات الطابع التجاري. يلتقي النيل مع البحر الأبيض المتوسط. ومن الصعب معرفة أين تنتهي عذوبة مياه النيل وأين تبدأ ملوحة مياه البحر. عند مكان ولحظة التقاء الماء بالماء. تجلس علي الشاطئ تراقب الماء. في صمت. وفي هذه الجلسة ومنها. اكتسبت اسمها. وكانت قبل هذا وبعده زوجة أمين الخولي. بكل ما يمثله في الأدب المصري والعربي الحديث. كانت بالنسبة لي أيضا. صاحبة أول كتاب. مبكر يصدر في نهاية الأربعينيات عن قضية الفلاح المصري وهو يمثل حجر الزاوية في أدبيات الكتابة عن الفلاح المصري بعد ذلك.
زاملتها بعد ذلك بسنوات في شعبة الثقافة بالمجالس القومية المتخصصة. لمدة تصل إلي السنتين. السنتان الأخيرتان من حياتها. لم أسمعها تتكلم في أي جلسة من الجلسات. إنسانة وحيدة. تعمدت الجلوس بجوارها أكثر من مرة. بعد حضورها تبدأ بالبحث عن قلمها الذي يكون تائها في حقيبتها. وفي كل مرة لم تكن تجده سوي بصعوبة وبعد فترة طويلة من البحث.
تغمغم وتهمهم وتحمحم لنفسها بأجزاء من أحرف الكلمات. لدرجة أن الدكتور سليمان حزين رئيس الشعبة. كان يطلب منها عدم الكلام مع الجالس إلي جوارها كانت المرأة الوحيدة في الشعبة . وكانت ترد عليه. بأجزاء من كلمات تقول فيها. أنها لم تكن تتكلم مع أحد. وكانت صادقة ذلك أنها كانت تتكلم مع نفسها.
في بعض أسابيع هذين السنتين. كانت تنشر يوم الخميس من كل أسبوع في الأهرام فصولا من حكاية ولادة بنت المستكفي. وعندما استطالت هذه الحلقات. رحت أجمع أوجه الشبه بين الكاتبة وبطلتها. ويخيل إليٌّ أنها كانت ترغب في كتابة عمل كبير عنها. لأنه يجمع بين حياتها وقصة ولادة كلمة واحدة هي: المأساة.
كانت تحضر متأخرة دائما. قال لي أعضاء الشعبة أنها تحضر من مصر الجديدة. وكانت تتمهل في الانصراف. بعد انتهاء الاجتماع. وقد عرفت أنها عضوة في أكثر من لجنة أخري وفي بعض الأحيان يكون هناك أكثر من اجتماع واحد.
كانت تمشي وهي تنظر في الأرض تحت قدميها. لا تنظر إلي الأمام أو الخلف. ولا تتلفت إلي اليمين أو اليسار. علي رأسها إيشارب لونه درجة من درجات السواد. وعلي عينيها نظارة كنت أتساءل دائما. ألا تشكل ثقلا علي الوجه؟ نظارة لم تغيرها. وفي يدها حقيبة مستطيلة. لم تغيرها أيضا. وكان لونها هو الأسود. أما ملابسها فقد كانت درجات من السواد. لم أرها في ملابس ذات ألوان مفرحة. أو يمكن أن تكون مفرحة.
قال لي سكرتير الشعبة عن مرض ما قبل الوفاة. أنها كانت تحضر اجتماع شعبة الآداب في المجالس القومية المتخصصة. وقد جاءتها الغيبوبة وهي في الاجتماع. تجلس صامتة. ونقلت من الجلسة إلي مستشفي هليو بوليس مباشرة. حيث ظلت هناك في غيبوبة مستمرة أيام السبت والأحد والإثنين. لكنها في يوم الثلاثاء. كما قال لي الدكتور مصطفي الشكعة. الذي كان قريبا منها. صحت متعافية. وقد عادت لها صحتها. استحمت كما لم تستحم من قبل. وآوت إلي فراشها. وقد بدأ الأطباء يفكرون في أنها ربما تكون قد شفيت من المرض. حيث كانت في غرفة العناية المركزة منذ لحظة دخولها المستشفي.
ولكنها في الساعة الثالثة إلا الربع بعد الظهر ماتت. فقال الذين عاصروا يومها الأخير في هذا العالم. أن ما مرت به لم يكن سوي صحوة الموت. حيث يحاول الإنسان أن يلقي نظرة أخيرة علي العالم بكل ما فيه. ومن فيه.
في اليوم التالي _ الأربعاء _ كان موعد اجتماعنا نصف الشهري في شعبة الثقافة في المجالس القومية. ولأن جنازتها كانت قد تأجلت إلي الخميس حتي تعود ابنتها التي تعيش خارج مصر. وهي آخر من تبقي من العائلة. فقد قررنا أن تكون الجلسة لرثاء زميلتنا بنت الشاطئ.
تكلم الدكتور حسين نصار الذي كان يرأس الجلسة فقال أنها من الجيل العصامي الأول. المكافح. نشأت نشأة دينية خالصة. البيت ديني. والدراسة دينية. ثم تحولت إلي الدراسة المدنية. حتي حصلت علي الدكتوراه.
الدكتور سعيد إسماعيل علي المهتم بقضايا التعليم من وجهة نظر وطنية صرفة. قال إنها تعلمت من البيع بعد تخرجها من مدرسة المعلمات وعملها في التدريس وعندما قدمت نفسها لدخول الجامعة درست ولكن من البيت ومن وراء أهلها.
الدكتور مصطفي الشكعة. كان كلامه عنها أقرب لمحاولة رسم صورة إنسانية لها. وبعد الجلسة عدت إلي كتابها المنشور في آخر الستينيات. علي الجسر أسطورة الزمان. وهو الكتاب الذي كتبته بعد وفاة الشيخ أمين الخولي. ونصفه من الشعر المنثور الجميل ونصفه الآخر من النثر العذب. حيث ينطلق الكتاب من فكرة أنها بعد رحيله أصبحت علي الجسر. في منتصف المسافة بين الدنيا والآخرة. في الطريق إليه. وقد ظلت علي الجسر حوالي ثلاثين عاما من عمرها. الذي جاوز الثمانين عاما.
تقول في الكتاب الذي يمكن القول عنه أنه ديوان طريقها إلي موتها:
وإلي أن يحين الأجل/ أظل معلقة بين الحياة والموت/ لا أدري إلي أيهما أنتمي وعلي أيهما أحسب/ وملء سمعي صدي النعي مختلطا بنجوي الطيف الماثل/ وإلي أن يحين الأجل/ سأبقي محكوما عليٌّ/ بهذه الوقفة الحائرة علي المعبر/ ضائعة بين حياة وموت/ أنتظر دوري في اجتياز الشوط الباقي/ وأردد في أثر الراحل المقيم/ عليك سلام الله أن تكن/ عبرت إلي الأخري. فنحن علي الجسر.
كان للموت حضور قوي ومؤثر في حياتها لدرجة أنه يمكن القول أنها خنساء ولكن من عصرنا. فقبل أن تولد بعامين. نزلت والدة أمها إلي شط النهر ذات صباح. ثم لم تعد. ثم مات زوجها ومعلمها وأستاذها الشيخ أمين الخولي في حياتها. ورثته بهذا الكتاب الجميل.
أنجبت منه ولدا وبنتين. الولد كان اسمه أكمل والبنتان هما: أمينة وأديبة. ولابد أن الذي اختار هذه الأسماء كان الشيخ أمين الخولي نفسه.
أمينة تخرجت. وسافرت إلي الخارج في بعثة. وبعد أن عادت من البعثة ماتت. أما أديبة فقد سافرت إلي سويسرا وعاشت هناك. وقد اعتبرت بنت الشاطئ أن غربة أديبة هي موت آخر. وأصرت علي ذلك. أما أكمل فقد ولد مريضا بالصرع. وطلب منه الأطباء ألا يدخن. ولا يقود سيارة. ولا يشاهد التليفزيون. لأن هذه الأمور تهيج مريض الصرع. ولكنه كان مصمما علي فعلها. إلي أن مات. كان يجري وراء قدره الخاص.
ربما كان أصعب ما يمكن أن يمر به الإنسان أن يري وفاة أبنائه في حياته. الموت هو الموت. ولكن وفاة الأبناء تولد أثمارا محزنة أكثر من غيرها. وبنت الشاطئ عاصرت بنفسها وفاة الإبنة بعد العودة من البعثة. ووفاة الإبن بعد مرض شديد القسوة. ويقولون أنه كان يرفض تعاطي الأدوية. لدرجة أن البعض يعتبره في حكم المنتحر. وهو ما يزيد من الألم الحقيقي الذي تمر به الأم في غياب الزوج والرجل الذي يمكن أن يقف معها في مثل هذه الظروف الصعبة والعصيبة. أما الإبنة الباقية. فقد تغربت في زمن تغرب فيه المصريون جميعا. رغم حب المصري إلي الاستقرار في بلده.
قلت من قبل أنها كانت صامتة. بعيدة عن الناس ولكني أضيف الآن أنها كانت حزينة. حزن قادم من الداخل. من أعمق أعماق الإنسان. من الصعب التعبير عنه. ولكنه يظهر ويطفح علي الإنسان ويحاول التعبير عن نفسه أكثر من مرة.
في كل المرات التي شاهدتها فيها لم أتمكن من رؤية عينيها. إما لأنهما كانتا تحت النظارة السميكة. أو لأنها كانت تنظر في الأرض. أو أن الإيشارب الذي كانت تحيط به وجهها. لم يمكن أي إنسان من رؤية عينيها عن قرب أبدا. لكنها كانت مأساة تتحرك علي قدمين. وكانت تعبر عن كل هذا الوجع والحزن بنهنهة لا تنتهي. كانت تحاول أن تعزي نفسها بهذه النهنهة الحزينة.
وبعد أكثر من ثلاثين عاما تحركت من فوق الجسر. عبرت إلي الناحية الأخري. إلي المجهول الذي اسمه: الموت! ،فهل ستقابل هناك من أحبت؟! ،هل ستؤنس وحشة الثلاثين عاما؟ ،لا أحد يعرف سواها هي ، سوي بنت الشاطئ. التي عبرت أخيرا من شاطئ تعرفه ، إلي شاطئ لا نعرف عنه أي شئ!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: