|
|
| السنة - | 757 | ه - العدد | 1428 | محرم | من | 5 | - م | 2008 | يناير | من | 13 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:46:24 ك |
 |
الساعة - |
 |
12/01/2008 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
باراك أم باروخ؟
صبحي حديدي
أدين، ومعي آلاف القرٌاء لا ريب، إلي أرشيف علي أبو نعمة، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني الأمريكي والمؤسس المشارك للموقع المتميز Electronic Intifada، بالفضل في مشاهدة صورة فوتوغرافية لافتة، وذات مغزي راهن لا يخفي، التجقطت في شيكاغو سنة 1998 خلال أحد نشاطات الجالية العربية، وتجمع أربعة أشخاص حول طاولة واحدة: الراحل إدوارد سعيد وزوجته مريم سعيد، والسناتور (عن ولاية إيللينوي آنذاك) باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما. عنوان مقالة أبو نعمة، التي ضمٌت الصورة (إلي جانب أخري تجظهر أوباما وزوجته وهما يصغيان إلي سعيد، المحاضر الرئيسي في ذلك اللقاء) كان التالي: كيف تعلٌم أوباما عشق إسرائيل .
ويروي أبو نعمة أنه كان قد التقي أوباما للمرٌة الأولي قبل قرابة عشر سنوات من أيامنا هذه، وأصغي إليه يحاضر في جامعة شيكاغو، حيث بدا له تقدٌميا وذكيا وذا شخصية كاريزمية. وفي مطلع العام المنصرم، 2007، وحين اتضح أنٌ السناتور علي أعتاب خوض معركة ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية، حرص أوباما علي إلقاء محاضرة أمام لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية ، المشهورة أكثر باسمها المختصر AIPAC، وكانت الواقعة تحصيل حاصل بالنظر إلي مطمح أوباما في اجتذاب المتبرٌعين الأثرياء من انصار إسرائيل، وهو أمر لا مناص منه إذا كان سينافس علي أيٌ نحو جدٌي خصمه اللدود علي لائحة الترشيح، السناتور هيلاري رودام كلينتون، التي كانت حتي ذلك الحين قد نجحت في اجتذاب غالبية هؤلاء.
ولكي يقدٌم عيٌنة شافية علي ردٌ الفعل الإسرائيلي إزاء محاضرة أوباما، يلجأ أبو نعمة إلي اقتباس مراسل صحيفة هآرتز في واشنطن، شموئيل روزنر: بدا أوباما قويا مثل كلينتون، داعما لنا مثل بوش، وصديقا مثل جولياني عمدة نيويورك السابق، والساعي إلي ترشيج الحزب الجمهوري. وبالمعني البلاغي علي الأقلٌ، نجح أوباما في أيٌ اختبار يمكن لأيٌ كان أن يخضعه له. ولذلك فإنه صديق إسرائيل. نقطة علي السطر !
ما الذي قاله أوباما حتي بلغ الحماس بمراسل هآرتز ذلك المبلغ؟ هنا مثال أوٌل: إسرائيل هي حليفتنا الأقوي في المنطقة والديمقراطية الوحيدة الناجزة ، وبالتالي يتوجب علينا الحفاظ علي التزامنا الكلٌي بعلاقتنا الدفاعية الوحيدة مع إسرائيل عن طريق التمويل التامٌ للمساعدة العسكرية والاستمرار في العمل علي مشروع صاروخ Arrow وبقية البرامج الدفاعية . لماذا، إلي هذا المدي الصاروخي إذا جاز القول، ذي الكلفة التي تجحسب بمليارات الدولارات؟ يشرح أوباما: لمساعدة إسرائيل في ردع الهجمات الصاروخية من مكان قصيٌ مثل طهران، أو قريب مثل غزٌة !
وبالطبع، سكت أوباما تماما عن حقيقة أنٌ إسرائيل دولة نووية، كما تجاهل تقارير منظمات إسرائيلية مثل بتسيليم أشارت إلي إقدام سلطات الإحتلال الإسرائيلية علي قتل 660 فلسطينيا، بينهم 141 طفلا، خلال عام 2006، وهو ثلاثة أضعاف عدد القتلي بالقياس إلي العام 2005. لكنٌ أوباما، في المقابل، لم ينس أطفال كريات شمونا ، التي زارها تلك السنة، ثمٌ تخيٌل أصواتهم يلعبون ببراءة كما تلعب طفلته. لماذا هذه الالتفاتة الرومانتيكية الإنسانوية؟ لكي يبدي الأحزان علي بيت استهدفه واحد من صواريخ حزب الله ، دون وقوع ضحايا، في صياغة لا توحي البتة بأنٌ إسرائيل هي التي شنٌت تلك الحرب البربرية علي لبنان بأسره، ولا تتذكٌر أبدا المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في قانا يوم 30 تموز (يوليو) 2006.
في الفترة ذاتها، ولكن في مجلة The Jewish Journal، استعاد هارولد براكمان صورة أخري شهيرة حول العلاقة بين اليهود والأفرو أمريكيين: القسٌ مارتن لوثر كنغ يتظاهر، كتفا إلي كتف، مع الحاخام أبراهام جوشوا هيشل في شوارع سيلما، ولاية ألاباما، آذار (مارس) 1965. وإذْ يشدٌد براكمان علي أنٌ عددا كبيرا من المستشارين اليهود يعملون مع أوباما، بينهم جيرالد كوفمان، وروبرت شراير، والقاضي أبنر ميكفا، فضلا عن دافيد أكسلرود مستشاره لشئون الإعلام، فإنٌ صورة 1965 تقوده إلي التداعيات التالية: لعلٌ ذروة المفارقة في الإنتخابات الرئاسية القادمة أنٌ أفضل المتنافسين، الذي سيمتلك الحظٌ الأوفر في إحياء حماس السود واليهود للمرشٌح ذاته، رجل اسمه الثاني حسين، نسبة إلي جدٌه من أبيه . ولكن، علي سيرة الاسم الأوٌل وليس الثاني، كان أوباما قد طمأن جمهرة من ناخبيه اليهود إلي أنٌ معني اسمه في اللغة السواحيلية هو المبارك ، ولكنٌ الصلة الدلالية تظلٌ قوية مع الاسم العبراني باروخ !
والحال أنٌ قاريء كتابّيْ أوباما، أحلام من أبي ، 1995، و جسارة الحقيقة الذي ترافق صدوره مع انطلاق حملته الإنتخابية: لن يعثر علي الكثير الذي يميٌزه عن سواه من المرشحين الديمقراطيين (آخر البارعين بينهم كان بيل كلينتون في الواقع) الذين أدركوا أنٌ التفاف اليهود والأفرو أمريكيين من حول الحزب الديمقراطي ينطلق من اعتبارات مدنية وحقوقية وثقافية أكثر منها سياسية اجتماعية. وأغلب الظنٌ، استطرادا، أنٌ لون بشرة أوباما لن يكون عامل ترجيح كبيرا في اشتغال أوآليات ذلك الإلتفاف لصالحه، والعكس ليس صحيحا فحسب، بل هو المنطقي الذي كرٌسته تجارب العقود والقرون: أنٌ لون بشرته سيكون عقبة كاداء حاسمة... باراكا كان أم باروخا!
|
|
|
هاروكي موراكامي في قصة ودراسة نقدية
هاروكي موراكامي
إيمان حرزالله
نعرف في العربية ميشيما وكواباتا وتانيزاكي، وكنزابورو أوي ... لكن القليل تم معرفته عن هاروكي موراكامي الذي يتردد اسمه كثيرا كل عام قبل إعلان جائزة نوبل باعتباره أبرز المرشحين للجائزة. يعتبر موراكامي ( المولود عام 1949) من أبرز كتٌاب الرواية في اليابان والعالم، تجرجمت أعماله إلي 34 لغة، ونال العديد من الجوائز، ومن بين أعماله ترجم إلي العربية روايات: كافكا علي الشاطئ، و الغابة النروجية ، وجنوب الحدود، غرب الشمس، وسبوتنيك الحبيبة. هنا ننشر أحدث قصصه ، فضلا عن دراسة نقدية حول أحدث رواياته.
صباح مناسب لرؤية كانجارو
كان بالقفص أربعة كانجارو، ذكر وأنثيان وصغير الكانجارو،
وكنت وصاحبتي نقف أمام القفص. بداية، لم تكن حديقة الحيوان هذه شهيرة، وكنا صباح يوم الاثنين، ولهذا لم يكن بالحديقة زوٌار كثيرون. وكانت الحيوانات تفوق البشر عددا، أقسم بهذا وبدون مبالغة، وكان كل غرضنا من الزيارة أن نري صغير الكانجارو، وما الداعي من الزيارة إذن إن لم يكن هذا؟ كنا منذ شهر قد وقعت أعيننا في صفحة المحليات في الجريدة علي خبر ولادة الكانجارو في هذه الحديقة، وظللنا طيلة شهر ننتظر بفارغ الصبر مجئ صباح مناسب لنقوم بواجب الزيارة لصغير الكانجارو، ومرق الشهر هكذا بمنتهي البساطة دون أن يأتي هذا الصباح. يوم تمطر، واليوم التالي تمطر ثانية طبعا. وبعد المطر لا يمكننا الخروج لأن الأرض موحلة، ثم عصفت الريح كالمجنونة ليومين متواصلين، وذات صباح انتاب صاحبتي ألم أسنان، وذات صباح آخر كان عليٌ أن أنجز بعض الإجراءات في المجلس المحلي. لا أقصد هنا الإشارة إلي أي مغزي عميق في الأمر، فقط أود أن أقول إن كان لي القول أن هذه هي الحياة .
علي كل حال، استدار الشهر.. بهذه البساطة يستدير شهر وبالكاد يمكنني تذكر ما حدث فيه، أشعر أحيانا أنني أنجزت أشياء عديدة، وأحيانا أخري كأنني لم أنجز أي شئ علي الإطلاق. فقط حين جاء محصل اشتراك الجريدة، أدركت أن الشهر بكامله قد مضي. فعلا.. هذه هي الحياة..
وعلي الرغم من كل شئ، أخيرا جاء صباح مناسب لزيارة صغير الكانجارو، صحونا في السادسة وأزحنا الستائر وقررنا أننا اليوم سنري صغير الكانجارو. اغتسلنا بسرعة، وتناولنا الفطور، ووضعنا طعاما للقطة، وأنجزنا بعض الغسيل علي عجل، وارتدينا قبعتينا اتقاء للشمس، وانطلقنا.
في القطار، سألتني صاحبتي:
أتعتقد أن الكانجارو الصغير مازال حيا؟
بالطبع مازال حيا، ما من سبب يدعو لموته، كنا سنقرأ الخبر بالتأكيد لو كان مات
قد يكون مازال حيا، لكنه مريض وفي المستشفي
حسنا، وهذا أيضا كنا سنقرأ عنه في الجريدة.
وماذا لو كان لديه انهيار عصبي ومنزو وحده في ركن في الكهف؟
صغير لديه انهيار عصبي؟
ليس الصغير، بل أمه، ربما تعاني صدمة عصبية وتنزوي بصغيرها في ركن في الكهف.
قلت في نفسي: النساء فعلا يفكرن في كل السيناريوهات المحتملة. من أي صدمة عصبية ستعاني الكانجارو الأم؟
وأردفت صاحبتي:
لو لم أر صغير الكانجارو اليوم، لن تتاح لي هذه الفرصة ثانية أبدا.
لا أظن
أقصد، هل رأيت صغير الكانجارو من قبل؟
لا.. طبعا
وهل تعتقد أنك ستجد فرصة أخري لهذا؟
لا أعرف
لهذا أنا قلقة
أردت أن أفنٌد حجتها فقلت:
لكني، أيضا، لم أر من قبل زرافة تلد، أو حتي حوتا يسبح، فلم كل هذه الضجة علي صغير الكانجارو؟
لأنه صغير كانجارو.. هذا سبب كاف!
رفعت الراية البيضاء، ورحت أتصفح الجريدة وأنا أفكر في أنني لم أفز في جدل مع واحدة من قبل أبدا.
كان صغير الكانجارو، كالعهد بالأمور، حيا وبصحة جيدة. وكان (أم قد يكون كانت ) أكبر بكثير مما بدا عليه في الصورة بالجريدة. لقد صار كانجارو كاملا، يتقافز هنا وهناك في أرجاء الحظيرة، وبدا أشبه بمجرد كانجارو صغير الحجم عنه بصغير كانجارو، فخابت آمال صاحبتي.
الكانجارو لم يعد صغيرا
لففت ذراعي حول خصرها، وربت عليها برقة، وقلت محاولا الترويح عنها:
بالطبع مازال صغيرا
فهزت رأسها رافضة... أردت أن أفعل شيئا لأهون عليها الأمر، برغم يقيني أنه لا جدوي من قول أي شئ الآن لأنه لن يغير حقيقة واحدة ظاهرة جدا، أن صغير الكانجارو قد كبر فعلا. فالتزمت الصمت. ثم اتجهت إلي كشك المأكولات واشتريت قرطاسين آيس كريم شيكولاتة، وعدت لأجدها مازالت تسند علي مدخل القفص تحدق في الكانجارو. استقبلتني مكررة
لم يعد صغيرا!
أجبتها وأنا أناولها الآيس كريم:
صحيح؟
الصغير يكون في جراب أمه
أومأت لها وأنا ألعق الآيس كريم.
أردّفت قائلة:
وها هو، ليس في جرابها
حاولنا بعدها أن نخمن أيا من الانثيين الأم، كانت معرفة الأب سهلة، إنه الأضخم والأكثر رزانة، يقف ساهما كموسيقار شردت عنه أنغامه، يحملق في أوراق الشجر بجرن الطعام، وكانت الانثيان متطابقتين تماما في الحجم واللون والتعابير، أي منهما قد تكون الأم.
قلت لها:
لابد أن إحداهما الأم والأخري ليست الأم.
ممم
مّن منهما إذن ليست الأم؟
وصلت الفكرة
كان صغير الكانجارو يتقافز، (أو ربما تتقافز) في الحظيرة، لا يشغل باله بشئ. يتوقف من حين لآخر لينبش في القاذورات بدون غرض محدد علي ما يبدو، لكنه قطعا، يجد ما يلهيه. يقترب من أبيه تارة، ويلوك قليلا من أوراق الشجر، وينبش في القاذروات تارة، ويضايق الأنثين، ويرقد علي الأرض برهة ثم يهب فجأة ويعيد الكرٌة مرة أخري.
سألتني:
كيف يقفز الكانجارو بهذه السرعة؟
ليفر من أعدائه
أي أعداء؟
البشر الذين يصطادونه بالبوميرانج، ويأكلونه
ولماذا يقفز صغير الكانجارو في جراب أمه؟
ليهرب معها، لأن الصغار لا يمكنهم الجري بسرعة
تقصد ليكون في حمايتها؟
نعم. الكانجارو يحمي صغاره
وكم تظل الكانجارو الأم تحمي صغارها؟
كنت أعرف أن عليّ أن أقرأ عن الكانجارو في موسوعة علمية قبل هذه النزهة الصغيرة، كان هذا السيل من الأسئلة أمرا متوقعا تماما. أجبتها:
شهر أو شهرين، علي ما أظن
حسنا، قالت مشيرة للصغير،.. هذا الصغير عمره شهر فقط، أي أنه قد يقفز في جراب أمه
ممم.. أظن هذا
ألا تعتقد أن الأمر ممتع حقا أن تكون في هذا الجراب؟
نعم، ممتع فعلا
كانت الشمس تتوسط السماء، وتناهت لأسماعنا صيحات أطفال من حمام سباحة قريب، وسحابة صيف بيضاء نقشت في السماء بحدة تمر فوقنا.
سألتها:
تأكلي؟
هوت دوج.. وكوكا
كان صاحب عربة الهوت دوج طالبا، كشكه يأخذ شكل سيارة صغيرة، ويدير الستريو بصوت عال، ووقفت أتمايل علي أنغام ستيفي وندر، وبيلي جويل تهدهدني فيما انتظر الهوت دوج.
حين عدت لقفص الكانجارو، وجدتها تصيح بي وهي تشير إلي إحدي الانثيين،
أنظر! أتري؟ لقد قفز في جرابها
وفعلا، كان صغير الكانجارو مستكينا في جراب أمه بفرض أن هذه هي الأم فبدا الجراب ممتلئا، لا تظهر منه سوي أذنين دقيقتين وطرف ذيل. كان منظرا رائعا، جعل رحلتنا تستحق مشقتها فعلا.
قالت:
لابد أنه ثقيل جدا عليها
لا تقلقي الكانجارو قوية
حقا؟
طبعا، لهذا لم تفني
وبالفعل، لم يبد علي أنثي الكانجارو أنها تعاني في شئ، وحتي مع الشمس الحارقة، بدت كامرأة فرغت لتوها من جولة تسوق في الشارع الرئيسي بشيكوياما بعد الظهر، وجلست تأخذ قهوتها في أحد المقاهي القريبة.
سألتني صاحبتي:
هي بهذا تحمي صغيرها، أليس كذلك؟
نعم
وهل الصغير نائم؟
ربما
تناولنا الهوت دوج وشربنا الكوكا، وسرنا بعيدا عن القفص. كان الأب مازال ساهما في جرن الأكل يبحث عن نغماته الموسيقية الشاردة، والأم والصغير في كتلة واحدة مستسلمة لمرور الزمن، والأنثي الأخري منهمكة في القفز في أرجاء الحظيرة وكأنها في سباق مع ذيلها.
بدا أن اليوم سيكون حارا، أول الأيام الحارة منذ وقت طويل.
سألتني:
تحب نشرب بيرة في مكان؟
فكرة هائلة
|
|
|
خالد الحسيني الأكثر مبيعا في أسبانيا
أفغانستان.. حرب بلا نهاية
شيرين عصمت
عندما وصف أحد المراسلين الأمريكيين فيتنام قال في جملة واحدة: هناك لايوجد بلد.. يوجد فقط حرب .. تحضرني هذه العبارة عندما أتحدث عن أفغانستان.. فعندما تسأل أي أفغاني عن ذكرياته في بلاده، لن يذكر غير الموت، المعاناة وآلآف من اللاجئين.. فكل شخص هناك لديه مئات من القصص المرعبة نتيجة عقود متتالية من النزاعات والحروب والعنف لن تجمحي بسهولة. ويعد الروائي الأفغاني خالد الحسيني هو أحد نتاجات هذه البيئة.. لكنه أكثر حظا من أبناء جيله.. فلأنه أحد أبناءالدبلوماسيين فقد حصلت عائلته _ وهو في سن الخامسة عشر علي حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية: كنا نعيش بفضل الخدمات الإجتماعية.. فقدنا كل شيء.. الحياة والضروريات فرضت نفسها علي أفغانستان وما يحدث فيها.. فما يهمك في هذه المرحلة العمرية ليست السياسة إنما محاولاتك لتكوين أصدقاء . لكنه يذكر أن وصول طالبان للحكم في عام 1996 هو ما قربه من جديد لبلاده: عندما كنت أقرأ عن ما يفعلوه كنت أشعر بالخزي، كنت أستشيط غضبا. أتذكر أن كابول منذ السبعينيات كان فيها دين لكن ليس بهذه الطريقة . وعندما حدثت كانت هجمات 11 سبتمبر.. وبقدر ما كانت القيود الأمريكية تلتف حول بن لادن ونظام طالبان بإعتبارهما من وجهة نظر البيت الأبيض المسئولان عن هذه الهجمات.. كان خالد في كل مرة يقذف بروايته في سلة المهملات: كنت قد كتبت ثلثيها، لكن بعد ما حدث في 11 سبتمبر قلت لزوجتي لن أكملها.. فقد فكرت أنه لا أحد سوف يرغب في القراءة عن أفغانستان، ولم أكن أريد أن يتصور البعض وقتها أنني أستغل ما يحدث علي الساحة الدولية وإهتمام العالم بها . لكن زوجته في كل مرة تحاول إقناعه بأن يكمل مشروعه وتصر علي ذلك.. فخرجت رواية (مذنب في السماء)، التي كانت ظاهرة حيث بيع منها أكثر من 8 مليون نسخة منذ صدورها في عام 2003.
أما روايته الثانية (ألف شمس رائعة) حققت نفس نجاح روايته الأولي وذلك بشهادة النيويورك تايمز رغم أنها نشرت بعدها بفترة قصيرة _ حوالي 7 شهور والغريب أنها حققت نفس هذا النجاح الباهر عندما ترجمت إلي اللغة الإسبانية حتي أنها دخلت في قائمة أعلي الكتب مبيعا.
وتحكي هذه الرواية _ التي يهديها إلي كل الأفغانيات عن العلاقة بين ليلي ومريم بطلتا الرواية.. فمريم هي إمرأة أجبرت وهي مازالت طفلة علي الزواج من رجل همجي، أما ليلي _ زوجته الثانية _ قيدت بهذا الزواج الذي لا يوجد به أي حب. وتنشأ بينهما صداقة وتضامن تعينهما علي إستمرار الحياة بهذا الشكل أما مصيبة: إنحطاط النظام وظلم الذي يقع علي المرأة.. فهما يتعرضان لكثير من المواقف المرعبة التي تفرضها العادات الأفغانية. وكما يعلق خالد علي هذا الموضوع فيقول: هو موضوح واضح لكنه دائما مهمل . ويضيف حسيني أنه في أحد زياراته لأفغانستان لمس تحسن في وضع المرأة لكنه تحسن يظهر فقط علي من تعشن في كابول:
أفغانستان دولة ريفية، 85 % من سكانها يعيشون في الحقول، وهؤلاء يسيطر عليهم رجال القبائل وليست السلطات.. وما يفعلوه رجال طالبان مع المرأة من سوء معاملة وعزل أصبح قانون، لكن هذه المعاملات موجودة منذ قرون .
وتسرد الرواية ضمن أحداثها كل الأحداث الهامة التي مرت بأفانستان منذ إغتيال مير أكبر جِبران في عام 1978 مرورا بسقوط نظام داوود خان، الإنقلاب الشيوعي، الحرب مع السوفيت... وحتي إعلان الأمريكية: يوجد نقص كبير في المعلومات وعدم فهم ليس فقط في الولايات المتحدة بل في كثير من الدول . ويعترف خالد أنه عندما يكتب كانت دائما نقطة إنطلاقه هي الحيوات والمواقف الصعبة، لكن في هذه المرة ما دفعه للكتابة كانت الأشخاص: كنت أريد أن أتكلم عن النساء.. فتركت الفكرة حتي إكتملت مع الوقت .
وفي الحقيقة هذه الرواية الرائعة تتعشق داخلها ثلاثة قصص.. الأولي هي حكاية تاريخ أفغانستان الحديث منذ أوقات السلام السابقة للغزو السوفيتي في عام 1979 وحتي سقوط طالبان بعد أحداث سبتمبر، والثانية تعكس الوضع المؤلم للمرأة في المجتمعات الإسلامية، والثالثة قصص عاطفية لأشخاص تجعلنا نري كيف أن التاريخ يغير حياتهم وكيف أن بعض الظروف التي لا يتحكمون فيها تفرض سيطرتها علي مصائرهم.
وعندما سجئل حول إمكانية أن تلعب الثقافة دور في عملية التوافق الوطني أجاب: الخيال له تأثير قوي.. فتحكي الأفلام والروايات واللوحات قصص تستطيع الناس التواصل معها.. فهي تسمح بالتعبير عن إحساس جديد بالزمن والمكان وتقدم للقاريء إمكانية قبول عالم لم يكن يتقبله، كما تسمح لك بالتعامل مع موضوعات تعرفك بالمجتمع.. مثل كيفية معيشته، التقسيمات الموجودة فيه والنزاعات العنصرية ، ويضيف: لقد كان لروايتي الأولي (مذنبات في السماء) صدي واسع في بلادي.. فالموضوعات التي أثارتها كمشكلة المجموعات العنصرية مثلا أثارت جدل كبير، فقد كان من الصعب التحدث في مثل هذه الأمور بطريقة مفتوحة.. فهو أمر محرم، فجزء من المجتمع يعتبر أنه لا يجب التحدث فيها ويفضلون تجاهله .
وتتحدث روايته (مذنبات في السماء) عن عودة مّنفي من الولايات المتحدة إلي أفغانستان حتي يتحاسب مع ماضيه. وهي ليست سيرة ذاتية فهو لم يزر أفغانستان حتي بعد نشرها هذه الرواية، وقد تحولت إلي فيلم سينمائي سيعرض في الولايات المتحدة ثم في إسبانيا في شهر فبراير.
ومنذ أربع سنوات بدأت رسائل القراء تصل لخالد بكثرة.. تشكره علي أنه قربهم من أفغانستان: أن تشعر أنك السفير الثقافي لبلدك فهذا حمل كبير علي أكتاف أي كاتب، لكن عندما تصل رسالة هامة للناس من خلال روايتك فهذا شيء رائع .
وينفي خالد أن يكون متشاءم من مستقبل بلاده.. لكن في نفس الوقت ليس من السهل تخطي حِمل الماضي الذي لايجنسي والذي أنهك البلاد في صراعات ستظل إنعكاساتها تلاحق هذه الأجيال لزمن طويل .
|
|
|
فوزها مفاجأة لدور النشر والنقاد والصحف البريطانية
كاثرين أوفلاين تفوز بجائزة كوستا للرواية الأولي
مجدي عبد المجيد خاطر
أخيرا، لحقت كاثرين أوفلاين البالغة من العمر 37 عاما، بركب الذين سبقوها أمثال هربرت جورج ويلز و ويليام جولدنج وجراهام جرين و ج.ك.رولنغ بتحقيقها نجاحا مدهشا بعد سلسلة من الرفض، عندما حصلت روايتها الذي فجقِد علي جائزة كوستا للرواية الأولي الأسبوع الماضي.
ففي الوقت الذي كان الوكلاء الأدبيون والناشرون يعلنون رفضهم بطريقة أو بأخري لكتاب أوفلاين، أجمعت جوانا ورفاقها في لجنة تحكيم الجائزة علي مديح الرواية واعتبارها كتابا استثنائيا ووصفها بالرواية الهائلة التي تمزج بين المرح والأسي في لغز مجشيد ومشغول بذكاء .
كانت أوفلاين، وهي من برمنجهام و قد تقلبت بين عدة وظائف بينها ساعية بريد وعاملة في متجر ومدرسة، وأخيرا واحدة من خمسة فائزين بجوائز الكوستا _ والتي كانت تعرف سابقا بجائزة وايت برييد وهي جوائز الرواية الأولي، والرواية، والشعر، والسيرة الذاتية، وكتاب الأطفال، وقد اجختير الفائزون هذا العام من بين 553 متسابقا، وسيتنافس الخمسة للحصول علي لقب كتاب العام وجائزة الخمسة وعشرين ألف جنيه إسترليني والتي من المقرر إعلانها في الثاني والعشرين من يناير الجاري.
وقد عثرت أوفلاين علي ما ألهمها موضوع كتابها عندما كانت تعمل بمتجر للتسجيلات في الميري هيل شوبنج سنتر بالقرب من دادلي بوسط البلاد الغربي. تحكي الرواية قصة فتاة تحري و حارس أمن في مركز للتسوق يبحثان عن حقيقة طفل اختفي منذ عشرين عاما وسط الدهاليز التي لا تنتهي وعالم الدوائر التليفزيونية المغلقة.
كانت رواية أوفلاين قد سبق ورجشحت بالقائمة الطويلة لجائزة البوكر والأورانج لكنها لم تفز بأي منهما كما رجشحت بالقائمة القصيرة لجائزة الجارديان للكتاب الأول.
تقول أوفلاين : آمل أن يمنح هذا الناس بعض الأمل .
كل فائز من الفائزين الخمسة سيتسلم خمسة آلاف جنيه إسترليني، وهم الآن يتبارون من أجل الفوز بالجائزة الكبري، التي سيحدد من يفوز بها لجنة من الحكام ترأسها جوانا ترولٌوب وتجعلن بالثاني والعشرين من يناير الجاري. كانت الرواية قد حصلت علي الجائزة الكبري سبع مرات من ضمنها رواية أندريا ليفي جزيرة صغيرة ورواية مارك هادٌون الحادث المثير للفضول للكلب في وقت الليل _ كما حصلت الرواية الأولي عليها أربع مرات منها رقة الذئاب لستيف بيني التي فازت بها العام الماضي ورواية كيت أتكنسون وراء المشاهد في المتحف . كما فازت بها السيرة الذاتية خمس مرات والشعر عدد مماثل من المرات ولم يفز كتاب الأطفال سوي مرة واحدة.
الفائزون
الرواية الأولي : كاثرين أوفلاين عن رواية الذٌِي فجقِد .
الرواية : أ.ل. كينٌيدي عن رواية يوم.
كتاب السيرة الذاتية : سيمون سيباغ مونتيفيور عن كتاب ستالين الشاب.
الشعر : جين سبراكلاند عن كتاب انحدار.
كتاب الأطفال : آنٌ كيلٌي عن كتاب طائر الكوخ.
عن التايمز والجارديان.
|
|
|
في أحدث روايته 'مابعد الظلام':
وميض بسيط يضئ العالم
مصطفي محمود
هل كان يجب أن ينحدر أبدا الغرباء في سفنهم المصقولة ويوجهون أدوات فحصهم العظيمة صوب مراكز تجمعاتنا السكانية، يرصدون أفعالنا ويتصيدون أحلامنا لنقلها للخلف إلي القيادات الكونية، دعنا نأمل أن يعرضوا لنا الرقة المتناهية ل هاروكي موركامي ، الروائي الياباني الذي هو نفسه ليس كليا لهذا العالم. وفي عشرات الكتب الموجودة عن وجودنا هنا ليس في اليابان أو أية أمة علي وجه الخصوص، ولكن كأطفال الجاذبية، كأبناء الدنيا قد فعل موراكامي وظيفة جيدة كأي كاتب معاصر في الدفاع عن القضية المؤلمة للإنسانية قبل أن تصدر المحكمة أيا كان حكمها. لتكونوا رحماء يا سادة ما بين النجوم. فنحن وحيدون وضئيلون، ولا نعرف ماذا نفعل، فقط نعرف أننا مجبرون من الله أو الطبيعة علي أن نغتسل ونكتسي ونأكل ونستمر في فعل هذا.
إن رواية موراكامي الأخيرة، ما بعد الظلام ، تنساب في سلاسة وهدوء كعمل موحد مبني علي فكرة أنه في آخر الليل تماما، بعد أن تذوي مصابيح المنطق ويغلق العقل عينيه، تصبح الحياة علي الأرض غائمة لا تفصل بينها حدود. فالأفراد الذين كانوا منفصلين أثناء النهار يبدأون في فقدان التفرد، ويتسرب منهم التميز، ويذوبون في روح جمعية رقيقة. وحينما تغوص عقارب الساعة عميقا في الظلال، تضعف الفيزياء، وتستسلم إلي الميتافيزيقيا، وتتكسر الأشياء الصلبة بما فيها أنا وأنت. فخلال الساعات المبكرة، نكون جميعا في هذا الجمع، مغزولة أرواحنا مثل أجساد العاشقين.
إن قصة كتاب الليل كله تقع في طوكيو في المنطقة المزدهرة في وسط المدينة لصناعة الترفيه، لكن وكما هو معتاد مع موراكامي ، فإن الخرائط المعنية للصنف الواقعي الذي يصدره والمتذبذب ما بين عالي وأعلي، هي خرائط عقلية وليست جغرافية. فشخصياته لا تدخل من يسار خشبة المسرح، إنها تتجسد في المكان، متجمعة من سحب الجزيئات الدقيقة. علي طاولتها فنجان قهوة. ومنفضة سجائر. بعد المنفضة طاقية بيسبول زرقاء بحرية عليها علامة بوسطون في مربع أحمر بحرفB . ربما تكون كبيرة بالنسبة لرأسها. وعلي المقعد المجاور لها توجد حقيبة كتف جلدية بنية اللون. إنها منتفخة كما لو أن محتوياتها قد قجذِفت بها في جزء من الثانية. إنها ترتشف لأن أمامها فنجانا من القهوة: فهذا هو دورها كزبون .
المشهد هنا هو مطعم داني ، مركز تجمع للثقافة العولمية المصطنعة التي يتقبلها موراكامي بهدوء، إذ إنه يدرك بحكمة أن كل بلد من معظم بلدان العالم في هذه الأيام هو مزيج مهووس من البلدان الأخري، وخصوصا أمريكا. فالفتاة ذات ال 19 عاما، ماري ، التي تحتسي القهوة والتي من غير المفسر ارتباطها بالطاقية الحمراء، وربما لا تحمل هي أيضا تفسيرا أكثر مما تفعله أغاني البوب التي تنهمر من سقف المطعم تقتل الوقت بالقراءة في كتاب مجهول. إن الأمر يكتنفه قليل من الغموض، لماذا هي مستيقظة إلي هذا الوقت المتأخر، لكن ربما عليها أن تفعل هذا مع شقيقتها الحبيبة إيري الموجودة في أحد المنازل في الضواحي مستغرقة في سبات مستمر، لا تفيق منه لعدة شهور. إن ماري مستيقظة لأن إيري نائمة ربما نوع ما من التوأمة والتشابه في حالة الجمود والملل هو الذي يعمل. ف موراكامي لا يحرك القضية. إنه يختار استعاراته ومجازاته لقيمتها الموسيقية، وليس من واقع بنيانها الفكري، ويدعها تلعب من خلال النسمات والحدس.
ويرد علي المائدة المتواضعة ل ماري مجموعة من الزوار، بدءا بعازف الجاز كثير الكلام الذي يورطها علي مراحل من خلال الأحاديث العرضية التي تميل إلي أن تكون حكايات عن دراما الجرائم الصغيرة وفلسفتها، لمجرد تمهيد الطريق، حيث جون رجل الأعمال قد ضرب بشدة عاهرة من المهاجرات وتركها مصابة تنزف في غرفة الفندق. إن ماري تتحدث بالصينية، وهي اللغة القومية للعاهرة، وطلب منها مدير فندق الحب أن تترجم لها. فهذا هو دور ماري في الرواية وسيط، وليست بطلة. إنها النول الذي ينسج عليه موراكامي قماشه، الإطار الصالح للبلادة. فما تريده لنفسها، علي ما يبدو، قليل جدا ربما كان مجرد أن تترك بمفردها لتقرأ لكن هذه الليلة لها تدبيراتها المعدة لها كما أعدت لهؤلاء من حولها. إن صراع الإرادات هو الأساس النموذجي للتشويق الذي لا ينقطع للحكاية، وهو الصراع الذي ينبثق ما بعد الظلام . والبديل الذي نحصل عليه هو تبدد الإرادات وتدفقها إلي مجتمع فوضوي.
إن الفصول القصيرة للكتاب تقايض فيما بين الخلف والأمام، فيما بين تجوال ماري مع اطلاعها ومعارفها الجديدة ومقطوعتها الشعرية المطولة التي تميز شقيقتها الجميلة النائمة التي ترقد علي سرير في غرفة جرداء بعد الفتحة الدودية لشاشة التليفزيون التي تظهر عليها أحيانا صورتها، وتستوعب روحها. إنها مبحرة في الخيال بعقل معوق، في هذا العمل الذي يمرر الحالم من خلال توصيله بزجاج للمراقبة، وعلي الرغم من أن هذه الفواصل الإضافية المقوية للرحلة المقصود منها تكملة تسطيح امتدادات الرواية علي مائدة الحديث، إلا أن تأثيرها يقطع التواصل ويصرف الاهتمام. فتخيل أجزاء عالية المستوي المفهومي من المسلسل التليفزيوني للخيال العلمي تقطع إلي أجزاء ويوضع كل جزء في فيلم مستقل.
إن تعويذة موراكامي هي أكثر إقناعا، حينما تكون تقنيته الفنية غير واضحة، وليس حينما يلوح بعصاه السحرية فوق القبعة. فعن طريق التحرك إلي الإطار الغامض ل ماري من خلال تبديلها دائرة الأصدقاء، يأخذ موراكامي في توسيع نطاق المدينة الليلي. ويصل إلينا الإحساس قويا، علي الرغم من أننا لسنا متأكدين تماما من حقيقة البيئة الاجتماعية الهاربة، المساومات والمواثيق فيما بين القبائل والطبقات. النساء هن فرائس في معظم الأجزاء، ويرتبطن معا، وخاصة الفقيرات وغير المتزوجات. والرجال يغامرون بجسارة أكبر، ويقومون بالغزو والإغارة بمفردهم، علي الرغم من أنهم يزيدون من قوتهم بتكوين العصابات. وخلف ووراء كل ذلك الشبكات والنظم الوحشية المستقلة قوات الشرطة، شاحنات النفايات، شبكات المراقبة البصرية التي تجاهد لحفظ النظام حتي الصباح. فالليل يموج بفوضي المتع والمهام والرسائل الشفاهية، بالمواعيد والسرقات المسلحة، وبعثات الهروب والإنقاذ، لكن الفجر هو العودة إلي الإنتاجية.
وعلي الرغم من تشييده للسفينة الأم، إلا أن موراكامي يحوم ويراقب وفي النهاية يوافق. إنه يري مدي شجاعة أبناء الأرض في سعيهم للنجاح، ومضات من الخلود تجلدهم، تتملكهم غرائز وشهوات محيرة، تدفعهم إلي أكشاك مزودة بالستائر الفينيل ومنقوعة في مطهر اليزول وكبائن في استراحات فندقية تؤجر بالساعة. فلا عجب في أن ممارسته ككاتب هو أن يسجل كل أغنية تأتي عبر الراديو: فالنغمات سهلة الحفظ تقدم العزاء الشرعي لهذه الكائنات. وفي الظلام تكون المنارة أي شيء يضيء مهما كان ضعيفا، ومهما كان مختصرا. إن وقوف موراكامي حارسا فوق الظلام الكئيب المطبق، يكشف عن الوميض الفسفوري في كل مكان، لكن بالأخص في الأحاسيس التي تنتاب الناس حينما تندمج في الليل وتتوهج ساطعة، لكنها تخبو عند الفجر، عندما يسير كل منا في طريق منفصل.
|
|
|
|