دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -757ه - العدد1428محرممن5- م2008يناير من13 الأحد
بتوقيت القاهرة 03:50:03 ك الساعة - 12/01/2008 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
ياحلم
يزيد الديراوي
ياحلم
أحمل نصف نهار
علي كتفي،
وأصعد صوبك
لم يكتب الله لي أن أطير،
كما يفعل الانبياء،
إليك
وياحلم صدقت عينيك
حين غفوت علي كتفي،
وقلت: أحبك
صدقت عينيك أكثر
حين جلسنا علي غصن زيتونة
ورسمنا السماء علي شكل نهد
لنكبر بالقرب من شاعر جاهلي
وبالقرب من شجر نابت في السماء
البعيدة عن أرضنا،
وحلمنا:
معا سنهز الهواء،
لينتبه العابرون إلينا
وتنسي التواريخ تدوين مايزعج النائمين
علي شفتينا،
معا سوف نلهو
ونسخر من سفه الوقت
لكنك الآن
أوسع من خطوتي .
تسير علي بعد زيتونتين
مع امرأتين تعدان للحالمين النهار،
تلمان ما أسقط الغيم فوق الاسرة منك،
وتقتسمان غيابك
لولاك ماكانت الحرب فلسفة للحياة البسيطة
لولاك ماكان للاستعارة نافذة،
كي أطل علي الشعر،
لولاك ماكان لي أن أطير
كما تفعل الروح
ياحلم
لولاك مانام نصف نهار
علي كتفي.

لعينيك شهد القصيدة
عبد الله المتقي
الليل حولنا يغري بقصيدة مستقبلية..
ترتب شفتيها لقبلة طويلة..
وتفكر بجانحين
يشتاقان إلي فضاء علي مقاس عينيك
قصائدك لا تنتهي..
لكنها تعرف جيدا أن لا أحد يخبئها
في غرفة القلب
سواي

الليل الذي طالما قشرناه، ونحن ننكتب
لم يكن ليلا..
كان قصيدتنا الثانية
وكان جنونا ينتظرنا تحت قطرات من مطر
لايحتمل المظلات

أحيانا تتحول فرجتنا الرقمية
إلي مثاقل كما ريش الحمام
أحيانا إلي واحة
أحيانا إلي بحيرة من بجع
وأحيانا إلي نوارس بيضاء
تخبئينها في القلب

(كتبت له: 'شربتك،' ، كتبت له: 'روحك طرية'، كتبت له: 'لعينيك شهد القصيدة'، كتبت له: 'أول البوح قطرة'، وكتبت له: ' فاض النهر وامتلأت المصبات')

الليل الذي سهرنا في فلواته
لم يكن ليلا
كان سحابة صيف زائلة
الليل الذي جلسنا في أريكته
لم يخلل ضفائرك السوداء
ولم يضع أصابعه تحت حلمتيك
كي ينفجر الشلال
(كان ليلنا مجنونا فعلا
............................
وكان لعينيك شهد القصيدة عسلا)

عّزّازيل
د. يوسف زيدان
الرٌّقج الثاني
بّيْتج الرٌّبٌِ
أتذكٌّر جيدا، ظهيرة اليوم الذي دخلتج فيه أورشليم عبر الجزء المنهار من أسوارها العالية، الجزء الذي كان فيما سبق يجمسك البوابة الكبيرة المسماة بوابة صهيون .. ألقيتج عصا ترحالي هناك، بعد سياحات طويلة بين قجري اليهودية (فلسطين) والسامرة .
دخلتج أورشليم في حدود الثلاثين من عمري الذي كان قد أنهكه سفرج الجسم والروح في الأرض والسماوات، وحيٌّره ارتحالج العين بين صفحات الكتب. دخلتها مترنٌِحّ الخطوِ مستندا إلي الهواء ، في قيظ شهر أبيب(تموز، يوليه) وعلي باب كنيستها الكبري أخذتني إغماءة، فحملني بعض الحجٌّاج إلي الداخل ليعالجني كاهنج كنيسة القيامة المجيدة، ويضحك حين يعرف مني أنني طبيب، وراهب. بعدما أفقتج من إغماءتي، مازحني قائلا: عرفتج برهبانيتك من غطاء رأسك، لكني لم أعرف من إغماءتك أنك طبيب ! ثم سألني عن اسمي ، فقلتج هيبا .
­ هل أتيتّ للحجٌِ أم تنوي الإقامة بيننا، أيها الراهب المبارك ؟
­ الحجٌج أولا ، ثم تكون مشيئةج الرب .
قضيتج أياما في أورشليم حاجٌّا، بعد ثلاث سنين طوٌّفتج خلالها بالمواضع المباركة، تنفيذا لنصيحة الراهب القديس خريطون المنقطع للعبادة في المغارة الموحشة ، قرب البحر الميت. كان قد قال لي وهو يودٌِعني: ياولدي، لاتدخل أورشليم فور وصولك أرض فلسطين، لا تدخل إليها إلا إذا استعد قلبك للحجٌِ ، وتهيٌّأت روحك . فما الحجٌج إلا رحلةج تهيئةي، وما السٌّفّرج إلا إسفار عن الأمر المقدٌّس المكنون بجوهر الروح .
كنتج قد مررتج في تطوافي، بالمواضع التي عاش فيها تلامذةج يسوع المسيح وانطلق منها الرسلج. وقضيتج شهورا أتتبع خجطي يسوع، الموصوفة في الكتب والأناجيل، مبتدئا ببلدة قانا القريبة من الناصرة، حيث قام فيها المسيح بأجولي معجزاته، بأن صيٌّر الماءّ خمرا لينهل ضيوف العجرس، كما هو مكتوب في الأناجيل . في الناصرة لم أجد أيٌّ أثري يدل عليه، ولا أيٌّ مبني باقي ليحدٌِث عن زمانه ! فاحترتج ، ثم خرجتج عن مساري إلي بقية القري التي ذكرتها التوراةج والأناجيلج والكتبج المقدسة القانونية، والأسفار غيرج القانونية التي صرنا مؤخرا نسميها الأبوكريفا. انتابتني في جولاتي شكوك كثيرة ، وعاينتج أهوالا في مناماتي حتي مّرٌّت عليٌّ سنواتج التيه الثلاث، وجاءت تلك الليلة الرائقة التي رأيتج فيها يسوع المسيح في حلمي ناصع وهو يملأ بأنواره السماء، قائلا لي بالآرامية ما معناه: إن كنت تبحث عني أيها الحائر الضال، فاترك نفسك وراءك ، و دّعْ الموتي وتعال لرؤيتي في أوروشاليم ، كي تحيا .. كان يسوع يخاطبني في رؤياي، من فوق صليبه ، ولا أحد حولنا في البرية .
فجر اليوم التالي للبشارة ، توجٌّهتج رأسا إلي أورشليم .. كان قلبي يبتهل طيلة الطريق، راجيا الربٌّ أن يطهٌِرني من آثار الغرق في بحار الحيرة، وأن يفيض علي روحي بالسكينة، ويجنعم علي قلبي بالإيمان القويم ونور اليقين . لم أتوقف في طريقي من نواحي صيدا حيث جاءتني البشارة، إلي أورشليم التي كنتج أنوي الاستقرار فيها بقية العمر، إلا ساعتين في جوف الليل، حاولتج فيهما النوم تحت شجرة، فمنعتني رؤاي المتوالية: المخلٌِصج يتألم فوق صليب الفداء، نحيبج الأمٌِ العذراء المقدٌّسة، صرخاتج يوحنا المعمدان في البرية، ما وقع معي أيام كنتج بالإسكندرية .. لم أستطع ليلتها النوم .
دخلتج أورشليم من طريق السامرة وقت الظهيرة، فتملكتني مشاعرج الغربة التي تعصف بي في المدن الكبيرة. كان الحرٌج شديدا، وصخبج البشر. مررتج في طريقي إلي كنيسة القيامة بأسواقي وبيوتي كثيرة، ورهباني وتججٌّار وناسي من كل الأجناس: عربي وسجريان ويونان وفجرس، وأممي أخري لم أفهم بأي لساني كانوا فيما بينهم يتكلمون. كنتج قد نسيتج صخب المدن الكبيرة خلال تّجوالي الطويل بقجري فلسطين، فهربتج من الزحام إلي أسوار الكنيسة وبابها الكبير المفتوح . بالكاد وصلتج ، ثم غلبني جوعي وإنهاكي وانهماكي في التسبيح، وثقلت عليٌّ مخلاتي المليئة بالكتب ولفائف البردي ، فأخذتني الإغماءةج التي عالجني منها كاهنج الكنيسة .
قضيتج أياما بين الرهبان حاجٌا. كانوا يتلطٌّفون معي، غير أنهم أكثروا من سؤالي عن البلاد التي مررتج بها والصعاب، وعمٌّن التقيتج بهم من القديسين، أو زرتج مقابرهم من الشهداء. وكانوا يلحٌِون في السؤال عن الإسكندرية، فكنتج أججيبج بحسب ما يقضي به الحال والمقام، وبقدر ما يهدٌِئ من شغف الرهبان والكهنة السائلين .
في أيامي الأولي بأورشليم، كنتج أفكٌِر في سِرٌِ الحج! وأجسائل نفسي عمٌّا أخرجني من بلادي الأولي، وأتي بي إلي تلك البقعة المقدسة. أما كان من الممكن لي، أن أّمّسٌّ جوهر القداسة في نفسي، وأنا معتكف في صحراء قريبة من موطني الأول ؟ .. وإن كان المكانج يججلي ما بداخلنا، ويبديه من أعماقنا السفرج ، ألا يمكن للخشوع والتطهر ومداومة الصلاة وتسبيح الرب وحياة الرهبنة : أن يججلوا ما فينا من النعمة الإلهية والقداسة الكامنة ؟.. فأين إذن بركةج الأماكن ؟ .. هل البركةج سِرٌ فينا يفيض علي الأماكن، إذا وصلنا إليها بعد رحلة توقي وشوق؟ هل المهابة التي شعرتج بها لحظة رأيتج أسوار كنيسة القيامة، كان مّرّدٌجها إلي شعوري بالمبني الهائل، أم أن مّردٌّ الأمر إلي المعني الكامن في واقعة القيامة ذاتها ؟ .. هل قام يسوع حقا من بين الأموات! وكيف له وهو الإله، أن يموت بأيدي البشر .. هل الإنسان قادر علي قتل الإله وتعذيبه، وتعليقه بالمسامير فوق الصليب !
­ هل تريد الإقامة معنا في الكنيسة، أم تقيم في المدينة لتعالج المرضي من أبناء الرٌّبٌِ ، والقادمين إلي هنا للحج ؟
سألني الكاهنج الطيبج بعد عدة أيامي من وصولي، فتركتج له الاختيار .. لا أحد يختار، وإنما هي مشيئة السماء تتخلل الأشياء والكلمات حتي تصلنا علي نحوي خفيٌِ . قلتج له ذلك ، فابتسم راضيا . ثم كان ما أراده الله ، وأنطق به كاهن كنيسة القيامة : يمكنك أن تسكن في الصومعة التي بناها الراهب الكِلْداني، بالقرب من ساحة الكنيسة. أعني تلك الغرفة التي علي يمين الخارج من بوابة المدخل الكبير. تجقيم فيها، فتكون معنا، ومع الناس في الآن ذاته . الصومعة مغلقة منذ تنيٌّح ساكنها قبل عامين، رحمه الله، كان قديسا. سأطلب من خادم الساحة أن ينظٌِفها لك ، ويمكنك الإقامة هناك من يوم غّدي .
أدركتج وقتها أنهم كانوا قلقين مني، وما اطمأنوا بّعْدج لهذا الراهب المصري الذي هبط عليهم من دون رسالة توصية، ومن دون إبانةي عن سبب مجيئه. لو كنتج قد أقمتج داخل الكنيسة، فما كانوا سيقبلونني بين الرهبان، إلا بعد أعوام من الملاحظة. ولو أقمتج في المدينة، كان سيقتلني صخبج الناس! الموضعج المقترح كان مناسبا، فهو متوسط بين المدينة والكنيسة . لاهو هنا ولا هناك ، هو مثلي : بينّ بين .
بتٌج ليلتي الأولي في صومعة الكلداني كما كانوا يسمونها، سعيدا بأن أقيم في موضعي عجبد فيه الربٌج عشرين عاما متوالية بإخلاص. رأيتج في ذلك بشارةّ خير وملاذا لروحي الحيري .. وها هي كنيسة القيامة التي دجعيت إليها قريبة مني لصيقة بي . ومن شباكي الوحيد يمكنني أن أري ، وفودّ الأتقياء والمؤمنين والموعوظين القادمين إليها للحج والزيارة طيلة العام.
الرهبان والكهنة الذين يخدمون كنيسة القيامة، طيبون وبسطاء. معظمهم تقرٌّب مني، لما عرفوا بمزاولتي الطب وفن المعالجة .. لم يهتموا بكوني شاعرا. اعتاد خجدٌّام الكنيسة والشمامسة والقسوس الصغار، التودٌجد إليٌّ والتردٌجد عليٌّ لطلب المداواة . أما قدامي القسوس وكبار الرهبان، فكنتج أذهب إليهم داخل الكنيسة إذا استدعوني.
كانت أغلبج أمراض الناس في أورشليم ناشئة من الجفاف، وعدم تنويع الطعام. أّكْلجهم واحد معظم الأوقات زيتج الزيتون، خبزج الخشكار المصنوع من الدقيق الأسمر غير المنخول، جبنج الماعز، الفواكهج الفقيرة .. عيشةج الناس في أورشليم خشنة، وجّوٌج المدينة لطيف صيفا في معظم الأيام، لكنه قارسج البرد في الليل ، وفي الشتاء .
لما هدأتْ نفسي قليلا بعد شهور من إقامتي، وسكنتْ شكوكي مع كثرة المحيطين بي من المؤمنين . بدأتج في نظم التراتيل الكنسية، بالسٌجريانية، مستلهما الروح السماويٌّ الذي يجلٌِل المكان ويملؤه رهبة .. من أشعار هذا الزمان ، قولي في ترنيمة طويلة :
من هنا بدا نورج السماء ،
فأزاح عتمة الأرض ، وأراح من الويل الأرواح .
من هنا أشرقتْ شمسج القلوب ،
مع أّلّقِ المخلٌِص ، المتوهٌِج بالرحمة فوق صليب الفداء .
وما الصليبج ؟
هو قائمج القدوسيةِ الرأسيٌج يقاطعه قائمج الرحمة .
فلنفتح لأفق الرحمة، ذراعينا، وننتصب بإزاء القدوسية .
فنكون صليبا يحمل صليبه ،
ويتٌّبعج يسوع .
مضتْ بي الأيامج في أورشليم هادئة، حانية، رتيبة، حتي مّرٌ شتاءج العام الأربعين ومائة للشهداء، الموافق للسنة الرابعة وعشرين وأربعمائة للميلاد، وراحت المدينةج تستعد لأعياد القيامة المجيدة وأسبوع الآلام. صرتج أري مزيدا من قوافل التٌججٌّار العرب، تحطٌج في الساحة الممتدة أمام الكنيسة. وكثرت ألوانج البضائع علي رفوف دكاكين المدينة، التي كانت من قبل خاوية . كان الناسج في ابتهاج، وكان قلبي يضطرب كلما اقترب أسبوعج الآلام . ظلٌّت أحلامي تتوالي قبل الفجر مخبرة عن قرب وقوع أمري عظيم، فكنتج أطردج عني تلك الخواطر. قبيل العيد ، تزايد زجوٌّاري من المرضي الوافدين .. كثير منهم كانوا يعانون أمراض السفر، خاصة كبار السن منهم. كنت أعالجهم بمرطبات البدن، وبالأدوية التي يسميها الأطباءج مفرٌِحات القلب، من دون أن أخرج بالمريض عن مألوفه من الطعام والشراب ، إلا بقدر ما يعينه علي استنهاض قوته .
من بين المواكب الكثيرة التي كانت تمرٌج بي في طريقها لزيارة الكنيسة، كان لموكب مدينتيْ أنطاكية والمصٌِيصة مهابة خاصة . عشرات من القسوس والرهبان والشمامسة يمشون في زِيٌِهم الكنسيٌِ المهيب علي بساطي من وقاري، يتقدٌّمهم حاملج الصليبِ الأنيقِ المزخرفةِ حوافه بماء الذهب. ومن ورائه بسبع خطواتي، يسير علي بساط الهيبة العلاٌّمةج المفسٌِرج تيودور أسقفج المصيصة( ). ومن ورائهم جمع غفير من المؤمنين والموعوظين، يردٌِدون بلساني واحدي، باليونانية : أجوصّنٌّا لابن داود أجوصّنٌّا في الأعالي .. مبارك الآتي باسم الرب .
كنتج أتطلع إليهم من شباك صومعتي مبهورا، فأري الموكب الداخل إلي الباب الكبير للكنيسة، كأنه جمع من الملائكة نزل إلي الأرض من السماء. عددج القسوس كان يزيد عن عشرين، والشمامسة قرابة المائة، والتابعون السائرون وراءهم يخرجون من كثرتهم عن الحصر. بدا الأسقف تيودور متعبا ومبتهجا ، تمنيتج لو اخترقتج الموكب، فوصلتج إليه رأسا، وقبٌّلتج يده فقبٌّل رأسي، مثلما جري مع الرجل ذي الملامح الكردية والزيٌِ الدمشقي . لي تلك الصبوة، وليس لي ذاك الإقدام. كانت السماء تعلم ما في نفسي، وبطرائقه السماوية الخفية يّسٌّرّ لي الربٌج بعد يومين لقاء مع الأسقف من حيث لم أتوقٌّع .. ففي اليوم التالي، جاءني أوان العصر قسٌ أنطاكي واثنان من الشمامسة، وسألوني أن أصحبهم لمقر إقامة الأسقف بشرقيٌِ المدينة، للاطمئنان علي صحته. هكذا قالوا. سألتهم بلطفي مستغربا من أن وفدهم ليس فيه طبيب ! فقال القسٌج إن طبيب كنيستهم معهم ، ثم أضاف بلطفي ونبرةي هادئة :
­ ولكن القس نسطور، يريد أن يطمئن أكثر علي صحة الأسقف المبجٌّل تيودور .
كانت تلك هي المرة الأولي التي أسمع فيها اسم نسطور، وسيكون ذلك هو اليوم الأول الذي أراه فيه .. قمتج معهم بعدما ملأت جرابي بأعشابي مفرٌِحة وأدويةي مقوٌِية للقلب وبزوري مصلحة للمعدة. أغلقتج باب صومعتي بإحكامي، وسرنا معا يتقدمٌّنا القسٌج الأنطاكي. مشينا قرابة نصف ساعة، كانت كفيلة بأن تجسقط من وجوهنا تحت شمس الظهيرة، حّبٌّاتِ العّرّق. كنتج في زِيٌِ رهبان أورشليم، الذي كان الكاهن الطيب قد أهداه لي قبلها بشهر واحدي، كعلامةي علي قبولي بينهم. عند الباب استقبلنا قسٌ من المصيصة، وسقانا ماء باردا شكرتج عليه الرب. أحسستج فجأة أنني مقبل علي أمري عظيم لما دخلتج مقر إقامة الأسقف حيث يمتدٌج ممر طويل ، في أقصي يمينه باب أتاني منه صوت وقور هادئ :
­ أيها الطبيب المبارك والأب الجليل، إن قداسة الأسقفِ تيودور يتحدث للضيوف. فهل تريد الدخول الآن ، أم تنتظر هنا حتي يخرجوا ؟
سألني القسٌج المصيصي بلطفي، فاستأذنتج منه أن أدخل لأسمع، إن كان ذلك ممكنا . هّزٌّ رأسه موافقا ، بوقار، وبرفق فتح لي الباب. كانت الغرفةج فسيحة ظليلة، مسقوفة بالجريد وهواؤها طيب. في وسطها حصير مرشوش بالماء المطيٌّب بروح الريحان، وعلي جوانبها الأربعة أرائك مصفوفة يجلس عليها، كلها ، رجال طيبون. رهبان وكهنة وشمامسة، قرابة الأربعين رجلا، تدل ملامحهم علي أن أغلبهم من أهل الشمال. بشرتهم بيضاء من غير سوء، ولحاهم مشرقة بالبياض والصٌجفرة. حتي أنني خجلتج من سمرتي وشحوبي، ولحيتي الشعثة التي لاتدل علي طبيبي ماهر .
لم أكن أحرصج أيامها علي تهذيب لحيتي، مثلما فعلتج مؤخرا. جلستج عند أقرب موضعي من الباب، وفي منتصف الجهة المقابلة كان الأسقف تيودور جالسا علي كرسيٌي خشبيٌي عتيق ذي مسندين. لم ينتبه لدخولي الهادئ وجلوسي علي الأريكة المواجهة لكرسيٌِه من بعيد. جذبتني كلماته، وانتبهتج بكجلٌِي لمعانيه الدقيقة التي طالما استشعرتها في نفسي. عباراته الرائقة نفذت بيسري إلي قلبي وعقلي. حفظتج يومها كثيرا من كلامه، وبعد عودتي لصومعتي في المساء دوٌّنته.. كان يقول باليونانية ، ما ترجمته :
فمن هذه الأرض المقدسة التي نشرف بالحج إليها ، أيها الأحبة ، بدأ زمانج الإنسان الجديد. إن يسوع المسيح فاصل بين زمانين ، وهو مفتتحج العهد الثاني للإنسانية. الزمانج الأول ابتدأ مع آدم، والثاني بدأه المسيحج يسوعج. ولكل زماني منهما طبيعة وأحكام كانت معلومة لإلهنا الرحيم منذ الأزل. الآب السماويٌج خلق آدم علي صورته، ليكون خالدا . غير أن آدم انخدع بوسوسة إبليس، فعصي الربٌ القجدٌجوسّ،ّ وأكل من الشجرة المنهيٌِ عنها، علي أمل أن يصير إلها. خدعه عزازيلج اللعين بوسوسته، فأخطأ آدمج، وعجوقب بالطرد من الجنة ، بحجكم قجدٌجوسية الرٌّبٌِ الإله .
ولكن ، لأن الربٌّ برحمته يحبٌج الإنسان، وقد خلقه في الأصل بريئا. لم يشأ أن يتركه موصوما بالخطية الأولي إلي أبد الآبدين . وغلبتْ الرحمةج علي الربٌِ ، فأرسل ابنه الوحيد ، يسوع المسيح، في صورةي بشريةي كاملة، ليفدي الإنسان، ويخلٌِص العالم من خطية آدم، ويفتتح بتضحيته الزمن الجديد للإنسانية ، ويرسل من بعده التلاميذ الهادين لنا، المهدين إلينا الأناجيل .. وما معني كلمة: الإنجيل ؟ إنه كما قال يوحنا ذهبيٌج الفم، القديس: الأخبارج المفرحة. لأن الإنجيل بجشري بالعفو عن العقوبة، وغفران للخطايا، هو تبرئة وتقديس، وميراث سماوي، صار معه عزازيل في خِزيي، وصرنا مجطّوٌّبِين بفيض الرجاء .
كان صوتج الأسقف تيودور يرنٌج في جنبات الغرفة الفسيحة ، وقد خّيٌّم الخشوعج علي كل الجالسين، وتعلٌّقت عيونهم بالأسقف مثلما تعلٌّقت به عيناي. وّدِدْتج ساعتها لو كنتج قد بدأتج دراستي اللاهوتية علي يديه، واغترفتج من ينبوع تعبيراته الرائقة التي تنفذ إلي القلب والعقل، فتنقذ الروح من قلق الشكوك . ذهبتج لحظة مع أفكاري، ثم عدتج للانتباه لمٌّا أضاف أسقفج المصيصة، تلك البلدة الطيبة التي بقلب الأناضول، وقد صار صوته أكثر عذوبة ورنينا في جنبات المجلس المبارك :
انظروا أيها الأحباب إلي عِظات يسوع المسيح، وأبشروا بكلماتها المفرحة التي حفظها لنا القديس مّتٌّي الرسولج في إنجيله. يقول لنا في كل زمان ومكان: طوبي للودعاء: فإنهم يرثون الأرض، طوبي للحّزّاني: فإنهم يجعّزٌّون .. فهل جاءت قبل المسيح بشارة كهذه ؟ وإشارة بالغبطة مثل تلك ؟ واعلموا أن المسيح أتي من أجلنا، فعلينا أن نعيش من أجله. إن تجسٌجده وآلامه وموته وقيامته، انتصار علي الشيطان، وتكفير عن ذنوب الإنسان الأولِ، المخدوعِ، الخاطئ. وإيماننا بالمسيح، هو خروج من زمن الخطية إلي أفق الخلاص الذي منحتنا إياه مشيئةج الربٌِ. فكونوا أيها الأحبة مسيحيين ، وادعوا شعبكم إلي الإيمان ليكونوا، وتكونوا معهم، أبناء الله حقا في الزمان الإنساني الجديد. اعبروا الجسر الممتد فوق آلام يسوع، لتكونوا كاملين مثل أبيكم السماوي الكامل. وعلامة عبوركم، هو العماد. العمادج ميلاد. هو قيامة للروح من موات الجسد، دخول في النعمة وتوحٌجد مع المسيح. العمادج خلاص وخلق جديد، فاعرفوا بقلوبكم سِرٌّ المعمودية
حين لفظ الأسقف كلمة المعمودية، أخذتني رجفة خفيفة لم يلحظها أحد، إلا قسٌ صبوحج الوجه في حدود الأربعين من عمره، جالس يمين الأسقف. عرفتج بعدها أنه كان سبب استدعائي. هو قسٌ أنطاكيٌ شهير، أصله من بلدة جرمانيقي (مرعش) اسمه الكنسيٌج نسطور، وهو من أخلص تلاميذ الأسقف تيودور، ومن أشدٌِ المعجبين بتفسيراته للأناجيل .
مع مغيب الشمس، بدا الإعياءج علي أسقف المصيصة، فهدأتْ نبرته وخفتّ صوتجه وهو يختتم كلامه لسامعيه الذين غلبتْ علي هيئتهم الغبطةج الروحية، فكأن حديثه رفعهم إلي السماوات العجلا .. كان آخرج ماقاله لهم: ما كجنا إلا موتي، كتب علينا آدمج الفناءّ حين ارتكب الخطية بعصيانه لخالقه. وبقي إبليس خالدا. ولما ظهر لنا الرٌّبٌج في المسيح، صارتْ لنا بالنعمة الإلهية ، فرصة للنجاة من الفناء والموت، بالتوبة .. وبالدخول إلي أفق الخلاص، من باب المعمودية.
تململ قِسٌ عربيٌج الملامح ، طاعن في السن، فكأنما أراد أن يقول شيئا. ولما نظر إليه الأسقف تيودور مشجٌِعا، سأله القسٌج عن أمري دقيق، قال : كيف ورثنا عن آدم خطيئة العصيان لأمر الله، وما هو ذنبنا نحن أبناءه الذين لم نفعل هذه الخطية ؟ رّدٌّ عليه الأسقف ، مبتسما : نحن نفعل خطايا أخري كثيرة، لاتقلٌج خطرا عن عصيان الأكل من الشجرة المحرٌّمة. نفعل ذلك، ونحن أبناء يسوع، ليس لأننا ورثنا عن آدم خطيته، بل لأننا ورثنا عنه النزوع للخطية والاستعداد لها. وهذا حديث طويل أيها الأبج المبارك ، وقد نفيض فيه في جلسةي مقبلة ..

مسألة وقت
منتصر القفاش
فقال الشاب: يا ملكّ الزمانِ أتدري ما بينك وبين مدينتك؟ فقال الملكج : يومان ونصف.عند ذلك قال له الشاب : أيها الملكج إن كنتّ نائما فاستيقظْ، إن بينك وبين مدينتك سنة للمججِدٌِ، وما أتيتّ في يومين ونصف إلا لأن المدينةّ كانتْ مّسْحجورّة.
من ألف ليلة وليلة
صمت سائق التاكسي دقائق ثم نطق بكلمة دنيا ، وتحدث عن أمنيته في أن تصير كل أيام الأسبوع يوم الجمعة، فيستطيع العمل براحته دون التوقف في إشارات كثيرة والاختناق من الزحمة. سمع يحيي هذه الأمنية كثيرا لكنه حينما سمعها بعد زيارة رنا وجد أنها أفضل طريقة ليحكي حكايته. أمنية مستحيلة تتردد دائما كأنها شيء حدث في يوم من الأيام، وتقدر علي أن تمد منها حوارا يشاركك فيه أي شخص وتبدوان في طريقكما إلي تحقيقها.عدٌد يحيي مزايا يوم الجمعة الذي لا ينتهي، والسائق يوافق علي كل ما يقوله ويضيف إليه، لم يرغب يحيي في التوقف عن الكلام ولا الوصول بسرعة. تمني لو ازدحم الشارع فجأة بالعربات ومنعت إشارات المرور انطلاق التاكسي. ظل يتكلم بخبرة من كانت كل أيام حياته يوم الجمعة فقط وإن كان لا يستطيع الكلام عن هذا إلا مع من عاش نفس الخبرة أو علي الأقل حلم بها.
حينما عرض عليها ارتداء أحد قمصانه بدلا من بلوزتها المقطوعة من الظهر، وافقت علي الفور عكس ما كان يتوقع ، فكر في سؤالها عما ستقوله عند عودتها إلي البيت، لكنه ابتعد عن الأسئلة التي تستحضر رقابة أسرتها، واقترح عليها إدخال طرف القميص في البنطلون. لم تهتم وظلت تنظر في أنحاء الغرفة. كلامها قليل منذ أن فاجأته بقدومها.
­ معلش الأوضة مش متوضبه.
حينما أراد أن يعطيها البلوزة بعد وضعها في كيس، أجابته :
­ بعدين
­ ليه؟
خرجت منه الكلمة تلقائيا. شعر بأن وقعها سيكون سيئا علي رنا، وقد تفهم أنه يريد تنظيف المكان من كل آثار لقائهما. لم تجب علي سؤاله وانشغلت بارتداء القميص.
أسئلة كثيرة قرر تأجيلها، خاصة أنها المرة الأولي التي لا تتحمل سوي سرعة التواطؤ وعدم التوقف عند المقدمات. كتب رقم تليفونها وسألها عن أنسب أوقات الاتصال بها
­ أي وقت
وأعطته تليفون صديقتها ناهد للطوارئ وإذا لم يجدها في البيت. أحس بإنها تريد إبلاغه برقم آخر لكنها لوٌحت له بيدها وخرجت من غرفته. أومأت برأسها لأمه حينما وجدتها في الصالة وفتحت باب الشقة وأغلقته وراءها. سألته أمه
­ مين اللي خرج
­ رنا
­ خرجت بسرعة أوي
سأل أمه بعد ذلك هل رأتها فعلا، سرحت قليلا وأكدت أنها لم تنتبه إلا مع فتح الباب وإغلاقه.
وهي تخرج من غرفته توقع تعثرها في السجادة أو اصطدامها بالكرسي المجاور للباب أو احتباس صوتها وهي تودع أمه، لكنها عبرت الصالة وخرجت بهدوء ساكني البيت ومعرفتهم بكل شيء فيه. قرر في زيارة رنا التالية أن يفرض إيقاعه أكثر، ولا يؤجل أي سؤال يخطر في باله: لماذا اختارته، كيف عرفت أنه في البيت كما قالت، ماذا قالت لأمها عندما عادت بقميصه، كيف لم تقلق من وجود أمه وتعاملت معه علي أنه أمر طبيعي. وسيظل السؤال الذي قد يقوله وهو يضحك ليخفف من حدته: لماذا لا تخاف ولا تقلق من أي شيء؟ وقد لا يحتاج إلي سؤالها، وستشرح له كل شيء بعد أن يمتد بينهما الكلام. وماذا سيفعل لو راحت تخلع ملابسها بسرعة كما فعلت في المرة الأولي، هل سيمنعها ويطلب منها الانتظار، طلب مثل هذا سيفقده زمام المبادرة ويظهره بأنه يحاول اللحاق بها. الحل الأفضل أن يكون لقاؤهما القادم في شقة صديقه أحمد، إيقاع رنا السريع يحتاج إلي مكان آمن لا يقلقهما فيه أي شخص، ويتيح لهما أن يقضيا معا وقتا أطول وليس نصف ساعة فقط. انتظر المرة القادمة ليصلح أخطاءه في الزيارة الأولي. لا يتذكر أنه أخطأ كل هذه الأخطاء من قبل، دائما كان الطرف الثاني يشاركه الحذر، أما معها فكان هو بمفرده من يحذر ويتمهل ويقلق. طمأنه أحمد وأكد له أن شقته
" تحت أمره فهو لم يطلبها منه منذ زمن، لكنه نبهه لاحتمال أن تزوره مرة ثانية بدون موعد وعليه أن يحذرها ألف مرة
­ صح
قالها استجابة لاقتراح أحمد ولخوفه المفاجئ من أن يكون رقم التليفون خطأ. أفهمته رنا إمكانية الاتصال بها في أي وقت والسؤال عنها ما فيش مشاكل هم بتكرار الجملة لكنها كانت فتحت باب غرفته وخرجت.
لم يتأكد من وقت موتها إلا بعدما ذهب للعزاء. عرف أنها غرقت حوالي الساعة العاشرة صباحا قبل المجيء إليه، عثروا علي جثتها عند قاع النيل بعد خمس ساعات من غرق المعدية، ولا يعرف حتي الآن سبب تأخرهم في العثور عليها، هل لكثرة من تم انتشالهم من الأحياء والجثث أم لتأخر الغواصين في الوصول إلي موقع الحادث أم لأنها لم تعد إلي مكانها عند القاع إلا بعد مرور هذا الوقت؟
تمني لو سأل والدها في العزاء عما كانت ترتديه حينما عثروا عليها، اكتفي بإعادة سؤاله عن الوقت الذي غرقت فيه المعدية
­ الساعة عشرة تقريبا
نظر يحيي في ساعته ليمنع نفسه من تكرار السؤال. يرغب في أن يكرره مراتي ومراتي طالما يوقن أنها كانت معه الساعة الواحدة وغادرت بيته بعد ساعة تقريبا تاركة له بلوزتها البيضاء. لاحظ أبوها أنه يعاود النظر في ساعته كثيرا، همس له بأنه يمكنه الانصراف، ويكفي مسارعته بالمجيء فور علمه بالخبر. أصر علي البقاء حتي ينفض العزاء، وبرر له النظر في الساعة بأنها تم إصلاحها اليوم ويريد الاطمئنان علي أنها تعمل. هز الرجل رأسه وهو ينظر إلي الأرض. غطي يحيي الساعة بكفه وفكر في وضعها داخل جيبه.
ذهب إلي بيتها أربع مرات ليدرٌس لها الرياضيات ثم اعتذر عن الاستمرار لالتحاقه بعمل جديد. رشحه لأسرتها أحد الجيران الذي علم أن يحيي خالي شغل بعد تسريحه من مصنع البلاستيك الذي كان يعمل محاسبا فيه، نصحه الجار بالاستفادة من مهارته في الرياضيات، وافقه يحيي لينهي الحوار معه، لكنه فوجئ به وقد اتفق مع أسرة رنا ، وصارحه بأن ابنته ستحضر الدرس وحادفع بس تكرمنا بقي وقبل أن يبدأ أول درس صارحه والد رنا
_ أيضا­ بعدم قدرته علي دفع الكثير، ويثق في أن يحيي ليس كبقية المدرسين، والطالبتان ستكونان فاتحة خير إن شاء الله . كرر هذه الجملة في المرة الثانية فظن يحيي أنه سيخبره بانضمام طالبة جديدة للدرس لكنه قالها تشجيعا له. عرف من رنا عدم احتياجها لمدرس خاص، والدها يريد الاطمئنان عليها، وفهم أن البنت الأخري عبء ولا أمل في فهمها الشرح من أول مرة، وعندما تدخلت رنا لتفهمها إحدي التدريبات بطريقة أسهل من التي شرحها، وثق من أنها ستدرٌس لهما هما الاثنان لو لم ينتبه ، وضايقه أكثر نبرة صوتها الموحية بأنهما ندان يساهمان معا في الوصول بالدرس إلي بر الأمان. تذكر هذا عندما زارته ووجدها تحثه علي مسايرة إيقاعها وهو يحسب ألف حساب لما سيحدث لو طاوعها، شدته إليها بقوة، استجاب للحظات لكن عقله في الوقت المناسب انتشله منها، وضربت بيديها السرير كأنها تريد صفعه.
" ياه أطلقتها رنا ما إن انتهي الدرس، وفهم يحيي مباشرة أنها صيحة الارتياح من حمل ثقيل. نظر لها
­ أصل التمرين الأخير كان صعب أوي
لم يستغرق منها سوي دقائق، وظلت تتململ في مكانها أثناء تعثر زميلتها في الإجابة عليه. كانت هذه المرة الأولي وفكر في أن تكون الأخيرة. أقنع نفسه بقدرته علي أن يحيل تلك ال ياه إلي صيحة إعجاب المرة التالية، وسيعد لها تدريبات تعجزها وترغمها علي أن تسأله المساعدة، ولا يحسب حسابا للطالبة الثانية التي استعار منها كتاب الرياضيات بعد أن نزلا
­ لكن أنا عايزة الكتاب عشان أعمل واجب المدرسة منه
­ حارجعه بكرة
ونزع الكتاب من بين يديها وسلم عليها ومضي. فكر في إعادته إليها بعد أن استصغر هذا الصراع بينه وبين رنا، فبقدر ما سيثبت إليها أنه مدرس بجد وليس خالي شغل فإنه في نفس الوقت سيشعر كم أن معاركه صغيرة وما يحققه فيها من انتصارات ليست سوي الحد الأدني المفروض تحقيقه، أكمل سيره والتفت ناحية الطالبة فوجدها عائدة إلي بيت رنا، تأكد من أنها ستستعير الكتاب منها بعد أن تشرح لها السبب. لم يلحق بها بعد ما لمح رنا تطل عليهما من البلكونه.
حينما قالت له بعدين ولم تأخذ معها البلوزة ظن أنها كلمة تفتح باب مواعيد قادمة، وتشجعه علي الاتصال بها ليطلب لقاءها دون إهدار الوقت في مقدمات طويلة، الآن يجدها كلمة تشبه كلمات أبيه حينما كان يحيي يتشبث وهو صغير بشراء شيء بعدين. مش دلوقتي. بكرة. فيتشبث أكثر لمعرفتةأن الكلمة تعني أشياء كثيرة: تأجيل الشراء أو عدم الشراء أو حسب الظروف، أومن الأفضل أن ينسي ويحاول طلب شيء آخر.
كان يوم زيارتها أول إجازة يحصل عليها يحيي من عمله الجديد. بعد شهور أثبت فيها لعبد المجيد صاحب المكتب قدرته علي تحمل أعباء العمل. كل ما أراده في هذا اليوم أن ينام براحته، ولا يتصل به عبد المجيد ليسأله عن المتبقي من بضاعة ما في المخزن. استيقظ الساعة العاشرة تقريبا وظل يتقلب في سريره محاولا العودة للنوم، وسعيدا بأن غدا الجمعة مما يعني يومين بدون عمل، بدون إجهاد نفسه في تذكر أرقام وحسابات وتواريخ وأسماء مندوبي المبيعات. منذ التحاقه بهذا العمل وذاكرته تفاجئه بقدرتها علي حفظ كل ما يخص المندوبين: المنطقة التي يوزع فيها كل مندوب والبضائع التي معه، وقيمة ما وزعه هذا الشهر والشهر الماضي علي الأقل، ومدي نجاح كل منهم في توقعاته عن رواج صنف معين. في البداية ظن ذاكرته ستكون نقطة ضعفه، وسرعان ما وجدها تمده بما يريده في أي وقت، وتفسح مكانا لأسماء المندوبين الثلاثية وتجعله ينطق بها بسرعة من يريد تحطيم أرقام قياسية.
أشياء موجودة ومعروفة لكنه الأسرع في تذكرها.هذه الصفة يبني عليها يحيي وجوده في هذا المكتب. إجاباته علي أسئلة عبد المجيد بأقصي سرعة ودون الحاجة للعودة إلي الأوراق كانت أهم مؤهلاته في الحفاظ علي عمله، ويقيس نجاحه في أن تكون المسافة بين الإجابة والسؤال لا تذكر، ما إن يسأله عبد المجيد وهو يتكلم في التليفون مع أحد العملاء عن المتبقي من بضاعة أو موعد وصول كمية ما حتي يسارع يحيي بالإجابة، وكلما كانت أسرع ابتعد مسافة أكبر عن كل الموجودين في المكتب. في بداية عمله عندما كان ينبه المندوبين أحيانا لانخفاض معدل التوزيع، كانوا يحرصون علي تذكيره بالكم الذي وزعوه وقيمته كما اعتادوا مع المحاسب الذي سبقه، وفي كل مرة كان يقاطعهم و يفاجئهم بمعرفته الأرقام بالضبط، وتدريجيا تخلوا عن تذكيره بأي شيء واكتفوا ب زي ما انت عارف .
" الأستاذ زي ما انت عارف راح، الأستاذ زي ما انت عارف جه " لم يطلق أحد عليه هذا اللقب، لكنه من كثرة ما سمع هذه الجملة منهم شعر كأنها اسمه الجديد. في مرة خطه علي ورقة بأكملها وهو سرحان، وظل يضغط بالقلم علي الكلمات المكتوبة حتي انفصلت حروف عن الورقة كأنها قصت بمهارة، سعد بالحروف التي خرجت مكتملة ، وكره _ أيضا ­ مطاردة الجملة له حتي في سرحانه.
يمتلك المكتب عربتين نص نقل بسائقين ومندوبين، أما بقية المندوبين فهم مشاة كما يصفهم عبد المجيد، ورغم كثرة عددهم إلا أنه يترك الباب مفتوحا لانضمام المزيد إليهم خاصة لو كانوا من طرف أي مندوب يعمل معه ، وكلهم وقعوا علي وصولات أمانة غير محددة القيمة ولا التاريخ تحسبا من أي غدر محتمل.
­ إيه أخبار المشاة؟
فيعطيه يحيي تقريرا سريعا بحركة التوزيع، ويعرفه بأصناف البضائع الرائجة هذه الأيام، وفي أثناء ذلك يظل عبد المجيد محدقا في خريطة القاهرة الكبري المعلقة علي الحائط خلفه، ويحرك عليها المؤشر الذي يخرجه من طرف قلم
­ لازم نزود المندوبين هنا ... وهنا... وسط البلد وهو يدق عليها بالمؤشر مش جايب همه الأيام دي، نسحب كام مندوب ونوديهم شبرا الخيمة ويدق عليها بقوة
لم يكن يحيي يعرف عن تاريخه العسكري سوي أنه كان متطوعا في الجيش وخرج إلي المعاش برتبة عقيد، واستثمر مكافأة نهاية الخدمة في إنشاء هذا المكتب. ومع استمرار دقاته علي الخريطة يسمع يحيي جلبة معدات عسكرية تتزايد في الخارج في انتظار صدور قرارات القائد. أول مرة رأي فيها عبد المجيد أحس بأنه يشبه شخصا ما عرفه من قبل. لم يتذكر هذا الشخص وإن ظل اسمه علي طرف لسانه يكاد أن ينطق به. وكانت الرغبة في التذكر تزيد كلما دق عبد المجيد علي الخريطة. ما العلاقة بين الأمرين؟ لا يعرف. حاول تذكر مدرسيه في المدارس التي التحق بها. لا أحد منهم يشبهه، تذكر مدرس الجغرافيا في المدرسة الإعدادية، كان يرسم الخرائط بالطباشير علي السبورة. خطوط متداخلة لا تبين عن شيء محدد، ويظل يشير إليها هنا. وجنب دي. جنوب ده علي طول ويصل بين منطقتين بخطوط جديدة حتي تبدو الخريطة كتلة بيضاء يسرح فيها الطلاب بينما المدرس مندفع في الشرح، ويصمت وهلة يبلع ريقه أو يتنفس نفسا عميقا ثم يندفع مرة أخري، فهو من المدرسين المؤمنين بأن من يريد الفهم سيفهم مهما كانت سرعة كلامه أو تداخل خطوطه. ويكتم الطلاب الضحك وهو يردد واضح. بالظبط زي مانتو شايفين وفي مرة انفلت ضحكهم عندما التفت المدرس إلي كتلته البيضاء وهو مستمر في الشرح وفجأة سأل هيه فين؟ لم يكن السؤال إلا لنفسه، وأشار إلي الجنوب، وتنقل فيه بأصابعه المبيضة من الطباشير، كأن المنطقة التي تاهت منه قررت التنقل مع أصابعه في كل مكان تذهب إليه.
وهو في المكتب يتخيل أحيانا ذاكرته مصنعا يعمل فيه آلاف العمال، ولا يكفون عن الجري والوثب والرجوع للخلف والتقدم للأمام والصراخ والضحك، وعند شعوره بالصداع يغمض عينيه ثواني آمرا عمال ذاكرته بالكف عن الحركة، و يصرفهم بغضب في نهاية اليوم وقد يركلهم ويقذف ببعضهم من نافذة الميكروباص، ومن يتبقي منهم يتظاهر بأنه لا يسمعهم، ويركز في أي شيء يراه أثناء عودته إلي البيت ليبتعد قليلا عن ذاكرته.
ظل يتقلب في السرير محاولا النوم مرة أخري فليس هذا ما تخيله، علي الأقل توقع أن يظل نائما حتي العصر والأفضل حتي المغرب، وينتقم من كل الأيام التي انتزعته من سريره الساعة السادسة صباحا، وتمادي في تخيل أمه وأصدقائه وأقاربه يحكون عن نومه أكثر من تمنتاشر ساعة متواصلة رغم رنين التليفون وجرس الباب و... و..... ويحكون له بعد استيقاظه كيف حدثت أشياء مهمة وهو نائم ويظل يردد مش معقول مبديا انزعاجه وفي نفس الوقت سعيدا بمواصلته النوم رغم كل شيء.
عند فتحه الباب لرنا لم يفسح الطريق لتدخل .المفاجأة جعلته يظن أنها ستخبره بشيء وستمضي أو أنها أخطأت العنوان. لم تتكلم، ابتسمت وهي تنظر في عينيه. تفضلي مشيرا بيديه إلي الداخل ومتوقعا جلوسها في الصالة. دخلت غرفته مباشرة. لم يدخل وراءها، ذهب ليغسل وجهه بسرعة، وأجاب علي سؤال أمه في المطبخ:
­ طالبة كنت باديها درس.
­ كويس
فهم كلمتها علي أنها تشجيعها المعتاد ليعمل عملا إضافيا ويستطيع الادخار للزواج.
قرر الرفض لو عرضت رنا عليه أي درس خاص، فيكفيه تعب العمل في مكتب عبد المجيد. دخل عليها متسما بسمات الأستاذ الوقور رغم ارتدائه البيجاما، وخرجت أهلا وسهلا قوية كأنه يقولها في بداية درس لطلاب متحفزين ضده.
­ تحبي تشربي إيه؟
اتجهت نحو الباب وأغلقته بالمفتاح
­ مش وقته
بسخرية جعلت يحيي يظن أنه تكلم أكثر من اللازم.
بعد خروج رنا ومكالمة صديقه أحمد عاد يحيي إلي ألف طريقة وطريقة لتحفيز نفسك الكتاب الذي يرافقه منذ وقت طويل، ليس فقط بسبب أنه ألف طريقة بل لقراره تنفيذ إحدي هذه الطرق التي أكد الكاتب علي أهميتها : لا تسرع في قراءة ما يفيدك . لم تكن أول مرة يقرأ هذه النصيحة. كثيرة الكتب التي قرأها عن تنمية النفس أو تطويرها أو تحفيزها، لكن عندما خاطبه الكاتب لا تسرع ذكر أيضا أن هناك ناسا ­ ومنهم يحيي ­ قرأوا الكثير من الكتب حتي صاروا مثل آلة تسعد بالتهام أكبر عدد من طرق التحفيز، ويكتفون بأن يعدوا أنفسهم بتنفيذها في الوقت المناسب، ويكررون وعدهم مع كل كتاب. ونصح الكاتب كل منهم بتخيل أيام حياته وقد صارت في يد محاسب ­ وهذا ما أسعد يحيي ­ والمحاسب لن يمنحك يوما جديدا إلا بعد إنجاز شيء الآن وكلما أجلت تنفيذ هذا الشيء فإن المحاسب سيغلق بابه في وجهك، وستظل جامدا في مكانك مثل شخص لا يريد استعادة حياته التي سلبت منه.
ما إن يقول الكاتب أنت حتي يجد يحيي نفسه داخل الكتاب مؤكدا أن هذا ما يحدث له ويكاد يسمع صوت تصفيقه لبراعة الكاتب في الكشف عن مشاكله، ويزداد تصفيقه مع أمثلة الكاتب حتي لو كانت مستحيلة فبطل كل مثال هو أنت وقد تخيلت هذا المثال من قبل، ولم تخبر به أحدا، وحرصت علي إخفائه داخلك، فصرت مثل شخص لم يجد مكانا آمنا يخفي فيه مفتاحه السحري فابتلعه، ومضي عارفا أن الكنز داخله لكن يجهل الطريق إليه
قبل معرفته بموتها، رأي زيارتها المفاجئة ­ وما ستليها من زيارات ­ أتت في الوقت المناسب. فمنذ انقطاع علاقته مع زميلته في العمل السابق ضرب الجفاف أيامه، ومع استغراقه في الشغل الجديد وجد نفسه مربوطا في عجلة كبيرة لا تكف عن الدوران. حاول استعادة علاقته مع زميلته لكنها كانت قد حسمت الموقف، فلم يكن يحيي قد حدد أي توقيت لخطبتها أثناء عمله بالشركة، وزواجهما صار مستحيلا بعدما تم تسريحه.
­ امتي حييجي الوقت المناسب؟
وقبل أن يجيبها ، فاجأته بإجابة ظنها منبعثة من نشرة الأخبار
­ فرق التوقيت بينا كبير أوي
وأنهت آخر مكالمة بينهما.
" الوقت المناسب تحتل الكلمتان مساحة كبيرة في حياة يحيي، وتبدوان أنهما تخصان حياة أخري لم يبدأها بعد. كانت الكلمتان تخرجان منه بسرعة عندما يتعلق الأمر بتحديد وقت ما، خاصة لو أصر عليه الطرف الآخر في العلاقة، لكنهما كانتا إجابته أيضا عندما تلح عليه أمه أن يزور أقرباءه، لم يكن يكرههم لكنه ما إن يدخل بيت أحدهم حتي يجد نفسه يريد الخروج سريعا، يسيطر عليه خمول غريب، وغالبا ما يتثاءب ويرغب في أن يمدد جسده وينام. وهذا ما حدث بالفعل أكثر من مرة، فبعد انتهائه من السلامات والاطمئنان علي صحة أمه ونصحه بالانتباه لصحتها كانت رؤوس الجميع تتوجه لمشاهدة المسلسل، فتبدأ رأس يحيي في التمايل إلي الأمام والوراء وعلي الجنب، ويأتيه أكثر من صوت خش نام جوه فيقرر الخروج.
لكن ظهور رنا في الوقت المناسب طمأنه علي أنه لا يردد الكلمتين عبثا، وعليه فعل كل ما يطيل عمر هذه العلاقة التي سقطت بين يديه دون مشقة. اتصل بها في نفس اليوم ليلا ليقترح عليها مقابلته غدا الجمعة، وهيأ نفسه ليقنعها ويعثر لها علي طريقة لمقابلته لو كان والدها يمنعها من الخروج. وما إن عرف بغرقها حتي صارت المكالمة:
­ امتي؟
­ حوالي عشرة الصبح
­ امتي؟
­ عشرة الصبح
­ مش بعد واحدة يعني؟
­ أفندم؟
­ امتي بالظبط؟
­ العزا بكرة بعد المغرب
انتظر ساعة. اتصل مرة أخري. اعتذر عن اتصاله متأخرا لكنه يريد التأكد من خبر وفاة رنا
­ صحيح
­ الساعة اتنين ؟
­ لا. عشرة تقريبا
تذكر جملة زميلته فرق التوقيت بينا كبير أوي لكنه هذه المرة لم يكن هو المسؤول عنه بل كان يحاول أن يفهمه ويعرف كيف حدث. في مرة اتصلت به زميلته من تليفون كافيتريا وسألته لماذا لم يأت. أكد لها أن الموعد غدا لأ النهارده. وانت اللي محدد الميعاد كرر تأكيده وكان صادقا هذه المرة، وراح أسبوعا كاملا يصالحها ويحاول إقناعها بصدقه وهو يؤكد لنفسه أن ما حدث يمثل الفرق بينهما: هي تريد الأشياء مبكرة جدا وهو يري موعدها لم يأت. أما مع رنا وبينما يمنع نفسه بصعوبة من الاتصال مرة ثالثة فلم يعرف مدي فرق التوقيت بينهما.
لماذا زارته رنا ؟ كان السؤال سيبدو هينا لو استمر في الدرس الخاص إلي النهاية. أربع حصص وانتهي الأمر، ولم يكن لوجوده ضرورة من الأساس إلا بسبب قلق الأب علي ابنته، ورغبته في عدم الشعور يوما من الأيام بعجزه عن توفير مدرس خصوصي. ولم يكن بيته قريبا لا من بيتها ولا من الجامعة ولا المعدية حتي يقتنع أن قرب المسافة شجعها علي زيارته. ويصير السؤال أكثر إلحاحا لأنها زارته بعد الموت أو أثناء بحثهم عن جثتها والمفترض أنها تزور القريبين منها الذين تجمعهم بها ذكريات لا تنسي، و يمثل افتقاد وجودهم أقسي معاني الموت، ويحيي ليس منهم بأية حال من الأحوال، حتي لو فتش في كل ساعات الدروس علي أمل أن يجد ما جذبها إليه فلن يعثر علي شيء إلا إذا اعتبر إحساسها بأنها ند له في الدرس سببا يرجعها إليه بعد موتها. الموتي لا يفكرون بطريقته وبالتالي أسبابهم مختلفة عما يفكر فيه وقد يرون ما لا يراه، حتي لو ساير هذا الكلام فسيظل السؤال عن سبب اختياره قائما. وقد لا يجد إجابة عليه بقية عمره، ربما يخفف مرور الوقت من حدة انشغاله بالسؤال لكنه لن يقدر علي محوه تماما من حياته. بالطبع كان يراهن علي أن يبصر الإجابة فجأة في يوم من الأيام، ويخبط جبينه لغفلته عن الإجابة التي كانت متاحة أمامه، ويحسب كم من الوقت مر قبل أن يصل إليها: شهر. سنة. سنتين“
ظل يكور البلوزة بين كفيه، وأحيانا يفردها أمامه رافعا يديه إلي أعلي أو يرمي بها علي السرير. لا يتوقع أن تكشف شيئا ولا أن تتحول إلي أي شيء. يحاول التخفيف من حيرته، وفي نفس الوقت يتابع إن كانت ستستجيب لكل ما يفعله بها كأي بلوزة أخري أم ستبدي رد فعل غير متوقع. أمس ارتداها، وأثناء محاولته إدخال رأسه فيها وقد لفته عتمة أراد أن يظل في هذا الوضع: رأسه تجاهد في الخروج وتتحرك يمنة ويسري وتستريح قليلا لتعاود المحاولة. هو من اقترح عليها استبدال قميصه بالبلوزة، ولا يعرف إن كانت تنوي فعل هذا أم شجعها اقتراحه، وهل كانت منتبهة للقطع بطول الظهر وتعاملت معه أنه لا يفرق كثيرا أم كان هو أول من عرفها بوجوده؟
فكر في التخلص من البلوزة، ووضع حد للأمر كله. استمرار وجودها بقدر ما يؤكد له ما حدث لا يقنع أي شخص آخر بأنها زارته بعد موتها، باستثناء أمها وأبيها اللذين سيتعرفان عليها وأنها كانت ترتديها في يوم غرقها، لكن من يقدر علي الذهاب إليهما حاملا هذا الدليل ويحكي لهما، وفي النهاية أيضا لن يفهماه لماذا اختارته. كان تفكير يحيي ينطلق بنية الوصول إلي معان عميقة في زيارة رنا ورغم محاولاته الدؤوبة لا يخرج من تأملاته بما يرضيه، وتظل المسافة كبيرة جدا بينه وبين ما يجب فهمه من هذه الحكاية.
بدا العمق الذي يتوصل إليه من هذه التأملات أشبه بصدي الصوت لا يرٌجع سوي ما يعرفه. سمع من قبل أشخاصا يرددون أن شيئا ما: لقاء، صدفة، كلمة عابرة، قرارا، كان نقطة تحول في حياتهم وصاروا بعدها أقدر علي فهم الدنيا. وكان يحيي يري كلامهم مبالغات يحاولون بكل الطرق إعادتها إلي أرض الواقع ليقتنع المستمعون بها، فحياة الناس من حوله لا تتيح سوي توهم نقاط تحول، وكل شخص يحاول علي قدر استطاعته تصويرها لنفسه و للآخرين علي أنها بالفعل أحدثت الكثير.
صارح نفسه بأن هذه الزيارة لو حدثت لهؤلاء الأشخاص لاستطاعوا التعامل معها بسهولة، خاصة لو كان يؤمنون بالمعجزات سواء أثرت في حياتهم أم لا، أما يحيي فيرحب بالمعجزات بشرط أن تتضح في حياته لا أن يضمرها ويواصل العيش كما اعتاد. وحتي لو ارتضي بإخفاء ما حدث داخله فسيظهر ضيقه مرة أخري من أنها مجرد زيارة استغرقت أقل من ساعة، ولم تترك له تفاصيل كثيرة ليعيد ويزيد في تأملها وينشغل بها تعويضا عن عدم قدرته علي أن يحكي لأحد.
زيارة مثل ظل سيلازمه قد يلمحه وينشغل به أحيانا وقد ينساه تماما في أحيان أخري. أشبه ببطانة الجاكت الذي يرتديه، لا تلفت انتباه أحد لكنها موجودة متوارية. نبهه مندوب مرة إلي أن البطانة تهدلت وظهرت من طرف الجاكت السفلي، ونصحه بشدها من أعلي بخياطة جديدة، والأفضل فصلها تماما وقص الزيادة منها لتكون بالضبط علي مقاس الجاكت. تكفلت أمه بالأمر وشدت الجزء الذي تهدل وخاطته في البطانة نفسها، ونصحته بألا يدخل ذراعه بقوة عند ارتدائه الجاكت حتي لا تتقطع الخياطة من جديد.

وأغزل من أطرافك روحي
جابر المصري
يااااااااااااه
لما الليل بيشد ضلامه
من جوف نفسه
وأبحث عني في قلب العتمة
واقعد أفتش..أفتش
كل زوايا الغربة الكاتمة ....
علي باب قلبي
مالقاش قلبي ...!!
لأن القلب في لحظة رعشة
ولحظة خوف
صبح مخطوف ....
فجأة القيني بعد ما اتعب
مرمي في حضنك رغم بعادك
حوالين قلبك ...
زي المحرم ألف وأطوف ...
واغزل من أطرافك روحي
والعن خوفي ............!
وأرجم أبو إبليس الغربة
وأشرب ريقك زمزم صافي
يبقي في ريقك بلسم شافي
وأفك حِرّامي بمليون بوسة
تمطر فوق الخد الدافي
وأغزل ليلي بأجمل فجر .....
يبقي الأمل الباقي في فجري
أني أشقشق شمس وأشوفك
وأزرع قلبي في قلب كفوفك
ينبض ضي يبدد خوفك
عايز أغير ريقي المر بشهد حنانك
وارجع أحلي بلهفة شوقك........
نفسي الملم كل الباقي في شنطة سفري
وأرجع طفل بحبي في عشقك
وأنفض هم الغربة في حجرك
وأشهق منك
يبقي النفس الخارج عطرك
يملي ضلوعك ويا ضلوعي
وأرمي بخوفي في مركب خوفك
وفوق شباكك المتوارب
من اشواقي
أحني كفوفك
وأقعد جنبك
لأ مش جنبك
تقعدي فيا وأقعد فيكي
أبقي النبض اللي بيحييكي
وتبقي القلب اللي بيحييني
تبقي ملامحك جوه ملامحي
ماليه جبيني
ياااااااه
حتي النفس الخارج منك
بيدفني
شوفي الشوق الطالل مني
حسي حنيني
أخمدي ثورة بعدك عني
ضمي الضي
وابقي النني في لمعة عيني
خايف اقولك أنتي القبلة
وأن غرامك أصبح ديني
ولما اطاوع انا شياطيني
القي ملامحك زي ملاك
وقت الكفر قوام يهديني
أنتي أكيد مخلوقة من شوقي
مش من مادة تشابه طيني ..........
بس دخلتي في قلب دمايا
من جوايا
جوه حشايا
بقيتي في دمي
زي كرات الدم الحمرا
في نبض وريدي
وبقيتي مني
حتي في لحظة خوفك مني
بترعش ايدي
ولما بسلم نفسي لعينك
وأعيش تايه مع حكاياتك
كل ما تخلص الحدوتة
اقولك عيدي
عيدي وزيدي
خلي النبض في قلبي معاني
يبدر ورد في قلب وريدي
وأحضن كفك
وأبوس كفك
اصل البوسة في كفك دنيا
لسه عايشها لحد الساعة
لسة شقاوة رعشة كفك
وقت البوسة
راسمه في قلبي ألف مساحة
وكل مساحة
مليون وردة مخضرة ساحة
بكل بصراحة
بلقي في قربك رغم فراقك
كل الراحة
لأن في عشقك حاجة غريبة
بجد غريبة
لما القاني رغم قساوة شمس الغربة
لسة بأعفر
وأجري و أسافر
علشان المح ضي عنيكي
وأحوم زي الطير حواليكي جايز ضلي
يوم يوصل لي
واقعد تحته
أغزل من أطرافك روحي
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: