|
|
| السنة - | 774 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 5 | - م | 2008 | مايو | من | 11 | الاحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:32:03 AM |
 |
الساعة - |
 |
5/10/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
انتصار نصر
محمد شعير
 | | تزاحم الجمهور أثناء دخول القاعة |
|
من حق نصر أبوزيد أن يفرح.
يتزاحم الجمهور في أول محاضرة عامة له بعد أربعة عشر عاما من منفاه الثقافي.
الجمهور مختلف عما تعود من قبل، ليس جمهور أساتذة الجامعة، أو الفلاسفة الذين اعتاد أن يحاضرهم ويناقشهم، وإنما شباب ، معظمهم في العشرينيات، لم تكن أعمارهم قد تجاوزت العاشرة وقت انفجار أزمته مع محتكري الحقيقة المطلقة .
هذا التزاحم الرهيب بحثا عن مقعد في القاعة الشرقية بالجامعة الأمريكية أمر يدعو للفرح. ...
عندما شاهد أحد الأصدقاء هذا الزحام قارن بين مواقف أساتذه، ظلوا في مصر ولم يضطروا للخروج، إما التحقوا بالعمل مع السلطة ، او استجابوا لضغط " الخطاب المضاد وصمتوا .. وبين موقف نصر ، وكانت النتيجة في صالح الأخير.
انتصرت أفكار صاحب نقد الخطاب الديني إذن، رغم اضطراره للخروج، ولم ينتصر خطاب التحريم وهو ما يؤكده هذا التفاعل بين الجمهور مع أفكار نصر وهو يلقي محاضرته مساء السبت الماضي في إطار مهرجان الربيع الذي تنظمه مؤسسة المورد الثقافي.
بعد يومين كان أبوزيد علي موعد آخر في جامعة القاهرة، هذه المرة، وتحديدا في كلية الآداب يلقي محاضرة بعنوان: المدرسة الأدبية في تفسير القرآن: كسر احتكار مفهوم النص . المحاضرة جاءت في إطار احتفالية الكلية بمئوية الجامعة...
بدأ أبوزيد الندوة بإبداء حزنه علي عدم تمكنه من دخول الجامعة لإلقاء محاضرته داخل إحدي قاعاتها، وقال 'لا أستطيع أن أتخلص من مشاعري الممتنة لدعوتكم، ولكن كان لي أمل لم يتحقق للأسف، أن تكون هذه الاحتفالية في مدرج 74 بكلية الآداب'، ثم نظر ساخرا لأستاذ الفلسفة الشهير حسن حنفي الذي لاحقته اتهامات مماثلة قبل ذلك، وقال 'الدكتور حسن يعرف سبب عدم تمكني من الدخول'.
رغم أن المحاضرة لم تكن في مدرج ( 74) إلا أن مجرد إلقاء نصر محاضرته في احتفالية الجامعة التي لم تخض معه المعركة دفاعا عن حريته،، بل سجحبت كتبه من مكتبات كلياتها، ولم توجه له دعوة انتظرها لمناقشة رسالة لأحد هو نوع من الانتصار.
الأسبوع الماضي كانت رحلته إلي القاهرة قبل أيام من الاحتفال ببلوغه الخامسة والستين .. هي رحلة إعادة الاعتبار لأفكاره قبل أن تكون لشخصه. انتصار نصر، وخاصة أن هؤلاء الذين حاربوه، وحاولوا التفريق بينه وبين زوجته لم يعد أحد يعلم عنهم شيئا، وصاروا إلي النسيان.
'لست ضحية' هكذا يقول أبو زيد. فهو لا يحبٌ أن يعدٌه المثقٌفون رمزا للصراع بين التفكير والتكفير أو بين الحرية والقمع. يريد أن يكون فقط 'باحثا مهتما بفهم الظاهرة الدينية في تاريخيٌتها لا أكثر'
لم يكن لدي نصر إجابات جاهزة ومعلٌبة لكل شيء، بل 'أسئلة' يعتبرها 'لن تهدم الدين ولن تزعزع اليقين، بل ستفتح لنا مجالا للفهم يري تجلي الإلهي في البشري، وانكشاف كلمة الله علي لسان الإنسان'. وهي أسئلة لم تخرج عن حدود الإيمان... حتي إن أصدقاءه كانوا ينادونه فيما بينهم بالشيخ نصر، في إشارة إلي انضمامه فترة إلي جماعة الإخوان المسلمين عندما كان في بلدته في المحلة الكبري، ربما هذا ما كان يريد نصر تأكيده 'ليس لدي مشروع يمكنه أن يحل أزمات العصر كلها، فالمشاريع خاصة بالأنبياء.. وأنا مجرد باحث يخطئ ويصيب'. وكشف نصر أبوزيد في محاضرته أن كل من أيده في أزمته، وكل من كفره في الأزمة ذاتها لم يقرأه.. قال : وجدت نفسي في النص بين فريقين متصارعين، وليس هناك في كل ما كتبته أي شئ ضد الإيمان، أنقد فقط الفكر الإنساني'. وحكي أبوزيد أنه يوم ألقي محاضرته بمناسبة اختياره لكرسي ابن رشد، سأله الكثيرون: لماذا أنت هنا ..لا يوجد فيما تقوله أي شئ ضد الإيمان'. وانتقد أبوزيد ما أسماه القراءة المتربصة، التي تبحث عن العفريت.
أراد أن يثبت أبوزيد في محاضرته الأولي 'الفن وخطاب التحريم' أن الفن لم يكن في أي وقت محرما في الإسلام، واستعان لإثبات ذلك بمرجعيات دينية وبالنصوص، وكان سيد قطب أول من استعان بهم، وهو اختيار لا يخلو من خبث _ كما قال أبوزيد حيث استشهد بما جاء في كتابه "التصوير الفني في القرآن علي أن عبقرية القرآن في البيان والقدرة علي التصوير قبل أن يكون كتاب أخلاق وتشريع مضيفا أن في تحريم الفنون نوعا من الاضطهاد حيث يمارس الإنسان أقصي درجات الحرية في الفنون من رسم وتصوير وشعر وتشكيل. ورأي أبوزيد أنه لا يوجد هناك نص قطعي يحرم التماثيل أو يأمر بتحطيمها. لقد حصل تحطيم للتماثيل أيام الرسول لأسباب تتعلق بالعصر حينها. 'أما بالنسبة إلي النحت والحفر، إذا نظرنا إلي المساجد سنجدها كلها ذات طابع فني وزخارف فنية. إذا أردنا أن نحرر الأمة من الفن علينا أن نهدم كل المساجد ذات الطابع الفني، الذي نفخر به كفن عمارة إسلامية'، كما أشار إلي أن المسلمين لم يهدموا مثلا تماثيل الحضارة الفرعونية عندما فتحوا مصر، وكان بإمكانهم ذلك.
توقف أبو زيد عند علاقة الشعر بالإسلام، مستشهدا من جديد بأقوال لسيد قطب يعتبر فيها أن العرب استقبلوا القرآن كشعر وتأثروا به، وبري أبو زيد 'أن القرآن تجادل مع خصومه جدلا شعريا، لكن كان لا بد أن ينفي صفة السحر والشعر عن محمد مما جعل العرب يعتقدون أن القرآن يجحرٌم الشعر'.
وتساءل.. ماذا يبقي من الحضارة الاسلامية لو نزعنا منها هذا الغني الفني والأدبي؟!
وأضاف: خطاب التحريم ليس الخطاب الديني فقط ، ولكنه تحريم عام يسود المجتمعات العربية بأسرها ويشمل كل شيء من تحريم سياسي وتحريم اجتماعي وتحريم فني وأكاديمي، والخطاب الديني جزء من الخطاب العام الذي يسود المجتمعات العربية الإسلامية.
وقال أبوزيد: 'الحياة بلا فن خواء، بدون الرواية والسينما، المتاحف والموسيقي والشعر لا أعرف إن كنت سأكون الشخص نفسه الآن أم لا'.
في نهاية المحاضرة طرح أبو زيد مشكلة ما أسماه 'تجريف العقل'. قال أبوزيد: مع غياب الحرية يتوقف العقل تدريجيا ويصبح الإنسان في حاجة إلي موجٌه، ومن هنا يعجز الإنسان أن يتصرف حتي في أبسط الأشيا، وكل القوانين التي تصاغ الآن هي قوانين عقاب، تحت شعار حماية الإنسان، هذه الفلسفة الحمائية هي جوهر الاستبداد'. ويضيف أبوزيد: هذا ما أدي إلي زيادة الطلب علي الفتوي، وأصبحت هناك سوق تتمثل بالعرض والطلب، وكل فضائية تستضيف المفتي الذي يسوق ما يناسبها ويناسب جمهورها الذي له خلفية اجتماعية وحتي اقتصادية معينة'. واختتم أبوزيد مؤكدا أن " الدين وقود في الدولة التي تمارس ثقافة الاستبداد ، أن هذا النوع من الثقافة مسئول عن الفساد وغياب الحرية: حيث يقوم علي امتلاك الحقيقة المطلقة ويدعي حماية الناس من خطر ما يتم تضخيمه . وفي المداخلات التي أعقبت الندوة سأل أحد الحضور أبوزيد عن تكفير الأب متي المسكين؟ فقال أبوزيد: الفكر الديني المصري يمتح من البئر نفسها، لأننا أبناء وطن واحد ونعيش الظروف الموضوعية نفسها . وسأل آخر حول أسباب تقبل المجتمع ما قاله سيد قطب ومحمد عبده ورفض أفكار طه حسين ومحمد أحمد خلف الله رغم تشابهها تقريبا؟ أجاب أبوزيد: اللغة هي السر في ذلك، قطب استخدم لغة ناقد انطباعي، بعكس خلف الذي اعتمد علي منهج ، كما أن لغة محمد عبده لم تكن استفزازية بعكس لغة طه حسين. واختتم أبوزيد المداخلات بالتأكيد علي أن الحرية هي الكلمة المفتاح ، يجب أن ندافع عن حرية الجميع رغم اختلافنا معهم .
|
|
|
|