|
|
| السنة - | 774 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 5 | - م | 2008 | مايو | من | 11 | الاحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:42:23 AM |
 |
الساعة - |
 |
5/10/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
عشر سنوات علي رحيل شاعر المرأة ومقدسها وممتهن جسدها!
نزار قباني.. الذكري أحد وجوه النسيان
نزار.. في مرآة الزمن
 | | نزار.. في مرآة الزمن |
|
يذكرنا نزار وألعابه ببهلوانيات بيكاسو وسلفادور دالي،
اللذين لم تنفصل حياتهما عن فنهما، والفارق فيما يتبقي
من كل منهم بعد خصم أثر الشخص من النص
عشر سنوات علي رحيل الشاعر الإشكالي، قد لا تكون المدة الكافية لامتحان الشعر، لكنها صالحة لإعطاء مؤشرات لما سيؤول إليه الأمر.
يمكننا أن نطرح السؤال بصيغة أخري: هل هناك من لم يزل يقرأ نزار قباني؟ وهل أسس نصه علاقة مع الجيل الذي شب في غيابه، أم أنه يعسكر فقط في ذاكرة الجيل الذي راهق عليه عاطفيا وسياسيا؟
ليست لدينا إحصاءات خاصة بالقراءة يمكن الاعتماد عليها، وإن وجدت فهي تقريبية، وبلا خريطة تحدد الفئات العمرية للقراء، لكننا نستطيع أن نلاحظ أن دواوين نزار لم تعد مطروحة كما كانت في السابق، ومع ذلك لا نستطيع ادعاء أن غيابه يشبه غياب عبدالوهاب البياتي الذي رحل بعده واختفي قبله.
ذكري نزار تزامنت مع احتفالات دمشق عاصمة ثقافية، وليس أنسب من الاحتفال بشاعرها الذي حلم بها أكثر مما عاش فيها. وبهذه المناسبة صدر كتاب عنه في إطار سلسلة خاصة باحتفالية دمشق عاصمة ثقافية .
  
كتاب بعنوان نزار قباني.. قنديل أخضر علي باب دمشق أعده الناقد السوري د.خالد حسين. لم يساهم في تقديم السؤال في راهنيته، وهذا ليس عيبا فيه، فطبيعة الكتاب احتفائية تجدد الذكري، فهل يمكن أن نقول إن الحاجة إلي تجديد الذكري وجه آخر من وجوه النسيان؟
خالد يقول في دراسته النقدية إنه لن يضيف كثيرا إلي ما كتب حول نزار، مشيرا إلي ضخامته. وأظن أن كفاية النصوص النقدية حول شعره ليست إلا شائعة أخري من جملة الشائعات حول شخصه. ما كتب عنه لم يتجاوز في معظمه المديح والهجاء، لرؤاه الفكرية حول المرأة، وليس لجماليات القصيدة، فهو شاعر المرأة ومقدسها وممتهن جسدها!
جرأة نزار علي المرأة وعلي القصيدة كانت دائما المدخل إلي مديحه وطعنه، وإلي الطعن المغلف بالمديح أحيانا، لكن ماذا عن الصورة، عن المجاز، عن قاموسه اللغوي من حيث خصوصيته واتساعه؟
لا تسعفنا الدراسات كثيرا، بينما لانستطيع أن نعول علي شهادات المبدعين الذين قد يراعون اللياقة واحترام مشاعر جمهور نزار العريض، أو الذي كان عريضا. ولاننسي أن الشهادات تأتي غالبا في مناسبات احتفائية، وبعضها كان في المناسبة الأكثر استدرارا للعاطفة: لحظة الرحيل.
في هذا الإطار يمكننا أن نفهم شهادة أدونيس التي أعاد كتاب نزار نشرها، حيث اعتبره الأكثر براعة بين معاصريه في الإمساك باللحظة التي تمسك بهموم الناس وشواغلهم الضاغطة، كما أنه مبتكر تقنية لغوية وكتابية خاصة، تحتضن مفردات الحياة اليومية بتنوعها ونضارتها .
بينما يقول محمود درويش إن نزار فتنه في أن هناك أشياء لا تقال كان يقولها، وعلمه أن الشعر ليس له هيبة يمكن أن تشتغل القصيدة من بنطال، وأن مفرداته ليست مستعصية، وأن ما نعيشه يمكن أن نحكيه ببساطة تامة .
وفي المقابل يأتي سوط الماغوط: نزار قباني شاعر كبير لقضايا صغيرة، مأساة نزار أنه لا يحب ولا يكره: لذلك تبث الإذاعات معظم أشعاره. ويذهب الناقد عبدالله الغذامي أبعد من الماغوط معتبرا نزار طاغية صنعناه بأنفسنا كما نصنع كل الطغاة: ماذا لو أن الجمهور العربي انصرف عن نزار قباني أثناء حياته، وقاطع أمسياته وامتنع عن شراء دواوينه ولم يزده تصفيقا وإعجابا؟! طبعا سيكون الجواب واضحا، وهو أن نزار سيغير موقفه الثقافي، وكنا سنري منه مواقف مختلفة، هذا يعني أننا نحن كقراء مسؤولون عن هذا الصنم الذي ابتكرناه لأنفسنا، وابتكرته الثقافة من أجلنا، وصار حالنا كحال الرعايا عندما يصنعون طغاتهم، فيدفعون الطاغية إلي الرضا عن ذاته وطغيانه، وإلي مزيد من الطغيان .
إن كان لقول الغذامي نصيب من الصحة، فعن أي نحن يتحدث؟ هل ينسحب ضمير المتكلم علي جيل الإنترنت الذي لم يرتكب خطيئة صنع الطغاة، بل له شرف تحطيمهم؟
مسألة فيها نظر، لكن الحديث عن الموقف الثقافي يقود إلي التكوين الثقافي لنزار الذي لا يمكن أن نعتبره في قوة تكوين أي من مجايليه، والكتاب يعيد تذكيرنا بأداء نزار الذي لم يخل من فهلوة عند الرد علي الأسئلة الجادة حول شعره، وفي مقتطف من حوار مع مجلة الكرمل (غير موقع ويبدو أن من أجروا الحوار مجموعة إذ يخاطبهم نزار بصيغة الجمع) يبدو مستفزا وحائرا في مواجهة الأسئلة التي تغوص في عمق تجربته. يقول السؤال: أنت لست داخلا في التباس مع الأشياء، كأن المعالم واضحة عندك. لماذا هذا الوضوح الواضح؟
ويجيب نزار: ولماذا هذا الغموض الغامض في أسئلتكم، وفي رؤيتكم الشعرية؟ هل من الضروري أن نتخانق مع ورقة الكتابة، أو أن نكسر مزراب العين، أو أن نتبول في الشارع العام، أو أن نعض نهد امرأة في حمام السباحة، لنثبت للناس فحولتنا أو تحررنا أو تقدميتنا أو حداثتنا؟
ليس للسؤال علاقة بالتبول في الشارع أوعض النهد، وإن كانت فهي ضد هذا الوضوح العامي للصورة الشعرية، لكنه يعرف إيقاع الجملة علي قارئ راض بشاعره والشاعر راض به. هذه. ويذكرنا نزار في حضوره الاجتماعي وألعابه بحضور وبهلوانيات بعض رموز الفن الأوروبيين مثل بيكاسو وسلفادور دالي، اللذين لم تنفصل حياتهما عن فنهما، والفارق فيما يتبقي من كل منهم بعد خصم أثر الشخص من النص. إذا قضية الحضور الفيزيائي للشخص المضافة إلي النص، ظاهرة لا تقتصر علي العرب وحدهم، ولا علي الشعراء منهم، والبياتي مثالهم الأبرز، لكنها تنسحب علي الروائيين والقصاصين، والمفكرين، ممن حمي حضورهم الشخصي نصوصهم وجعلها كالزراعات المحمية، لم تصمد في وجه الريح بمجرد إزالة بيت الزجاج من حولها.
  
في حالة نزار، انتبه خالد حسين، إلي أثر "الحضور الآسر للشخص. واعتبر في ملامسته النقدية أن رنين الجسد والصوت يعصف بحضور القصيدة التي تأتي لاحقا لحضور الشخص . ولكنه يعود فيحدد تجلي هذا الوجود الشخصي في الصوت .
لكننا لا يمكننا اعتبار أن صوت نزار الأجش النائم بما لا يتلاءم مع سخونة قصيدته كان وراء انتشارها. إذا عولنا علي الصوت فعلا فإن القصيدة النزارية كانت محظوظة بأصوات نجوم محبوبين، من عبدالوهاب ونجاة الصغيرة إلي ماجدة الرومي وكاظم الساهر، لكن عصف الزمن بهذه الأصوات، لم يكن بأقل من عصفه بقصيدة نزار.
ومع ذلك، فعلي الأغلب سيبقي الشاعر كما بقي قاسم أمين محمولا علي العلاقة مع قضية المرأة. وعلي الرغم من التباس نظرة نزار إلي المرأة، وتواضع ما طلبه قاسم أمين لها، فإنهما سيبقيان، في الذاكرة، ليس لأنهما انتصرا، بل بالأحري بسبب النكبة التي منيت بها قضية المرأة.
|
|
|
|