|
|
| السنة - | 774 | ه - العدد | 1429 | جمادي الآخرة | من | 5 | - م | 2008 | مايو | من | 11 | الاحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:12:24 PM |
 |
الساعة - |
 |
5/10/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
في رواية عن العشق والعذاب:
فالسر يعيد الاعتبار لجوته
نهال مصطفي
 | | نهال مصطفي |
|
بينما ما زال الجدل محتدما في الأوساط الثقافية والأدبية الألمانية لحالة العزوف تجاه أعمال الشاعر والأديب الفذ جوته ولاسيما من قبل الشباب، صدر مؤخرا للأديب الكبير مارتين فالسر رواية جديدة بعنوان الرجل المحب تتناول قصة العشق الاخير في حياة جوته.. في اشارة من فالسر بأن كل إرث جوته الأدبي والإنساني يصلح لاستخلاص العبرة والدروس ويزداد عمقا وقيمة كلما مرت عليه السنين والأحداث، ما اعتبره بعض النقاد ضربة لكل الداعين الي التمرد علي جوته والتقليل من شأن اعماله. وتعود أحداث الرواية الجديدة الي عام 1823 حيث يقابل جوته البالغ من العمرانذاك 73 عاما خلال فترة استشفائه الفتاه اولريكا البالغه 19 عاما , ويقع في حبها وتملك عليه امره بسحرها الفتان.
ولم يخش فالسر من التحدث في روايته الجديدة عن العذاب الذي عاني جوته جراء هذا الحب والذي عان منه هو أيضا . حيث يقول:
إن الإحساس بالعذاب يشعر به كل انسان, وهذا الإحساس أو هذا الشعور يختلف من فرد لآخر وله علاقة بثقافة الفرد, ولكن بالنسبه للإنسان القاسي القلب كل شئ بالنسبة له سواء ويعرض الهوه بين العالم والذات .
ومن الأشياء التي يعتبرها فالسر مدعاه للألم هو أن يقع رجل عجوز في حب فتاة صغيرة ويعرض حبه علي الملأ وهذا ما حدث لجوته ولهذا السبب كتب فالسر روايته الجميلة الرجل المحب وهو في هذه الرواية يتحدث عن نفسه أيضا, فلقد حدث له مثلما حدث لجوته، ففي عام 1985 يقع في حب امرأه في الثلاثين من عمرها . ولكنه سرعان ما عاد إلي فراش الزوجية وتعلم أن المرء يجب أن يخفي الذي يريده ويمارس الذي لا يريده . ولكنه وفي نفس الوقت يؤكد أن تجربة الحب القاسية هذه تستحق التقدير والتفهم والنظر إليها بعين التقدير.وقد تعرضت هذه الرواية للنقد فالبعض يري أن فالسر يحكي عن حب غير ممكن , ولكن كجريمة لم يظهر فالسر الهوة بين السنين والخبرة والمشاعر بين الشاعر المسن والفتاة الصغيرة , ولكنه تطرق إلي الفرق في العمر فقط .
نقلا عن دي تسيت
|
|
|
كتاب إسرائيلي يؤكد:
ليست لليهودي أرض
نائل الطوخي
 | | نائل الطوخي
|
|
علاقة الإسرائيلي المتوترة بالمكان الذي يعيش فيه هو موضوع كتاب عن المكان الذي أصدره مؤخرا الشاعر الإسرائيلي زيلي جوربيتس. يفتتح الكتاب بمقالة كتبها جوربيتس بالتعاون مع عالم الاجتماع جدعون آرن بعنوان عن المكان _ أنثروبولوجيا إسرائيلية .
يؤكد كل من جوربيتس وآرن في الكتاب أنه منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وحتي نهاية الثمانينيات، أي الثورة السياسية، حرب لبنان، الانتفاضة الأولي وتراجعها وانهيار دولة الرفاهية في إسرائيل، بدأ إسرائيليون كثيرون يشعرون بعدم ارتياح تجاه هويتهم والمكان الذي يحيون فيه ومعني حياتهم. يمكن إرجاع عدم الارتياح الإسرائيلي إلي التأثيرات التغريبية لعمليات التحديث أو لكون المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع من المهاجرين في نهاية الأمر.
ولكن جذور عدم الارتياح الاسرائيلي تجاه الأرض تكمن أيضا، كما يعتقد المؤلفان .في النظرة اليهودية لمفهوم المكان. اليهودية من وجهة نظرهما قائمة علي رفض جذري لإمكانية الوجود داخل المكان . يقولان: بين الإنسان والمكان وبين المكان والإنسان ثم فراغ يصل إلي فجوة أحيانا في اليهودية . لأن اليهودية في أصلها من وجهة نظرهما هي كيان مجرد، حيث العالم الحقيقي لا يمكن له الصمود أمام المعايير الفكرية والأسطورية والتوراتية التي تبثها اليهودية.
يدل علي هذا التوتر بين اليهودي ووطنه أن الشعب اليهودي لم يولد في بلده ، فلقد أمر إبراهيم بالسفر من بلده ومن بيت أبيه إلي الأرض التي لا ينطق حتي الرب باسمها إلي الأرض التي أري ، كما يضيف المؤلفان. هكذا تبدأ اليهودية بأمر بترك المكان. كما أن أرض إسرائيل لا تذكر أبدا باعتبارها موجودة في مكانها ، وإنما دائما في علاقتها بالمنفي أو بالصحراء . ولا يتحول بنو إسرائيل إلي شعب، أي يتحولون من شعب العبيد إلي شعب الأرض، إلا في مصر، ويتم تنزيل الوصايا في الصحراء، حيث يري موسي الأرض أمامه ولكنه لا يدخلها.
يري المؤلفان أنه حتي الصهاينة والإسرائيليين الذين هاجروا إلي أرض إسرائيل بغرض البحث عن مكان يحيون فيه لم يستطيعوا إدراك هذا. كانت أرض إسرائيل التي رغبوا في الذهاب إليها مجرد فكرة إلهية أو أسطورية أو توراتية، لم تصمد أمام الحقائق. الصهاينة صعدوا إلي أرض إسرائيل أو هبطوا منها، ولكنهم أبدا لم يكونوا فيها . وحتي عندما يكونون مولودين فيها فهم دائما ما يفتشون وراءها، عن أصولها وحدودها وعن الوعد الكبير الإلهي بالأرض التي تفيض لبنا وعسلا. حتي عندما يولدون فيها فهم لا ليسوا مواطنين وإنما يواصلون طول الوقت عملية الاستيطان ، وتمتد هذه الشيزوفرانيا بين المكان الإلهي والمكان الجغرافي، بين التوراة والأرض، بين القدس العليا، والقدس المدينة، حتي الآن.
|
|
|
أوكتافيو باث..
شاعر سياسي أم سياسي شاعر؟
شيرين عصمت
 | | أوكتافيو باث |
|
كانت الساعات الأولي من يوم 19 أبريل عام 1998، عندما أمر الرئيس الأرجنتيني آنذاك أرنستو ثيديو طائرته بالرجوع فورا إلي المكسيك لإعلان وفاة المفكر الكبير والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث.. فموت الكاتب المكسيكي الوحيد الذي حصل علي جائزة نوبل للأداب عام 1990 بسبب سرطان العظام جعلت البلاد تعيش في حالة إضطراب وكأنها أصبحت يتيمة بدون زعيمها الثقافي الأكثر تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين.
إذن.. صوت باث سكت إلي الأبد.
ولد أوكتافيو باث لوثانو في مدينة المكسيك في 31 مارس عام 1914، تأثر بالأدب منذ طفولته من خلال جده لأبيه الذي كان مفكرا ليبراليا وقاصا، فأثناء الفترة من 19201930 أي منذ أن كان يبلغ من العمر 6 سنوات فقط إكتشف شعراء أوروبا مثل خيراردو دييجو، خوان رامون خيمينث و أنطونيو ماتشادو والذي تأثر بهم أيضا. نشر أول قصائده في عام 1931 عندما كان مراهقا بعنوان (الفارسة).
في عام 1937 أنهي دراسته الجامعية وسافر إلي مدينة يوكاتان للبحث عن عمل، وهناك إكتشف الوضع الثقافي وضعف إيمان الفلاحين المكسيكيين كنتيجة لمجتمع رأسمالي. وفي عام 1937 زار إسبانيا أثناء الحرب الأهلية، وأظهر تضامنه مع الجمهوريين، وقد أثرت هذه الأيدلوجيات السياسية المختلفة في أعماله في فترة شبابه. فتجد دائما إنعكاسات وهموم سياسية في قصائده.. فهو لم يكن شاعرا فقط.. بل كان سياسيا من الطراز الأول. فعندما تقرأ أعماله لا تعرف هل هو شاعر سياسي أم أنه سياسي شاعر؟
عرف بعمق التاريخ الثقافي للبلد.. فقد خصص باث أعمالا كثيرة لدراسة الهوية المكسيكية المعقدة. لم يكن أحد يفهم أكثر منه طبيعة المكسيك والمكسيكيين.. لم يستطع أحد من فنانيها أو كجتابها لمس هذا العمق من واقعها، جوهرها ومستقبلها. وبرغم هذا فجزء هام من السياسيين والمفكرين كانوا علي خلاف كبير معه أثناء حياته.. فقد قطع بابلو نيرودا علاقته معه لانتقاده ستالين، وبعدها بسنوات وفي المكسيك أهان علنا نظام فيدل كاسترو ووصفه بالديكتاتورية، كما انتقد نقص الحريات في نيكاراجوا. وفي أحد المرات في عام 1984 قام بعض المتظاهرين بإحراق صورة باث أمام سفارة الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لاعتراضهم علي الخطاب الذي ألقاه باث في فرانكفورت أثناء تسلمه أحد الجوائز الدولية من جمعية الناشرين والكجتاب الألمان أكد فيه علي أن ثورة نيكاراجوا قد صودرت من قِبّل قادتها وطالب بإجراء إنتخابات حرة.
وبرغم أن معني اسمه باث _ Paz تعني باللغة الإسبانية السلام، إلا أن المؤرخ المكسيكي الكبير إنريكي كراوثِ وصفه أثناء حفل تكريمه التي أقيمت في إطار الإحتفال بذكري وفاته العاشرة فقال: لم يكن رجل سلام، لكنه رجل حرب.. حرب جيدة.. حرب فكرية نبيلة يشنها نتيجة غضبه وإنفعاله.. غضبه من خداع الأيدلوجيات، التشويش، التعصب، الإيمان السييء وخاصة غضبه ضد الكذب. أما إنفعاله فهو للحرية، للأدب، للوضوح، للنقد، للعقل، وخاصة إنفعاله للحقيقة .
فقد كتب في مجلة بلورال التي كانت من المجلات الهامة علي الساحة السياسية الثقافية في أمريكا اللاتينية في فترة الستينيات كتب ينتقد الموقف السياسي في المكسيك والذي لايرتكز من وجهة نظره علي الديموقراطية، بل علي المواجهة السياسية.. فهو يري أن المجموعات المختلفة لا تتحدث فيما بينها.. لكنها تتبادل اللكمات. فيشعر باث أن أيدلوجية الميليشيات واحدة من أسباب تكثيف العنف.. فالأفكار التي تعطيها الحرب للميليشيات هي أفكار خاطئة وغير فعالة. وفي كلمات أكثر دقة.. كان يتعجب من أن المليشيات في المكسيك لا تزال متمسكة بأيدلوجية ترفض الفعل السياسي الشرعي في الوقت الذي تتجه فيه شبه القارة للعمل علي التغيير عن طريق مؤسسات ديموقراطية كما نري في أوروجواي وتشيلي. وبحسب رأي باث فإن الحكومة علي ما يبدو تتحمل المسئولية الكبري لهذا العنف.. فالحكومة كانت تسجن أشخاصا لأسباب سياسية وترفض وجود سجناء سياسيين، كما في نفس الوقت تجخمِد أي نشاط عنيف للميليشيات. ويتأسف باث علي إستخدام العنف. والإختيار بالنسبة له واضح.. إما العنف أو الديموقراطية.
وقد طرح باث موضوع العنف في سلسلة مقالات نجشرت في بلورال علي مدي شهرين كاملين هما يونيو ويوليو من عام 1973 وبدون شك أن بعد مذبحة الطلبة في تلاتِلولكو كتب باث في كل مرة أكثر عن الأمور السياسية الحالية. ويمكن أن نقسم إهتمامات باث في مقالاته إلي أربعة مواضيع أساسية: العلاقة بين الكاتب والدولة، قلق علي تطور وشرعية الثورة المكسيكية، تعليقات عن الظروف الدولية المتصلة بالعصر مثل الإنقلاب في تشيلي، وإهتمامه الدائم لعرض التعديات التي تحدث في الإتحاد السوفيتي آنذاك علي حقوق الإنسان. وفي إطار إحتفال المكسيك بذكري شاعرها الكبير أو كما يجطلق عليه كارلوس فوينتس الجندي العظيم .. نجشر كتاب بعنوان (رسائل لتوماس سيجوبيا) يتضمن الرسائل التي كان يتبادلها باث مع الكاتب والشاعر الإسباني المولد المكسيكي الأصل توماس سيجوبيا علي مدار 28 عاما، وقد كتب أغلبها عندما كان سفير المكسيك في نيودلهي. وسوف تجنشر هذه الرسائل دون تصحيح وبخط اليد الأصلي الذي كجتبت به، فهي كنز.. يضعنا أمام أحاسيس باث الداخلية، ومشروعه لنشر مطبوعة ثقافية وخلق منظمة مستقلة لرواج الأفكار، كما تسمح لنا هذه الرسائل بفهم عصر كان غنيا بالحياة الأدبية، بالإضافة إلي أننا نري فيها نوعا من اليوميات الشخصية مع لمحات شعرية، قلق من الأوضاع العالمية والمكسيكية وإشارات لصداقاته مع شخصيات عدة.. كالكاتب الفرنسي أندريه بريتون.
لا.. لم يسكت صوت أوكتافيو باث كما كتبت في المقدمة.. فهذا الصوت الذي ظل ينادي طوال حياته بوجود الحريات، الديموقراطية، التفكير، التأمل... لن يسكت أبدا. هذا الصوت الذي دافع عن حقوق الإنسان وإنشغل به ليس في وطنه فقط بل في العالم كله.. لن يسكت أبدا. الصوت الذي كان يخدم الكلمة وتخدمه هي.. لن يسكت أبدا. بل سيظل يتردد في ذاكرة ووعي المكسيك والعالم كله.
|
|
|
الأكثر حياة بين الشعراء
 | | أثناء تسلمه جائزة نوبل |
|
قبل كل شيء أنا شاعر. وبالنسبة لجيلي إرتبط الشعر بالتاريخ.. وجلدت في عام 1914، وكنت معاصرا للإضطرابات الكبري في القرن العشرين.. صعود النازية والفاشية، حرب إسبانيا، الحرب العالمية الثانية، إستقلال المستعمرات الأوروبية القديمة. كل هذا أثر بعمق في مراهقتي وشبابي .
لكن ماذا يفعل شاعر بالتاريخ؟ ماذا يفعل شاعر بالنقد، بالفلسفة، بالسياسة، بالرسم، بالعلوم الإجتماعية، بفن القصة والموسيقي؟ ماذا يفعل شاعر بقّدّر أمريكا اللاتينية؟.. يجيب أوكتافيو باث عن كل هذه التساؤلات: أكتب عما عشته وأعيشه.. الحياة تساوي الفكر.. والشعور والفكر هما اللذان يكوِنان الشعر ، ويصر: أكتب الشعر لأن ليس لدي وسيلة أخري تتجاوب مع إحتياجي الداخلي . ويضيف: أنا شاعر.. كتاباتي الأولي عندما كنت طفلا كانت قصيدة، ومنذ هذه الأبيات الطفولية والشعر هو حظي الثابت ، قصائدي الأولي كانت قصائد عن الحب، ومنذ ذلك الوقت وهذا الموضوع يظهر دائما في شعري .
وبالرغم أن موضوعات مقالاته تشمل كل المجالات، فتتضمن أكثر من 25 عنوان منذ (متاهة الوحدة) التي خرجت إلي النور في عام 1950 وحتي (ومضة الهند) التي ظهرت في عام 1995 قبل وفاته بثلاث سنوات.. فهو محيطه الذي يقوم علي الأحداث ليس فقط في المكسيك لكن في العالم.. يجظهر معرفته وتتولد الأفكار، لا يبحث فقط عن الخصوصية لكن الكونية.. يغامر، يتحاور، يفترض، يري الآخر ويسمح للآخر برؤيته، يتأمل.. فيكون نهر من الأحداث الجمالية والإنعكاسات نسبح نحن والقاريء فيه.. إلا أن الشعر يظل هو دائما الفكرة المتسلطة علي عقله: أريد أن أشرح للآخرين طبيعة الشعر ووظيفته في المجتمعات.. هو إهتمام لايتخلي عني أبدا ...
كل قصيدة هي عمل فريد بذاته. كل عمل شعري ينبض بدرجة.. سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وكل قاريء يبحث عن شيء في القصيدة.. وما يجده ليس بشيء غير مألوف.. فهو يحمله بداخله .
وفي مقدمة مقالته ( اللهيب المزدوج) عن الحب والشهوة الجنسية والتي نجشرت في 4 مايو عام 1993، عندما أتم عامه السبعين، أكد باث: بالنسبة لي الشعر والفكر هما نظام للأواني المستطرقة .
وقد كانت مقالته ( متاهة الوحدة) التي نجشرت في عام 1950.. خنجر من حجر.. صدمة.. تحليل نفسي يطلعنا علي أسرار المكسيك وتجعلنا نكتشفها من جديد. واطلعنا علي هذه الأسرار كان دليلا لما سوف يفعله هذا الشاعر الشاب في مقالاته في المجلات المتعاقبة.. فلا تجد فيها التاريخ الفكري فقط للمكسيك بل أيضا للعالم الذي عاشه باث، لأنه قبل كل شيء رجل وجلد في المكسيك لكن مركزه العالم.
وتحدثنا دائما كتابات باث عن كينونتنا..من نحن وكيف نكون.. ليس فقط في عمله الرائع
( متاهة الوحدة) لكن في كل أعماله الكثيرة سواء الشعر أو المقالات، منذ أن بدأ في شبابه وحتي وفاته في عام 1998.
وعندما سجئل عن النقد في بعض اللقاءات أجاب باث: أعتقد أن الثقافة الحديثة في الأصل نقدية.. وهذا بدأ في القرن XVIII. في كل مرة تحاول فيها الدولة أو البيروقراطيون توجيه الثقافة ينشأ فن رسمي، يكون رديئا. وفي الحضارة الحديثة النقد هو عنصر أساسي في الإبداع، فمثلآ.. في الروايات العظيمة في القرن ال19.. في بالزاك، فلاوبيرت، في ديكنز أو في بروست.. كان فيهم نقد للمجتمع والإنسان. وصف الواقع يقتضي دائما نقده.. أدب غير نقدي لا يكون أدي حديث. إذا أن المكسيكيين كان لديهم في يوم من الأيام أدبا ومازالوا يحتفظون به.. ذلك لأنهم لديهم حالتان أساسيتين: واحدة يكون فيها مساحة للخيال الحر، ومن ناحية أخري هذا الخيال يتصل بشكلي ما بالواقع الذي يصفه. فيوجد دائما نوع من الإتصال المتبادل بين الواقع والخيال.. فهما غير منفصلين.. لا يوجد أدب نقي مطلقا، فالأدب مشوب لأنه يتأثر بالواقع وطبعا بالنقد .
والكتابة _ كتابته الخاصة لها معني آخر..فهي النشاط الذي لم يخذله مطلقا. أي شيء تحت عينيه، أي ظرف وأي حادثة تنعكس لتكون موضوعا يجطرح: فكٌر.. ماذا تقرأ؟ دائما ينبهنا. كما يقول في كتبه: كل شخص مغمور بأكمله في أشياء وأمور ليس لها معني، وهو نفسه يجري كما لو كان أي شيء.. لا أكثر.. كلنا ننشغل بذاتنا.. كلنا نسير علي غير هدي. غياب المعني ينشأ من أن الإنسان يشعر أنه يعطي مدلولا للأشياء والعالم.. وسينتبه مبكرا أنه لا يحمل معني آخر غير الموت .
كما كان ينبهنا أيضا لأهمية القراءة : هي تدريب عقلي وأخلاقي للتركيز، تحملنا لنتغلغل في عوالم غير معروفة تكشف خطوة بخطوة عن الوطن الأكثر قدما وحقيقة.. فمن هناك أتينا ، القراءة هي اكتشاف لطرق غير معلومة نحو أنفسنا.. فهي معرفة.. وهي إستمرارية لتحضرنا .
أوكتافيو باث هو أعجوبة.. وبعد مرور عشر سنوات علي وفاته في 19 أبريل عام 1998 يظل باث الشاعر الأكثر حياة من بين الشعراء.. الأكثر حياة من بين كجتاب المقال، والنقاد. محب للبحث ومجلح في تحقيقه، يبحث دائما عن محاورين من نفس قامته ويجدهم من معاصريه.. ألفونسو رِييس، كارلوس فوينتيس، أرنالدو أورفيلا ريٌنال، توماس سيجوفيا... وكثيرون آخرون ممن يعتبرونه صديقا ومعلما.
|
|
|
ساراماجو في أول حوار
بعد الانتصار علي الموت:
النكتة كانت سلاحي
في معركة الاحتضار
أحمد عبد اللطيف
عاد ساراماجو، للظهور للحياة من جديد بعد أن ظل علي حافة الموت لعدة شهور، فلزم فراشه بمستشفي لانثاروتي ثم فراش بيته. في أول حوار له بعد عودته يتحدث عن إحساسه بالموت وعلاقته بوطنه الذي يحتفي به بإقامة معرض له في لشبونة، يضم الحياة الشخصية لكاتب البرتغال الأشهر.
عندما اقتحم المرض جسده الضئيل، توقع القليلون الذين استطاعوا رؤيته في المستشفي عدم حضوره لمعرضه الذي افتتح في إبريل الماضي، إلا أن زوجته و رفيقة دربه ماريا بيلار، كانت تردد سننتصر في المعركة و سنصل للربيع ، كانت المعركة بلا شك هي الموت، وهاهو يصل للربيع ليفتتح معرضه بصحبة رئيس الوزراء البرتغالي، جوزيه سوقراطيس، ووزير الثقافة الاسباني، الذي حمل رسالة من رئيسه ثباتيرو، موجهة للكاتب البرتغالي. في هذا الافتتاح أعرب ساراماجو عن العبارة التي يتخذها شعارا لحياته لتكون عظيما يجب أن تكون كاملا ، وهي عبارة استعارها من بيسوا،الكاتب البرتغالي الذي يقدره . وقبل الافتتاح، في بيته الصغير والهادئ بلشبونة، حكي تجربته مع الموت.
بماذا تشعر ؟
ھ مقارنة بالشهور الصعبة التي قضيتها مؤخرا، أشعر أنني في أكمل حال. وعندما أقارن بين اليوم و الأمس، أجد صعوبة في الاعتقاد أنني أنا من كنت بالأمس مريضا. الفرق شاسع لدرجة أنني يخيل لي أن ما حدث ليس إلا حلم، أو بمعني أدق، كابوس. أنا الآن علي ما يرام، وصحتي في تحسن مستمر، وعدت لعملي و كتابتي.
 كنا نظن أن الموت سيمنعك عن أن تحكي لنا تجربة مرضك ؟
 لم أفكر في ذلك مطلقا، نعم فكرت أنني مريض، وحالتي يرثي لها، لكنني كنت أثق في أطبائي و القائمين علي رعايتي، وأعترف أنني في ساعات عزلتي، وهي كل الساعات تقريبا، رغم مرافقة بيلار لي باستمرار، كنت أقبل بكل بساطة فكرة ألا يخرج المرض من جسدي، بل قبلت الأسوأ من ذلك، فكرة أن اذهب للعالم الآخر... مع كل، كانت تواتيني حالة صفاء روحي و سكينة أدهشتني حقا و جعلتني اقبل بلا خوف و لا ضجر افتراضية أن أعيش مع المرض، لكن هذا لا يعني رضوخي للموت، لا. لا يجب أن نرضخ لفكرة الموت. إن حالة الصفاء و السكينة قد ساعدتني علي التفكير في الموت كأمر طبيعي. فضلا عن ذلك، فأنا لا يمكنني التصدي له، وهذا أمر لا بد منه. فبوسعك أن تتسلح بالقوة التي تجدها بداخلك حتي لا تخضع أمام الرهبة، الخوف، الضيق، أمام نهاية ممكنة... لقد عشت كل هذا، وتخطيته، لكنني لا أذكره كموقف عابر، بل ككابوس تحتم علي أن أستيقظ منه، واستيقظت.
 وماذا رأيت عندما استيقظت ؟
 الأمر ليس بالتحديد يقظتك من كابوس و تذكر تفاصيله، فخلال فترة مرضي انقسمت لشخصين، أحدهما يعاني المرض، وثانيهما يتابع ما يحدث للأول. لقد كنت في الكابوس و أشاهده في آن بعينيٌ.
 لابد أن ذلك أثار مشاعرك بشدة ؟
 لا ادري. لقد شعرت أنني شبه مخدر. بمعني أنني أشاهد كل شيء و أبالي له، لكن مشاعري لا تثار أمامه. لا أتذكر أن هناك شعورا بعينه قد امتلكني، سواء كان خوفا أم حسرة. لا. لقد كنت أراقب نفسي ببرود علمي، علي أن أطرف ما حدث كان صبغة المرح التي اجتاحت مزاجي في حواراتي مع الأطباء و الممرضات، فلم أكن أبدا راو للنكات، فوجدتني فجأة أسرف في روايتها. لم أكن في حياتي كذلك !. اعتقد أن هذه الحالة كانت درعا واقيا لي من السقوط في المشاعر السهلة، فلم تعرف الدموع طريقا لي ولا عرفت الشعور بالخطر، ولا حتي في أحلك ظروفي.
 أتشعر بالحنق ؟
 من ماذا ؟
 من سحب سجادة الحياة من تحت قدميك ؟
 لا فائدة من الحنق ما لم يؤد لنتيجة . بالحنق لا أشعر، ثم ضد من ؟ ضد نفسي ؟ أم ضد القوي العليا التي قررت إنهاء حياتي ؟ حتي لو افترضنا وجود هذه القوي، هل سيصلها حنقي ؟ لا لست حانقا. الموت مصير كل الأشياء. فلا داع للحنق، ثم ماذا يظن نفسه هذا الإنسان ليشعر بالحنق ؟ أيعتقد أن من حقه الخلود ؟ أظن ذلك. بل و أقبله. لكن ما اقتنع به هو أن لا فائدة من الحنق في مثل هذه الظروف.
 وهل شعرت بالاستسلام ؟
 ليس استسلاما ما شعرت به، إنه ببساطة رضي، وهما شيئان مختلفان. فالرضي قبول الشيء حيث لا حل آخر. أما الاستسلام فهو قبوله و رفضه في آن.
 أنت الآن في حالة بعث !
 إلي حد ما. فأنا شاهد ليقظة جسد، هذا الجسد جسدي الخاص. يقوم الأطباء بعملهم، أما عملي فهو مساعدة جسدي في هذه العملية التي يسمونها بعثا، مع أنني أحبذ كلمة عودة ، فالعودة كلمة اقل مأساوية و أكثر وضوحا. فأنت تعود لذاتك. لقد تضاءلت فصرت شخصا موجودا، لكن بلا روح، بلا قوة، بلا رغبة في الكتابة. العضو الوحيد الذي ظل يعمل في جسدي و لم يعرف المتاهة كان عقلي، فبرهن لي أنه أنشط مما كنت أتخيل... أنا اعجز عن شرح ذلك.لم أقع أبدا في حالة غياب العقل، فقد كنت دائما متيقظا، وبقدرة علي التأمل و التعليق، حتي أني كنت أطلق النكات.
 ساعدتك النكات علي تخطي الموت.
 حقا، بالإضافة لقلبي الذي كان في حالة مستقرة، فعندما كان جسدي يميل للسقوط، كان قلبي يواصل نبضاته، حتي فاز في المعركة.
 وماذا عن روايتك الجديدة ؟
 وقفت روايتي في حيرة بين أن تنتهي أم تظل معلقة للأبد، فإما أخرج من المستشفي و أعود للبيت، وإما أن تتم بلا نهاية. رحلة الفيل مازالت في طريقها تسير.
 كنا جميعا نخشي أن نفتتح معرضك و أنت في عالم آخر ! بماذا تشعر و أنت في أرضك تزورها ؟
 اشعر بسعادة جمة و سرور كبير. لكن رحلتي هذه لا تعد تصالح مع أرضي، فأنا لم أعط ظهري أبدا للأرض التي ولدت فيها. لقد عدت إليها دوما، و بعد مرضي أعود، وهو ما يسمي اللقاء من جديد ... لكن ليحدث هذا اللقاء يجب وجود اثنين، الشخص و الوطن، أما الوطن فهي كلمة مجردة، لم تقدم لي نفسها، لا الآن و لا قبل ذلك، فلم أر وطني يرتدي من قبل ملابس و لا قال لي أنا الوطن. إن الوطن بالنسبة لي أرض ننتمي لها، تاريخ، لغة. أنا دائما انتقد وضع البرتغال الاجتماعي و السياسي، و أري أن حماس الناس قد انحدر، وتخلوا عن مستقبلهم، نحن في غاية التخلف. لكن البرتغال بلدي و لا مفر. اعرف انه ليس أجمل و لا اذكي و لا اطمح بلد، لكنه بلدي. منذ سنوات سألوني عن علاقتي بأرضي، فأجبتهم : أنا أحب ما خلقه هذا البلد مني . لأنني أعترض علي هذا وذاك، لكن ما لا يمكنني إنكاره هو أن الطرق الممهدة و الوعرة هي التي كونتني، بعد ذلك أقرر ما أعجبني و ما أبغضه. لكن علي أن أعترف بما أعجبني. الأمر غاية في البساطة، من الممكن أن انقد البرتغال، لكن هناك سؤال : ماذا كنت سأكون لو ولدت في مكان آخر في العالم ؟
 وما إجابتك ؟ هل كنت سأكونأكثر ذكاء ؟ هل كنت سأكتب أعمالا أهم ؟ هل كنت سأحظي بشهرة اكبر في الشارع ؟ هل كانوا سيطلقون اسمي علي الشوارع و المدارس ؟. لست ادري، فالبرتغال هو قدري الذي لا مفر منه.
|
|
|
|