دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -774ه - العدد1429جمادي الأوليمن5- م2008مايو من11 الاحد
بتوقيت القاهرة 11:17:21 AM الساعة - 5/10/2006 آخر تحديث يوم
      البستان
عاصفة في الغابة
قصص قصيرة من جنوب السودان

في هذا البستان بعض النماذج من اعمال كتاب القصة القصيرة في جنوب السودان والذين برزت لهم كتابات رائعة وخاصة في فترة التسعينات وما تلاها ليس لانها افضل الاعمال ولكنها كنماذج تم نشرها وقد سمح المناخ في هذه الفترة لكثير من تجارب كتاب القصة الشباب من الجنوب ان تري النور خاصة عبر صحيفة الخرطوم والاتحادي الدولية ومجلة حضارة السودان واصدارات مركز الدراسات السودانية وغيره وبلاشك انها تقف كعلامات بارزة في تطور الادب الجنوبي بشكل عام وفي تطوره الحديث.


قصة الجنوب
تاريخ قصير لتجربة مدهشة
اعداد:صلاح خليل
للفنان:  جرافتون
<br>
 تيلر براون
للفنان: جرافتون
تيلر براون
لا نستطيع ان نؤرخ لكتابة القصة القصيرة في جنوب السودان بتاريخ محدد ولكن يمكن القول بأن عددا من الكتابات في هذا المجال قد أتت متزامنة أو بعد فترة وجيزة من ظهور كتابة القصة القصيرة لدي أدباء شمال السودان بعد خروج المستعمر من البلاد.
وقد جاءت البدايات ضعيفة بالطبع ككل البدايات ومن الجنوب الذي كان ولايزال يعاني من الحرب والتهميش والفقر وعوائق اللغة حيث اتسمت كثير من محاولات كتابة القصة القصيرة هناك بالتقليدية وسرد التراث بطريقة تقريرية رغم ان بعضها جاء محكم السرد وجعلت تراوح مكانها لفترة من الزمن يسودها اسلوب الحكي .
ولكن في فترات لاحقة وإلي الآن بدأت تظهر كتابات اكثر نضجا واكثر زخما ملاحقة للتطور الكبير الذي حدث في بنية القصة القصيرة في زمن الحداثة ومابعدها، خاصة بعد انتشار الوعي في الجنوب بابعاد الحرب التي تحاول احلال الخراب بجنوب السودان وانسانه، فظهرت كتابات اكثر تعبيرا واكثر سعة في اطارها الدلالي لتؤسس ابداعا ينطلق من رؤي ابناء الجنوب المثقفين وتجاربهم الذاتية ووعيهم باستقلاليتهم وتصديهم لآليات القهر والحرب التي ادت لتخلف الادب بالجنوب رغم عدم وجود مجموعة موحدة من المثقفين للعمل في هذا المجال وظلت المجهودات الفردية هي التي تقود هذا العمل .
وكبقية كتاب افريقيا ، فان اسئلة الهوية وعلاقة الذات بالاخر هي السمة التي تصبغ كتابات ابناء جنوب السودان، كما استلهمت معظم كتابات القصة القصيرة هناك احداثها من التراث وقيمها من الواقع ومن الامثال والحكايات الشعبية وعلاقة الانسان بالمكان والحرب واثارها. واستمدت التقنيات الحديثة في مرحلة لاحقة من الكتابات الغربية وكتابات الرواد الافارقة كالاسلبة الاجتماعية وانعكاس المرايا لبث التاريخ الذاتي وغيرها من ادوات التعبير الفني من الفلاش باك وغيره ما نجده في قصص قصيرة لكتاب جنوبيين مثل: فرانسيس دينق و جوناثان ميان نوينق.
حيث كان من السهل الاطلاع علي تلك التقنيات الحداثوية نسبة لاستخدام الجنوبيين للغة الانجليزية الامر الذي كان يشكل عقبة كبيرة من جانبه الاخر تحت ظل الكتابة لجمهور معظمه امي او لايستخدم سوي اللغات المحلية التي تغلب عليها العربية في تعاطيهم مع الحياة.وكانت بدايات الكتابة الجنوبية ­ في مجال القص ككتابة تتبلور قيمتها الدلالية في معالجتها وتناولها لقضايا مجتمع قبلي مغلق يحاول الانفتاح والتقدم من خلال انسان تحف به الكوارث والحروب­ كانت تتسم بالآتي:­
1­ استخدام اللغة الانجليزية كلغة اساسية لدي معظم الكتاب الجنوبيين، ومعروف ان هناك ظروفا تاريخية وثقافية جعلت هؤلاء المبدعين يكتبون بالانجليزية ، وهذا الامر يعتبر مشكلة ثقافية وادبية ونقدية معقدة ظل يعاني منها معظم الكتاب الافارقة في السنغال ونيجيريا والكاميرون وكينيا ومالي والمغرب والجزائر وقد تفاقمت بعد التطور الكبير الذي شهده الادب الافريقي، الذي دعا النقاد الغربيين الي اطلاق المفاهيم النقدية التي تعمل علي ارجاع هوية هذه الاداب الي اللغات التي كتبت ب الشئ الذي يجعل كل الادب الذي كتب بالانجليزية يدور في فلك الادب الانجليزي ويصير جزءا منه . مما حدا بالاديب النيجيري تشينوا اشيبي أن يقول ( إن الاديب الافريقي يكتب بلغة المستعمرين عن قضايا التحرر ونضال الشعب المضطهد ولكن هذا الشعب امي لايحسن قراءة هذا الادب الذي كتب من أجله) .يضاف لهذا ان الادب يثري اللغة التي يكتب بها ويصبغ علي التاريخ هيمنة الانسان الفنية ورؤاه للمجتمع والزمان والمكان.
2­ تعكس كتابة الجنوب الطقوس القبلية الخاصة بمراسم الزواج واستقبال العائدين والموت والميلاد وانشطة الرعي والصيد والحروب والمحاكم القبلية والطقوس الدينية والكجور وغيرها وكذلك الاعتماد علي التراث المحكي وتوظيف الاسطورة والحكم والامثال.
3­الحنين الشجي تجاه المكان وكانه فردوس مفقود حيث يحتل المكان مساحة واسعة وعميقة في كتابة القصة بالجنوب مما يضيف لها ميزة جمالية وكانها تتحلي بجماله وغموضه الاستوائي ، باعتباره الفضاء الاسطوري الذي ارتبط به الانسان هناك ومن خلاله تاسست ماهية هذا الانسان وتجلي وجوده وكذلك كونه موقعا للصراعات الدامية والكوارث.
4­ في كثير من تلك الكتابة نجد طرحها لقضية المرأة التي تسعي للانفكاك من قبضة الرجل السلطوية الذي يجلس علي قوانين وقيم وتقاليد القبيلة المتجزرة تاريخيا ويبدو هذا جليا في اعمال كتاب جنوبيين مثل: اغنيس بوني لاكو، جاكوب أكول وفرانسيس فيليب.
5­ استخدمت القصة الجنوبية في بداياتها الاسلوب الارسطو موباساني التقليدي في تشكيل بنية السرد حيث نجد بداية القصة ثم العقدة وبعد ذلك الانفراجة او التفسير الحكائي كما في كتابات الكاتب : جوناثان ميان ­ ولينو رول دينق وغيرهم . من ثم انطلقت القصة القصيرة الجنوبية لتستخدم تقنيات السرد الحديثة في مراحل تطورها اللاحقة.
ونستطيع القول كذلك ان القصة الجنوبية في السودان ماهي الاجزء يلتقي في نقطة تقاطع واحدة مع مجمل الادب السوداني ككل يهجس باسئلة كثيرة منها كيف يكون الانسان اكثر انسانية وتشييد حياة افضل.
والجدير بالذكر ان هذه الحقبة تشهد بروز مجموعة كبيرة من الادباء الشباب من جنوب السودان خاصة كتاب القصة القصيرة هذا الفن الذي ينمو بشكل سريع وبطريقة مدهشة في الكم و الكيف متجاوزا فخاخ الفجاجة وبدايات كتابة القصة القصيرة الجنوبية السوداناوية اذا جاز لنا القول ، حيث كانت محاولات تستند في كثير منها علي اعادة سرد التراث الشعبي لمجتمع جنوب السودان الذي يزخر بموروث غني وثري من الاساطير والطقوس الاجتماعية شديدة الخصوصية وتعدد المعتقدات. في الوقت الراهن لا يستطيع المتابع لانتاج الكتاب الشباب من الجنوب في مجال القصة القصيرة خاصة، لا يستطيع الا ان يبهر بانجازاتهم في هذا المجال وسيرهم بالقصة القصيرة هناك في الاتجاه الحداثوي، لنجد انفسنا امام نوع من الكتابة قد توافرت فيه كل عناصر الابداع المتعارف عليها فيما يتعلق بكتابة هذا النوع من الادب. ومن الممكن بسهولة فرز هذه العناصرالتي تجعل القصةالجنوبية تتماهي مع الابداع الادبي الحداثوي حيث نلاحظ بها ما يلي:­
1­ تجاوز القصة القصيرة الجنوبية مرحلة السرد الاحداثي المبني علي التمرحل الزمني وعدم اعتماد التجارب الحديثة علي ذلك بانتهاجها افاق اكثر حداثة بعدم التقيد بالتسلسل الزمني وتحليق القاص في فضاءات اكثر حرية ورحابة لاتتقيد بالبعد الزمني
2­ بروز ابداع جديد لكتاب جنوبيين يتخطي التقاليد الارسطوموباسانية في كتابة القصة التي اصبحت كتراث كان قد ساد في فترة الستينات والذي تقوم فيه بنية القص علي ثلاث مراحل تتمثل في المدخل ثم العقدة فالخاتمة التفسيرية
3­ كما نلاحظ استيفاء مطلبية جاذبية السرد وقوته وذلك دون الاعتماد علي الاكثار من العناصر في بنية القصة مثل الحوار وتعدد الشخوص ووصف طبيعة المكان وغيره بانحصاره في عدد محدود من العناصر
4­ تفعيل التراث الجنوبي الزاخر بعناصر السرد القصصي من اساطير وتراث تاريخي ومعتقدات وحروب وكوارث وغيرها بادماجها ومزجها بسلاسة في بنية العمل وتوسيع اطارها الدلالي بحيث تشكل جزءا اصيلا من مادته وتكثيفا له
5­ بروز صبغة النقد والمساءلة الدائمة للشكل الثقافي والقيمي السائد في العمل الفني لحد تصل معه هذا المساءلة لدرجة القطيعة
6­ تتبلور كل هذه المعطيات في اعمال بعض كتاب القصة الجنوبيين بعد استيعابها واستيعاب الاجناس الفنية للحضارة البشرية واستحضارها واستلهامها والابداع من خلال ذلك لنري ابداعا فنيا جديدا وواعدا.



بحيرة بحجم ثمرة الباباي
استيلا قايتانو
للفنان:  آن 
<br>
واشنطون  ديري
للفنان: آن
واشنطون ديري
كل شيء فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع، طولها الفارع، وقفتها المستقيمة رغم شيخوختها.
لا ألمس في جدتي أي جماليات، كنت أراها قبيحة جدا مثل الغوريلا وشفتاها غليظتان، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب، كان يزين شفتها السفلي ثقب هائل تسده بقطعة من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض، عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها كان يسيل عبره. أشهر شيء قبيح فيها أنفها الأفطس، عندما تسمع تعليقا عن فطاسة أنفها، كانت تقول دون أي جهد في التفكير:

­ يكفي أنني أتنفس به!!
كنت أري الأفق عبر ثقب أذنها الهائل أيضا.. الذي أخذ مساحة كبيرة من حلمة الأذن، وهناك أيضا ثقب في أنفها الأفطس ثم مساحة كبيرة من لثتها في الفك الأسفل نتيجة أربع أسنان، اما عيناها فكانتا حمراوين، تجثم فوقهما جفون منتفخة.
الشيء الذي عرفته عن جدتي أن لها مقدرة فائقة لتحمل الألم، ذات يوم ذهبت لتقضي حاجتها في العراء.. عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئا فشيئا.. دون ان يبدو عليها الألم. سألتها في براءة عما بها قالت: يبدو أن أفعي لدغتني، ثم أخذت مشرطا وفصدت اللدغة كأنها تقصد شخصا آخر أو كان المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها. إزدادت اضطرابا وانا أري دما أسود يخرج من تلك الأخاديد، لتصنع بركة سوداء، بركة بلون سم ودم. ثم أخذت ترياقا مثل الحجر أبيض اللون. وسحقته بقسوة ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجوارح، حدث كل ذلك هكذا وانا ابحث عن اثر للألم بين خلجاتها، فجأة نظرت إلي، كنت منكمشة فازددت انكماشا، خفت أردت الهرب وأنا أتذرع بأعذار واهية لأنهض من قربها لأني أعرف عادتها، اذ أخذت دواء أيا كان نوعه فإنها كانت ترغمني علي أخذه خوفا من انتقال الداء إلي. فشلت في الهرب لأنها كانت قد أطبقت قبضتها الفولاذية علي معصمي، بالمشرط صنعت خطين علي ظهر يدي وكذا علي قدمي. لم تعط حتي فرصة الصراخ. أحسست بألم يتسلل عبر دمي ثم قطرات من الدم تنساب عبر الفتحات الثماني، أخذت الترياق ودعكته بنفس القسوة كأنها تريد إدخال تلك القطع الصغيرة عبر أوردتي. قالت راطنة وهي تمارس قسوتها علي بصوتها الذي بالكاد يشبه صوت النساء:
هذا حتي لاتجرؤ تلك الحبائل المتحركة علي لدعك إذا رأتك واحدة فإنها لاتقوي علي الحركة حتي تذهبي انت مبتعدة.
وهذا مايحدث دائما عندما أكون وحدي أو معها، ومنذ ذلك اليوم لم تلدغ أفعي أيا منا رغم انها كانت تتحرك في كل مكان حتي في فناء بيتنا الواسع الملئ بالأشجار والخضروات وشجرة الباباي ذات الأثداء الكثر والكبيرة، كانت غرفتان من القش ذات جدار دائري وباب قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها علي ركبتيه وعندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلي عمق الغرفة فتري سقفا مخروطيا بعيدا فتصعب عليك المقارنة بين خارج وداخل الغرفة، وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم اكثر من ثلاثين بقرة، فتزدحم في فتحتي أنفك روائح الروث والفواكه والخضروات ورائحة جدتي.
كنا أنا وهي، في كل هذا الصخب، عائلة تتكون من جدة وحفيدة، توفيت أمي وهي تلدني، توفي ابي في رحلة صيد عندما سحقته جاموسة هائجة بقرونها، اما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقا نحره بالرمح لأن نظرات الانجليزي لم ترق له، بقيت مع جدتي منذ عمر يوم، ارضعتني حتي العاشرة من عمري كان ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة وماتحوي من لبن طازج ذي طعم غير مفهوم ولكنه جميل، كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلي المرعي وبعد ان أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة علي صدر جدتي، كنت حينها في الثامنة من عمري، حضرت ذات يوم ولم أجدها في البيت، أدخلت الأبقار الحظيرة وانا أناديها مرات ولكنها لم تجب أعماني إدماني عن رؤية أي شيء وناديتها بأعلي صوتي فردت علي من بيت جارتنا التي كان يفصل بيننا وبينها جدار من البوص والأخشاب.
نعم هل حضرت يا ابنتي؟!
رأتني في حالة عصيبة والدموع واقفة علي جفوني وانا أقول لها في صوت مخنوق بالعبرة والغضب:
أسرعي أريد أن أرضع.
قلتها بصوت حازم وفي غيظ، فتأتي وتجلس علي الحصير، أتناول ثديها في نهم ولهفة غريبين، متجاهلة تعليق جارتنا وهي تضحك علينا ومؤنبة جدتي علي كيفية نهمي علي الرضاعة في هذا العمر المتأخر.
لم تكن جدتي ترتدي اي شيء سوي جزء ضئيل من الجلد مكون من قطعتين، معلق بحبل جلدي لفته تحت السرة يتدلي من الأمام ومن الخلف ساترا عورتيها، انا حتي ذلك العمر كنت أتساءل لم تضع جدتي تلك الفروة في هذه المواضع. لم لاتكون مثلي؟!
عندما بلغت العاشرة من عمري حدثت تغيرات أثرت علي مجري حياتي، صنعت لي جدتي شريحتين من الجلد أغطي المواضع التي تسترها هي.. ومنعتني من الرضاعة.. كانت أياما صعبة، كنت لا أنام الليل أشعر بلهفة عارمة لأرضع كما اشعر بنفس الرغبة لأتعري، عشت أياما لأتخلص من هذه المشاعر المخجلة، كنت أعود إليها كلما سنحت لي فرصة، مثلا.. عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز، كانت لاتدري من الدنيا شيئا ولكنها كانت تتعبني جدا، خاصة بعد ذهاب صديقاتها، بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر، كانت تتكلم مع الموتي. مثلا كانت تقول لامي: انت ربيكايا ابنتي لولا خوفك من الولادة وربطك الولادة بالموت لمامت.. وانت ياماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك، اما انت يازوجي العزيز فقد قتلك جهلك، ثم تلتفت الي قائلة وقد التوي لسانها في الحديث وعيونها اكثر احمرارا وجفونها متورمة لدرجة الانفجار، وهي تحرك تلك القطعة الخشبية التي اصبحت جزءا من شفتها المترهلة اكثر ما ينبغي بلسانها المتحرك في قلق.
­ اتعلمين قصة موت جدك؟
­ لا ياجدتي.
رغم انني كنت أعرف القصة وأحفظها عن ظهر قلب، إلا ان ردي لايعني لها شيئا سواء كان بلا او نعم، لانها كانت ستسردها في الحالتين، ثقل لسانها واخذت الكلمات تخرج ملتوية ومقطوعة، كنت اسمعها كأنها محشورة في قلة كبيرة ، فيخرج صوتها بعيدا.. قويا. ومشوشا.
لقد قتل جدك أحد الانجليز في زمن الاستعمار، فحكمت عليه المحكمة بالإعدام وهو لايدري ذلك، كتب الحكم في ورقة. وكان عليه ان يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكان آخر، كان جدك الغبي سعيدا لان الانجليز اعطوه ورقة وقالوا له اذهب سوف يلقاك اناس هناك اعطهم هذه الورقة، حمل الرسالة وقد حشرها بين شقي عود من البوص حتي لاتتسخ.
فصنع لنفسه راية صغيرة وهو لايدري انها راية موته، عندما وصل نفذ الحكم فمات والدهشة مرتسمة علي وجهه الغبي.
ثم تضحك في هستيريا وتعيد القصة مرة اخري بعد السؤال ذاته، وبعد دهر من الكلمات والجمل الملتوية، ثم تباعد بين الجمل وتباعد بين الكلمات يليه تباعد بين الحروف، ثم صمت وانفاس ثقيلة وشخير مزعج يضج في انحاء بيتنا الواسع بعد ان تبكي علي موتاها بنفس هستريا ضحكها حتي تنحدر الدموع علي صدرها.
كنت افرح ويرقص قلبي طربا، لاني سأمارس أشيائي التي حرمت منها دون ان اواجه عيونا حمراء او صوتا رجاليا يأمرني بالابتعاد.
أنزع ذلك الغطاء الجلدي الساخن وألقيه في ابعد مكان، اقترب من جدتي التي نامت ملقاة اطرافها في كل مكان حتي تلك الشريحتين لاتفلحان في تغطية شيء من جسمها الضخم الممدد علي ارضية غرفتنا العميقة. اتناول ثديها واشرع في ممارسة رضاعتي في نهم محموم. عندما امس حلمتها للوهلة الأولي، أتذوق طعما مالحا، طعم دموعها، رغم قبحها لم اكن اتقزز منها، فإني أحبها، استمر في تلك الحالة وانا أسمع صوت الرعد بالخارج وامطارا عزيرة تضرب السقف المصنوع من القش في إصرار ثائر، أتجاهل كل هذا الصخب، صخب الطبيعة المفاجئة، لأعيش في عالمي، عالم يتكون من بحيرة في حجم ثمرة الباباي، بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت وترهلت حتي وصلت السرة.
ذات يوم وانا أسير خلفها في طريقنا لجلب الماء من النهر ونحن نتخذ شريطا من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفنا الأسفل، بلغت حينها الخامسة عشرة من عمري، كانت تضع له قلة كبيرة سوداء علي رأسها الكبير ممسكة بها بيدها اليسري فيظهر شعر إبطها الأحمر الذي إبتل بالعرق، وانا أري الأفق عبر ثقب أذنها. واعدد خطوط الشيخوخة التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة. وترهل بطنها وثدييها اللذين عندما يصطدمان بالبطن يصدران صوتا كالتصفيق في حالتي المشي والرقص.
كانت كغير عادتها، هائمة صامتة، كنت أحاول اللحاق بها بين حين وآخر بهرولة خفيفة، فجأة توقفت لان هناك أفعي ملونة ترفرف حولها فراشات تحمل ذات الألوان الطيفية، اندهشت لذلك وقلت مازحة: منذ متي تقف جدتي لرؤيتها أفعي؟ قالت بعد ان تنهدت بعمق ولأول مرة ألمح خوفا مخلوطا بالحزن قد جثم علي أخاديد وجهها الكثيرة والعميقة قالت: هذه الأفعي نذير شؤم.. تابعنا سيرنا دون ان نتحدث ، قالت جدتي بعد أن فقدت الأمل في أن تتحدث:
أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟
في الحلم؟
­ لا.. بل في الواقع؟
ولكن ياجدتي.. جدي قد مات كيف ترينه مرة اخري؟
رأيته في صورة تمساح.. ضحكت ولكني سرعان ما صمت عندما رأيت الجدية علي وجهها.
وكيف عرفت أنه جدي؟
من تلك العرجة التي كان مشهورا بها، وصفات اخري اعرفها انا فقط، عرفت اننا لانموت بل نتحول إلي أشياء أخري تحمل الصفات التي كنا عليها نتحول ولكن دون ذاكرة فجدك لايذكرني عندما تحول إلي تمساح.
وماذا تريد ان تكون جدتي بعد عمر طويل؟
لا أدري الي ماذا سأتحول، ولكني أتمني ان أتحول إلي نسر.
ومنذ أن ماتت جدتي وعلاقتي بالنسور قوية ، كلما ألمح واحدا أتأمله في تحلقه عسي أن أجد بعض صفات جدتي، ثديا بحجم ثمرة الباباي، عيونا حمراء، جفونا منتفخة، أو لبنا بطعم الملح.


عودة العاصفة
جاكوب أكول
للفنان: ميني ايفانز
للفنان: ميني ايفانز
الساعة الآن الخامسة بعد الظهر، تلوح العاصفة الاستوائية بظلمتها علي الأفق الشمالي، في حوالي عشرين دقيقة أو نحوها سوف تجتاح المدينة. هبت في المرة السابقة، وذلك كان منذ ثلاثين عاما مضت، هبت بسرعة تسعين ميلا في الساعة. انهمرت المياه من السماء كما لو أنها مندفعة من سد منفجر. هبت من غير انقطاع لساعات طويلة وهطلت الأمطار بغزارة طوال الليل.
وفي الصباح كانت مئات الأكواخ في مدينة الأكواخ طافية كان هناك الكثير من الموتي والكثير من المصابين قد ملئت المستشفي الريفي بهم. بعض الموتي قد دفنهم أقربائهم والبعض الآخر قد تولي أمر دفنهم مجلس المدينة. ولكن أكثر المفقودين لم يتم حصرهم.
الساعة الآن الخامسة والربع والعاصفة تتقدم نحو المدينة كما أنها في مهمة غير مكتملة يتقدم جناح نحو الشرق وآخر نحو الغرب. أنها تتقدم من كل الاتجاهات. الآن تغطي نصف دائرة تقريبا فوق الأفق. وعندما تصبح نصف دائرة بالتمام تكون قد غمرت المدينة كلها.
الشمس قد أوشكت علي المغيب، لكن إشراق النصف الغربي للسماء يجعل العاصفة تبدو قاتمة ومظلمة ومهلكة.
يطير صف من الطيور البيضاء في تتابع عبر السماء المظلمة في سرعة غير عادية، من المحتمل أن تكون متجهة نحو أعشاشها.
علامات عدم الارتياح يمكن أن تلمح في طرقات المدينة المغبرة. وحتي الشباب الذين لم يألفوا مثل هذه العواصف من قبل كانوا قد سمعوا ما يكفي ليجعلهم يدركون أن العاصفة التي تقترب الآن لها هدف معين من تأنيها هذا، إنهم يتحدثون بجدية مع بعضهم البعض قد تكون هذه فرصتهم الأخيرة للحديث.
كانت هناك في هذه الساعة المتأخرة، امرأة متقدمة في السن ترقب العاصفة باهتمام شديد. هي الآن واثقة تماما من حقيقة هذه العاصفة، اغلقت النافذة ثم جلست صامتة علي حصيرة بالية ومتسخة، تنتظر قدوم العاصفة.
تعيش وحيدة في الأطراف الشمالية للمدينة العاصفة بالتأكيد عاصفة بها لامحالة من ذلك تذكرت المرة السابقة لزيارة العاصفة للمدينة.
كانت الحياة حينئذ مختلفة، لشيء واحد، إنها كانت في ريعان الشباب ربما كانت في بداية العشرينات. كانت جميلة وساحرة وذكية لم تكن تتأثر بما تسميه 'المحرمات القبيلة' سألت نفسها، حينها، أسئلة كثيرة مزعجة مثل:
الرجال يتزوجون بأكثر من واحدة. لماذا لاتتزوج النساء بأكثر من زوج أضافت قائلة: الرجال عبء علي المرأة ومن حينها أقسمت ألا تتزوج حتي يصلح مجتمعها قوانينه وأعرافه وإلي هذا الحد والأمور تسير بصورة حسنة.. شيء واحد قد نسيته. الرجال لايحملون.. النساء وحدهن يحملن.. وقد حملت هي أيضا.
كان عمر طفلها آنذاك عندما آتت العاصفة في المرة الأولي ثلاثة أسابيع، الطفل بالنسبة لها فكرة الرجل في تطويق عنق المرأة وتقيدها.
كان ذلك منذ ثلاثين عاما مضت. اليوم هو عيد عودة العاصفة. لم تعد جميلة وليس لديها أقرباء أو أصدقاء وحيدة هي.. في هذا العالم، رفقته الوحيدة ذكرياتها كما تسميها الأيام الخوالي الطيبات.
خلال هذا الوقت كانت العاصفة قد أطبقت علي كل المدينة علي الرغم من أن النذير الطليعي لهذه العاصفة يبدو علي بعد نحو ميل تقريبا إلا أنه لا يسمع حتي حفيف الأشجار، صمت تام، حتي سكان مدينة الأكواخ قد صمتوا تماما عن الكلام مع بعضهم البعض. هدوء تام يخيم علي المكان. كما لو أنه يوم الحساب قد أزف. طلي الجو بالظلام. ظلام وصمت لايعكر هذا الصمت المميت سوي ومضات البرق وصوت الرعد من علي البعد منبئا من حين لآخر بمطر غزير. كفت المرأة العجوز عن البكاء، لاجدوي من الدموع حين تحين الساعة نهضت وحاولت أن تفتح النافذة. وبمجرد أن أزالت مزلاج النافذة حتي اندلقت ريح قوية نحوها. نحو هدفها الحتمي.
حاولت ان تمسك طرفي النافذة معا لكن قوتها فشلت في أن توقف هذه الريح المصيرية.
لماذا عادت العاصفة؟ لماذا قذفت بالنافذة مباشرة في وجهها. لماذا دخلت منزلها عنوة؟ لماذا تصفر كما لو أنها تقول: 'أنا الوحيدة التي أعرف ما تعرفينه أعرف'.
مرت هذه الأسئلة بخلدها المشتت عندما كانت ترقد بوجهها الدامي علي الأرض.
واستمرت العاصفة في ثورتها العارمة. أضاء المنزل برهة كما لو أن الهاوية المظلمة قد ابتلعته. صدع الرعد الجدران مفسحا الطريق للغبار والأتربة. اقتلعت الاعشاب من علي السقف بأناة ولكن بثقة. عاجلا أم أجلا لن يتبقي شيء. لاتتحمل الجدران صفعات أخري كان من المفترض أن تنهار قبل الآن بكثير. ومع ذلك لم تنهار.. كل ذلك قدر مسطر محتوم.
نعم.. أنه في ليل كمثل هذا الليل. منذ ثلاثين عاما، كان لديها طفل عمره ثلاثة أسابيع فقط، شقت في ذلك الليل طريقها في تحد عبر الظلام، مخترقة العاصفة متجه نحو معدية جوبا. أصبح الآن كوبري جوبا. في ذلك الوقت كانت العاصفة صديقة ودودة، لم تخيب قط رجاءها. لم يسمع أحد اطلاقا عن ذلك الطفل ولم يجرؤ أحد علي السؤال عليه.
كان علي كل حال، كثير من الرجال المهمين قد فقدوا، فكان من الطبيعي أن يفقد طفل عمره ثلاثة أسابيع في مثل هذه الكارثة.
تسربت الآن مياه باردة من النافذة. تحركت بمجرد أن لسعت المياه القذرة وجهها المجروح، جمعت قوة كافية، نهضت وحاولت أن تغلق النافذة مرة أخري. فقدت العاصفة قوتها الأولي ونجحت في إغلاق النافذة.
لكن الأمطار انهمرت من السقف ومن خلال الجدران المتصدعة، المنزل كله يتأرجح بصورة علي وهج البرق اندفعت باضطراب شديد إلي الخارج واتجهت إلي ما تخيلت أنه الطريق علي الكبري.. وميض من الضوء أضاء لها الطريق علي نحو كاف لعينيها المتقرحتين لتري هدفها. ركضت عبر الطرقات مثلما ركضت تلك المرأة الشابة منذ ثلاثين عاما مضت.
كانت في الحقيقة الريح تحملها حملا طوال الطريق نحو قدرها المحتوم ذلك الكبري، فلم تعد تملك زمام أمرها. أنه القدر قد تولي الأمر برمته.
في صباح اليوم التالي ها هي ذي ترقد مريضة جدا في المستشفي الريفي تتلفت وتئن بألم ظاهر وتهمهم ياطفلي، ياطفلي، ياطفلي.
لاتحاولي الكلام، تقول لها الممرضة بهدوء ولكن بحزم. ولكنها تلتفت مرة أخري وتئن للمرة الأخيرة وتهمس: طفلي.. ياطفل، كان قبل ثلاثين عاما في مثل هذه الليلة.
كانت هذه كلماتها الأخيرة. صعقت الممرضة لم تر أحد يموت هكذا من قبل.


الحقائق الأربع
فرانسيس مادينق دينق
للفنان: ويليام إي هاربر
للفنان: ويليام إي هاربر
قال رجل مرة لزوجته: 'أريدك أن تقومي بترتيب شعري في أربعة أجزاء وبالفعل قامت الزوجة بما طلب منها، وبعد ذلك ذهب الرجل وجلس تحت شجرة ظليلة يدعو الناس ويطلب منهم تخمين ما يرمز إليه كل من هذه الأجزاء الأربعة، كل واحد مطلوب منه أن يحضر معه عجلا صغيرا، والشخص الذي يقدم الاجابة الصحيحة يأخذ كل العجول المتوفرة وكان قد اخبر زوجته بما ترمز إليه أجزاء الشعر الأربعة: 'الجزء الأول يرمز الي ان الزوجة غريبة، والثاني يرمز إلي أن الأخ غير الشقيق غريب، والثالث إلي أن الكلب صديق وفي، والرابع إلي أن أخ الأم صديق وفي.
ظل الناس يتوافدون علي الرجل تحت الشجرة ويقدمون اجابتهم وتخميناتهم لكن لا أحد منهم توصل إلي الاجابة الصحيحة، وظل الرجل جالسا تحت الشجرة لفترة طويلة، بعيدا عن منزله، وحقوله، فقط يستقبل الناس ويسمع تخميناتهم، ونتيجة لذلك اعلنت السلطات الحكومية اعتباره مصدر ازعاج ومشاكل في المنطقة، وانه سيتم شنقه اذا ما توصل أي شخص للاجابة الصحيحة، ومنذ تلك اللحظة وضعته في حراسة أربعة من رجال الشرطة المسلحين.
في أحد الأيام سأل ابن أخيه غير الشقيق زوجته: لماذا يقاطع عمي منزله، ما أهمية لعبة التخمين هذه التي تجعل الرجل يترك منزله وزوجته وعمله ويجلس تحت شجرة؟ قالت له الزوجة: أنه يخلق قضية كبيرة من لا شيء، ما يطلب تخمينه في غاية البساطة، أجزاء الشعر الأربعة ترمز إلا أربع حقائق، هي: الزوجة غريبة، الأخ غير الشقيق من أم أخري غريب، والكلب صديق وافي، وأخ الأم صديق وفي... هذه هي المسألة بكل بساطة.
قضي الولد ليلته تلك في منزل عمه، وفي الصباح خرج الي الحقل وقام بعمله المعتاد وبعد ذلك ذهب وجلس مع الجالسين تحت الشجرة وظل يراقب الناس، كل منهم يقدم تخمينه ولا أحد يصل الي الاجابة الصحيحة، وفجأة وقف الفتي وقال: عمي هل لي أن أحاول'.
أجابه العم: بالطبع لك أن تحاول.
قال الفتي: هذه الأجزاء الأربعة ترمز إلي الحقائق الآتية: الزوجة غريبة، والأخ غير الشقيق من أم أخري غريب، والكلب صديق وفي، وأخ الأم صديق وفي.
صعق العم فنكس رأسه وحول نظره الي الارض دون ان يتفوه بكلمة سأله أحد رجال الشرطة: هل قام الفتي بتخمين الاجابة الصحيحة، أجاب: نعم.
أخذ رجال الشرطة الرجل إلي رئاسة المركز الاداري. وهناك أعلن رئيس المركز قائلا: أرجوك أن لاتقتلني قبل أن أزور عائلتي، أرجوك أن تسمح لي بزيارة عائلتي والحديث مع زوجتي قبل أن تقتلني'.
سمح له رئيس المركز بزيارة منزله تحت حراسة أربعة من رجال الشرطة المسلحين وفي منزله خاطب زوجته، زوجتي العزيزة، ما بدأ لعبا انتهي بتحطيمي.
قالت له: 'لا أريد أن أسمع أي شيء الآن، من قال له بتلك اللعبة؟ اتركني لوحدي، أذهب عني وواجه مصيرك؟ لكنه ترجاها قائلا: 'ألا تعطيني علي الأقل لبنا لأشربه. أرجوك، أنا عطشان. أجابته علي الفور: لا. لن أعطيك لبنا، لماذا أبدد لبني في بطن رجل يموت'.
لذلك دخل الرجل زريبة الأبقار وبدأ يبكي ويصيح، وعندما رأته الكلاب في حالته هذه قامت بمهاجمة رجال الشرطة وقتلت اثنين منهم، فقام الآخران بأخذ سجينهم الي المركز.
في الطريق قابلهم أخاه غير الشقيق من أم أخري، حيث خاطب الرجل قائلا: 'أخي هل حطمتك فعلا تلك اللعبة. هل سيقتلونك حقا؟
نعم أخي سيقتلونني.
إذا كنت ستقتل فعلا، سيكون من الخطأ أن تذهب بهذا الثوب الجميل الذي تلبسه الآن.. أرجوك أن تعطيني ثوبك وتأخذ ثوبي هذا وتموت به.
لا رد الرجل بعنف، احتفظ بثوبك سأموت بثوبي هذا.
وبذلك افترق الأخوين وسار كل في طريقه المرسوم. وفي هذه الأثناء أرسل السجين رسالة إلي أبناء شقيقته قال فيها: 'سأموت سيقتلونني أرجو أن يزورني أحدكم علي الأقل لأتحدث معه قبل أن أفارق الحياة. كانوا ستة أبناء قال أصغرهم أنه يريد أن يذهب، وحده، وقال أكبرهم نفس الشيء.
كل واحد منهم قال انه يريد ان يذهب وحده، لكن الأصغر هدد بقتل نفسه اذا لم يسمح له بالذهاب وحده، لذلك تنازلوا لرغبته، فاندفع يجري ويجري حتي مطلع الفجر. وعندما وصل المركز وجد ان خاله قد اخذ لاعدامه شنقا، ذهب لرجال الشرطة وقال لهم: اتركوا خالي، اطلقوا سراحه، وإلا سيقتل أحدكم معه.
قال رجال الشرطة: كيف نتركه ونطلق سراحه وقد حكم عليه رئيس المركز بالإعدام شنقا. ترجاهم قائلا: دعونا نرجع لرئيس المركز ونناقش الموضوع معه'.
وعندما رفض رجال الشرطة طلبه هذا كرر تهديده لهم، اذا قتل خاله سيقتل احدهم معه وهنا تردد رجال الشرطة وفي النهاية قدروا اخذ الفتي لرئيس المركز. وهناك اقترح للرئيس ان يعدم هو بدلا من خاله.
قال له: خالي وحيد ليس له اخوان ليشرفوا علي أشيائه بعد موته، وأمي لها ستة أبناء، أنا أصغرهم، لذلك يمكن ان اقتل واخواني سيقومون بالواجب بعد غيابي. أرجوك أن تترك خالي حيا. وتواصلت المناقشات بين الفتي ورئيس المركز. وفي الأخير التفت الرئيس للخال وسأله لماذا قررت القيام بمثل هذه اللعبة؟ أجاب الرجل قائلا: أردت أن اؤكد صحة ما حدث فعلا. حدثت زوجتي بالسر. فقامت بافشائه للشخص الوحيد الذي استطاع تخمين الاجابة وعندما ذهبت للحديث معها قبل تنفيذ حكم الاعدام لفظتني وطردتني، وعندما قرر رجال الشرطة اعادتي للمركز، قامت كلابي بمهاجمتهم وقتلت اثنين منهم. وفي الطريق للمركز قابلت أخي غير الشقيق، وكان كل همه أن يأخذ ثوبي الجميل هذا. والآن تشهد ما فعل ابن اختي. هذا هو كل ما أردت تأكيده. وهكذا وضح مقصده.
ولذلك قرر رئيس المركز العفو عنه، واطلاق سراحه، دون معاقبة الفتي. وبذلك رجع الخال وابن اخته الي منزلهما في سعادة وسرور.

نيوكس
فيكتور لوقالا
جلست نيوكس، وهي تخلف رجلها اليمني علي رجلها اليسري، قرب باب مكتب المحدد المسئول في صحيفة 'كونيو كونيو كسونيان' اليومية، كانت تتثائب في خمول وتحط يداها إلي أعلي وتدفع صدرها إلي الامام، لم تكن مريضة أو خائفة، كانت تشعر ببعض التعب والخمول، ربما لأنها لم تنعم بنوم مريح في الليلة الفائتة، ففي كل مساء أو ليلة كانت في الغالب، تسامر زائرا أو زائرين علي الأقل، منزلها يحتوي غرفة نوم، وغرفة أخري تستخدمها كبار لبيع الخمور الممنوعة، الخمور البلدية، وفي هذا الصباح، وصلت إلي مكان عملها متأخرة كثيرا، وعندما تكون في مثل هذه الحالة كانت، في العادة، تستجيب ببطء لجرس المكتب، متصنعة عدم سماعه.
نيوكس تعمل مراسلة في صحيفة 'كونيو كونيو كسونيان' وهي تعمل كمراسلة لأنها ليست متعلمة، أمية لاتعرف الكتابة والقراءة، ويشمل عملها استقبال تليفونات المكتب، ترفع سماعة التليفون كلما يرن جرسه وتحييه حسب الحالة وفي الوقت نفسه تقوم بخدمة المحرر المسئول، يرسلها علي المكاتب الأخري ومعها بعض الأوراق، أو لإحضار سندوتشات الفطور، السجائر، الشاي، أو القهوة، وغيرها، وتقوم أيضا بمساعدة مكتب الاخبار بحمل أوراقه للجهات المسئولة وتنظيف الكراسي والطاولات والتخلص من بقايا الورق والأوساخ داخل المكاتب.
نيوكس كانت امرأة جميلة، كانت جميلة جدا لدرجة أنها إذا غسلت جسمها وأفرغت غسيلها في ماعون مناسب سيتسابق الرجال للشرب منه، ولذلك كانت تكذب علي الناس وتدعي أنها تعمل تايبست في الصحيفة، واذا أعدت النظر في طريقة لبسها وسلوكها المهذب، وطريقة حديثها، التي تحافظ عليها في العادة مع الشخصيات العامة، ستجعلك تصدق أنها تعمل في وظيفة تايبست، لكن، مع ذلك، هي مجرد مراسلة، أمية، غير متعلمة.
نبوكس تدعي أن عمرها واحد وعشرون عاما، لكنها في سلوكها تبدو أكبر من ذلك وبعيدة عن سذاجة الفتيات، في مثل هذا العمر، هي في الواقع امرأة مدنيه ناضجة ومتمرسة، وأسمها الحقيقي هو نيوكانا ليوبزي، غيرته إلي نيوكس بعد عملها في الصحيفة، لان هذا الاسم له رنين وقريب للنطق الانجليزي.
نيوكس اسم جميل يفيض حلاوة، كالقهوة، قلت لكم ان نيوكس أمية، غير متعلمة، وجميلة، أليس كذلك؟ لذلك لاتسألوني لماذا تستخدم صحيفة محترمة، مثل هذه الصحيفة، مراسلة أمية مثل نيوكس؟ مثل هذا السؤال قد يبدو استدلاليا ومفهوما في مكان آخر في بعض الأوقات، لكن ليس في مجتمعنا الحالي، مجتمعنا الحالي شعاره (ليس هناك مستحيل تحت الشمس) كل شيء ممكن فيه المهم الشباب في غرفة الاخبار يهمسون بأن نيوكس دخلت مكاتب الصحيفة عن طريق المحرر المسئول، البوص، بعد أن استضافته في منزلها في احدي الأمسيات، وأقنعته بكل ما لذ وطاب، ويقولون أن البوص، أقصد المحرر المسئول، أعدت له مائدة دسمة تكفي خمسة أشخاص، مع زجاجتين من لحين أتلابارا،
نيوكس تلبس فستانا أسود ومنديلا أسود تلفه حول رقبتها، تعبيرا عن الحداد علي زوجها الذي توفي العام الماضي نتيجة مرض غامض، وترك لها ثروة معقولة، بما في ذلك ثلاثة أبقار، لكن دون أطفال.
قبل وفاة زوجها كانت تتعطر بروائح قوية ونفاذة، تشع رائحتها لمدي أكثر من ألف متر، لكنها الآن تلف جسمها بالملابس السوداء ولاتستخدم العطور، حدادا علي زوجها العزيز.
هذه المرأة تزوجت ثلاث مرات خلال أربع سنوات فقط، وكل أزواجها خطفهم الموت بعد وقت قصير من الزواج، وهذا ما جعل الناس يشيعون أن عندها اللومونق. واللوموقون هذا يعني الشؤم، سوء الحظ، حسب معتقدات قبيلة البوجولو، وقد يصيب الرجل أو المرأة. بالنسبة للرجل يظهر في وفاة أي امرأة يتزوجها، وبالنسبة للمرأة يظهر في وفاة أي رجل تتزوجه.
لذلك يرتبط بالشؤم والمصائب والبلاء، وميزته الوحيدة أن الشخص الذي يتملكه هذا السحر لايموت بسببه، بل يصيب شريكه الآخر وحرمانه منه بعد الزواج.
إذن صاحبتنا الجميلة مصابة باللونومق، لكن صديقي أوقويتا سام لايعلم ذلك، ومن جانبي لم أخبره، ليس لأنني أريد أن أوقعه في المصيدة، بل بسبب عجرفته، واستبداده، فهو لايحترم نصائح أصدقائه، وفي بعض الأحيان يقول أن هؤلاء الأصدقاء يحسدونه في علاقته بتلك الحسناء، نيوكس.
في اليوم الفائت جاء أوقوينا للمكتب في حالة سكر خفيف وهمس في أذني، بتباهي واعتزاز، أنه قضي الليلة الماضية في منزل نيوكس، ولم أحسده علي ذلك، قال لي أنها أكرمته بفطور دسم وكوبا من الجن اتلابارا، وعندما ضحك ضحكة مريحة، فاحت من فمه رائحة بصل كريهة وبيرة تافهة.
قلت له: 'أخي أوقويتا عليك أن تأخذ حذرك قبل فوات الأوان، لأنك الآن تلعب بالنار، لكنه أجابني 'صديقي أنا أريد مصارعة الرجل الذي لايقاوم، المحرر المسئول، أدهشني تهوره، فقلت له: لكن ذلك قد يكلفك وظيفتك وربما حتي حياتك، فأجابني بسخرية واستفزاز 'جبناء أنتم جبناء'.
ومرت أسابيع وأسابيع، وعلاقة أوقيتا تتوطد أكثر وأكثر مع نيوكس. أصبح يكثر من التدخين والشرب وبدأ وضعه يتدهور، بسرعة كبيرة، وفي يوما ما جمعته الصدفة مع البوص، المحرر المسئول، في منزل نيوكس، وبعد ذلك مباشرة بدأت علاقتهما تتدهور بشكل متسارع حتي وصلت إلي إيقاف أوقيتا من العمل دون مرتب.
اشتدت مصاعب الحياة علي صديقنا أوقيتا، أوقف عن العمل ولم يستطع الحصول علي وظيفة مؤقتة أخري تمكنه من ادارة شئونه لذلك أصبح شديد التوتر والانفعال، كل ما استطاع فعله أنه قام بنسيان كرامته كصحفي، وحمل مراراته والبدء في قطع حطب الوقود وبيعه في السوق حتي يتمكن من توفير ضروريات الحياة، وفي الجانب الآخر استمرت علاقته مع نيوكس، لكن بدرجة أقل من الفترة السابقة.
في احدي الأيام حدث شيء غريب في مباني الصحيفة، هذا الحدث جعلنا، المحررون والعمال علي السواء، نمسك أنفاسنا، ونكذب أعيننا، كان ذلك في منتصف النهار، كنا نقوم بالتشطيبات الأخيرة في طبعة خاصة بعيد الكريسماس، فجأة وصلنا صوت صرخات حادة ومتواصلة دفعتنا للخروج من المكتب لنحاشي خطر محدق لانعلمه، كان الصراخ ينذر بخطر كبير، كأن هناك قنبلة زمنية في مكاتب الصحيفة ستنفجر بعد لحظات، وعندما اندفعنا للخارج رأينا نيوكس حافية القدمين تجري بعيدا وخلفها رجل مجنون، يلاحقها بعنف وشراسة، وفي يده سكين حادة جاهزة لغرسها في جسمها، الرجل المجنون كان يرتدي سويتر أسود وبنطلونا أبيض.
أخبريني ما هذا؟ ماذا يجري؟ سالت إحدي البنات المراسلات، فضحكت، ثم حاولت ضبط انفعالاتها وقالت: أوقيتا وصديقته نيوكس، أعتقد أن هناك مشكلة بينهما، مشكلة أسرية، لكني سألتها: ذلك المجنون هل هو أوقيتا نفسه؟ سألتها وأنا مذهول، لا أصدق ما يجري أمامي.. أجابتني، هو نفسه ليس مجنونا بل مخمورا.
وفي أثناء حديثنا هذا رأينا نيوكس تجري في طريقها للمكتب، كانت تبكي، وجهها امتلأ بالدموع، والعرق، كانت تصرخ، تطلب المساعدة. لكن أوقتيا كان أسرع منها، وكان يرفع السكين في اليمين استعدادا، لطعنها، كان الأمر بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، لا أحد تقدم لمساعدتها العناية الإلهية وحدها هي التي أنقذتها فقد اصطدم أوقتيا بجذع شجرة كبيرة في الطريق ثم خر واقعا علي الأرض. وهنا وجدت نيوكس وقتا كافيا للوصول لمبني الصحيفة ودخول مكتب المحرر المسئول، وقفل الباب خلفها مباشرة.
وفي وقت وجيز امتلأ المكان بالناس، ثم جاء رجال الشرطة، فقبضوا علي أوقيتا وصادروا السكين التي كان يحملها، نظرت إلي أوقتيا سام بحزن وشفقة وقلت له: صديقي أوقيتا، ماذا حدث؟ كان في حالة يرثي لها، عيونه تتطاير شررا، ووجه وجسمه مبلل بالعرق، بعد برهة أجابني، أريد نيوكس هذه الساحرة نيوكس، فسأله أحد الشرطة: ماذا فعلت لك.. فبدأ صاحبنا يصرخ ويقول: نيوكس أخرجي من مخبأك، وأعيدي لي شعري إذا كانت ساحرة فمن الذي نصحها بفعل هذا الفعل؟ اليوم وليس غدا سأحطمك.
سألته: أخي أي شعر أخذته منك؟ لكنه أستمر في صراخه وزعيقه، نيوكس ساحرة فعلا الآن فهمت، أنها تقتل الأزواج لا سأقتلها قبل أن تقتلني، هنا انفعل الشرطي وسأله بغضب 'ماذا حدث بالضبط' قال أوقيتا 'نيوكس حبيبتي أليس كذلك؟ عاشرتها لأكثر من ستة شهور، أليس كذلك؟ كانت علاقتنا طيبة حتي يوم أمس، كنت مخمورا، فنمت في السرير كالجنازة، أوكي؟ وعندما استيقظت من النوم في الصباح لم اجد شعر 'شعرتي' اقسم بالمسيح أزيل كله، أصبحت شعرتي عارية تماما... أي امرأة في الأرض تستطيع فعل ذلك إذا لم تكن ساحرة؟ نيوكس تريد أن تسحرني وعندما سمع الناس، بما في ذلك الشرطة والمحرر المسئول، البوص، هذا الكلام صمتوا، كأنما علي رؤسهم الطير، وأحنوا رؤسهم.. كأنهم أرادوا الصمت دقيقة حزنا علي شعر أوقيتا المفقود.


القبض علي المحب الأكبر
ستانلي كوكيكو دجيتا
للفنان:  هافيل لي سميث
للفنان: هافيل لي سميث
في الحدود الفاصلة بين السودان وزائير، ويوغندا سوق كبير في سودا وهي منطقة محايدة، ليس لأن من الدول المذكورة الحق في ممارسة سلطاتها الادارية والأمنية فيها أو الحصول علي فوائد من استخدام اراضيها وبحكم عدم وجود أي نوع من الضرائب، تحولت هذه السوق الي مكان مغر للتجار، وبالقرب من السوق هناك قطية، لها شبابيك زجاجية، يسكنها رجل عرف بالمحب الأكبر. اسمه كوكوليو، طوله خمسة أقدام، فانه لايزال يرتدي حذاءه رغم هذا الطول الفارع، فانه لايزال يرتدي حذاءه نمره 11­ وأكثر ما يميزه عن غيره من الناس يتمثل في الاختلاف البارز بين لون وجهه ولون جسمه­ له وجه رجل أبيض بأنف مدبب وعيون عميقة وفلقة بين أسنانه الأمامية­ واذا نظر اليك، بعيونه الناتئة وشعره الذهبي من شباك منزله، سوف تعتقد انه رجل ابيض يسكن في ذلك المنزل لكنه رجل اسود، وجهه ابيض، وبقية الجسم اسود، اي من رقبته حتي رجليه، هذا الاختلاف في لونه تسبب في كل ما سنسرده هنا.
منذ زمان طويل ظل الناس يصفونه بانه رجل أبيض في رجل اسود.
وتقول القصص المنسوجة حوله انه زار أحد السحرة في زائير، وهناك رمي في غلاية بها زيت ساخن، وذلك لتغيير جسمه الي جسم يقاوم الموت، بالنار والضرب والرصاص والشنق بأي سبب ثانوي أخر، جسم يقاوم كل أسباب الموت، يموت فقط إذا أراد الله ذلك، هذه الصورة جعلته محبوبا لأي امرأة يبادلها التحية وبعد الانتهاء من تدريبه استقر كوكوليو في اليواورا، حيث بدأ يرعب سكان المنطقة­ وكوكوليو هذا لايستطيع الحديث حول اي شيء بخلاف النساء. وفي كل يوم سوق (يومين في الأسبوع) يضع كرسيه ويجلس عليه في مواجهة الطريق المؤدي الي المدخل الرئيسي للسوق وخلال السنتين اللتين قضاهما في اليوارا، انجب كوكوليو سبعة أبناء سفاحا من نساء مختلفات. كل هؤلاء الأبناء ولدوا برأس أبيض، وأنف مدبب وعيون عميقة، وجسم أسود من الرقبة حتي القدمين، ونظرة واحدة لأي واحد منهم تكشف أنه صورة مصغرة للأب كوكوليو.
نسجت قصص كثيرة حول هذا الرجل، وكل من سمع هذه القصص، أصبح يخافه. هذا الخوف أدي إلي تغيير كبير وسط الأسر في المنطقة فالأزواج اصبحوا لايثقون في زوجاتهم، والأمهات اصبحن لايثقن في بناتهن. الأسر اصبحت ترسل الأولاد للسوق بدلا من البنات، والأزواج المحظوظين بوجود امهاتهم علي قيد الحياة سارعوا لاحضارهن من القري المجاورة للعيش من زوجاتهم لحمايتهم من كوكوليو.
والأباء بدأوا في ارسال بناتهم للمدارس في مجموعات، تتكون الواحدة من ست بنات علي الأقل، ومع ذلك، لم تسع كل هذه الاجراءات كثيرا في معالجة المشكلة. ففي السنة الخامسة أصبح هذا الرجل أبا لثلاثة عشر ابنا والملفت ان ابناءه السبعة الأوائل كانوا يماثلونه في كل شيء، لدرجة انه يصعب التمييز بينهم عندما يكونوا في الزي المدرسي الموحد.
كوكولي، الذي اصبح معروفا باسم كوكو، واجه اكثر من ثلاثة عشر حكما قضائيا في الفترة السابقة، واذا واجه مثل هذه الأحكام في داخل السودان، مثلا، كان ينتقل فورا للعيش في الجانب الآخر للطريق في زائير. واذا حوكم في زائير ينتقل فورا الي يوغندا علي بعد ثلاثين ياردة وبما انه ليس هناك قانون في هذه المنطقة، لم يجروا احد الذهاب للبلدان المجاورة بحثا عن المجرم.
المشكلة أنه لا أحد يستطيع توفير أدلة دامغة ضد كوكوليو، بخلاف شبه أطفاله بصورته العامة، وأكثر من ذلك ان الزوجات كن يقلن أنهن لم يقابلن هذا الرجل قط. ورغم الشبه الشديد بين هؤلاء الأطفال ووالدهم، غير الشرعي، فقد كان الناس لايستطيعون اقناع المحكمة بادانته.
في صباح أحد الأيام دعا أهل اليوارا الي اجتماع عام يجمع سكان البلدان الثلاثة المقيمين في منطقة السوق لمناقشة القضايا المرتبطة بهذه المشكلة، في هذا الاجتماع اقترح احد كبار السن تزويج كوكوليو حتي لو تحمل الجميع مصاريف الزواج والمهر، قال اذا تزوج من امرأة معروفة، سيقل نشاطه وسط النساء الآخريات، رحب الجميع بالاقتراح لكن السؤال كان: من ستكون الفتاة التي ستتزوجه؟ بعد نقاش واسع، اقترح أحدهم له اربع زوجات وثماني بنات بالغات انه يقدم احد بناته للزواج منه سأله جاره: 'لماذا قررت ذلك؟' اجابه: أن المحافظة علي كل هؤلاء زوجاتي الأربع وبناتي الثماني­ تمثل مهمة عظيمة وخطيرة مع وجود كوكوليو من حولنا، واذا تزوج أحد البنات، سيعتبر البقية أقرباءه ولايمسهن بسوء. وعلي أي حال الأفضل ان نخسر واحدة بدلا من خسارة الجميع.
في تلك السنة تزوج كوكوليو أحد بنات هذا الرجل، وفي الشهر التاسع بعد الزواج ولدت طفلا ذكرا كان صورة طبق الأصل من والده، رجل أبيض في جسم رجل أسود­ هذا الحدث أكد دون أدني شك، كوكوليو هو والد الثلاثة عشر أبنا الآخرين ومع ذلك ظل الناس يراقبونه لمدة عامين، لكن لا أحد استطاع القبض عليه متلبسا في جريمة زنا لتقديمه للمحكمة فيأسوا واستسلموا للأمر الواقع، وقالوا نترك الأمر لله، هو وحده الذي يستطيع كشف أمره.
الآن استطاع كوكوليو خلق علاقة حميمة مع امرأة معينة، هي زوجة رجل حداد. هذه المرأة وزوجها كانا يعيشان في قطية صغيرة، لها شباك قريب من سطح الارض­ قرب هذا الشباك للأرض كان في صالح كوكوليو. وهكذا، خطط مع صديقته الجديدة للابتعاد عن أي مخاطرة تكشف علاقتهما، الخطة كانت كما يلي: في اي وقت في المساء يرغب فيه كوكو المجيء للمنزل، عليه ان يحضر معه ثلاث قطع من الحشائش الطويلة، ليدفعها واحدة بعد الاخري، وبهدوء كامل، من خلال الشباك، هذه الحشائش سوف تطعن المرأة، التي ستنام دائما قرب الشباك، واذا كان الزوج موجودا ستدفع هذه الحشائش الي الخارج حال احتكاكها بها.
هذه العملية تتم للقطع الثلاث الواحدة بعد الأخري، أي ثلاث مرات، وبذلك يفهم كوكو ان الزوج موجود، تقوم الصديقة بجذب القطع الي الداخل حال ملامستها لها، وهكذا استمرت هذه اللعبة لفترة ستة شهور، دون ان يكشفها احد وفي احد الليالي، جاء الزوج الي المنزل مخمورا، لذلك رمي جسمه في السرير المعروف ونام وبما انه كان ينام نوما متقطعا ومزعجا، كان علي الزوجة ان تستخدم سريرا مختلفا، وجاء كوليو كعادته، وبدأ في دفع القطع المباركة داخل الشباك. وعندما وخزت الزوج العزيز، اعتقد أن ذلك بسبب اوساخ في الفراش، لذلك دفعها بعيدا عنها بطريقة عفوية ودون وعي منه.
بعد قليل جاءت القطعة الثانية، ورفعها ايضا علي الخارج بنفس الطريقة، وكذلك كان تصرفه مع القطعة الثالثة، لذلك شعر كولوليو بأن الطريق سالكة، وبدا في خلع ملابسه في الخارج وهو يدندن باغنية كلها فرح وانتشاء وفي هدوء وخفة دفع نفسه للداخل نحو السرير، وهو ينادي صديقته باسمها وكما كان يفعل دائما بدأ يحرك يده ليداعب الوجه الحسن الجميل ولسوء حظه وتعاسته، شعر انه يلامس وجها خشنا به لحية كثيفة، لم يحلقها صاحبها منذ عشر سنوات، وعرف علي الفور انه وجه الحداد المعروف لديه، وفي الحال بدأ يبكي ويصرخ بصوت مرتجف ويطلب من الله لزوج تسليمه للشرطة بدلا من ضربه وفضحه امام الناس.
صراخ كوليو ايقظ الحداد من نومه العميق، لم يكن يعرف حقيقة ما حدث أعتقد أن الرجل بصراخه هذا جاء ليبلغه أخبارا سيئة، قفز من فراشه مذعورا، أشعل الفانوس ليري ما يحدث وفي دهشة كوكوليو، وتضاعفت الدهشة عندما وجده عاريا سأله ماذا حدث، لكن كوكوليو اعتقد ان الحداد يعرف كل شيء وانه كان يحاول أن يهزيء به، لذلك تطوع بسرد قصة علاقته بالزوجة من الألف للياء، وهكذا، كان ذلك اليوم يوما عظيما، يوم القبض علي المحب الأكبر، والناس يقولون أن والدي اطلقا عليا اسم كوكوليو في ذكر يوم القبض عليه.


الأطفال جواسيس جيدون
ميكي كلينسون
للفنان:  ويليام إدوارد سكوت
للفنان: ويليام إدوارد سكوت
في زمان بعيد، كانت هناك امرأة تخدع زوجها وتخونه في نفسها، من خلال عشلاقتها الحميمة برجل آخر، كانت تحبه وتدعوه للنوم معها في منزلها، في غياب الزوج، ودون علمه، وهذه العلاقة ظلت مستمرة لفترة طويلة، كلما يسافر الزوج في رحلة طويلة، كان خليلها هذا يأتي الي المنزل بانتظام، وتعد له عشاء دسما، من الفراخ المشوية، وكانت تدعو طفلها لمشاركتها في الأكل وفي مرة من المرات اخذ الزوج رحلته لفترة من الزمن، وفي هذه الأثناء بدا الطفل يشكو من عدم أكل الفراخ لفترة طويلة، حيث خاطب والده قائلا: والدي متي ستقوم برحلتك القادمة؟ لماذا اخرتها هذه المرة؟ فاجابه والده، لماذا تسأل هذا السؤال يا ابني؟
قال الطفل: حتي نذبح الديك ونتعشي به، سأله الوالد، هل تريد ان تأكل فراخا؟ قال الطفل: نعم، لكن اذا لم تسافر انت فان امي لن تذبح الديك، واستغرب الوالد، لماذا؟ أجاب الطفل أمي تعرف ذلك.
لكن الوالد لم يأخذ هذا الكلام مأخذ جد، وفي اليوم التالي كرر الطفل الحديث حول نفس الموضوع، وكرر شوقه لأكل الفراخ وهنا تأكد الوالد ان وراء هذا الكلام سرا لابد من كشفه لذلك قرر ان يعمل علي معرفته، وفي اليوم التالي اخبر زوجته بأنه سيسافر لمدة يومين في رحلة قصيرة، وفرحت الزوجة بهذا الخبر لانها ستتمكن من لقاء خليلها، وفرح الطفل ايضا لأنه سيأكل الفراخ المشوية مع ضيف أمه.
في الوقت المحدد قامت الزوجة بترتيب كل المستلزمات الضرورية لرحلة زوجها، وفي يوم السفر رافقته هي وطفلها لمسافة طويلة خارج المنزل، ثم ودعته وانصرف، وفي طريقها للمنزل مرت علي منزل خليلها واخبرته بسفر زوجها ودعته لقضاء الليلة معها، كان الخليل سعيدا، بهذه الدعوة، ووعدها بالوصول اليها، بعد مغيب الشمس مباشرة.
عندما وصلت المنزل، قبضت ديكا كبيرا من وسط قفص الدجاج داخل المنزل وذبحته ثم قامت باعداده للعشاء بنشوة وفرح، وفي المساء جاء الخليل، جهزت له جردلا من الماء للاستحمام، لانه بعد العشاء سيذهبان معا مباشرة لسرير النوم، وبعد انتهائه من الحمام فعلت هي نفس الشيء. وعند دخولها للحمام بلحظات قصيرة وصل الزوج عند الباب وبدا يصيح هودي؟ وهودي؟ سوسو؟ لكن لا احد يجب وكرر صياحه لكن ايضا لا احد يجب، لذلك قرر الدخول فورا، وفي هذه الأثناء اضطرب الخليل واصابه الخوف والزعر لذلك ادخل نفسه تحت السرير ولكن الطفل لاحظه وضحك عليه كثيرا.
بعد انتهائها من الاستحمام، خرجت الزوجة وحيت زوجها، ثم قامت باعداد العشاء وقدمته لزوجها وطفلها، وفي اثناء الأكل، اخبرت الزوج ان ثعلبا هجم علي قفص الدجاج وقتل ديكا كبيرا، لكن لحسن الحظ تمكنت من استعادته منه، لاتنزعجي ياحبيبتي'. هكذا رد عليها الزوج في هدوء كامل.
وبعد لحظات قام الطفل برفع ملاية السرير واخذ قطعة من اللحم في يده يشاغل بها الرجل المختفي تحت السرير وخاطبه قائلا: والدي الثاني انظر انت اليوم لاتشاركنا الأكل' ثم ضحك وانصرف للأكل. وهنا قمت امه بزجره: ماذا حدث لك اليوم؟ لماذا لاتريد ان تأكل، كل. كل وألا سأدفعك للخارج.
أما الزوج فإنه لم يلاحظ أي شيء بعد لحظات كرر الطفل الحديث حول الموضوع مرة اخري، فامرته امه بالجلوس بالقرب منها حتي تتمكن من السيطرة علي تصرفاته، ولم يلاحظ الزوج اي شيء. حتي تلك اللحظة. وفي المرة الثالثة وقف الطفل من بين ايدي والدته، وزحف تحت السرير، في هذا الوقت انفعل الزوج وخاطب ابنته 'توتو، ماذا تنظر تحت السرير؟ تعالي واصل الأكل. قامت الأم بجذبه من اسفل السرير وجدعته خارج المنزل.
علي أي حال، بعد الانتهاء من الأكل، قام الزوج برفع الملاية ونظر تحت السرير، فرأي الرجل المختفي مبللا بالعرق، ويرتجف من شدة الخوف. لم يصدق عيونه اندهش وتسمر في مكانه. في هذه الأثناء قفز الرجل من تحت السرير رمي الزوج في الأرض وهرب مسرعا للخارج افاق الزوج من دهشته ولكنه لم يسأل عن الرجل الهارب، من هو؟ ومن أين جاء.
شعرت الزوجة بجريمتها الكبيرة واعتقدت ان زوجها سيعاقبها علي فعلتها هذه لكنه لم يفعل، وظلت تنتظر وتنتظر، لكن الزوج لم يسألها ولم يعاقبها، فاندهشت لموقفه هذا وتساءلت في ماذا يفكر هذا الرجل؟
بعد أسبوع من هذا الحدث، جمعت الزوجة أشياءها وممتلكاتها لمغادرة المنزل، وعندما جاء الزوج، بدأت تبكي وصرخ بانه لم يسألها ولم يعاقبها في فعلته هذه، قالت له: اذا ارتكبت جريمة لماذا لاتعاقبني عليها، استمرت في البكاء والصراخ، ثم خرجت من المنزل وبدأت تجري وتجري في اتجاه منزل والديها.
في صباح اليوم التالي ذهب الزوج الي شيخ القرية وابلغه ان زوجته هربت من منزله، لذلك اجتمع الشيخ وكبار رجال القرية، ذهبوا الي والدي الزوجة واستعادا مهرها للزوج.

الرجل
فيكتور كيري واني
للفنان:  آرون دوجلاس
للفنان: آرون دوجلاس
في سالف الزمان عاش رجل لا أحد يعرف عمره واسمه. كل الناس القريبين منه والبعيدين، الرجال والنساء. ما كانوا يعرفون اسمه وعمدة كل هؤلاء ولدوا عندما كان هذا الرجل شابا بالغا، ثم نموا وكبروا وعاشوا حتي شافوا وقالوا. بينما الرجل كما هو دون تغير­ تزوج مرات عديدة وظل يتزوج كلما تكبر أو تموت زوجته كانت شابة وجميلة وبذلك خلف أجيال عديدة من الأبناء الذين تضاعفت اعدادهم وانتشروا في مناطق مختلفة ولم يعودوا يذكرونه كجد لسلالتهم. الواقع ان الناس الذين عاشوا معه كانوا لا يعرفون أي شيء عنه، وكانوا يخافون سؤاله لماذا لا يكبر؟ ولماذا لم يسمح لهم بمناداته باسمه إذا كان له اسم اصلا. ومع انهم كانوا يخافونه، لكنهم كانوا يحبونه، لانه كان يساعدهم ويخدمهم، في معرفة فصول السنة وفي بعض الأحيان، كان ينبئهم بموسم جفاف متوقع ومجاعة قادمة. وكانوا يستجيبون لتنبؤاته هذه بتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية. واذا كانت توقعاته تتصل بهجوم من القبائل المجاورة: كانوا يقومون سلفا بصناعة الأسلحة الضرورية للدفاع عن أنفسهم، وعند اندلاع الحرب كان شباب القبيلة يجد نفسه مسلحا ومستعدا لإجبار العدو علي التراجع والانسحاب دون أي معركة حقيقية. وبالاجمال كان النساء يعتبرونه سندهم وحمايتهم ضد كل شرور الأرض.
الآن حدث أن زوجته كبرت وماتت، لذلك تزوج امرأة أخري، شابة وجميلة، لأنه كان مغرما بالنساء الجميلات، ويبدو أنه أحب زوجته هذه كثيرا لدرجة أنه وعدها بفعل أي شيء تطلبه أو تسأل عنه.
ولكن الزوجة لم يكن عندها شعور بأي طلب مباشر من الزوج، لذلك طلبت منه منحها بعض الوقت للتفكير في ما تريده منه. ففكرت وفكرت لكن عقلها لم يصل إلي أفكار جيدة، وفي يوم ما، علي أي حال، توفي أحد كبار السن في القرية وجاء عدد من كبار السن في البلد يستشيرونه حول تقاليد الجنازة والدفن، باعتباره الأكثر معرفة بهذه المسائل من أي شخص آخر.
في سؤاله للرجل في حضور زوجته، كان رئيس وفد كبار السن يناديه ب'الرجل' وعندما ذهب معهم، ظلت الزوجة تفكر في ما يمكن ان تطلب منه.
وصلت الي ان تسأله عن اسمه، الشيء الذي كانت كغيرها من سكان القرية، تخاف سؤاله عنه، وعند عودته، اقتربت منه وقالت: لقد فكرت كثيرا وفي النهاية وجدت ما اريدك ان تفعله لي، حسب وعدك لي كزوج. فسألها: ماذا تريدين يازوجتي؟ قالت: أريدك ان تخبرني اسمك. وفجأة تجهم وجه الرجل وظل صامتا لبعض الوقت، ثم أجاب: 'سأخبرك اسمي، لكن اذا كنت تحبينني كما أحبك بتقدير وإخلاص كبيرين، وإذا كنت لاتريديني ان اموت، واتركك ارملة، عليك أن لاتناديني به ولا تقوليه لأي شخص.
بالطبع شعرت المرأة بسعادة بالغة عندما قدرها وخيرها زوجها عن كل زوجاته السابقات فوعدته انها لن تناديه بهذا الآسم ولن تقوله لأي شخص فقالت لها: اسمي ليبوليبو Libolibo وهكذا حافظت المرأة علي وعدها، لم تنادي زوجها باسمه ولم تقله لأي شخص. وعاش الزوجان في سعادة وسرور لعقود عديدة من الزمان، وولدت منه ولدا وعددا من البنات خلال هذه الفترة، الولد كان اسمه كيني kenyi وكان محبوبا عند والديه. وعندما بلغ سن الزواج تزوج شابة جميلة أحبتها أمه كثيرا، وكانت دائما تصحبها معها، عندما تذهب لقطع الحشائش اللازمة لسقف المنزل، أو لإحضار الماء من النهر، أو لجمع حطب الوقود من الغابة­ الزوجة الشابة كانت ايضا تحب أم زوجها وكانت النسبة ترفض وتحول الحديث الي موضوع آخر لا علاقة له بالسؤال ومع ذلك كان السؤال يتكرر يوما بعد الآخر، وفي يوم ما قررت المرأة العجوز أن تخبر زوجة ابنها باسم نسيبها، بعد ان تعبت من تكرار السؤال. فقالت لها: سأخبرك بالاسم لكن أرجو أن تؤكدي لي أولا انك لا تناديه به ولن تقوليه لأي شخص وأرجو أن تتذكري أن زوجك، كيني، ابنه، لا يعرف اسم والده.
أجابت الزوجة: أعدك أنني لن أناديه به ولن أقله لأي شخص، بما في ذلك زوجي كيني.
فقالت المرأة العجوز: نسيبك سيموت إذا ناديتيه باسمه. كأنها ارادت أن تنبهها ان تأكيدها غير كاف. لكن الزوجة الشابة أكدت. 'أعدك أنني لن أناديه باسمه. إذن. قالت العجوز: اسمه ليبوليبو. شعرت الشابة بدقة الأسم. وحلاوته فرددته لنفسها مرات كثيرة ومرت سنون وسنون طويلة، ومنذ أن أخبرت باسم نسيبها كانت تستغرب الخطر الذي سيدهمه إذا نودي باسمه. وكانت تتساءل لماذا يموت من سماع اسمه، مع أن كل إنسان في هذه الأرض ينادي باسمه؟ لماذا؟ كانت مندهشة ومستغربة لذلك.
بعد شهور من التردد والمعاناة قررت ان تناديه باسمه. وقبل ان تفعل ذلك، علي أي حال، تأكدت من أن نسيبها وزوجها وكل أهل القرية متواجدون في منازلهم، وذلك لضمان نجدتهم ومنعه من فعل أي شيء ضد نفسه كرد فعل لسماع اسمه. وكالعادة كانت قد جهزت له طعاما طيبا ولذيذا ووضعته في المكان المعتاد. ثم نادته: ليبوليبو، طعامك جاهز. شعرت كأنه لم يسمعها، وكررت الرسالة مرة أخري. ليبوليبو، طعامك جاهز.
وهنا خرج الرجل ليبوليبو من منزله وبدأ ينظر نظرة غريبة وشرسة نظر شرقا وغربا وجنوبا ثم شمالا، ثم نظر للسماء، وبسرعة عاد الي داخل المنزل. وبعد قليل عاد الي الخارج مع سريره، الذي تركه هناك ثم عاد الي الداخل مرة اخري ثم خرج ومعه هذه المرة اسلحته: عدة حراب وقوس وعدة سهام ووضعها جميعا بلطف فوق السرير، ثم دخل المنزل وخرج منه، وفي معيته هذه المرة معظم ما تبقي من ممتلكاته الثمينة، رتبها كلها بعناية فوق السرير، وفي النهاية استلقي فوقها، ثم بدأ يغني:
آه يا زوجة ابني، ناديتيني ليبوليبو، لقد تحطمت، لقد انتهيت..
لماذا ناديتني ليبوليبو لقد انتهيت كيني، زوجتك نادتني ليبوليبو، لقد تحطمت، هذه القرية لكم، آه يا شعبي، يا أهلي، أنا ذاهب.. اسمي ليبوليبو، اصدقكم، أنا ذاهب.
وبينما كان يغني هذه الأغنية، كان السرير الذي يستلقي عليه، يهتز وكأن أرجله تنغرس في باطن الأرض قليلا قليلا، هذا الحديث الغريب شهده معظم سكان القرية، الذين جذبهم صوت المغني.

من أجل محبة أباي
فرانسيس فيليب
للفنان: إدوارد ميتشل بانيستر
للفنان: إدوارد ميتشل بانيستر
نجح إنقوي أخيرا في زواج أباي بعد منافسة قوية من أغني شاب في القرية، وذات مساء وبينما كانت زوجته تعد وجبة العشاء، جلس إنقوي علي حجر بعيد وراح يرقبها وهي تعمل. وفي نفس الوقت كان يتأمل خسائره التي تكبدها في المنافسة التي اشتملت علي سن وعدة أصابع من يده اليمني. ولم يكن يزعجه ما فقد مهما كان حتي لو كان يستهدف حياته. الذي كان يهمه هو أن يكسب أباي كزوجة له. وقد استطاع الآن أن يظفر بها. لقد جاء الوقت لكي يجعل حلمه حقيقة، وذلك بأن يجعل أباي أسعد زوجة في القرية بأسرها.
نهض إنقوي وتحرك صوب أباي التي كانت توليه ظهرا، ولما بلغت المسافة بينه وبيننا أقل من ستة أقدام دون أن تنتبه له لاستغراقها في تفكير عميق قال لنفسه: ما الذي تراها تفكر فيه بهذه الجدية؟ ثم صاح إنقوي بصوت عميق تردد صداه في الوادي القريب. 'إباي' قفزت أباي بسرعة وهي تلهث: يا إلهي، لماذا أفرعتني علي هذا النحو ياانقوي؟ قالت ذلك لاهثة، وضربات قلبها تكاد تسمع من بعد ذلك الليل الساكن.
هل تروعت؟ تساءل إنقوي ضاحكا وبدت أسنانه البيضاء تأتلق علي ضوء القمر.
تحسس قلبي إن كنت تري أنك لم تفزعني؟ ردت أباي وهي تقترب منه، تحسس انقوي قلبها، أنه ينبض بشدة كأنما هو علي وشك أن يقفز إلي الخارج. طوقها بذراعيه، أحس بنبضات قلبها تضرب صدره مثل لكمات الجولة الحاسمة، كما أحس بحرارة جسمها، وبالعرق المتصبب من جبينها يبلل صدره العريض العاري. مكثا علي هذا الوضع لبعض الوقت. ثم قطع أنقوي الصمت قائلا...
أنا آسف سامحيني أنني لن أفعل ذلك مرة أخري.
لماذا تطلب مني أن أسامحك؟ أنك لم تعتد علي. وعلي كل حال فأنك علمتني أن أكون امرأة شجاعة. ربما تمكنت ذات يوم من أن أساعدك. قالت آباي.
تعرف ماذا يا أنقوي؟ واصلت أباي.
'م م أجاب إنقوي بصوت جعل صدرها يرتعد علي صدره.
في هذا الصباح. ثم واصلت: عندما ذهبت لتتفقد حظائر الحيوانات. جاءت بوني. ابنة جيراننا إلي هنا.
وما الذي جاء بها؟ أجاب إنقوي وهو يرسلها بعيدا عنه. أنني لا أطيق هذه الفتاة، أن شيئا شريرا يبدو في أساليبها.
قالت إياي معللة:
أعلم ذلك، ولهذا لا أطيقها أيضا ولكننا أحيانا نستطيع أن نتعلم كثيرا من أناس لانحبهم.
حقا ولكنهم أيضا يتعلمون شيئا. ومهما يكن واصلي في عمل طبيخك.
أن الوقت الامثل للاخبار عن الامور المهمة أو تقديم الشكاوي للأزواج يكون دائما بعد الوجبات أو عند التأهب للنوم. نصحها انقوي بذلك فواصلت إياي طبخها بينما ذهب إنقوي ليتأكد أن باب كوخ الماعز قد أحكم ترسه جيدا بحجارة ثقيلة خشية لصوص القرية الخفيين. والأسد الغامض الذي لم يستطع أحد أن يراه، يعين نفسه علي نيل واحدة من أغنامه الجميلة.
وعندما تأكد من أغنامه. قفل إنقوي راجعا إلي الكوخ، فوجد أن أياي قد جهزت الطعام، فجلسا بالقرب من النار للاستمتاع به.
اثني إنقوي علي الطبخ وأكد لأباي أنه إذا كان هناك طباخ ماهر في كل القرية فإنها هي. شكرته أباي ولكنها حذرته ليحد من المبالغة في الثناء، لأن الثناء الكثير يمكن أن يكون نذير شر.
وعندما انتهت الوجبة جمعت أباي كل أواني الطبخ ثم اعتزلا إلي كوخهما الدافيء. أحاطت أباي إنقوي بما قالته بوني:
حيث حذرتها من أن تسافر لمسافات طويلة بمفردها لأن منافس إنقوي المندحر قواقمي قد خطط أن يختطفها أو يغتال إنقوي.
أخبر إنقوي زوجته أن بوني كانت في غني من قول ما يعرفه من قبل. وحذر زوجته حتي تمسك عن تعاملها مع بوني لأكثر مدي ممكن، بعد ثلاثة أيام استدعي إنقوي للمثول أمام الزعيم الكبير: ليساعد في تسوية نزاع بين اثنين من الشباب. لما عرف به في القرية من لباقة وأمانة ونزاهة وشجاعة. لقد أبقت المحكمة التي استغرقت عدة ساعات، أبقت إنقوي لساعة متأخرة من الليل. ولما كان هو رئيس المحكمة: لم يكن في مقدوره أن يغادر قبل أن ينتهي. وكان الزعيم قلقا لسماع قرار المحكمين الأخير هنا وهناك.
وعندما بدأ إنقوي رحلة العودة إلي المنزل كان الليل قد انتصف من قبل. لم يفكر خلال الطريق في شيء سوي زوجته. الخوف علي نفسه من الخطر لايعني شيئا بالنسبة له، لقد كان يمشي بأقصي سرعة ممكنة، ويجري أحيانا وهو مشوش العقل والقلب. رائحة العشب بدت له كرائحة الدم. عندما جري منحدرا علي الممر الضيق تخيل أنه صوت أباي وهي تستغيث به طلبا للمساعدة. ها هنا أجبر نفسه علي التوقف ليطرد المخاوف بعيدا. ثم بدأ يسير ببطء واثقا من أن أباي آمنة بالتأكيد. وأنها في انتظاره بطعامها الجيد. كان في تلك اللحظة علي بعد مائة ياردة من المنزل. كان بإمكانه رؤية سطح المنزل الذي يبرز خلف الحشائش الطويلة التي أمامه، ولكن المسافة تبدو قريبة، وهي ماتزال بعيدة جدا. لم تعنه قدماه علي أن يسرع. لقد أحس بشر ما، وأخيرا وصل إلي المنزل. وسار مباشرة إلي باب الكوخ وصاح في همس: أباي: ولم يتلق ردا صاح بصوت أعلي ولكن الكوخ ظل صامتا كصمت القبور. تملكه القلق ونفد صبره فضرب الباب ضربة واحدة فاندفع بقوة إلي الجانب الآخر من الجدار، كان الداخل يتوهج في لون الكهرمان. انتزع بعض العشب من الكوخ وأشعله. أصبح في إمكانه أن يري الآن بوضوح. نعم. كانت أباي موجودة في الكوخ مستلقية ووجها إلي أعلي. لكن لماذا لم تستجب لكل تلك الضوضاء؟ اختبرها إنقوي من قرب. أنها سليمة ولكنه لاحظ شيئا أن العلو والهبوط في تنفسها قد توقف. تحسس قلبها ولكن الدم لم يعد يجري في شرايينها، حبيبته آباي. ماتت تماما. كان يرتعد والعرق يجري غزيرا من جبهته وصدغيه كالجدول وهو يئن أنينا موجعا. ثم جلس بجوارها كأنه ينتظرها أن تصحو. لقد فقد حواسه، هل أصبح مجنونا؟ كان أول طارق في الصباح هو ليجو رفيق إنقوي في الصيد. لقد حاول بلا جدوي أن يتحدث إلي إنقوي.
وفي وقت وجيز انتشر الخبر في القرية من أقصاها إلي أدناها. ان أباي قد ماتت بعلة أو سبب مجهول. تجمع كل أقارب إنقوي، وكل القرية وعند مراسم التشييع أدلي الزعيم بحديث، وضع كل النشيج المائل كان إنقوي متأكدا من شيء واحد هو أن منافسه قواقمي قد قتل زوجته.
بعد أربعة أيام من الجنازة ذهب إنقوي ليجلب بعض ليجلب بعض الماء من الغدير المجاور. ثم التقي بوني. وكان موقنا من أنها تعرف شيئا عن موت زوجته.. عندما رأته حاولت أن تجري بعيدا. ولكن الوقت كان متأخرا جدا. لقد قبض عليها إنقوي بسرعة، وأمسكها من رسغها حتي صاحت فهددها بأن يقتلها إن لم تخبره من هو القاتل.. وعندما رأت أن التهديد حقيقي تكلمت. قالت له إذا كان يعتقد أن قواقمي قد قتل زوجته فهو مخطيء.. واعترفت أن أمها ويريكا قد أعطتها جرعة قاتلة لتحملها إلي بوني.. واستمرت بوني تقول: ان أمها خططت لهذه الجريمة لأن آباي هي المسئولة عن جنون قواقمي الذي كان يجب أن يتزوج بوني قبل أن تحضر أباي للقرية، ومهما طال بقاء أباي في القرية سواء تزوجت أم لا فإنه لا أمل في زواج فواقمي من بوني. لهذا فكرت وبريكا أنه بقتل أباي يمكن علي المدي البعيد أن يتغير قواقمي ويرجع إلي بوني.
اعتقلت ويريكا وبوني وأحضرتا أمام محكمة القرية.. وخرجت كل القرية لتسمع الحكم:
علي بوني أن تشرب نفس الجرعة القاتلة التي أعطتها إلي أباي.
أما ويريكا فحكم عليها بأن تدفن وهي علي قيد الحياة.

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: