|
|
| السنة - | 774 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 5 | - م | 2008 | مايو | من | 11 | الاحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:37:38 AM |
 |
الساعة - |
 |
5/10/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
الجوع.. بين البساطي وإميلي نوثومب
لنا عبد الرحمن
إن لم تترك الكتابة حدثا محركا في العقل، ومرارة لاذعة في الروح، يزول أثرها من الذاكرة مثل بخار الماء المتصاعد من قدر ضخم،رغم كثافته لا يظل منه شيئا.أقول هذا الكلام بمناسبة قراءة روايتيين الفكرة الرئيسية فيهما هي الجوع.
إن مجرد الحديث عن الجوع بحد ذاته يبدو امرا معقدا،لصعوبة مقاربة الموضوع بدقة،فكيف تكون الكتابة عنه اذن،ثم كيف يكون النص عند البحث في أوجه الجوع المختلفة حين تكون مادية ومعنوية..؟
العمل الأول هو رواية بيوغرافيا الجوع للكاتبة البلجيكية إميلي نوثومب التي تتحدث عن رحلتها مع الجوع في أوجهه المختلفة.لكن رغم هذه الرحلة الشاسعة التي تحكي عنها الكاتبة وما فيها من غوص في النفس الإنسانية إلا أننا لا نجد جوعا حقيقيا في النص، ذاك الجوع الذي يغير مصير الشخصيات ويحول في حضوره المأساوي مساراتها وخياراتها القدرية في الحياة.
إن هذه الرواية التي جعلت من كاتبتها سوبر ستار هي رواية ممتعة عند قراءتها، لكن ليس أكثر من ذلك،إنه التشويق المنسي الذي يزول بعد وقت قليل: فالكاتبة وهي ابنة سفير بلجيكي تحكي عن تنقلاتها الكثيرة بسبب عمل والدها، بين دول عدة، من اليابان الي الصين ثم نيويورك فبنجلادش،كمبوديا،ودول الشرق الأقصي.لقد كتبت روايتها عن هذا الترحال، وعما فيه من جوع مادي ومعنوي ومن عذاب نفسي نتيجة شراهة كبيرة تقض مضجع البطلة وتجبرها علي القيام بمحاولات شتي لخسارة الوزن، إذن هذا الجوع غير المرئي وغير الحقيقي يقبض علي روح الراوية ويلتهمها، فالجوع النفسي في النص هو مطبخ الرواية، إنه المعدة التي تلتهم الأحداث الواقعية في مخيلة طفلة وتهضمها في عصارتها القاسية، ليس أكثر، لن يجد القارئ ملامسة حقيقية لفكرة الجوع لا من قريب ولا من بعيد،هذه الرواية من الممكن لقارئها أن يجد تجوالا وسفرا، لكنه حتما لن يعثر علي ما يحاكي المحور الأساسي للعمل أي فكرة الجوع.
لكننا نقف علي صور للجوع الحقيقي،الجوع بمعناه الحسي الموجع في رواية الكاتب محمد البساطي التي تحمل اسم جوع وفي هذه الرواية يبدو رغيف العيش البطل الحقيقي، والمحرك الرئيسي للأحداث, فالجوع علي حد تعبير البساطي تفشي لدرجة أن بعض الناس أصبحوا يبحثون عن طعامهم في صناديق القمامة. باختار البساطي لروايته عنوان جوع وقد حرص أن تكون الكلمة غير معرفة بالالف واللام كي لا تتشابه مع رواية أخري للكاتب النرويجي كنوت هامسون تدعي الجوع .
الفضاء الجغرافي في رواية البساطي هو الريف المصري، وأبطاله هم عائلة ريفية بسيطة تقاسي بؤس الجوع وآفته. يقدم الكاتب لقارئه بلا تردد صورا موجعة للجوع منذ المشهد الأول والعائلة التي تشد علي بطونها الخاوية،فيصير الجوع وحشا قابعا في الأحشاء، وحشا مفترسا يلتهم عصب الحياة وإنسانية الأبطال. في أحد مشاهد الرواية هناك لقطات تدون ألم طفل يحدق في نقوش رغيف الخبز داخل الفرن من دون أن يتمكن من الحصول عليه.علي ما في كتابة البساطي من وجع،لكن هناك جمالية الأبداع في الكتابة عن الألم، تلك الكتابة الراسخة التي تظل مشاهدها في ذاكرة القارئ وروحه.هذا ما لا نجده في رواية إميلي نوثومب،حيث تتبخر الأحداث من الذاكرة بسرعة ولا يظل إلا حكايات البطلة عن الترحال والتنقل، وعن الشراهة الناتجة عن فراغ عاطفي موهوم أيضا.يمكننا القول عن هذه الرواية أن الجوع فيها هو جوع المترفيين،وربما يكون هذا النوع من الجوع مؤلم لصاحبته،لكنه في النتيجة لن يؤدي للنتائج الكارثية التي يفضي لها الجوع الفعلي.
محمد البساطي الذي ينتمي لجيل الستينات في مصر حين تسأله عن تجربته في كتابة روايته جوع ،يؤكد ان مسعاه كان رصد الجوع المرعب المتغلغل بين الناس يقول الجوع الذي وصل إليه البلد هو الشيء الوحيد الذي كان يشغلني، يكفي أن نعرف أن90 % من الشعب المصري يعيش تحت خط الفقر بمقاييس البنك الدولي ويظل السؤال المطروح راح فين الخير بتاع البلد؟ .
تترك رواية البساطي أثرا يشبه طعم الحريق ورائحته، تقبض علي قارئها من دون أن تسمح له سوي بالخوف من الجوع الحقيقي الرابض في مكان ما. إنه الجوع بمعناه الفعلي، لا الحديث عنه وتوهمه.
|
|
|
مشوار فخري لبيب:
سيرة مناضل.. مسيرة وطن
 | | اعتقال ..محاكمة ثم إفراج دون حكم |
|
منصورة عز الدين
يبدأ المناضل والمترجم فخري لبيب سيرته الذاتية الصادرة مؤخرا عن مكتبة مدبولي تحت عنوان المشوار بمشهد اعتقاله في 29 مايو 1954، كأن الحياة تبدأ مع الاعتقال، أو كأنه الحدث الأهم الذي يعد له المسرح، وبالتالي يجب البدء به.
سوف نكتشف أن المذكرات تنتهي مع الحكم عليه هو وزملائه بالسجن. وبين البداية والنهاية يستعرض لبيب بحس روائي واضح مشوار حياته بداية من ميلاده، ثم تفتح وعيه، وصولا إلي العوامل التي دفعته إلي النشاط السياسي والنضال في صفوف اليسار المصري.
واللافت للنظر أن لبيب حين يكتب عن دوره السياسي، يفعل ذلك ببساطة شديدة وتواضع جم كأن ما قام به، هو أمر طبيعي، ومجرد دور ضغير في مسيرة ممتدة، وهذا الأمر يختلف تماما عما يقوم به البعض من اضفاء البطولة علي كل ما قاموا به، ومحاولة تضخيم أدوارهم بصورة تجافي الحقيقة في كثير من الأحيان.
بداية من الفصل الثالث، تحديدا من صفحة 25 يعود فخري لبيب للرحلة من بدايتها المنطقية. في منزل جده وكيل تلغراف مدينة سنورس بالفيوم ولدته أمه أثناء صيام يونان ففكرت الأسرة أن تسميه يونان ، إلا أن أباه الذي كان معاون بدل في السكة الحديد بسنورس وقتذاك اقترح اسم فخري تيمنا بفخري عبد النور الزعيم الوفدي لمديرية جرجا التي ينتمي إليها أبوه في الأصل. ليكون الاسم هو أول علاقة للطفل الوليد بعالم السياسة.
سنورس محفورة في الذاكرة، الفراخ الفيومي، والبيض الفيومي، والعنب الفيومي، والتين الفيومي (الرمادي)، والبلح السيوي الذي يباع بالأنجر. صف بيوت العاملين بالمحطة يمتد متماسكا، تحيط به الحدائق وعشش الطيور والأرانب. الحديقة ناحية الرصيف، وسور عال، يحجبان المنزل عن عيون المسافرين. العشش تحيط به من خلف، تحدها قناة مياه جارية أحيانا، وراكدة في أغلب الأحيان .
هكذا يكتب المؤلف عن سنورس المدينة الصغيرة التي ولد بها، وطوال الكتاب نجده حريصا علي وصف أدق التفاصيل الخاصة بالأماكن التي عاش فيها نظرا لطبيعة عمل والده (معاون بدل، ثم ناظر محطة) الذي أتاح لهم التنقل بين ربوع مصر من الجنوب إلي الشمال. ثمة ميل يصل حد الشغف لنقل روح الأماكن قبل جغرافيتها، ثمة احتفاء برصد العادات والتقاليد، وأنماط الغذاء وأنواعه، والثقافة الشعبية بما تحويه من خرافات وقصص جان وعفاريت اهتم الكاتب أن يبين أثرها علي نفسه في طفولته.
مات الملك.. يحيا الملك
وهو في المدرسة الابتدائية تم اختياره ليكون مع عدد من زملائه في استقبال ولي العهد وقتها الأمير فاروق أمير الصعيد أثناء زيارته لبني حسن في المنيا.
يكتب: اقترب الشاب الأمير مني حلو الصورة، ناعما، ريانا، تفور وجنتاه البيضاوان بالدماء. وخيل إلي أنه يبتسم لي، فكادت ركبتاي أن تتهاويا. وشعرت بفخار ما بعده فخار، أن أري أمير الصعيد، وولي العهد وجها لوجه. أحسست أن خيوطا قوية تربطني به، تشدني إليه، حتي أنه عندما مات الملك فؤاد وأصبح الأمير فاروق ملكا علي البلاد، خرجت مع تلاميذ المدرسة نهتف في شوارع أبو قرقاص مات الملك، يحيا الملك ، وأنا سعيد للغاية، فقد غدا صديقي الأمير فاروق، غدا الملك فاروق الأول، حفظه الله. أحسست وكأني أنا نفسي قد أصبحت لي يد في حكم البلاد .
كان والده لبيب حنا الذي شارك في ثورة 1919 هو أول من قاده ربما دون أن يقصد إلي عالم السياسة، حيث اعتاد أن يحكي له ولإخوته عن الإنجليز أعداء الوطن، وكيف احتلوا مصر وسيطروا علي كل شيء فيها، وكيف يحمون الأجانب ويسيئون إلي المصريين. وفي زيارة لهم إلي عمتهم التي تعيش في القنطرة غرب حكي لهم أبوهم عن أحمد عرابي وكيف وقف ضد الخديوي، فاستعان بالإنجليز لحمايته. وحدثهم أيضا عن مصطفي كامل وحادثة دنشواي، وصولا إلي ثورة 19. ويعلق لبيب علي ما حكاه والده: أحسست أنني أكره الإنجليز كراهية الموت، وأن ما سمعته من أبي سيظل محفورا في عقلي لا يمحي أبدا .
ورغم أن والده هو من أخذ بيده إلي الاهتمام بالسياسة، إلا أنه لم يرد له أبدا أن ينخرط في أي نشاط سياسي. اكتشف فخري لبيب هذا حينما اشترك في صباه في مظاهرات تهتف للوفد ولفخري عبد النور مرشحه لمجلس النواب. كان صوته قد بح من كثرة الهتاف، ولما سأله والده عن سبب ما حدث لصوته، وأجاب هو بفخر أن السبب هو الهتاف في المظاهرة، تغير وجه أبيه ونهره غاضبا. الأمر الذي تسبب في حيرة كبيرة للابن والدي علمني الوطنية، لماذا كان ذلك إذا كان يخاف منها علينا. ولماذا أطلق علي اسم فخري إذا لم يجكن لهذا الرجل قدرا كبيرا من التقدير. يبدو أن أبي خائف أن أقتل كما قتل شباب 1919 و1935. يبدو أن الوطنية عند أبي هي أن أكون وطنيا في ذاتي دون أن أشارك في أي عمل قد يجر المتاعب علي. ولم استطع أن أتقبل هذا المنطق الذي استخلصته لنفسي. وأحسست لأول مرة أنني وأبي قد نقف علي شاطئين مختلفين .
أسوان.. الملاريا والثورة
مثل الانتقال إلي أسوان للدراسة مع شقيقيه سمير ورأفت نقطة مفصلية في حياة فخري لبيب، كان ذلك عام 1943 أي وهو في الخامسة عشرة من عمره بعد انتقال والده للعمل في المحاميد.
في أسوان وعبر مدرس التاريخ في مدرسة أسوان الثانوية تعرف لبيب علي نظام الاقطاع الذي يحكم مصر، وعرف أن الأسرة الملكية وحدها تمتلك خمس الأراضي الزراعية، وهي أسرة أجنبية، ألبانية. كيف استولت علي كل تلك الأرض؟ كيف حرمت المصريين منها وحولتهم إلي عبيد في مزارعهم وتفاتيشهم الملكية؟ أن تلك الأسرة، وعلي رأسها الملك، هم أكبر إقطاعيين في البلاد، وهم لا يحكموننا لوجه الله والخير. وإنهم يحكموننا، وبقية الأسر الإقطاعية لينفردوا وحدهم بكل غال وجميل في هذا البلد .
كان مدرس التاريخ أيضا هو أول من حدثه عن احتياج مصر إلي ثورة شاملة تماثل الثورة الفرنسية كي تجتث الفساد من جذوره.
تأثير مدرس التاريخ والإقامة في أسوان علي المؤلف لا يسردها للقارئ بشكل مباشر، إنما تأتي في شكل مبتكر عبر الخطابات المتبادلة بينه وبين صديقه عبد الله كامل الذي كان قد تعرف عليه عندما انتقل والده لبيب حنا للعمل كناظر لمحطة العدوة في الفيوم بلدة كامل.
من خلال هذه الخطابات نكتشف تفتح وعي لبيب تدريجيا علي الظلم الذي يعاني منه الفلاحون والعمال، واكتشافه للعالم وللحياة من حوله بعيون مختلفة، نتعرف أيضا علي الأسئلة التي بدأت تثور في عقله حين يطرحها علي صديقه في خطاباته كأنما يأخذ بيده هو الآخر إلي العالم الذي بدأ يكتشفه.
في أحد خطاباته إلي عبد الله كامل يكتب فخري لبيب تعليقا علي طلب صديقه منه أن يحكي له عن رحلاته يكتب فخري لبيب: تود مني أن أصف لك رحلاتي. هل تريد مني أن أقول لك، عبرنا النيل السلسبيل الذي ليس له مثيل إلي جزيرة خضراء فيحاء، زاهرة مبهرة. لن أكتب مثل هذا اللغو. إن ما رأيته يجعله هراء. زرنا شركة السكر بكوم إمبو. هل تعرف من يمتلك هذه الشركة؟ إنه عبود باشا، صديق الإنجليز. هل تسمع عن نجع حمادي؟ إنها ملك فرد واحد من الأسرة المالكة. هل سمعت عن القرية التي يعمل بها أبي؟ إنها ملك لامرأة واحدة. إنها نادرا ما تحضر كما يقولون، لكنها أوكلت رعاية أرضها، وتحصيل الإيجارات وجمع المحاصيل إلي قاطع طريق مقابل خمسة وعشرين فدانا ينفرد بها لحسابه. وهؤلاء الملاك جميعا، علي نفس دين من يعملون في أراضيهم أو في المصنع، ومع ذلك فهم يعاملونونهم فلاحين وعمال معاملة السيد للعبد، يتحكمون في حياتهم وأرزاقهم. هل قال الدين، أي دين، بذلك؟ .
غير أن الحدث الذي أثر في وعي المؤلف أكثر من غيره هو انتشار وباء الملاريا الذي نقلته إلي مصر قوات الحلفاء التي تعسكر بالقرب من أسوان. بدأ المرض وسرعان ما انتشر بصورة رهيبة. لقد أصبت به أنا وأخوتي. أصبحنا كالفراخ الدائخة، ننتفض بشدة حتي تصطك منا الأسنان. نحن نتناول الكينين، مر المذاق، لكن العلاج الأساسي هو الطعام. إن القادرين وحدهم هم الذين يستطيعون النجاة من هذا المرض اللعين. أما الفقراء، الذين لا يحصلون علي غذاء جيد، فالكينين لا يجدي معهم. الفلاحون في قرية المحاميد يتساقطون كالذباب. الموت يرتع فيهم، وهم أعجز عن مواجهته. قوافل رائحة غادية ما بين القرية والمقابر، يحمل كل جمل محفتين، علي كل منهما ضحية من قتلي الملاريا. كان الموكب يسير في البداية يحف به الصراخ والعويل، لكن البكاء خفت حتي توقف، ربما لأن الدموع نضبت، وربما لأن الموكب كله غدا موكب أموات، البعض محمولين فوق الجمال، والبعض يسيرون مشيعين لهم، ولكن إلي حين، عندما يموتون في اليوم التالي، ويستريحون من السير علي الأقدام، ويرقدون صامتين صمت الأبدية فوق محفات الجمال .
لكن الأسوأ من الملاريا نفسها هو ما قامت به اللجنة المسئولة عن صرف المعونات التي أرسلتها الحكومة لانقاذ المرضي من سرقة للمعونة ومن اعتداء علي الفلاحين العاجزين.
يكتب لبيب تعليقا علي ما قامت به لجنة المعونة: الأمر بالنسبة لي لم يعد كما كان. لم أعد أنا اليوم، من كان بالأمس. لقد هزني زلزال من الأعماق، نفض أشياء وأشياء. ولكن ماذا في وسعي أن أفعل؟ أو تحديدا ماذا علي أن أفعل؟ وهل يوجد مكان في بلدنا يمكن أن أصرخ فيه بكل ما حدث، وأن يكون لصراخي صدي فعال، لا مجرد صمت أجوف .
في الإجازة الصيفية وبمساعدة خاله المسيس منير سيبلور لبيب ما فتح مدرس التاريخ عينيه عليه من أفكار. سيخبره أن الثورة الفرنسية هي ثورة بورجوازية في حين أن ما تحتاجه مصر هو ثورة اشتراكية.
ومع انتقاله للقاهرة للالتحاق بكلية العلوم جامعة القاهرة عام 1945 سيكون فخري لبيب مستعدا تماما للانخراط في النشاط السياسي، وبعد مغامرة سريعة مع الحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو)، انضم إلي إسكرا التي ينتمي إليها خاله منير، وشده إليها أنها الأكثر نشاطا وفعالية في الكلية التي يدرس بها.
انتفاضة الطلبة وانتهازية الإخوان
يفرد المؤلف مساحة كبيرة لمظاهرات الطلبة في 9 فبراير 1946 وما تلاها من تداعيات، كان عائدا لتوه من أجازة نصف السنة حين أخبره أنيس زميله في إسكرا أن الجامعة انفجرت في ثورة عارمة احتجاجا علي المستعمر البريطاني وعلي حكومة النقراشي العميلة.
يكتب: انطلق السيل المنهمر من بوابة الجامعة مندفعا إلي ميدان الجيزة، حيث انضم إليه عشرات المواطنين الموجودين بالميدان. ووقف عمال شركة الدخان وعمال الترامواي يحيون المظاهرة، عاش الطلبة مع العمال ، والمظاهرة ترد التحية العمال جنود الثورة . وصلت المظاهرة إلي كوبري عباس في طريقها إلي عابدين، بدأت عبورها، وفجأة أخذ الكوبري ينفتح. أسرعت مجموعة من طلبة كلية الهندسة إلي أسفله في محاولة للسيطرة عليه وإعادة إغلاقه، غير أن جزءا منه ظل مفتوحا عند طرفيه يمينا ويسارا. المظاهرة تكمل سيرها. وتبدأ قوات سليم زكي باشا حكمدار القاهرة، والمدرعة بالهراوات والخوذات، تبدأ زحفها نحو المظاهرة .
ويضيف لبيب أن قوات فيتز باتريك حكمدار الجيزة أحاطت بالمظاهرة هي الأخري لكن من الخلف. وانهال الضرب المجنون الضاري علي المتظاهرين، بعد أن أصبحوا محاصرين. المظاهرة تواجه الضغط من جميع الجهات، حتي أصبحت وكأنها جسد واحد. وقوات البوليس تجهز عليها صفا صفا. فإن سقط أحد علي الأرض داسته الخيول وهرسته الأقدام والأحذية.. والطلبة عند فتحتي الكوبري يتساقطون في الماء. وآخرون يلقون بأنفسهم في النهر فرارا من هذا الجحيم. الطلبة يحاولون شق طريق لهم عبر صفوف الجنود بأعمال انتحارية. والذين استطاعوا الإفلات من الحصار مثخنين بالجراح، وجدوا المواطنين المصريين العاديين يتلقفونهم ويدفعون بهم إلي منازلهم لإغاثتهم وحمايتهم .
بداية من اليوم التالي 10 فبراير ينضم فخري لبيب لزملائه في ثورتهم، ويوثق في كتابه ما جري يوما بيوم. يكتب عن الشهيد محمد علي، وعن مساندة المصريين للطلبة وتأييدهم لهم، وعما فعله الطلبة لإفساد افتتاح الملك فاروق للمدينة الجامعية في خضم الأزمة، حيث حرقوا الأشجار التي تشكل سور حديقة الأورمان، والأشجار الممتدة من الجامعة إلي النيل، وفتحوا صنابير الإطفاء لتغرق المكان أمام المدينة الجامعية، ودمروا التاج الملكي الذي كان يزين بوابات الجامعة الضخمة. غير أن أهم ما يشير إليه فخري لبيب في هذا الصدد هو الدور الذي قام به كل من الإخوان و مصر الفتاة لصرف الطلبة عن المعركة حين نزلوا بشعار لا حزبية بعد اليوم ، فتصدي لهم أعضاء اللجنة الانفيذية العليا (الشيوعيون والوفديون) بشعار لا فاشية بعد اليوم ، لا فاشية ولا إخوان ولا تجارة بالأديان .
وبعد إقالة وزارة النقراشي يوم 15 فبراير لعجزها عن حفظ الأمن والنظام وتعيين إسماعيل صدقي رئيسا للوزراء، سعي صدقي علي الفور للاتصال بالإخوان المسلمين للتأكد دعمهم له باعتبارهم حلفاء رئيسيين. وبالفعل تواطأوا معه، حيث توجه معه مصطفي مؤمن زعيم طلبة الإخوان المسلمين إلي مدرسة التوفيقية بشبرا، وخطب في العمال القدمين من شبرا الخيمة وروض الفرج طالبا منهم اعطاء صدقي فرصة ليثبت وطنيته لكن العمال انفضوا عنه ورفضوا ما قال فاتجه إلي جامعة فؤاد الأول ليكمل مهمته.
يكتب المؤلف عن مصطفي مؤمن: إنه خطيب بارع مسجوع الكلمات، ينغم صوته في لباس زاهد ولحية ناسك. يتلاعب بالألفاظ خدمة للنظام فيقول، واذكر في الكتاب إسماعيل، إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا : إنه يستشهد بآية من القرآن دعما لإسماعيل صدقي عدو الشعب. وارتفعت الأصوات تلزمه الصمت، وتهتف يسقط الاستعمار وعملاء الاستعمار. وتصدت له لطيفة الزيات وهو يقول: يا لطيفة كوني لطيفة . أراد أن يسكب الماء البارد علي المظاهرة، فاشتعلت حماسا. وأزيح جانبا هو وجماعته. وارتفع الصوت الداوي إيذانا بالانطلاق. الجامعة تهدر وأنا محمول فوق أكتاف الزملاء أهتف: عاش كفاح الشعب المصري ، عاش كفاح الطبقة العاملة ، عاش كفاح الطلبة والعمال .
تعاون الإخوان أيضا مع صدقي في محاولته لضرب اللجنة الوطنية عن طريق محاولة إنشاء نقابات تحت قيادة الإخوان، نقابات تحض علي طاعة أولي الأمر ومنهم أصحاب المصانع والحكام. كما قام ذات الأشخاص من العمال بإرشاد البوليس علي زعماء العمال المطلوب القبض عليهم !!
وبعد صدقي يجيئ النقراشي رئيسا للوزراء مرة أخري، ويتخلي الإخوان عن صدقي ويتجهون إلي الحاكم الجديد، إلي النقراشي، يقدمون خدماتهم ضد الوفد والشيوعية .
ويشير لبيب إلي اقتراح المرشد العام للإخوان علي فيليب أيرلند السكرتير الأول للسفارة الأمريكية إنشاء مكتب مستقل مشترك بين الإخوان والحكومة الأمريكية لمحاربة الشيوعية. وبالطبع رفضت الحكومة الأمريكية هذا الاقتراح باعتبار أنها تتعامل مع الحكومات. فاتجه المرشد إلي الإنجليز وقابل والتر سمارت، السكرتير الشرفي للسفارة البريطانية، فكتب الأخير إلي حكومته، الإخوان المسلمون هم أكثر الحلفاء نفعا لنا.. وهم أشد الحواجز صلابة في وجه الشيوعية .
أخطاء الشيوعيين وانقساماتهم
من بين النقاط المهمة التي يتوقف عندها فخري لبيب في كتابه الانقسامات التي وسمت الحركة الشيوعية المصرية والأخطاء التي تم ارتكبتها، هو لا يشير إليها بشكل مباشر لكن يمكن للقارئ أن يتبينها بوضوح في أكثر من موضع.
في 1947 تمت الوحدة بين أسكرا التي ينتمي إليها لبيب وبين الحركة المصرية، لينشأ تنظيم حدتو أو الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني. وفي بداية 1948 اشتد الصراع داخل حدتو وكأنه حرب داخلية، الاتهامات بالخيانة العمالة تتناثر، تتطاير هنا وهناك .
ثم حدث انقسام كبير داخل حدتو حمل اسم التكتل الثوري بقيادة شهدي عطية الشافعي وأنور عبد الملك، ووجد فخري لبيب نفسه جزءا من هذا التكتل.
ثم توالت الضربات علي التكتل الثوري والانقسامات علي حدتو. ظهرت أشكال جديدة بدأت تشد الزملاء إليها. أعلن عن تشكيل القاعدة المشتركة داخل حدتو ذاتها، وذلك لإدارة صراع نظري وفكري وسياسي بين كل المختلفين مع قيادة حدتو والرافضين لها أو المنقسمين عليها .
رفض لبيب ومن معه في التكتل الانضمام إلي هذا الشكل، حيث رأوا فيه سوق عكاظ سياسي ومزايدات يسارية، ومباراة نصوصية نظرية. وأنه سيكون ساحة مباحة متاحة للاختراق الأمني. ولابد أن ينتهي إلي انقسام جديد .
يتحفظ لبيب أيضا علي قدرة الشيوعيين الأجانب ممن لا يجيدون العربية علي الوصول للعمال: لقد عجزوا عن التحدث معي بلغة البلاد، فما البال مع العمال. كيف يستطيعون مخاطبتهم والتعامل معهم .
بعد محاولة وحدة فاشلة بين بقايا التكتل الثوري واتجاه النضال الثوري، أسس فخري لبيب مع زملائه منظمة طليعة الشيوعيين المصريين ، وبعدها مباشرة حاول عضو في م.ش.م تجنيده، من دون أن يعرف بأمر طليعة الشيوعيين المصريين ، ولم يخبره لبيب بالأمر واقترب لفترة قصيرة من م.ش.م تأكد خلالها من رأيه المسبق فيها: أنا غير مقتنع ب م.ش.م تنظيم مكون من مثقفين وأجانب، ويتكلم عن 100 % عمال. تنظيم يتجاهل الطلبة، ودول قوة أساسية في المستعمرات. يتجاهل البورجوازية الصغيرة ودي قوة هامة في معركتنا الوطنية، ويتجاهل الفلاحين ودول الأغلبية الساحقة من الشعب. م.ش.م. النموذج الصحيح لليسارية عبث أطفال .
إكتمال الدائرة
ينتهي الكتاب بالحدث الذي بدأ به، وهو اعتقال فخري لبيب، حيث تم القبض عليه يوم 29 مايو 1954 وهو في طريقه إلي مدرسة الأقباط بطنطا حيث كان يعمل، وتم اصطحابه إلي مبني المباحث بلاظوغلي حيث التقي بزميليه محمد محمود عثمان وصلاح هلال مقبوضا عليهما، وانتهي به المطاف في سجن قره ميدان حيث التقي بزملائه عبد الله كامل، ومحمد مصطفي درويش ومنصور زكي.
وفي 22 أكتوبر 1955 يحكم عليه بأشغال شاقة ثلاث سنوات، ويجفاجأ بأن والده يقول له في قاعة المحكمة بعد اعتراض طويل علي نشاطه السياسي ولا يهمك يا بني. أنت قدها وقدود، أنا دلوقت أطمأنيت عليك .
وبهذا يغلق فخري لبيب الدائرة التي فتحها في الفصل الأول من كتابه، والدائرة ككل هي مشوار كامل من النضال، والبحث، والولع بالمعرفة وبالحياة بكل ما تمثله.
|
|
|
|