دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -776ه - العدد1429جمادي الأوليمن19- م2008مايو من25 الأحد
بتوقيت القاهرة 1:39:56 PM الساعة - 5/24/2006 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
صفحات من حياة الرجل الغامض وجيه غالي.. ترويها عشيقته :
بعد جنازة
ديانا اتهيل
ترجمة : هناء نصير
اثر نشر ترجمتي لرواية وجيه غالي الوحيدة المكتوبة أصلا باللغة الانجليزية 'بيرة في نادي البلياردو' بحث الكثيرون عن معلومات عن كاتب الرواية فلم يجدوا الكثير. ومن بين المصادر النادرة للمعلومات عن ذلك الكاتب الغامض هذا الكتاب الذي اخرجته في العام 1986 الناشرة الانجليزية ديانا اتهيل التي استضافت وجيه غالي في بيتها لمدة ثلاث سنوات قبل أن يقدم علي الانتحار في بيتها أيضا.
شجعني الكثيرون علي ترجمة الكتاب الوحيد الذي يوفر بعض المعلومات ويلقي الضوء علي حياة هذا الكاتب، الذي طالما كان مثيرا للجدل، الكارثية. كما حفزني لترجمة الكتاب أن بعض الكتاب الذين أتيحت لهم قراءة الكتاب باللغة الانجليزية وكذلك المقالات الثلاث التي كتبها غالي من اسرائيل كمراسل لصحيفة التايمز أخذوا يقطرون في المعلومات التي ينشرونها علي الناس ومنهم من عايرهم فعليا بعدم معرفتهم للغة الانجليزية وبالتالي عدم قراءتهم لهذا الكتاب وهذه المقالات.
لذا أقدم لقراء 'أخبار الأدب' هذا الفصل الأول من الكتاب إلي أن تتاح لي الفرصة لنشره كاملا.

في أمسية صيفية في العام 1963، ركضت هابطة الدرج تغمرني سعادة خاصة لأجيب الباب. كنت أقيم حفلا علي شرف زوجين أمريكيين يمران بلندن. لكني في الحقيقة كنت اتطلع الي هذه الأمسية لأقابل شخصا آخر، رجلا لم تسبق لي مقابلته. كان قد وصل لندن علي غير توقع. وحين اتصل بي، فكرت انه من حسن الحظ انني اقيم هذا الحفل الآن، فبذلك استطيع أن ادعوه كي ينضم إلينا فتبدو دعوتي للقائه للمرة الأولي تلقائية لا مبالغة في الإعداد لها.
لقد أردت التعرف عليه لأنني احببت كتابا ألفه. بدا لي حين قرأت الكتاب، انه حين يكون فكاهيا، وهو غالبا كذلك، يكون ذلك لانه هو نفسه مسحور بالكوميديا التي يفرضها الموقف الذي يصفه، وليس لأنه يتعمد أن يبدو ممتعا للقاريء، كان استمتاعه بالتصوير البارع للمواقف والشخصيات وشطحاتها الانسانية يفوق ما قد يحصل عليه من متعة اذا ما اكتفي 'بالتعبير عن نفسه'. وعلي الرغم من أن الاعمال التي تكتب بهذه الطريقة لا تكون كتبا عظيمة بالنسبة للكثيرين، الا انها كذلك بالنسبة لي. انها الشيء الحقيقي.
كنا قد تبادلنا العديد من الخطابات تتعلق بكتابه، كما أنني سمعت عنه من أناس آخرين. كان مصريا سحب منه جواز سفره لكونه شيوعيا، كان يعيش منذ عدة أعوام في منفاه في ألمانيا التي كان يكرهها. كان معدما، وقد اضطره الفقر للعمل الشاق في العديد من المصانع والموانيء. من يقرأ روايته يخرج يتصور عن سنين حياته الاولي، ويري أن منفاه البائس يمثل نقيضا مأساويا لحياته الميسورة السابقة. وصفه أحد المعارف الألمان كشخص 'دمث ورقيق كالغزال' وهو نفس الانطباع الذي تتركه روايته لدي القاريء. طالما كنت شديدة التأثر بظروف الاجانب المقهورين، وأجنبي مقهور يشبه الغزال ويتسامي فوق متاعبه لينظر الي الاشياء بعمق وبهذه الروح المرحة أحري به أن يستحوذ علي عاطفتي. أتصور أن يصبح شخص كهذا صديقا وليس مجرد أحد المعارف الجدد المثيرين للاهتمام.
حين فتحت الباب، أصبت لوهلة بخيبة أمل، فقد بدا لي أشبه بالجدي منه بالغزال: حاجبان مقوسان، أنف طويل، شفة علوية طويلة، ولحية صغيرة مهذبة بدون شارب، ويحمل وجهه تعبيرا تهكميا، كان صغير الجسم صلبا، يرتدي حلة زرقاء أنيقة تقليدية الطراز، يبدو منديلا أبيض بارزا من جيبها العلوي، وقميصا أبيض وربطة عنق داكنة، بادلني التحية بأخري رسمية من خلف صحبة قرنفل ملفوفة في ورق رقيق. هو لم يدق الأرض بكعبيه أو ينحني، لكنني ما كنت لاتعجب ان فعل، وكنت قد هبطت الدرج مادة ذراعي وكلي استعداد أن ابكي وأصبح 'ها نحن نلتقي أخيرا'.
أدركت أنني بالغت في توقع صداقة بيننا لأنني كنت أعرف عنه اكثر مما يعرف عني فلقد قرأت كتابه، وفكرت أثناء صعودنا الي الطابق العلوي أنه سرعان ما سيسترخي.
كان مجاملا رصينا اذ عرفته علي الضيوف الآخرين، ثم التزم الصمت بعد ذلك مختارا أن يقف أو يجلس علي حافة المجموعة. وربما فضل أن يبقي خارجها لو أتاحت له مساحة الغرفة الفرصة لذلك. كان يشاهد ويستمع بإنتباه. فكان سريع الملاحظة والتصرف اذا ما احتاج احدهم أن يشعل سيجارة أو يتحرر من كأسه الفارغة. كانت حركاته هادئة ومقتصدة، بدا لي شخص حاذق رشيق واثق الخطي. لكن، هل كان ضجرا؟ كان جليا أن الاحاديث الصغيرة التي تتبادل في بداية الحفلات لا تثير اهتمامه، ما أثار اهتمامه أكثر كان مراقبة المتحدثين. وقد أبرزت عيناه البنيتان المنتبهتان تفاهة الأحاديث الدائرة.
بعد أن جلسنا الي المائدة قال أحدهم شيئا أثار اهتمامه، فتغير علي الفور التعبير التهكمي للوجه الاشبه بوجه الجدي. فبرقت العينان وأفسح الأسي مكانا للحياة. حكي لنا واقعة ترتبط بما قيل قبل قليل، وكان فكاهيا للغاية فأضحك الجميع. بدأ الحاضرون يسألونه عن ألمانيا وأبدي أحدهم اعجابه بصديق يهودي ذهب إلي هناك في رحلة عمل. فقال: 'لو أن هذا الصديق اليهودي تخفي في جلد مصري لبعض الوقت، لما فكر في الذهاب إلي هناك'. ثم حكي لنا أنه غالبا ما كان يتلقي تعليقات من الاشخاص الذين يعرفون أنه مصري من قبيل 'أنت تدرك اذا أن هتلر كان يعرف ما يفعل' مصحوبة بضربة كتف أو نظرة تواطؤ، كان مطلعا جيدا علي الاوضاع السياسي وكذلك الرأي العام في ألمانيا، كان يكره ألمانيا، لكنه لا يقلل من شأن الانجازات التي حققتها.
حين استفسر الحاضرون عن حياته في المنفي، لم يسع إلي اثارة شفقتنا عليه فكان واقعيا ومسليا ونافذ الصبر أحيانا، الجزء الذي ارتضي أن يشاركنا اياه من تجربته كان عبارة عن سلسلة من الحكايات عن الصعاب التي واجهها والطرق الحاذقة التي ابتدعها للتغلب علي صعوبات المعيشة ألف منها مادة شديدة الطرافة، حينما سألته، متذكرة أحداث روايته، عن مصر، أصبح أشد امتاعا لان الموضوع كان ممتعا للغاية بالنسبة إليه. تحدث عن أشياء يحبها وعن أشياء تثير جنونه، ولقد احتل الجمهور مرتبة ثانوية في قائمة أولوياته ­ وفي هذا تشابهت احاديثه مع كتابته.
لاحظت في منتصف العشاء أنه أبغض واحدة من المدعوين. كانت امرأة جميلة نشرت لها روايتين. ظننت أنه سيحب مقابلة كتاب آخرين كونه لا يلتقي حيث يقيم بمن يشاركونه اهتماماته، لكن ظني لم يكن في محله. كانت امرأة حاذقة، لكنها تعي وجودها وتري نفسها كواحدة تبذل الجهد الكبير حتي توفق بين متطلبات الفن الذي تمارسه ومتطلبات الحياة العادية.
أحيانا كنت أراها تغالي في التباهي بذلك الي حد يسيء
إ ليها، لكنها في هذه الامسية لم تظهر هذا الجانب بوضوح. لكنها عارضت الضيف المصري بحدة مرة أو مرتين حول موقفه من ألمانيا التي أخذت صفها. لكني اتصور أنها تضايقت من كونه استطاع أن يحتل مركز الاهتمام. بدا مهذبا معها، لكن سخريته المبطنة منها طفت إلي السطح في عدة مناسبات.
بعد العشاء حمل معي الصحون المتسخة الي المطبخ، وجلاها أثناء إعدادي القهوة. صدق حدثي إذا، ولقد تصرف كصديق قديم.
قلت له: انت شرير، ماذا تأخذ علي هذه المرأة المسكينة؟ دعها وشأنها فهي حقا لطيفة.
فقال لي: أنا متأكدأنها كذلك. لكني لا أطيق أن يتيه المرء بنفسه كونه كاتبا ولأن عليه أن يأخذ فنه علي محمل الجد وما إلي ذلك.
­ لكنك كاتبا وتأخذ ذلك علي محمل الجد.
­ أنا لست كاتبا. بدا لي مغتاظا وهو يقول ذلك.
­ ماذا تعني؟ بالطبع أنت كاتب، وكاتب جيد كذلك.
­ لو داخلني اعتقاد بانني أحاول أن 'اصنع أدبا' أو أن 'اكتب أدبا جميلا' لما كتبت كلمة أخري.
تذكرت مراسلاتنا عن كتابه وكيف كان يدرك تماما لما يريد ولماذا يريده علي هذا الشكل. كان مدركا لواقع ان اللغة الانجليزية لم تكن لغته الاصلية، ويوافق علي التعديلات التي نراها ضرورية. لكن، اذا ارتأي ان أبا من التعديلات المقترحة تخل بالمعني الذي ينشده ولو مثقال ذرة، كان يرفضها قطعيا. كل يفكر بعمق ويزن كل جملة من نثره الذي يبدو للقاريء عقوبا. في الواقع، كان يكتب بنفس الحرص ويبذل الجهد الذي تبذله تلك المرأة.
لكنني أدركت ما عني.
قلت: هي تحب أن تحمل مشعلا مقدسا، فأنفجرنا نحن الاثنين في الضحك.
لكنه قال: لا تقلقي سوف اذهب لأجلس الي جوار ذلك الرجل السمين في الطرف الآخر من الحجرة، فأنا استلطفه كثيرا.
قبل نهاية الأمسية، دعاه اثنان من الحاضرين لزيارتهما في المستقبل. لقد اخذوا في الواقع بسحره الغرائبي. كان بالنسبة لهما رجلا عاش حياة ما كان لهما أن يعيشاها، حياة مثيرة للاهتمام والتعاطف. لكن طريقته في النظر إلي هذه الحياة ما فتن أصدقاءه الجدد:
روحه الفكهة، استهانة الساخرة بالمصاعب التي تواجهه، خلوه من المرارة، وحبه الذي لا يهزم للحياة.
قاللي حبيبي ذات يوم 'لا اعتقد أنني قابلت في حياتي من يفوق هذا الشخص تألقا'.
وكان هذا الانطباع الذي يتركه أينما حل. شخص ينبع سلوكه الرفيع وأناقته من الداخل بحيث يصبح أقرب الي صفة أخلاقية وليس مجرد سلوك اجتماعي مكتسب.
ذهبت الي فراشي منتشية هذه الليلة. يمكن لامرأة في منتصف العمر أن تتعرف علي الكثيرين، لكن فرصة أن نتعرف علي شخص ما وتري امكانية أن يصبح جزء من حياتها لا تتكرر بسهولة كما في بداية الشباب. ولكن هذا ما حدث لي هذه الليلة.
بعد ذلك بخمسة أعوام قتل هذا الشخص نفسه في شقتي. ابتلع ستا وعشرين حبة منومة، ثم هاتف صديق. يتصور المرء ألا يخرج رد فعل من يعرف بهذه المأساة عن موقفين: المحبون سيتملكهم الرعب للتفكير في الفزع الذي لابد عاشه في لحظاته الاخيرة، اما العارفون فسيقولون انه بالتأكيد لم ينو أن يقتل نفسه. لكني اعتقد أن كلا الادراكين خاطيء. استنادا الي الرسالة التي تركها لي وإلي ما قاله الصديق الذي هاتفه عن الطريقة التي كان يتحدث بها، أقول انه كان بحاجة الي شاهد علي ما فعله. يكفي سوء أن يسقط المرء فريسة للكآبة حين يكون وحيدا، فجهل الآخرين بما يجري يجعل الباكي يبدو أحمق . وهو ما كان ليضيع ما أسماه في ملاحظته الاخيرة 'الفعل الحقيقي الوحيد في حياته' هباء.
كان ذلك سيبدو 'مضيعة رهيبة' لهذا الفعل. فمن الرهيب حقا أن يفعل المرء شيا بأهمية وضع نهاية لحياته بنفسه دون أن يعلم أحد بذلك. لقد هاتف هذا الصديق حتي يجعل من الفعل حقيقة.أ عتقد أ نه بكتابته لهذه الرواية وبانهائه حياته بتلك الطريقة فعل الشيئين الوحيدين اللذين يناسبان الشخص الذي بداه والذي كان ليصبحه لو تغيرت الظروف.

من كتب طه حسين إلي نوال السعداوي:
إهداءات علي الرصيف
شعبان يوسف
أصبحت الأرصفة مليئة بكتب الاهداءات، وهذا شيء محير للغاية، باعتبار أن الاهداء يحمل قيمة ما، وربما يشير الي علاقة تجمع بين طرفي الاهداء، صاحب الكتاب والمهدي اليه، ولكن أن يتخلص الأخير من الكتاب ليقع في يد آخرين فهذالا يعني بالضرورة أن أمرا ما تغير في العلاقة أو في النظرة الي المؤلف من الكاتب، فبعض الكتب قد تصل إلي يدي طرف ثالث بالاستعارة وبعضها يؤول إلي ورثة يتخلصون من المكتبات ، رحلة الكتاب إلي الرصيف يتناولها الشاعر شعبان يوسف في هذا المقال

منذ فترة طويلة كانت تشغلني فكرة وصول الكتاب القديم إلي تجار الكتب، خاصة الكتاب المهدي من كاتب إلي كاتب آخر، وبعد توافر عدد هائل ­ لدي ­ من هذه الكتب، راحت الفكرة تزعجني، وكتبت مرة مقالا عن هذه الظاهرة، وأظن أن غيري ­ بالتأكيد ­ سبقني في كتابة مثل هذا المقال، وأزعجني أكثر أن أجد أكثر من مرة أحد كتبي التي أهديتها الي أصدقاء، وكنت انظر الي 'إهدائي' وأنا أتميز غيظا، ثم تطورت نظرتي بعدذلك، للدرجة التي جعلتني أتغاضي عن الطريقة التي وصل بها الكتاب إلي تجار الكتب.
وليس من الضروري أن يكون الشخص المهدي اليه الكتاب قد تخلص منه ببيعه ­ مثلا ­ أو بإلقائه في سلة المهملات، أو أقرضه إلي أحد أصدقائه ونسيه فيما بعد، ولكن طرق ضياع الكتاب كثيرة، وبريئة أحيانا أخري، ولكن الذي راح يشغلني هو الاهداء ذاته، ورحت أقرأ عشرات الإهداءات علي الكتب من مبدعين مرموقين أو كبار الي مبدعين آخرين.
وعلي مدي عقود مختلفة، أحيانا يقوم الناشر بكتابة الإهداء، مثل هذا الإهداء الذي كتبه السيد/يوسف توما البستاني، الي أحد الوزراء، والكتاب عبارة عن مجموعة خطب سعد زغلول باشا الحديثة، وتهاني الشعراء بمقدمه من المنفي الاخير، وكان قد جمعه محمود فؤاد، يقول الإهداء: 'تقدمة إخلاص وولاء لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ فوزان السابق وزير المملكة العربية بمصر.. والتوقيع من ولدكم المخلص: يوسف توما البستاني.. الناشر، والكتاب مطبوع عام 1924 بمطبعة المقتطف والمقطم.
وهناك اهداء مقتضب كتبه الشاعر الراحل الكبير محمود حسن اسماعيل علي أول ديوان له، صدر عام 1935 إلي أحد النقاد يقول فيه: لهديتي الي الاديب الفاضل الاستاذ محمد عبدالغفور، وذيل الاهداء بتاريخ 3/1/1935، وأظنه كان من النسخ الاولي نللكتاب، والجدير بالذكر أن الشاعر كتب تذييلا نقديا يوضح فيه نظريته في الشعر، ومنهجه في كتابة القصيدة والدراسة كانت مذيلة بتاريخ ا يناير 1935!!
ولم يكن محمود حسن اسماعيل وحده يهدي ديوانه الأول إلي شخصيات مرموقة، ولكن ها هو الشاعر مصطفي بهجت بدوي، يهدي ديوانه الأول 'وجدا
حائر'.. الي 'فنان الجيل الأستاذ الكبير محمد عبدالوهاب.. أقدم مجموعة أشعاري الوجدانية مع خالص تحياتي وإعجابي وتقديري'.. ووقع ب 'ملازم أول.. مصطفي بهجت بدوي.. إدارة الشئون العامة 22/4/1948، وكان قد قدم الديوان: حضرة صاحب المعالي عبدالحميد بدوي باشا، والديوان مطبوع طباعة فخيمة، وقد انتقل مصطفي بدوي بعد ذلك إلي عالم الصحافة حتي أن صار رئيس تحرير جريدة الجمهورية لفترة طويلة.

إهداء الي الرقيب!
ومن الإهداءات المثيرة إهداء كتبه الكاتب السياسي الراحل 'أحمد بهاء الدين' إلي: 'الرقيب العزيز منير حافظ، الذي كان له فضل اختصار الكتاب ليظهر في هذا الحجم الرشيق'.. وذلك بتاريخ 14/2/1956، أي في مقتبل رئاسته لتحرير مجلة صباح الخير.
وكان الكتاب: 'شهر في روسيا' صادرا عن دار النديم، ويعتبر هذا الكتاب من أجمل ما كتب بهاء، وفيه يتحدث عن روسيا من الداخل، ويطلق عددا من الأفكار الجديدة أو السائدة التي كانت منتشرة ­ أنذاك ­ مثل قوله: 'إن روسيا لا تحكمها الوزارة التي يرأسها بولجانين، ولا الجيش الذي يقوده زوكوف، ولا الحزب الشيوعي الذي يتولي خروتشوف منصب سكرتيره العام.. ان روسيا تحكمها نظرية!'.. المهم هل كان بهاء صادقا في إهدائه إلي الرقيب.. وأريد أن أنوه علي أن منير حافظ، أصبح ­ فيما بعد ­ مديرا لمكتب شمس بدران.
وفي هذا السياق لابد أن أنوه عن كاتبين هما: محمود حسني العرابي، ومحمد عبدالله السجان، والاثنان كانا قائدين في الحزب الشيوعي الذي تأسس في عام 1924، وقبض عليهما، وتم تدمير الحزب، وتحول كل من هذين الكاتبين/ القائدين الي مصائر نقيضة تماما، فمحمود حسني العرابي، خرج وهرب الي ألمانيا، وأصبح أحد أبواقها في مصر، وكتب كتابا من ثلاثة أجزاء أسماه '89 شهرا في المنفي'.
ويحكي فيه قصة هروبه واقامته وعودته من المانيا، ويهدي هذا الكتاب قائلا : 'اهدي اليوميات للرجل الألمعي حضرة صاحب السعادة حسن باشا نشأت'.. 11/1/..1944 وحسن نشأت ­ لمن لا يعرف ­ كان سفير مصر في لندن، ويبذل مساعيه لإقناع الحكومة البريطانية أن من مصلحتها بقاء مصر علي الحياد، وكان ذلك في الأربعينيات، وكان نشأت أحد المقربين للملك فاروق.
أما تحول 'محمد عبدالله السمان' فقد كان اسلاميا، وكتب سلسلة مهمة عن تاريخ الاسلام في الاندلس، وأظنه قد انتمي إلي جماعة الأخوان المسلمين'.. وهذا الكتاب الذي بين يدي عنوانه: 'الاسلام حائر بين أهله' وهو مهدي إلي روح الشهيد الخالد حسن البنا، ويطلب من إدارة مجلة الدعوة، وهي مجلة لسان حال 'الاخوان.. ويكتب السمان اهداء بخط يده: 'للأخ الكريم الاستاذ كمال جمعة الغريب، مع خالص احترامي' بتاريخ 17/8/1950، وهذا الكتاب كان قد صودر في طبعته الأولي، أي في 10 يونيو 1950، ثم افرج عنه في 6 يوليو 1950، وهو من الكتب التي نحتاج إلي قراءة منفصلة ومفصلة.
فساد الأمكنة
وأتوقف عند اهداءين مثيرين الاول للكاتبة اللبنانية علوية صبح، علي روايتها 'دنيا'.. تقول في الاهداء: 'صاحبة السمو الملكي سمو الاميرة هند الفاسي زوجة صاحب السمو الملكي الامير تركي بن عبدالعزيز. لك كل الحب والتقدير والوفاء يا سمو أميرتنا العظيمة والجميلة والكريمة حماك الله من كل شر وادامك بكامل الصحة والسعادة والجمال.. المخلصة علوية صبح'.
وجاء الاهداء مذيلا ب تاريخ 12/11/2005 في القاهرة، رغم أن الكتاب الصادر عن دار الآداب كتب فيه: 'الطبعة الاولي عام 2006'
والرواية قدمتها الكاتبة بحديث فريق يقول: 'الناس نيام، فاذا ماتوا انتبهوا' وقد فازت الكاتبة بجائزة السلطان قابوس للابداع الادبي في ذات العام، وكانت هذه الرواية 'دنيا' مرشحة لنيل جائزة البوكر العربية، وفعلا تضمنتها قائمة الستة عشرة.. وكتب عن الرواية نقاد عرب كبار.
اما الاهداء الآخر فهو للكاتب الكبير صاحب 'فساد الامكنة' صبري موسي.. والاهداء الذي كتبه موسي علي روايته 'فساد الأمكنة'، الي أحد الفنانين العظام، يعتبر رد اعتبار كبير، وأحد الدروس المستفادة في كتابة الاهداء.. يقول موسي: 'إلي حسن فؤاد.. بعض ما كان منه، يعود اليه.. فما من فنان حقيقي في مصر، الا وتأثر به في فترة ما.. وتعلم منه شيئا.. انه صاحب 'الفن للحياة' في الواقع وعلي صفحات الصحف.. وأكثر من هذا قدرته الفذة علي التبني والتوجيه.. انه بحق.. أب روحي مناقض تماما لذلك الأب الروحي الشهير.. له مودتي الدائمة.. وحبي الدائم.
وهنا نتلمس أن الاهداء هو وجهة نظر.. وفكرة أيضا ومن الاهداءات الجميلة الاهداء الذي كتبه زكريا الحجاوي في 23/9/1946، علي أول اصداراته، وهي مسرحية عنوانها 'بجماليون' ولم أكن اعرف أن الحجاوي كتب للمسرح.. يقول الاهداء: 'الي الوحدة الانسانية التي لو أراد الله لكررها.. لما احتاجت البشرية الي سراديب القانون.. وعرائس الأديان الي صديقي الاستاذ الكبير 'محسن بك فهمي' مع خالص الحب والتقدير.
وهناك اهداء من الشاعرة اللبنانية سكنة العبدالله، علي ديوان شعر لها عنوانه مذكرات لاجئة.. واللافت للنظر انها تطلب من المهدي اليه وجهة نظره في الديوان.. يقول الاهداء: 'إلي الاديب الكبير والشاعر المبدع الاستاذ صلاح عبدالصبور المحترم مع الاحترام والتقدير.. مع الرجاء أن تعربوا لنا عن رأيكم في القصيدة ولكم الشكر 3/6/.1969
اهداءات العميد
ومن الاهداءات اللافتة للنظر اهداءات طه حسين المقتضية، والمختصرة فهو يهدي كتابه 'ألوان'.. 'إلي صديقي حسين مع أخلص التحية وأخلص الود.. أول نوفمبر 1952، ثم يذيل الاهداء بخاتمه الشهير الذي يحمل اسم طه حسين، ومن الكتاب المرموقين أيضا الدكتور لويس عوض الذي كتب اهداء لمسرحيته 'الراهب'.. والتي لم يعد نشرها فيما بعد، وقد نشرت في عام ..1961 ولدي نسختان: الاولي مهداة الي 'الزميل الكريم الاستاذ عبدالسميع.. مع أصدق تحياتي' وذلك في 27/12/..1961
أما النسخة الزخري فكانت: 'هدية للصديق الكريم كرم مطاوع مع أطيب تمنياتي وتقديري'.. وذلك كان في 16/3/.1967
ومن المعروف ­ بالطبع ­ أن عبدالسميع هو فنان الكاريكاتير الكبير وكرم مطاوع المخرج الكبير.. رحمهما الله.. والشيء بالشيء يذكر.. فقد عثرت علي ثلاث نسخ من مسرحية 'الخليفة' من تأليف الكاتب والصديق عبدالغني داوود.. الاولي مهداة الي 'المخرج الفنان العزيز سمير حسني حبا وتقديرا' والثانية الي: 'المخرج والفنان المبدع هاشم النحاس حبا وتقديرا'.. أما النسخة الثالثة فهي الي 'الفنانة الرقيقة الشرسة الدكتورة كريمة الحفناوي.. تحية التقدير والاعزاز' ولفت نظري اهداء كتبه الراحل الكبير غالي شكري يقول فيه: 'للصديق العزيز أنور كامل، بتقديم عميق لنقده ما اكتب ، فانه يشعرني بمسئولية أكبر.. المخلص غالي شكري' في 21/8/1967، وجاء الاهداء علي كتاب: 'المنتمي في أدب نجيب محفوظ' المنشور عام .1964
ولفت نظري أيضا اهداء كتبه الشاعر الكبير الراحل عبدالوهاب البياتي، عندما كانت القاهرة وطنه.. لديوانه 'النار والكلمات'.. إلي : 'أخي الكاتب الكبير الاستاذ كامل زهيري مع تقديري واحترامي.. القاهرة 23/1/1965' ثم اهداء آخر علي مجموعة: 'في الدرجة الثامنة' لكاتب نسيته الحياة الادبية، رغم أهميته، وهو صلاح الدين ذهني، وهو أحد منشئي نادي القصة في مطالع الخمسينيات والإهداء إلي 'الاستاذ ابراهيم جاد الحق.. مع تحياتي'.. وكان الاهداء في 8/10/1935، رغم أن توفيق الحكيم كتب مقدمة مذيلة بتاريخ 26/10/..1935 جاء في المقدمة : 'انك ان كنت اديبا حقا فانك سائر في الطريق حتما إلي أن تصل دون أن يستوقفك نبح نابح ولا تغريد طائر.. فان كيان الأديب الحق.. ككل شيء حق.. لا يمكن أن يقوم علي ألفاظ مادح، ولا أن ينهدم لكلمات فادح'.
ولفت نظري أيضا اهداء للقائدة الاسلامية ­ رحمها الله ­ زينب الغزالي الحبيلي لكتابها 'نحو بعث جديد' تقول فيه: 'لبنتنا سميحة عبدالعظيم مع أطيب دعواتي بالتوفيق' 'ثم بالتوقيع في أول رجب ..1414 ومن الابداعات الاولي المهداة إلي آخرين.. المجموعة القصصية : 'تعلمت الجد' للدكتورة نوال السعداوي.. تهديها إلي : 'الاستاذ الكبير الدكتور أديب جرجس.. مع تحياتي' في 6/5/..1961 ثم رواية 'تلك الرائحة' طبعتها الاولي الصادرة.. مهداة الي: 'خير صاحب الصديق العزيز علي نجيب.. مع تحياتي وتقديري' في 30/1/.1966
الرقص في الزحمة
وهناك الديوان الأول لبهاء جاهين: 'الرقص في زحمة المرور' وقدم له د.محمد عناني، والديوان مهدي إلي: 'الأديب الفنان الكبير الأستاذ سعدالدين وهبة'. وهناك إهداء من محمد عودة إلي 'محمد رضا.. فنان عظيم من قلب وشعب مصر'.. وذلك علي كتابه 'سبعة باشاوات'.
أما رواية 'الباب' لنبيل نعوم جورجي، ويهديها إلي: 'الصديق جرانت في رحلة مشتركة'.. وهناك اهداءات لادوار الخراط: أولها: 'للاستاذة أليفة رفعت.. مع كل التقدير والاعجاب والتحية الصادقة.. وذلك علي روايته 'الزمن الآخر'.. والثاني إلي : 'الشاعر البديع الصديق المحبوب جمال القصاص.. حتي 'تغمض عينيك لا خمس ثوان ولا أبدا.. مع محبتي' والثالث وذلك علي ديوانه: ' سبع سحابات.. دانتيلا السماء' والثالث علي روايته 'حريق الاخيلة' الي: 'الكاتب والصديق محمد البساطي محبتي وتقديري، وآخر ما أختم به اهداء كتبه الصديق والناقد السينمائي المبدع محمود قاسم لروايته الاولي 'لماذا'.. يهديها: 'إلي استاذي الفاضل: يعقوب وهبي أرجو أن تقرأ روايتي.. أرجو أن تعجبك أرجو أن تنتقدني.. مع تحياتي.. محمود قاسم.. 27 شارع الفهد ­ كرموز ­ اسكندرية.. وأكرر أخيرا.. لم تعد الطريقة التي وصل بها الكتاب الي التاجر هي التي تلفتني.. ولكن الاهداء ذاته هو الذي أصبح يدهشني.. وأمامي عشرات الاهداءات التي سأدخرها لمقال آخر ­ إن شاء الله ..

بعد أربعة أيام من البحث عن دمشق و الثقافة
المدن بأهلها .. لا بمبانيها
رسالة دمشق :محمد شعير
ما سر الولع بدمشق؟
هذا السؤال كان محورا للندوة الدولية ( الثقافة والمدينة: دمشق نموذجا) التي أقيمت الأسبوع الماضي بالعاصمة السورية في إطار احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، وحاول أن يجيب علي السؤال أكثر من عشرين باحثا ومبدعا قدموا مداخلات تنوعت بين البحث التاريخي والقراءة النقدية رصدت علاقات المدينة بثقافتها.
الندوة افتتحتها الدكتورة حنان قصاب الأمينة العامة للاحتفالية ، واكدت في كلمتها ان الحياة الثقافية ارتبطت بالمدينة بصفتها فضاء يصنعه الانسان وكانت امكنة التواصل والحوار هي التي ترتبط بها كل الحركات الثقافية والفكرية. واضافت قصاب حسن أن دمشق التي اعتبرناها انموذجا في هذا المؤتمر هي دائما بأمكنتها وساحاتها ومقاهيها مكان لهذا التفاعل الثقافي مشيرة إلي أن دمشق عرفت عبر تاريخها حركة ثقافية صاعدة احيانا وهابطة احيانا اخري لكنها ظلت محافظة علي مكانتها في قلب العالم. وقالت قصاب حسن إننا اليوم امام تحديات كثيرة فما بين الخوف والمزج الثقافي والانكفاء علي الذات وما بين الانفتاح علي العالم شعرة يجب الا تنقطع لأننا اذا ما وصلنا الي هذا الانكفاء فهذا يعني اننا اغلقنا ابوابنا الي الابد مضيفة اننا يجب ان نكون واثقين من حضارتنا وهويتنا وثقافتنا لنقول لكل من يأتي من العالم أهلا يمكن ان نطلق الحوار معكم نتعلم منكم ونعلمكم لأن الثقافة هي أخذ و رد.
الدكتور جمال شحيد المنظم العلمي للمؤتمر بدأ حديثه بالسؤال: هل حافظت دمشق علي ذاكرتها بأمانة، وهل الذاكرة الدمشقية هي ذاكرة منغلقة أم منفتحة علي الآخر؟ وهل هي ذاكرة تسجيلية أم تحليلية، مدينة قيد التطور أم التكلس؟. ودعا في كلمته الي :¢ ضرورة اجراء مسح لمؤسسات الثقافة الناشطة في دمشق من دور سينما ومكتبات عامة واندية ثقافية ومسارح ومعارض ومكتبات لبيع الكتب واندية ثقافية ومراكز ثقافية سورية واجنبية ومطابع ودور نشر ومعارض فنية وحفلات موسيقية وأمسيات شعرية ومسرحيات ومؤتمرات ثقافية وعلمية وندوات ومحاضرات هذا اضافة الي المؤسسات الثقافية والتعليمية من مراكز ابحاث وجامعات ومدارس ومعاهد.
وعبر أربعة جلسات استعرض المشاركون في المؤتمر المحاور الأربعة التي دارت حولها النقاشات ، محاولين تسليط الضوء علي دور المدينة في صنع الثقافة بكافة أطيافها، مع التركيز علي المتغيرات الثقافية حسب الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري، أو تناول البعد التاريخي للمدينة باعتبارها مركز إشعاع ثقافي وفكري هام.
الدكتور كمال أبو ديب قدم شهادة مهمة بعنوان 'المدينة وثقافة ما بعد الحداثة' أشار فيها إلي أنٌ المدينة كانت في مرحلة الحداثة موقعا تشكٌلت فيه الحداثة، وتمسرحت عليه، بوصفه 'بوتقة' تنصهر فيها عناصر متباينة، لتنتج سبيكة متجانسة تمثٌل ولعا بجماليات الوحدة. لكن مرحلة ما بعد الحداثة حوٌلت المدينة إلي أيقونة تجسٌد التنوع والتباين والاختلاف في الثقافة، وتولٌد 'جمالية التجاور'، من دون أن تسعي قوة مركزية فيها إلي صهر الثقافات المتعددة في سبيكة واحدة. بل إنٌ كل القوي فيها تحتفي بوجودها المتميز وخصوصياتها، وتدخل في علاقات معقٌدة بعضها مع بعض. ورأي أبو ديب أنٌ عواصم الثقافة العربية التقليدية، مثل دمشق والقاهرة وبغداد، فقدت موقعها لمصلحة مدن الأطراف، ما جعل هذه المدن تعيش حقبة انهيار وتفتٌت بسبب القبضة الواحدة التي تتحكم بالقرار الثقافي.
الكاتب وليد إخلاصي أشار في مداخلته ¢المدينة سلطة تصنع الثقافة¢ إلي إن المجتمع الريفي يشكل حالة متقدمة من التطور الإنساني عبر التاريخ والذي دفع بالمجتمعات البشرية إلي المرور بأطوار حملت تسميات متعددة. المدينة تحولت إلي نقطة جذب متواصل للريف ما يؤدي أحيانا إلي اختلال توازن المجتمعات الإنسانية فلا تحتمل ضعفا في وجود الريف أو زواله كما لا تقبل سطوته علي جانب من حياة المدينة. وانتهي إخلاصي إلي أن هذا العصر يشهد تمازجا بين ثقافة الريف وثقافة المدينة في العالم فنجد أن الريف يأخذ من المدينة والعكس هو الصحيح وهذا يعني أن المجتمعات الزراعية الصافية باتت حالة نادرة وأن معظم المدن قد اختلط حضوره مع قيمها متأثرا بمفاهيم المجتمعات الزراعية والإقرار بأن المدينة حالة من التطور مرت حكما بالريف سيؤكد علي ذلك الاختلاط.
وفي مداخلته ¢المدينة وثقافة المواطنة¢ تحدث الناقد حسان عباس عن علاقة المواطن بالفضاء البشري والعمراني المحيط به والتي دعاها ¢الكياسة¢ واعتبرها احدي المكونات الاساسية للثقافة. وأشار إيضا وجود ¢ إزدواجية في واقع دمشق بين كياسة متركزة في الخطاب وعنف في الافعال¢ مشيرا الي بعض المظاهر ومنها ¢المغالاة في ابراز الهوية الدينية¢ و¢التعامل مع الحيز العام كملك شخصي¢.
وتحدث الناقد عبد الله ابراهيم في مداخلته بعنوان السرد والمدينة المستعادة بوصفها يوتوبيا مفقودة ..ومعرفا المنفي بأنه الانسان المنشطر بين حال من الحنين الهوسي الي المكان الاول وعدم القدرة علي اتخاذ القرار بالعودة اليه وينتج هذا الوضع احساسا مفرطا بالشقاء لايدركه إلا المنفيون.. ويؤكد إبراهيم : ¢ من هنا يتبين أن أدب المنفي مزيج من الاغتراب والنفور المركب كونه نتاجا لوهم الانتماء المزدوج الي هويتين أو أكثر وفي الوقت نفسه عدم الانتماء لأي من ذلك.
ورغم عدم حضورها للاحتفالية إلا أن الكاتبة الشهيرة غادة السمان أرسلت شهادة حول علاقتها بدمشق : ¢غادرت مسقط قلبي فأقامت مدينتي الأم في حرفي وسبحت في الدورة الدموية لأبجديتي جنبا الي جنب مع بيروت المدينة التي احتضنت حرفي ودللته حين رحلت إليها اثر شجار العشاق بيني وبين دمشق قبل ألف عام¢. وتحت عنوان : 'الفسيفساء الدمشقية ' تناول الروائي نبيل سليمان اربع عشرة رواية تناولت دمشق كتبها قادمون اليها او مقيمون ، وقد لا حظ سليمان أن هناك أربعة مستويات لرؤية المدينة تستند اليها هذه الروايات هي دمشق النوستالجيا اي الحنين الي دمشق العتيقة كتعويض عن دمشق التي تشوهت بالعمران وفقدان الخصوصية، ثم هناك دمشق القاع التي تحدثت عن الشرائح الاجتماعية التي قدمت الي دمشق وسكنت قاعها، وهنا كانت دمشق تارة حضنا وطورا فكا مفترسا، وينتهي سليمان الي ان دمشق هي الفسيفساء سواء روائيا او واقعا الغنية بهذه النظرة الي مكوناتها كافة غير ان دمشق الرواية الحقيقة برأي نبيل سليمان لاتزال مؤجلة ولم تأت بعد.
وحول مدن الآخرين تحدث الدكتور محمد شاهين بالجامعة الأردنية حول صورة دبلن لدي جيمس جويس في 'يوليسيس'... حيث تعامل جويس مع المدينة وكأنها بنية تحتية معطلة يفعلها ويشيد بنيتها الفوقية معا بنسيج لغوي يبدو لأول وهلة وكأنه انشقاق عن واقع البنية التحتية ولكنه ليس إنشقاقا كاملا¢. أما الكاتبة سحر خليفة فتحدثت عن القدس مكان عذابات المسيح، ومدائن تنتج الماضي في الحاضر عبر الحنين إلي مكان مفتقد ومنهوب ¢لكن الخطيئة الجماعية لا تنفي أوزار الفرد¢. كما يرصد فيصل دراج علاقة بودلير بمدينة باريس عبر جدل البناء والهدم، فجاءت في قصائده مرآة للعابر والمتلاشي وسط الجموع. وهذا ما قاد فالتر بنيامين إلي قراءة بودلير عبر صورة المتسكع الذي يمشي حرا بين جموع لا تعرفه في مدينة مصنوعة من الفولاذ، وتغص بالسلع. ويخلص دراج إلي أن حداثة المدن ليست في مبانيها لأن ذلك شئ سطحي وإنما تكون الحداثة في أهل المدن.

النقاد والفنانون اختلفوا حول أهمية وجودها وتأثيرها:
كريستي.. الفن المصري في السوق العالمية
ثلاثة اشكال خطية لسورة يس <br> للفنان احمد مصطفي بيعت <br>ب 421   الف دولار في مزاد كريستي الأخير
ثلاثة اشكال خطية لسورة يس
للفنان احمد مصطفي بيعت
ب 421 الف دولار في مزاد كريستي الأخير
حسن عبد الموجود
خلقت صالة كريستي للمزادات حالة من الجدل داخل حركة الفن التشكيلي في مصر..
هناك من يري أنها أعادت تقديم فنانين بعد أن رفعت أسعارهم، غير أن هناك من يري أن ذلك ظلم آخرين في الداخل لا يستطيعون رفع أسعارهم مع أنهم ينتمون إلي الجيل نفسه لفناني المزاد!
وبالطبع لم يخل الأمر من اشارات حول أن العرض في ¢كريستي¢ يحتاج إلي شبكة علاقات واسعة ووسطاء وتخل عن المحلية و........
التحقيق التالي يرصد تأثير ¢كريستي¢علي الفن المصري.
يري الفنان والناقد التشكيلي عز الدين نجيب أن كريستي ترسخ حالة من الرواج الزائف الذي تصنعه العولمة في المجال الثقافي اعتمادا علي صعود طبقة أثرياء النفط والبيزنس بعيدا عن مرتكزات التراث والحضارة الخاصة بالشعوب، كما أنها تغيٌب الطرف الأحق بالثقافة والفن وهو الجمهور الذي كان من الأساس غائبا عن معادلة الحركة الفنية والثقافية فازداد بذلك اغترابا وازداد الفن عزلة، وينطبق ذلك علي من حقق ثراء فاحشا وشهرة من خلال قاعات مثل كريستي لأن القضية لا تختزل في تحقيق ربح وشهرة إعلامية بقدر ما تكمن أهميتها في وصول رسالة الفنان إلي الحمهور والإنسانية! ويقول: وما نراه الآن مجرد استثمار لفئة من الوسطاء يقومون بالترويج لعدد من الفنانين الباحثين عن الشهرة والمال حتي وإن كانوا يرفعون في وقت من الأوقات شعارات الارتباط برسالة وجماهير وتقدمية ومناهضة الرأسمالية، الواقع يقول أنهم تحولوا إلي أدوات في أيدي الرأسمالية، وشطبوا علي أي رصيد سابق لهم يوحي بالارتباط بالقضايا الوطنية والاشتراكية، وقد سمعنا في الآونة الأخيرة داخل مصر كلاما عن إنشاء بورصة للفنون وهذا في رأيي محاولة للرد علي بورصة الإمارات ¢كريستي¢، وهذا الكلام لا يخرج عن الفلسفة ذاتها التي ترسخ لسياسة العرض والطلب الرأسمالية لفئة من المتربحين بالفن، السياسة التي تفرض إرادة السوق أكثر من معايير القيمة، وهكذا يصبح غريبا جدا أن تتدني أسعار فنانين مصريين حقيقيين في الداخل لأنهم خارج منظومة السوق الرأسمالية عبر قنوات كريستي وغيرها..
ويضيف: وأظن أن ذلك قد ينجح لفترة محدودة لكن معايير الفن الحقيقي لا بد أن تفرض نفسها في النهاية بحكم المتغيرات التي لا مفر منها علي مستوي الثقافات والشعوب..
ولنا أن نلاحظ أن إقبال رجال الأعمال والفئة التي تدفع مبالغ خيالية في لوحات الفن التشكيلي لا يكون عن اقتناع كامل بأهمية هذه اللوحات، ولكنهم يتحركون وفق رغبة في الاستثمار فهم يدركون أن قيمتها تتضاعف بمرور الوقت أعلي من أي سلعة أخري، وهناك دائما مفارقة بين من يملك المال ولا يملك الثقافة من جانب وبين من يملك الثقافة ولا يملك المال من جانب آخر، وهذه المفارقة زادت حدتها في الآونة الأخيرة، ولكن هذا ليس مؤشرا علي استدامتها لأنه ستأتي اللحظة التي تنكشف فيها القيم الحقيقية المرتبطة بعوامل الثقافة الأصيلة لا المعايير الغريبة التي يفرضها السوق!
المنطق تغير
الناقد كمال جويلي له وجهة نظر مختلفة، فهو يري أن هناك إيجابيات تحدث في مجال الفن التشكيلي بعد افتتاح كريستي، ومنها زيادة أسعار الفنانين، فالذين لم يعرضوا في كريستي قد يرون أنهم ليسوا أقل من نظرائهم الذين باعوا في مزاداتها، وبالتالي يرفعون أسعار لوحاتهم وهذا حقهم الأصيل..
وقال: بصراحة المنطق تغير في السنوات الأخيرة، والأسعار التي تبيع بها كريستي ليست غريبة علينا، فهناك جاليريهات داخل مصر تبيع بأسعار كبيرة جدا، هناك سيدة لبنانية تملك قاعة ¢الزمالك¢ تبيع اللوحات لأمراء ومشايخ، وقد استطاعت أن تبيع في السنوات الأخيرة لوحات بخمسة ملايين جنيه، ومن ضمن ما باعته أربع لوحات للفنان فاروق حسني بمبلغ مليون ونصف المليون جنيه، وهي ماهرة جدا في التسويق وقد سمعت أن حامد عويس باع لوحة بمبلغ بسيط في جاليري آخر فطلبت منه التراجع في بيع اللوحة ثم باعتها بأضعاف السعر الأول..
ويقول: ما أريد التأكيد عليه أن الأسعار في العالم أصبحت هكذا ونحن لا نستطيع أن ننفصل عن السوق..
­ ولا يري جويلي مشكلة في أن يكون مشترو اللوحات هم أثرياء النفط ورجال الأعمال لا الجمهور الحقيقي:
­ ليست هناك مشكلة، فالأسعار ليست واحدة، فكما أن هناك لوحة بمليون جنيه هناك أخري بعشرة آلاف وأقل أيضا، لا بد من تغيير النظرة إلي الأعمال الفنية، في أوروبا مثلا تباع اللوحة بالسنتيمتر المكعب، بمعني أن لوحة مساحتها مائة سم وسعر السم مائة دولار يكون سعر اللوحة مائة ألف دولار!
أصل المشكلة
الفنان إبراهيم الدسوقي فهمي تحدث عن التصنيف الجديد لمزادات صالات العرض الكبري: للأسف الشديد لو أنك نظرت إلي الكتالوجات ستجد أن أسعار الفنانين المصريين هي الأقل، أصبحنا أقل حتي من الخلايجة والإيرانيين..
وتابع: وللأسف أيضا أصبحت قيمة الحركة التشكيلية في مصر والوطن العربي وأسعارها تستمد من دبي، كنا نسمع عن أشخاص ذهبوا للعمل في الخليج من أجل المال، ولكن الجديد أن نذهب إلي الخليج لنستمد قيمتنا التشكيلية، وما يحدث الآن تشابك مصالح جاليريهات وفنانين ووسطاء، هناك أعمال رديئة تباع بمبالغ خيالية وهذا عجيب، ومع هذا أقول أن القضية ليست في المبالغ، ولكن في تراجع دور مصر وفنانيها، وحينما نتحدث عن كريستي فلا بد من القول أننا نتحدث عن عملية بيع وشراء لا تقييم فني، وهذه عملية أقرب إلي المضاربة!
الجودة والابتذال
الفنان عادل السيوي شارك في مزاد كريستي أكثر من مرة، ولهذا فإننا حرصنا علي استطلاع رأيه في الكلام الذي يدور بساحة الفن التشكيلي ويعتبر أن وجود كريستي يسم هذه الساحة بسمات السوق الحقيقي، وأيضا عن الفوارق التي تصنعها بين فناني الداخل والخارج.
السيوي تحدث في البداية عن فكرة السوق نظريا حتي يخلص إلي نتيجة أنه لا يصح أن نتحدث عن السوق باعتباره مبتذلا: في فترة عصر النهضة الأوروبية نمت البرجوازية التجارية وفككت التجارة، كما فصلت اللوحة عن العمارة، لتصبح اللوحة قيمة في حد ذاتها، قيمة يمكن أن تنتقل مع السفن وتعرض في أماكن أخري من العالم ويشاهدها جمهور آخر..
ثم تحدث عن شراسة السوق التي صنعتها العولمة وقال: الفنانون التشكيليون آخر من انجروا للتفاعل مع العولمة، وتساءل: لو دخلنا سوق الفن تري كيف تباع منتجات الروح، الشعر والموسيقي واللوحة؟
وأجاب علي سؤاله بنفسه: التصور الأكثر طهرانية أنه لا بد من فصل منتجات الروح عن السوق، ولكن الحقيقة أن السوق يتسع لتدويل كل شيء بما فيه المنتج المقدس والسوق الفني والكائنات المهددة بالانقراض!
ويضيف:المشكلة كيف يتم تقييم عمل فني وتحديد سعر له؟ ولكننا عموما سنجد مشتركات بين العمل الفني وأي منتج آخر، مثل الندرة فعبد الهادي الجزار مثلا رسم حوالي عشرين عملا فقط، ولهذا فإن أسعاره أعلي من آخرين، وأيضا الجودة التي يقرها نقاد وعلماء جمال ومؤرخون، ولهذا فإن العمل الفني لا ينفصل عن منطق السوق..
ولكن التغيرات الأخيرة تحدث في وقت حدثت به كبوة شديدة للطبقة الوسطي التي لم تستطع أن تكمل مشوارها وكان آخر شيء فعلته للفن حينما اشتري محمود خليل أعمال التأثيريين وقرر عرضها في متحف لعامة الشعب، والآن المركز المهيأ هو دبي ولكن هناك مشكلة، أنه لا يملك مشروع تراكم خبرة ثقافية، بالتالي لا يوجد لديه منتج أو مستقبل للوحة، ولهذا أيضا تظل الظاهرة مالية لا ثقافية..كما أن الظاهرة لها سلبيات منها، أنه يتم إنتاج أعمال تخضع لقياسات وشروط العين الخارجية وبالتالي يصبح هناك ميل للحروفية والتجريدية وإضافة عناصر إسلامية ومحلية حتي لا يتم الاصطدام بذوق المشترين، وأيضا الاتجاه المتزايد للحاق بالظاهرة، وقد أخبرني صديقي عمر أميرلاي أن هناك فنانا سوريا يحضٌر ألفي لوحة!!
ويضيف: كما أصبح هناك اهتمام بالفنان الخليجي علي خلفية المزايدة،وغياب لعناصر التقييم الفنية، ولكن هناك إيجابيات أيضا: أن الظاهرة ستخلص المنتج المحلي من عناصر الترهل، وستجعل الفنان يستقل اقتصاديا، كما أن هناك أسماء انكشفت حينما عرضت أعمالها بدون الغطاء الوظيفي، فالياباني لن يعنيه أحمد نوار، أو أحمد فؤاد سليم..
بالنسبة إليه يقول أته استفاد قطعا، وهناك ثلاث جهات تريد أن تطبع عنه كتبا الآن بعد أن كانت ترفض!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: