|
|
| السنة - | 776 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 19 | - م | 2008 | مايو | من | 25 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:56:34 AM |
 |
الساعة - |
 |
5/24/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
الرسائل عادة لاتذكر الموتي
فتحي عبد الله القاهرة
وحوش الثلج
رعب تسلل إلي الأطراف
كوحوش الثلج
وانا أسمع الدقات
علي الأبواب
والأواني
ربما هربوا
دون أن يتركوا رسالة
لحامل المفاتيح
او قطعوا علي أنفسهم
أن يمثلوا
في أوقات الراحة
وقد ارتابوا
في الخطوات الثقيلة
علي السلم
فمن سمع أقدامهم
في الممرات
وهبط وحده
إلي الملاك
دون أن يخلع السلاسل؟
لاتملأوا قميصه بالزفير
يخاف من الحناء
في الصباح
وأكملوا الضحكات
إنه هارب من
البراري
والأحراش
وله طيور تسمع
أنيته في الليل
وفي جبال الله من يحملون
له الكرز
أو يغمرون روحه
بالعطور
فهل أخذه الطيبون
إلي الممالك
ربما..
حتي ترجع الشمس إلي
حجرته الصغيرة
ليلة الدرويش
لاشك
إنه
يفرح بالليل
ويقطع بأن أصدقاءه
يطمئنون أكثر من
اللازم
دون أن يتذكروا
قاطعي الطريق
أو الذين يهبطون
عرايا
من القطارات
فمن يحفظ أرواحهم
من الهلاك
في ليلة الدرويش
بعد أن خلعوا ملابسهم
وطافوا بالكؤوس
والأبواب لاتفتح
لهم
وأي المقتولين أراد
ان يحمل جثته
لصاحب الأزهار
لاخبز عنده
ولامحاربين بأحزمة
سوداء
يكفي أنه يقوم
اليوم كله
في السماع
المنبوذون خطفوا ثيابه
من السلال
وفرحوا أكثر بالمعاطف
الثقيلة
ليتبعوا المغني
من حلقة
إلي أخري
في انتظار الإشارة
بالدخول
حدث أن قبضوا
علي روحه
يضحك كثيرا
في الشوارع
ولايحمل الصندوق
إلا مرة واحدة
في العام
حدث أن قبضوا علي
روحه
ولم يهرب
فقد سمعوا بكاءه
في المقابر
او نداءه علي الله
أمام الكعبة
وفي الحروب الأخيرة
كان يملأ الدلاء
بالمياه
ويضحك من حرارة
الأطراف المقطوعة
كأنه مجنون
أو تزوره الأشباح
والمسدسات
في الخفاء
فلا يستطيع أن يخلع
قميصه
وربما ينزل إلي قاع
البحيرة
دون أن يلمس
الأسماك
وأحيانا يطمئن إلي
الطيور السوداء
ويقضي يومه
في السفينة
كقبطان
عزله الجذام
ويصرخ في الليل
من العظام التي تنام تحت السرير
|
|
|
أحر من الجمر
عمار علي حسن القاهرة
هبت من نومها مذعورة، فولت بقايا الليل الراقدة علي جفنيها هاربة من النافذة المفتوحة علي خيوط رمادية، لفجر يأتي علي مهل. وارتسمت هناك في البعيد الأسود ألسنة من نار وهالات من نور، تابعتها العجوز بعينين زائغتين في خوف ولهفة، دون أن تدري إن كانت لا تزال تصارع الكابوس الذي باغت نومها اللين، أم تعيش لحظة يقظة قاسية، لم تمر يوما بخاطرها.
كانت رأسها مستسلمة لسنة من نوم، لم تلبث أن أخذتها إلي عالم الغيب، إلي الموت الأصغر، فضاعت الأمكنة، وتجمد الزمن عند لحظة الإغفاءة الهادئة. لكن الهدوء لم يلبث أن تحول فجأة إلي صخب هادر، لا تدري إن كان رعدا يصخب في السماء، أم صوت أزيز زاعق رج الدنيا، وانفتحت بعده أبواب جهنم. نار في نار، وحمم تمرق في الفضاء، وبساط من لهب يمتد حتي نهاية المدي، وصراخ أدميين، يستغيثون ولا مجيب، وفي أعماق الجمرة العملاقة، رأته يضحك باطمئنان لم تلمحه في عينيه أبدا، لوح لها بيديه، ثم غاب في القيعان البعيدة، وحين استقر في آخر نقطة بوسع عينيها أن تراها، صرخت بكل ما أوتيت من عزم:
يا علي....
ومدت يديها إليه، لكنه كان قد تلاشي تماما في بحار من دم ونار، فشقت الليل بصراخ خلع رأسها من الوسادة اللينة، فانتفضت جالسة، عرقها يتصبب، وصدرها يفور، وشفتاها مقددتان.
وراحت تتمتم في سرها بتسابيح وتعاويذ، ثم نادت بصوت خفيض مبحوح:
يا عبد القادر.
لكنه لم يكن نائما جوارها. كعادته خرج في قلب الليل، يهش اللصوص الطامعين عن قريته الغافية. في الماضي كان هذا من صميم عمله كخفير نظامي، ترقي لكفاءته حتي وصل إلي شيخ خفر، لكنه لم ينس بعد تقاعده، وتسليمه البندقية الميري، هذه العادة الليلية، مستخدما بندقيته الخاصة المرخصة له بحكم كونه من أصحاب الأملاك، وهو ما ميزه طيلة حياته عن زملائه من الخفر، الذين كانوا لا يملكون من حطام الدنيا سوي رواتبهم الضئيلة.
وكان عبد القادر يجد متعة في ممارسة هذا الدور الذي أضفي عليه مهابة واحتراما، مطمئنا إلي عافية فتية، جعلته وهو فوق الستين أصح من شباب يافعين. وتعلم علي من أبيه كيف يدافع عن قريته النائمة، وكيف يعشق السهر والمغامرة، فيترك فراشه ليال كثيرة خاليا.
أسندت رأسها إلي الوسادة وساحت في العوالم الحمراء والصفراء والسوداء للكابوس بقلب مرتجف. مدت يدها إلي كوب الماء الذي تحرص كل ليلة علي وضعه بجوار سريرها ورشفت منه قطرات لم تبلل ريقها الجاف، ولا رطبت خلاياها المشتعلة بالوجل والرجاء. وأحست بشيء يقبض علي صدرها، فقامت تتحسس طريقها إلي عتبة الدار الكبيرة. فتحت الباب فتدفقت النسائم الطرية، وأطفأت خيط نور واهن مرتعش، ينبعث من لمبة الجاز المعلقة علي جدار الصالة، فغشيتها العتمة الشفيفة، ولفها سكون وجلال ساعة السحر ، فقالت في سرها:
اللهم اجعله خيرا.
وتشابكت خيوط النور في ناظريها، وهي تتابع انبلاج الصبح من رحم الليل، وانطلق صياح الديكة من أسطح المنازل، فكسر الصمت، وجاءها نديا من بعيد صوت الشيخ حسن مؤذنا للصلاة، فلانت في قلبها الدنيا، وانكمش الخوف، وسري في عروقها اطمئنان كبير حين تناهت إلي سمعها نحنحات عبد القادر. ثم خلص من الفضاء الرمادي جسد فارع يأتي علي مهل. فلما صار علي بعد خطوات منها سألته في لهفة:
ألم تر علي؟.
فزفر في ضيق وقال:
ابنك لم يعد طفلا، حتي تخافي عليه.
فمصمصت شفتيها وقالت:
قلب الأم.
فمد يده الكبيرة، وربت كتفها وقال:
تعالي نصلي الصبح.
وأغلقا الباب علي نسمة سارية، فحولت طريقها إلي الشارع الجانبي، الذي ينتهي هناك إلي أول الزراعات الممتدة حتي شاطئ النيل، الشارع الذي يقطعه علي في طريق عودته من مغامرات الليل، ضاربا بقدمه الكلاب المستكينة، المتواطئة مع اللصوص، فتهب مستغرقة في نباح طويل، كلما سمعته الأم قالت بصوت مسموع، لنفسها ولزوجها:
جاء علي.
الليلة كانت مختلفة، انزاحت الأردية الرمادية عن شمس صبوحة، ملأت الدنيا نورا، وخرج الفلاحون من دورهم الواطئة الرطبة، يسوقون بهائمهم إلي الحقول، واستكانت كلاب الليل الساهرة منكمشة بجانب الجدران، بعيون نصف مفتوحة، وارتفعت أصوات النسوة الساعيات إلي الترعة لغسل ملابس مشبعة بالعرق والتراب، وجاء صوت رفاعي زاعقا كعادته:
العيش السخن.
وكالعادة أيضا زفه العيال الذاهبون إلي مدارسهم ببطون خاوية. أحاطوه بأجسادهم الصغيرة، وقالوا في صوت جماعي يا رفاعي يا بتاع العيش ... خدنا معاك ودينا الجيش، وراح هو يضحك كاشفا عن أسنان سوداء متآكلة، ويضرب حماره ليخترق الدائرة البشرية البريئة، منطلقا إلي الشوارع المتعرجة، يبيع الخبز والضحكات، متصالحا مع نفسه والناس، الذين ينتظر بعضهم قدومه صبحا، ليتزودوا بأرغفة طازجة، يأخذها العيال إلي المدارس، والأنفار إلي الحقول.
ولم ينس رفاعي أبدا عادته اليومية كلما اقترب من بيت عبد القادر. يدس يده في الخرج الكبير الممدد فوق ظهر حماره، ويخرج كيسا أبيض به أرغفة طرية نظيفة وأقراص طعمية بالسمسم، ويمده إلي أم علي، ويقول:
فطار علي أفندي.
فيأتيه صوت علي من جوف المنزل، طليقا كريح في خلاء:
تفضل يا رفاعي.
فيرد دوما:
عشت يا أفندي.
وينقل رفاعي إلي القري التي يمر فيها سيرة علي عبد القادر. يقول للفلاحين في ساعات السمر، والقمر بدر يغمر الفضاء نورا:
لم أر من هو أرجل منه.
وحين يطالعه الناس مستفسرين، يرد الأسئلة الدائرة في رؤوسهم بإجابة شافية:
شجاع وكريم ومتواضع.
وذات ليلة رده أحدهم قائلا:
سمعت أنه لص.
فامتقع لون رفاعي، وملأ الغيظ عينيه، وقال في ثبات:
شائعة يرددها حاسدوه.
ومسح بعينيه وجوههم وقال:
طالما أعاد سرقات إلي أهل بلده.
وقال أحدهم:
سمعنا أن له صديقا لا يفارقه.
فقال رفاعي مبتسما:
تقصدون ميخائيل ... شجاع وطيب مثله.
  
وفي الشارع الآخر، الضيق، الممتد كزائدة دودية فوق بركة يقول الناس أن النيل يزودها من ينابيع خفية، كانت أم ميخائيل تنتظر أيضا. سافر بها الليل حتي انبلج الصبح من طيات الظلمة، فخرجت تدب في الشوارع الندية بحثا عنه. كانت تشعر أن المهمة ثقيلة عليها، فهي تجربة لم تمر بها من قبل. كان كلما تأخر خارج البيت، توقظ والده، فيسعي بحثا عنه حتي يجده. كثيرا ما قال لها الأب إن ميخائيل ليس صغيرا، لكنها كانت تقول له دائما إنها لا تزال تراه طفلا جميلا.
وانتهي بها شارعهم الضيق إلي براح وسيع، يفتح القرية علي الجسور والزراعات، ويسلكه الناس والماشية في غدوهم ورواحهم. وسمعت شحير عربة نقل مرقت فوق الجسر، فبرق في خاطرها مشهد رأته في سنة نوم خطفتها من القلق والانتظار في ليلتها الطويلة. حاولت أن تقبض علي ما جري، لكنه لم يستقر علي حال. تقلب في رأسها وفي مقلتيها، وهز سمعها ثم خرس، إلا أنه عاد يهزه من جديد. الشيء الوحيد الذي رسخ بذاكرتها كان ولولة النساء. صراخ وعويل وعديد، لم يلبث أن أصابه صمت مطبق، فضاع منها كل شيء.
مكثت ساعات تسأل الغادين والرائحين، ولم تجد عند أحد منهم إجابة شافية. وكان أفضل ما سمعته:
سلي عنه في بيت عبد القادر.
وعادت إلي المنزل، وأرسلت ابنها الأوسط إلي بيت عبد القادر، فعاد يقول لها:
ليس هناك.
ولم تتمكن من أن تحكي أي شيء لزوجها حين عاد في الظهيرة من زيارة أقاربهم في قرية بعيدة. الأمر الوحيد الذي كانت متأكدة منه أن ميخائيل لم يعد منذ الليلة الفائتة. لكن شيئا من الاطمئنان سري في عروقها حين قال لها:
علي لم يرجع أيضا منذ الأمس.
فهزت رأسها متسائلة:
كيف عرفت؟
في طريق عودتي قابلت عبد القادر.
فأطرقت برهة، ثم قالت:
مع علي أنا مطمئنة عليه.
ولما مالت الشمس نحو المغيب فوق شواشي النخيل المتتابع علي الشاطئ الآخر من البركة، راح قلبها يرتجف من جديد، وومضت في رأسها بعض بقايا الحلم الذي فر من ذاكرتها، فقالت لزوجها:
قلبي يأكلني علي ميخائيل.
فقال بأعصاب باردة:
ليس صغيرا.
لكنها اعتصرت دماغها، فقبضت علي بعض ملامح الحلم الغائر، الذي استقرت معالمه حين أسندت رأسها إلي الحائط الرطب، مغمضة العينين. وانفتح أمامها طريق يشبه تلك التي تؤدي إلي مدخل القرية، ورأت عربة ضخمة، تطفو وتغطس في تعاريج الجسر، الممتد بين نبات الحلفا والعاقول. هاهي العربة تقترب، ويطل منها رأس يغطيهبيريه ميري، يسأل العابرين عن بيت ونيس أبو سمعان. يلملم الإجابات، ويدفع بها إلي أذن السائق، فيقود العربة وسط الزحام. وبين الناس رأت أمها التي رحلت منذ عشرين سنة، كانت تشق الأجساد المتراصة بساعديها، وفي عيونها دمع وعلي وجهها كآبة، حتي وصلت إلي ابنتها، فأخذتها بين ذراعيها وقالت لها في حنان:
شد حيلك يا ابنتي.
ثم راحت تشق الزحام في الاتجاه الآخر، حتي ذابت بين السيقان والرؤوس المتطلعة. وصرخت أم ميخائيل:
آه يا أمه.
صرخت، فامتلأ وجه ونيس دهشة، ودبت رجفة خفيفة في قلبه، وقال لها:
خير يا سامية.
فنفضت رأسها، وقالت في انكسار:
لا عليك.
ونظر إليها مليا، بعينين مملوءتين بالأسئلة، فلم تجد مفرا من أن تحكي له ما جري. قصت عليه الحلم الذي باغتها في لحظة نوم خاطف، وقالت بأسي:
هذا فقط ما تذكرته.
ولم يرد، فتابعت:
إحساسي أن ما جري في الحلم كان فظيعا، لكن أغلبه تبخر في الصحو والقلق.
فربت علي كتفها وقال:
الرب راع فلا تخافي.
فأطرقت في خشوع، ورفعت رأسها فسمحت لها النافذة المفتوحة عن آخرها بقطعة مربعة من السماء، مشبعة بحمرة المغيب، وقالت:
ليباركه الرب.
لكن حين حلت الظلمة علي البيوت الواطئة، عاد الخوف ينهشها من جديد. ووجدت نفسها تقول لزوجها في إلحاح:
هيا إلي بيت عبد القادر.
  
واستقبلتها أم علي بترحاب، وخلا ونيس إلي عبد القادر الذي كان يجلس كعادته علي دكة أمام داره، وانفتح الباب للأحاديث داخل البيت وخارجه. وطمرت شهوة الكلام القلق علي الحبيبين الغائبين، وسري الليل في أوصال الدنيا، فاستيقظ القلق النائم، ونبحت كلاب في جوف الزراعات فردت عليها كلاب مسترخية في شوارع القرية الغافية، وجاء من بعيد عواء واهن لذئب جائع، وفرقع طلق ناري بغتة، فنهض عبد القادر مهرولا في الشوارع، بندقيته مشرعة أمامه، وونيس يجري بجواره في حذر. ووقفت الأجمٌان علي باب البيت، تحملقان في الظلام, وقالتا في صوت واحد:
سترك يا رب
  
علي بعد عشرة كيلومترات بالضبط من بيتيهما، كان علي وميخائيل يضحكان ما وسعهما، علي مقهي بشارع الحسيني الذي يشق مدينة المنيا نصفين، يدخنان ويحتسيان الشاي الثقيل الأسود، ويطلقان نكاتهما في جمع من الصحاب، فترتج الأجساد الفتية، وتنفرج الشفاه عن أسنان قوية، بيضاء وأخري مائلة للصفرة وثالثة أكل السوس بعض أطرافها.
كانت نسائم الربيع الطرية تهبهم انتعاشا وبهجة، فتدوي ضحكاتهم في جنبات المقهي، ثم تسيح في ميدان بالاس، لتتسرب إلي الشوارع التي تصب فيه من الجهات الأربع. شيء ما جعلهم يضحكون بملء أفواههم وأجسادهم. يثرثرون ويضربون الأرض بأرجلهم ، وينفضون عن أنفسهم بقايا الدموع التي سالت في العتمة الملونة، والتي لم ينتبه أي منهم إلي أن يمسحها، فجفت علي الخدود، صانعة خيوطا مقددة، شاهدة علي لحظات الأسي.
قبل ساعة فقط من جلستهم هذه كانوا متراصين علي مقاعد صالة سينما بالاس، يتابعون واحدة من فجائع الوطن. كم كانت المشاهد قاتمة موحشة، باعثة علي الغم والهم والكرب. إنسان في وجه الدبابة علي ممر منسي، معبد فوق قلوب خمسة رجال، يذودون عنه بكل طاقاتهم. كانت معركتهم الأخيرة دفاعا عن الوطن.
وقال ميخائيل، وهم يهمون بالخروج من السينما:
فيلم أغنية علي الممر لا ينسي.
فمصمص علي شفتيه وقال:
لم يؤثر في نفسي فيلم من قبل كهذا.
وسادت لحظة صمت، وهم يسيرون علي مهل، وكل منهم يذوب في أحد شخصيات الفيلم، يتمثلها، ويمتثل لحال مفعمة بالشجن.
وقطع ميخائيل السكوت قائلا:
إنها الكرامة في أجلي صورها.
فهز علي رأسه وقال:
والشجاعة كما ينبغي لها أن تكون.
وتاه علي في نفسه لحظات ثم قال:
ظني أن الحرب شئ آخر غير ما رأينا.
فنظروا جميعا إليه مستطلعين، فقال:
في النهاية هذا فيلم، ممثلون ومخرج وكاميرا وسيناريست، كل هؤلاء يحاولون أن يصوروا لنا ما يجري في ساحة المعركة، لكني أعتقد أنهم مهما حاولوا، فلن يستطيعوا أن يصلوا تماما إلي ما حدث.
وضحك ميخائيل وقال:
أنت شاهدت الفيلم لكنك لم تخض معركة.
وتطلعوا جميعا إلي إبراهيم، الوحيد فيهم الذي خاض حربا، سألته أعينهم في لحظة خاطفة، وأدرك هو أن عليه أن يتكلم. رفع عينيه في عيونهم، وقال:
أنت محق يا علي. الحرب شيء آخر.
وسادت لحظة صمت، تدعوه إلي البوح، فهز رأسه في أسي، وقال:
رأينا الموت في كل خطوة، في كل دانة دبابة، وطلقة مدفع، ورصاصة بندقية. رأيناه في الرمال السافية، والصخور المدببة، والخنادق المتتابعة. مررنا علي أشلاء وجثث، ولفحتنا حمم من لهب، ولطختنا برك من دم، ونحن نعود حفاة من حرب لم نخضها.
وتاه لحظات، وانتفض جسمه، كأنه قد أصيب بالحمي، وقال:
لن أنسي مشهد جنودنا المجردين من السلاح، وبعضهم قد تخفف من البيادات حتي يسهل هربه، وراحوا يجرون بلا هدي في الصحراء المفتوحة، ويتركون خلفهم تراب الوطن للعدو.
وزاد ارتجافه، ودمعت عيناه، وسحب نفسا عميقا من سيجارته، وتابع:
ضربت الكباري الواصلة بين ضفتي القناة، فحيل بيننا وبين العبور إلي الضفة الأخري. بعضنا ألقي نفسه في المياه. وآخرون ترددوا، فحصدهم رصاص العدو، أو وقعوا أسري. كان الجنود يبكون كأطفال رضع تركتهم أمهاتهم نهبا للعراء والجوع. لكن هذا كله لا يساوي عندي لحظة لا تزال تؤرقني في صحوي ومنامي، وتأتيني في الليالي الظلماء كوابيس مفجعة غامضة.
أهناك أقسي مما قلته؟
نعم ... حين رأيت فتاة إسرائيلية تقود مروحية، تهبط بها حتي تكاد أن تلامس الأرض، وتهاجم جموع جنودنا المنكسرين. لم تطلق عليهم رصاصة واحدة، ولو فعلت لكان أهون.
وبما هاجمتهم إذا؟.
بجناحي الطائرة. كانت تمرق علي بعد متر من الأرض، فيلقي الجنود أجسادهم علي الرمل والحصي، حتي لا تجز رؤوسهم. ومن لا يسعفه حظه أو يخونه إعياؤه كان يذبح بلا رحمة. وكانت الطائرة تمرق سريعا من فوقنا، ثم تستدير وتعاود مهاجمتنا، والفتاة تقهقه.
ويتوه إبراهيم في حزنه، بينما الجميع صامتون في أسي، ويقول:
لا تزال ضحكاتها ترن في أذني.
وطفرت من عينيه دموع، مسحها بطرف قميصه. وتنهد عميقا، وبلع ريقه، وقال:
لم نكن جبناء، لكن لم تتح لنا فرصة الحرب. كان خطأ فادحا للقيادة، لن يغتفر أبدا. طلبوا منا الانسحاب، بدعوي الحفاظ علي أرواحنا، فصرنا في طريق عودتنا الخاسرة أهدافا يسيرة لرصاص العدو. جيش كامل ينسحب بدون ترتيب، ولو بقينا في أماكننا، وأطلقنا من كل دبابة أو مدفع طلقة واحدة، لكان أفضل... لو حدث هذا لصمدنا أياما أخر، ولكانت الهزيمة مشرفة.
ثم تنهد مرة أخري، وقال:
أثار الفيلم مواجعنا.
فقال علي:
الأسي لا يحل مشكلة، ولا يصون كرامة.
واغتصب ميخائيل ابتسامة من أعماقه الحزينة، وقال:
لا يجب أن يكون لقاؤنا الأول بعد غياب طويل بهذه القسوة.
وأراد سعد أن يضع حدا لما يجري فقال:
سأقول لكم نكتة.
فقال ميخائيل يستعجله:
قلها.
مرة واحد منياوي زيينا كده سمع إن فيه جمعية استهلاكية كبيرة في أسوان، فيها رز وزيت وسمنة وسكر كتير كتير، وبسعر رخيص، وكل واحد يقدر ياخد الكمية اللي عايزها، فخد صاحبنا أول أتوبيس نازل أسوان، وقال للكمسري نزلني قدام الجمعية عشان أجيب تموين العيال. ولما وصل الأتوبيس سوهاج ناداه الكمسري وقال له انزل هنا يا أستاذ. فاستغرب الرجل وقال للكمسري: يا عم دي سوهاج، لسه فاضل علي أسوان ييجي 700 كيلو، فضحك الكمسري وقال له: أصل طابور الجمعية واصل لحد هنا، انزل عشان تحجز دورك.
وتوالت النكات، والليل يسعي في رحيله إلي النهار. وشعر الجميع أن الوقت قد تأخر أكثر من اللازم، خاصة علي وميخائيل، اللذين لا يعلم أهلهما عنهما شيئا.
  
كانا قد خرجا عند ضحي الأمس من القرية، لا يدريان إلي أين ينتهي بهما السير. تسكعا علي الجسر العالي المؤدي إلي النهر، لكنهما لم يجدا رغبة في الذهاب إليه، مع برودة الجو. وقادتهما الأقدام إلي محطة القطار، جلسا يتجاذبان أطراف الحديث عن البطولات التي خاضوها ضد اللصوص الطامعين في الليالي المظلمة.
ورمت الشمس شعاعها علي أشجار الكافور المتتابعة علي يمين طريق الأوتوستراد المجاور لشريط القطار. وبان في الصفار المتلألئ وجه يعرفانه تماما، ويحبان صاحبه. ورغم أنه يكبرهما بثماني سنوات فإنها يشعران كأنه في مثل سنهما تماما. كان وجه إبراهيم، صديق علي الحميم. هلٌ فوق الكوبري، يمشي بخطي متمهلة، ويحملق في الفراغ، لا يهتم بما يجري بعيدا عن خطوته القادمة، ولا يلتفت إلي البهائم الشبعي العائدة من الغيطان في طابور طويل يمضي من الأوتوستراد وحتي مدخل قرية صفط اللبن.
ونادي علي:
يا أبو خليل.
فالتفت يمنة ويسرة، وراح يتابع مصدر الصوت، حتي اهتدي إليه. لوح لهما بيده، فردا التحية، وأشارا إليه أن يأتي إليهما، فقطع المزلقان، حتي انتهي إلي الرصيف الشرقي لمحطة القطار، وخطوات قليلة وكان معهما.
سألاه عن حاله، فرد بصوت خفيض:
الحمد لله علي كل حال.
وأحسا أن حاله ليست علي ما يرام، لكنهما يعرفان ما يكدر صفوه دوما. وقال له علي:
ألا تزال حزينا.
فرفع رأسه، دون أن ينظر في عيني علي، وقال:
لا شيء يبعث علي الفرح.
وقال ميخائيل:
الحزن لن يفيد أبدا.
وارتسمت ابتسامة باهتة علي شفتي إبراهيم وقال:
لو كنت مكاني لعذرتني.
واقترح ميخائيل أن يذهبا في التو إلي مدينة المنيا، وقال:
هناك ما يفرج الهموم.
فضحك علي وقال:
تقصد وجوه الحسناوات.
الحسناوات والسينما والمقاهي والكورنيش الهادئ الجميل.
وقطع عليهم القطار أي تراجع. حل بغتة، ولم يشعروا بقدومه إلا حين زعق أمامهم، وفي دقيقة واحدة كان ممددا بطول المحطة، يلقي من جوفه بركاب متعبين، ويلتهم غيرهم. وتقدم ميخائيل نحو باب إحدي العربات فتبعاه صامتين, ولم يهتم علي وميخائيل بقلق أهلهما. أما إبراهيم فكان مقطوعا من شجرة أفناها الزمن. مات أبواه، قبل عشر سنوات، ولو كان أحدهما يعيش، لتفادي التجنيد، وتفادته كثير من الأحزان.
|
|
|
القصير
جلول عزونة تونس
كانوا ينادونه القصير وربما إمعانا في التهكم: القصيٌر (بالتصغير) لذلك كان ينتعل بنعل ذي ثلاث أقدام من الجلد المقوي مما يعطي ناظره انطباعا بارتفاع قامته ولو نسبيا، ثم أضاف شاربين طويلين، علامة الرجولة التي لاتخطيء، وان كان أزالهما بعد أن ترقي في الوظيفة وصار رئيس مصلحة في ادارة الغابات، ، وعندما بدأ يصبغ شعر رأسه إمعانا في إبعاد شبح الشيخوخة وبياض الشعر، خصوصا وقد صارت له عشيقة جديدة، ممشوقة القد والقوام، رشيقة المشية، ذات ابتسامة دائمة، تنفرج من شفتيها المحمرتين طبيعيا وكأن تلك الابتسامة قد علقتها مرة واحدة في وضع لاتحيد عنه، فلا تلبث، وأنت تنظر إليها أو تخاطبها، أن تنتقل عدوي ابتسامتها إليك، فتفرج شفتاك عن ربع ابتسامة أو ثمن ابتسامة، وتبقي تتلهف إلي كلماتها وتنحبس الكلمات في شفتيك فلا هي تنطق ولا أنت تنطق، إنما انبهار واعجاب وصمت عميق بليغ أبلغ من قواعد سبويه وأحاديث الصحابة.
لم ترزقه امرأته إلا بالبنات وكن قصيرات مثله رغم أن زوجته كانت أطول منه ببعض السنتيمترات.
وحين أخبرته خديجة، عشيقته الجديدة، احدي كاتبات المصلحة قبل أن تنتقل، بجرة قلم إلي كاتبة رئيس المصلحة في ادارة الغابات بأن العادة الشهرية قد انقطعت عنها، وكانت ابتسامتها المعلقة قد تعلقت إلي حين طفح وجهه بالبشر وفرك يديه ونهض من أمام مكتبه ونظر بسرعة إلي باب المكتب المغلق، وارتمي يقبل رقبتها ويديها ثم يأخذ شفتيها يمصها مصا وهي تنأي عنه بوجهها ويداه تجذبانها إليه وتقربانها من جسمه في حركة إلتحام...
إن شاء الله ولد وغير قصير!
صاحت فيه:
والفضيحة! فضيحتك وفضيحتي؟
ارتمي مجددا يمغمغ وجهها وشفتيها ويداه تزدادان إلحاحا وبحثا عن مكامن اللذة فيها:
لا فضيحة ولاشيء، ولد طويل، طويل!
علت الدهشة وجهها وبقت شفتاها منفرجتان... اغتنم الفرصة، أدخل لسانه في فمها ومص شفتها السفلي بشبق، دحجته بنظرة قاسية ودفعته عنها بقوة:
اهدأ يارجل، هل أنت في وعيك؟
تركها وأسرع نحو الباب، باب المكتب وأدار المفتاح من الداخل:
نحن في أمن الآن، سأخذك الآن، نعم الآن إلي مكتب قريبي طبيب النساء وسأخذ الخبر اليقين.
  
مسك يد الدكتور عادل بحرارة وهو يردد:
شكرا، شكرا يادكتور، بشارة عظيمة، ومتي نعرف جنس المولود؟
الوقت لايزال مبكرا، واعلم زوج كاتبتك بأن يأتيني لأخذ منه معلومات لابد منها.
المعلومات كلها عندي وعند خديجة 'وقد رأي علامات التعجب علي محيي الدكتور)... بل عند خديجة!!
خرجا من العيادة، بدأ يبحث عن تاكسي ثم التفت لخديجة وقال: ارجعي إليه واطلبي منه ما يجب فعله ليكون المولود طويل القامة!!
بحلقت فيه ببلاهة وأمام تأكيدات رأسه رجعت علي أعقابها.
انتظرها علي أحر من الجمر!! تذكر أباه وجده وأبناء عمومته وخاله.
ما لهذه الآفة تصاحب عائلتنا؟
رجعت خديجة مبتسمة:
ان الوقت كما قلته لك لايزال مبكرا للتفكير في هذا الأمر.
هذا مستحيل، لابد من التدخل جينيا ومبكرا لئلا تحدث الكارثة.
وفي التاكسي، لم يتبادلا كلمة واحدة وحين وصل الادارة، ارتقي درج الطابق الأول قفزا، وأغلق باب المكتب دون خديجة وارتمي علي الهاتف.
دكتور، يادكتور! كيف؟ الوقت لايزال مبكرا؟ أهذا معقول وأنا أنتظر منذ سنين!! عفوا، عفوا، المسكينة، كاتبتي، تريد الاحتياط من الآن، نعم من الآن، حتي لاتقع المصيبة، وحتي لايقع المحظور! أليس هناك فيتامنيات، عقاقير، حرابش! زرارق؟
الهدوء ياسي المنصف! من فضلك لاتسبق الأحداث.
المغبونة خائفة!
يبدو لي أنك أنت الخائف، معقول أن يخاف الرئيس علي كاتبته ولكنك تبالغ، اترك الأمر يرتاح... طول بالك.
ارتمي رئيس المصلحة فوق مكتبه، سمع طرقا خفيفا علي الباب، لم يعر ذلك اهتماما، رن جرس الهاتف، لم يرفع السماعة، رن جرس هاتفه الجوال، أقفل الخط دون التثبت من الطلب... هل يمكن لهذه اللعنة أن تطاردني إلي الأبد؟ لعنة الأجداد ولاشك؟ من تراه منهم قد تجاوز الخطوط الحمراء؟ وأية خطوط حمراء، لابد أنه فعل ما فعل، هل قتل نفسا بغير حق؟ أو يعقل هذا في قرية صغيرة لاتخفي فيها خافية؟ أو اعتدي علي شرف عائلة؟ أو أكل رزقا حراما؟ أو رزق يتيم؟ أو سرق؟ أو زني؟ أم خان الوطن؟
تلك الكبائر التي ما أذكر أن أحدا أبلغني خبرا عن شيء من ذلك!
نعم، ابن عم عمي اللقيط، سكر في عرس من الأعراس، كان ذلك في القرن الماضي، وشارك في معركة، مثل ما يقع عادة في أعراس الريف والقري، والجميع محروم من اللحم والشبع والخمر إلا في مناسبات الأعراس الخريفية، قالوا، لقد غرس موسه العريضة في بطن أحدهم فبجر بطنه وأخرج أمعاءه، فأخذها المسكين بين يديه، وحبات المحمص تتقاطر مع الدم وهو يصيح حتي يقع أرضا وتطلع روحه إلي خالقه.
وابن خال خالي الملعون قد فعلها في رمضان، فعبث بصبي جميل فمزقه وأدخله المستشفي استعجاليا.. لكن الاثنين قد أوقفا وخلصا دينهما سنوات طوالا في السجن!! أو تري لعنتهما أصابتا العائلة مرة واحدة وبلا انقطاع وبلا تأجيل.
خرج السيد المنصف، من باب خلفي في مكتبه وراح يطوي الطريق في سيارته طيا. كان منهمكا في خيالاته:
أتراها تضع بنتا؟ وهل تكون فارعة القد؟ قد تكون كذلك وجميلة وتكون سيئة السيرة مثلما نراه عادة اليوم عند كثير من البنات والنساء، قال لك: وما تراهن يفعلن وقد خلقهن الله ضعيفات شهوانيات؟
وزوجتي؟ وبناتي وأولادي؟ لا هؤلاء لادخل لهم في حياتي الخاصة، يتمتعون بكل ما يطلبون حتي سيارة الادارة علي ذمتهم، وخديجة ألا تستحق منصب الملحق المالي لرئيس المصلحة! ربما تطلب خديجة وضعا جديدا بعد الوضع؟ هل تخيرني بينها وبين أم أولادي؟ لابد لها من شقة؟ وحاضنة؟ وسيارة إلخ... وعلي كل سيكون ولذا ولا شك، فخديجة وحيدة أبويها مع سبعة أخوة كلهم ذكور!! علت الابتسامة وجهه ثم قطب جبينه فجأة:
وإن كانت طفلة! وقزمة؟!!
ضرب بقوة بجمع يديه علي مقود السيارة فانحرفت السيارة قليلا نحو اليمين وأوشكت أن تلتصق، بسيارة أخري، ضغط علي المكبح، أوشكت سيارة وراءه أن تصطدم به، فعلا نعيق المنبهات من كل جانب.
شعر بإرهاق كبير، شعر بالعرق يتصبب من جبينه، ضغط أكثر علي محرك السيارة وانعطف قليلا لليسار وصار ينهب الطريق نهبا...
وان كانت طفلة وقزمة؟
زاد في سرعة السيارة، صار يتجاوز كل السيارات، وفجأة رأي تلك الشاحنة تأتي في قبالته فقال في نفسه:
ما لها تتجه نحونا وكأنها تقوم بذلك عمدا!
حين فتح عينيه بعد أسابيع في قسم الانعاش رأي وجه خديجة مصفرا وهي توشوش له:
لقد أجهضت حين علمت بحادثك المروع!!
|
|
|
موت المؤلف
عبد الستار ناصر كاتب عراقي مقيم في عمان
ليس لي في الطالع ولا في قراءة الكف أو الفنجان، لست ممن يؤمنون بتلك (الخزعبلات) ولم أترك خطوط يدي ولا مرة واحدة لمن يريد الكشف عن المخبوء من حياتي، أنا أضحك من قراء الودع وأضحك ايضا ممن يعيش علي غباوات الناس، إذ لو كان هذا يعرف المصير أو المستقبل، كان أجدي به أن يعرف ماسوف يحل به قبل أن يكشف عن خفايا غيره من البشر. لكنها اقتربت مني وأنا أجلس في مقهي (ريش) أشرب الشاي الكشري، مبتهجا برجوعي إلي القاهرة بعد كومة أعوام من الفراق، قالت:
من غير فلوس يابيه، أقرأ لك الطالع.
امرأة عجوز في الثمانين، ربما اكثر من ذلك، مهلهلة الثياب، يبدو أن لا أسنان في فمها، ربما كانت جائعة، لا أدري، لكن ابتسامتها أغرب مافيها، أعطيتها جنيها مصريا وقلت لها بعطف كبير:
مش عاوز حد يعرف عني حاجة، خذي الجنيه ومع السلامة.
تبتسم، ربما كانت تعزف ان ابتسامتها اعجب مافيها، حين تبتسم تبدو في الثلاثين، راحت تحدق بي، ثم أقعت علي الأرض نصق حزائي:
والله من غير فلوس، انت لازم تعرف اللي حيجري لك يابيه.
قلت لنفسي: ماذا أخسر ؟ دعها تفضفض بما تريد وسوف أعطيها ماتشاء، محض عجوز مسكينة.
سألتها عما ستقرأ؟ الكف، أم الودع، أم فنجان القهوة؟ فقالت مع ابتسامتها:
خلينا نشوف الودع.
ثم رمت حجارتها، سبعة أشكال من الصخر، مدبب، ومنخور، ومثلث، وآخر يشبه الجوز، والجرانيت ومايشبه الخشب المعطوب، ثم حصاة مبقورة استمرت في دورانها حيت اشتبكت بين بقية الحجارة:
حياتك مليانة سفر ونسوان وفرفشة وبلاد غريبة، خايفة عليك من نمرة (9) يابيه، حاتموت غرقان في يوم تسعة من سنة فيها تسعة، لكنك مش حاتغرق في الفرات ولادجله ولا النيل ولابردي، حاتغرق في بحر غويط او نهر بعيد، ومعاك واحدة من بنات برة، حلوة زي القمر ويوم ميلادها برضك فيه نمرة تسعة، حاتموت وانت فرحان، علي يمينك البنت الحلوة، وقدامك النبيذ، لكن يسارك البحر اللي حاتغرق فيه.
كنت أضحك طبعا مما قالته العجوز، لكن شيئا في أعماقي أرعبه الودع وقد أرجعته إلي كيس من الخيش، ثم نهضت وابتعدت دون أن تنتظر أي عطاء مني، لكنني ركضت خلفها ومددت يدي اليها بخمسة جنيهات وأنا أحبس أنفاسي وأقول:
خلينا نشوفك مرة ثانية.
كان ذلك في عام 1968 عند آخر شهر عدت إلي بغداد، تمضي السنوات ببطء مخيف، نسيت قارئة الودع ولم يبق من ذكراها أي شيء، لكنها تأتي سهوا في اجزاء من حلم خاطف أو أتذكر النمرة تسعة دون أن أعرف أيما سبب يأخذني إليها.


في زيارة إلي بودابست، ذات صيف من عام 1999 دخلت إلي حانة خافتة الضوء، احتسيت فيها نبيذ (سان غريه) العجائبي مع موسيقي لم أسمع طوال حياتي ماهو أعذب منها، قيثارات وصنوج ودفوف وبزوق وضرب علي خشب مجوف، لم أستطع البقاء محنطا في مكاني، رحت أرقص مع الراقصين وانا أري التنورات القصيرة المشرشبة تكشف عن أفخاذ طرية وأسمع صراخ البنات ينافس الصنوج والدفوف والضرب العنيف علي الخشب الهمايوني المثلوم في اكثر من جزء فيه.
وفجأة ، راحت تمسكني من اليمني، لئلا أسقط علي أرض الحانة، كانت تضحك، بينما اليسري، يدي، راحت الي حيث لا أدري، طربا وهياجا خلف البنطلونات الجنز الضيقة والتنورات القصيرة المشرشبة، والبنت الحلوة تقول: عربي؟ فأقول دون يدين: طبعا، ثم جلسنا بعد أن سكت المكان عند منتصف الليل:
اسمي جوانا.
قلت لها وأنا أضحك:
أنا نسيت اسمي.
يالتلك الضحكة التي اخترقت كائنات الحانة، معقول؟
هل ثمة من ينسي اسمه؟ نعم، نسيت من ألكون وأنا في حضرة أحلي بنت رأيتها في حياتي، وبرغم الصمت الذي عم الحانة كنت ما أزال أسمع ضرب الصنوج والبزوق والقيثارات والدفوف، كنت أرقص من الداخل، معي رائحة الفراولة وطعم الشيكولاته وأول شقراء عرفتها منذ مليارات السنين!
اسمي رفعت.
قالت وقد اختلط الدبس بالراشي بالعسل:
رفأت.
لم يكن اسمي أجمل ذات يوم كما نطقت به جوانا، أنا لا أريد رفعت بعد الليلة، انا (رفأت) القادم من بلد القتل والأخطاء والحروب والويلات والحرمان، عمرها لايزيد علي تسع عشرة سنة، ميلادها التاسع من أيلول، يتكرر هذا الرقم المنحوس في السنة التي نحن فيها وفي يوم ميلادها وفي اليوم الذي نحن فيه، التاسع من حزيران، فكيف لا أتذكر قارئه الطالع التي أنبأتني بمصيري قبل واحد وثلاثين عاما علي شرب الشاي الكشري في مقهي ريش؟.
إلي أين ياجوانا؟
قالت وهي تدور حولي:
سنذهب إلي بحيرة بيلاتون، انها جنة الله علي الأرض يارفأت.
وبما أنني لم أعد رفعت الذي عشته طوال حياتي، فقد مضينا الي بيلاتون، وكل شيء يرقص فينا، أصابعنا ورأسانا وثيابنا، وهناك علي مقربة من الفجر، كانت جوانا علي يميني وكان النبيذ العجائبي امام عيني ويدي، بينما البحيرة علي يساري، أسمع تموجاتها كما الموسيقي، ماء البحيرة كان يرقص أيضا علي عزف القيثارات والبزوق، أكاد أسمع الضرب علي الخشب الهمايوني المجوف وأنا أفتح يدي قبالة أمواج البحيرة التي نزلنا اليها، جوانا تسبقني، وانا هكذا، فجأة، أتذكر العجوز قارئة الودع:
حياتك مليانة سفر ونسوان وفرفشة، أنا خايفة عليك من نمرة (9) حاتموت غرقان في يوم تسعة من سنة فيها تسعة، في بحر غويط أو نهر بعيد ومعاك واحدة حلوة زي القمر.
أصرخ تحت السماء: لكنني أيتها العجوز لست في بحر ولا محيط ولانهر بعيد، أنا في بحيرة بيلاتون...
أراها تبتسم، تعرف أن ابتسامتها أعجب وأغرب ما فيها، بينما جوانا مازالت ترقص وتضحك وهي تنزل الماء عارية مثل حواء، تضحك من هذا العربي الذي يخاف الماء، أشارت باصبعها السبابة ان أدخل معها صوب مياه البحيرة، فما كان مني غير أن أخلع ثيابي وثياب اجدادي وعشيرتي وأدخل جوف الماء البارد، أدخل صوب جوانا، نحو مصيري الذي أخبرتني به العجوز.


كم حاولت أن أبقي علي قيد الحياة، لكن النبيذ صار يحرقني وجوانا أهلكتني بنهديها النافرين وحلاوتها الطافحة كما طعم الشيكولاته ورائحة الفراولة، كنت أنزل معها إلي ذاك القاع بهدوء، أنزل، أنزل، لم أسأل نفسي ولا مرة واحدة: من الذي كتب القصة ، هذه القصة، اذا كنت لم أزل في قاع تلك البحيرة المعتمة، انا وجوانا معا، حيث مازالت ثيابنا في مكانها علي شاطئ بيلاتون مع آخر قنينة من نبيذ (سان غريه) الذي جئنا به، ليلتها، من حانة خافتة الضوء في بودابست؟!
|
|
|
مراسيل
صفوت مصطفي الوادي الجديد
وقفت أمام النفذة المطلة علي الشارع الرئيسي للمدينة ..
كانت في يده (كرتونة) مكتوب عليها بخط باهت 'سعد جابر' بلاط.. ورغم أني لا أحب أن أكون ساعي بريد إلا أن ابتسامته الواحاتية المرفقة مع الطلب أرغمتني علي قبولها، والأكثر من ذلك رفضت ما قدمه لي من رسوم المشال معتبرا ذلك إهانة لي، وبعد جزيل الشكر والدعاء بسلامة الوصول تركني مودعا حتي أني لم أهتم بسؤاله كيف عرف موعد سفري؟
كان ذلك قبل العيد حيث يعود معظم أهل الواحات إلي قراهم مؤقتا وفي اليوم التالي من الوصول حملت الكرتونة علي كتفي لتوصيلها إلي صاحبها قبل أن يتلف ما فيها الذي هو علي الأرجح
بعض الفاكهة بينما أرفع يدي بين الحين والآخر محييا كل من قابلني وهنأني بسلامة الوصول بينما نظره يخترق الكرتونة في محاولة لمعرفة ما بها، وفي الطريق قابلت عم شعبان رحالة قريتنا القديم فلم يترك بلده في مصر علي حد قوله إلا وزارها بل إنه سافر إلي إحدي البلاد العربية وعمل بها وعاد مرة أخري يا مولاي كما خلقتني بعد أن أنفق كل ما كان معه وبعد أن حضنني وقبلني كنت أعرف مسبقا ما سيقوله. بدا الحديث عن أيامه في القاهرة وعمله في مستوقد الفول ب15 قرشا في اليوم، وسهراته علي مقاهي الحسين، بينما يمصمص شفتيه ترحما علي مغامراته السابقة.
وعندما وصلنا إلي القرية القديمة ودعني واعدا إياي بزيارة لنكمل الحديث، كنت أعرف أنه سيذهب لينضم إلي جماعة من رجال القرية يجلسون فوق الغرد يدفنون في رماله أوجاعهم، وينبشون أياما كانوا يعتبرونها جميلة.
الطريق المجاور للقرية القديمة لا يوجد فيه إلا عمود به لمبة مكسورة، والبيوت المطلة عليه هجرها سكانها إلي البيوت الخرسانية، بل إن بعضها لم يستطع الصمود فسقطت بعض حوائطها مؤكدة دوران عقارب الساعة، أما البيوت القليلة العامرة، فقد أغلقها أصحابها بعد العشاء انتظارا ليوم جديد، لذلك لم أنس بينما أتحسس الطريق أن استعذ بالله وأقرأ بعض السور التي أحفظها بينما ينتفض جسمي عند كل صوت أسمعه أو يخيل إليٌ أنني أسمعه ملتفتا خلفي كل دقيقة لأتأكد أنه لا يتبعني أحد وأنا أحاول جاهدا ألا تسقط مني الكرتونة وسط الطريق حتي خرجت وملابسي الداخلية قد ابتلت من العرق. لم يكن من الصعب بعد الوصول إلي بيت سعد جابر الذي استقبلني باستغراب ثم بسعادة عندما علم سبب زيارتي وأصر أن أشرب معه الشاي، فاعتذرت متعللا برغبتي في النوم مبكرا فلم يزد أن سألني عن موعد عودتي إلي القاهرة، وعندما أخبرته أنها بعد عشرة أيام ابتسم لي ابتسامة واحاتية جعلت أطراف شاربه الكث تتدلي في فمه.. أدرت رأسي بسرعة حتي لا يري ملامح وجهي التي تغيرت تماما بينما أستعد للعودة مرة أخري من نفس طريق القرية القديمة.
|
|
|
دعوي لا تحتمل التأجيل
عبدالله عطية السلايمه
لم يكن سبب غضبي ما أثاره قرار أبي المفاجئ من سخرية حملتها نظرات البعض إليه، واتهامه بأشياء فقدوا الجرأة علي البوح بها، ولا تليق بشيخ قبيلة مثله، يتمتع بمروءة وحكمة أهلٌته وبجدارة لزعامة القبيلة، بل لإنه لم يستثمر نجاحه الذي أبهرني في حشد جموع كانت كفيلة بدفعه للفوز بعضوية البرلمان! ربما أتعامل مع الأمر بلامبالاة يسمونها في باديتنا 'همالة' بعدما توطنت المدينة واستوطنتني مع قضية يعتبرونها حساسة، ولا تحتمل التأجيل أو اللجوء إلي المحكمة والاحتكام إلي العقل كما هو معهود عنهم، بل إلي ترجمة فورية وحاسمة لمقولة 'هاملت': 'أكون أو لا أكون'.
منذ تركت ربوع البادية وآثرت العيش في حضن خصمه.. يعلن أبي كغيره من البدو ندمه علي أنه لم يحسن تأديبي، وإلا لما تجرأت علي استبدال ثوب بداوتي بثوب مدينة يرونه مليء بالثقوب!
وليكفر عن خطيئة لن يغفرها لنفسه، ويصفها دوما بالفادحة، واصل محاولاته لانتشالي من مستنقع المدينة، وإعادتي إلي رشدي، ولما فشل هدد بأنه سوف يعلن 'تشميسي'.
ولأنني كما قلت لم أتعامل مع القضية بجدية مثلهم، وبنبالة أظنها لم تعد تليق بمنطق العصر. لم أبال بعقاب كان كفيلا بإفاقة كل فاقد غيري لرشده، وإعادته صاغرا إلي حظيرة بداوته.
ولملازمته عقدة ذنب كلما تذكرها يكاد يفقد عقله، الذي دفعه بغباء في ذلك اليوم المشئوم لجرح كبرياء رضعته مثله من ثدي الصحراء أمام عروسي 'الحضرية'، وفي حالة يأس تملكته فأحالته إلي شخص آخر لا يعرفه أقسم غاضبا بأنه سيلقن تلك المدينة التي تجرأت علي سرقتنا من البادية درسا قاسيا، فربما تتعظ وتتخلي عن صلافتها ونهجها في محاولة إعادة تشكيلنا، وتغيير ملامحنا.
ولأنه لا يأمن غدر سياستها الاستحواذية، ولا يعرف ماذا تخبئ له ولأحفاده في قابل الأيام، بعد أن اختلطت دماؤهم بدماء أبنائها، فليس أقل من ذلك، ليوقفوا خطرها الذي يرونه يهددهم مع إشراقة كل شمس بسلاح جديد.
وبذكاء لا أنكره عليه، ولكي يضمن استمرارية دعم البدو له، وتضامنهم معه، اتخذ إعلانه في 'دواوينهم' أبعادا بدوية، نبههم بأن طوفان الخطر القادم ربما لا يستثني منهم أحدا، لذا لابد من إعداد العدة علي الأقل لإيقاف مده.
محاولات مستميتة يبذلها البعض لنصحه بالتراجع عما في رأسه، وما يعتقده المحامون جنونا، إلا أنه مازال يصر علي رفع دعواه، رغم عدم ثقته في نجاحها، ولم يزل يبحث عن محام يتبني قضيتهم، وقاض يؤمن بها.
أما أنا رغم إيماني بأنه سيخوض تجربة يقبض خصمه علي كل خيوط الفوز بها، وبرغم إشفاقي عليه، إلا أنني مازلت غاضبا لإضاعته فرصة لن تأتينا ثانية، لذا مازلت أفكر بعد في اتخاذ قرار مناسب.
|
|
|
تراتيل
أحمد اللاوندي كفر الشيخ
ومازال قلبي يحن إليك
ويبكي عليك
يهرول نحو المكان الذي..
كان يجمعنا
بين حين وحين
فهل تذكرين المداخل.
والجسر؟!
هل تذكرين الهواء النقي/
الشطوط التي بللت طرف ثوبك
منذ انتبذنا عن الناس..
وقت السهر؟!
وهل تذكرين الزوارق.
والموج،
ضوء المصابيح،
خمر الوداد المعتق،
سرد الطيور التي أقبلت تتتابع
أو تتقافز فوق المياه
لتأخذ أسماكها للفنار القديم؟!
ألا تذكرين الرذاذ الذي..
كان يغسل وجة المدينة..
في الليل..؟
يابلسما للجروح العريضة
هل تذكرين البلاج الجميل،
وأني أحبك،
وأن اكتمالي بدونك نقص،
وأن الحياة بغير وجودك..
محض بقاء كذوب ؟!
|
|
|
ألا يوجد جواب من دون زكام؟
العيد بالح الجزائر
خاليا كان الشارع في ذلك المساء الرمادي، كانت السماء تمطر بهدوء، بالكاد تسمع قطراتها التي كانت تنساب علي زجاج النافذة...
في الصباح، كانت القطرات عنيفة، غاضبة، ساخطة، كانت تنطح الزجاج وكأنها جيش أراد اقتحام شقتي الدافئة.
لا أعلم لماذا قطرات المساء غالبا ما تكون أودع من شقيقاتها الصباحية، جعلتني قطرات المساء تلك أعتقد أن السماء كانت تغازل الأرض بهذه المداعبة الصامتة.
فجأة، بدت بالشارع فتاة ذات فستان أحمر، كانت تحمل مطريتهاا المقفلة بيدها اليسري، محفظتها كانت بيدها باليمني، كانت تستمتع بقطرات المطر التي تبللها ببطء.
وجدتني أسأل نفسي ألا تخاف تلك المخبولة من ضربة برد؟... تمنيت لو سمعتني تلك الحمراء، رجوتها في دخليلتي أن تجيبني، للأسف، لم يكن يسمعني إلا أنا... برغم النافذة المغلقة، بلغتني طقطقة عقب حذائها الحديدي.. طقطقة صنعت وصوت المطر سمفونية جميلة... كانت تتهادي في مشيتها كما لو كانت ترقص علي إيقاعات تلك السمفونية..
أتراها تراني؟... ياليتها تراني، ياليتها تجيبني إلي أين تغدو....
مع مرور الوقت، أضحي الزجاج مضببا بفعل البخار الذي أصدره فاهي، رسمت دائرتين كي أرصد فتاتي الحمراء، كانت لاتزال تسير موحية للرائي، بتلذذها بالمطر، مطريتها مقفلة دائما، كلما ابتعدت قليلا قمت من دون أن أعي بتوسيع مساحة الدائرتين حتي التقتا وتداخلتا الواحدة في الأخري،
كانت الفتاة كلما ابتعدت صغر حجمها، كلما ابتعدت اقترب وجهي من الزجاج، لدرجة أن أنفي أبي إلا أن يرسم دائرة بدوره، كلما ابتعدت وددت لو كنت جنيا ذا جناحين، أحطم ذلك الزجاج اللعين وأطير إليها.
بعد مدة أضحت تبدو نقطة حمراء تميل إلي السواد، بصغرها كبرت رغبتي في الخروج إلي الشارع واللحاق بها، لم أستطع كبح هذه الرغبة، خرجت مسرعا إلي الشارع، كنت حافيا، لا أرتدي إلا بيجامة نومي، كانت الفتاة بعيدة، وكنت أجري وأجري وأجري، وكانت السماء لاتزال تلعب لعبتها اللذيذة مع الأرض، غير عابئتين بما يجري حولهما، عفوا في خضمهما، كانت قدماي تقتحم برك الماء الموجودة في الشارع بلا وجل، ابتلت بيجامتي ولم يكن لي متسع من الوقت كي أفكر في العواقب، فجأة أحسست وأن شخصا ما يراقبني، رفعت رأسي إلي نافذة تقع في الطابق الأول لاحدي البنايات العتيقة التي يعود بناؤها إلي القرون الوسطي، لمحت شخصا ينظر إلي من خلال تلك النافذة وقد تضببت نافدته، لقد رسم مثلثين كي يرقبني من خلالهما، لم يكن يظهر غير عينيه، لم أتبين أرجل كان أم امرأة، توقفت في مكاني لحظة، خطوت خطوة إلي الأمام ثم أخري إلي الوراء، وقفت في وضعية أشبه باستعداد الجندي بباحة العلم، لا أعرف ما أفعله.
بعد ساعة، قررت العودة إلي البيت، لم أمنح ذلك الذي كان يرقبني فرصة لحاقي كي يسألني ما دهاني أجري هكذا، لم أكن أعرف أجعلته مسكينا بخيبتي وعودتي تلك، أم كان محظوظا ياتري؟...
دخلت شقتي وقد انتابتني نوبة عطس حادة، أعراض الزكام بدأتني، كنت برغم هذا أشعر بسعادة عارمة، كيف لا وقد وصلت إلي جواب الحمراء مع أني لم ألتقيها، عثرت عليه مخطوطا في احدي صفحات ذاكرتي المنسية، لم ألتفت إليه منذ زمن، أو ربما أهنته ولم أعره اهتماما، وها أنذا أجري وراء تلك الحمراء لتعطينيه...
لقد كانت مثلي تبحث عن جواب، كانت تجري وراء السماء لتسألها أن تحكيها قصة حبها مع الأرض، ها أنذا أعثر عما بحثت عنه، أتراها الحمراء عثرت علي جواب سمائها أم لا، أتراه صاحب المثلثين أو صاحبة المثلثين اقتفي أو اقتفت أثري ليسألني أو لتسألني؟...
مللت الاسئلة، لن أبحث بعد اليوم عن جواب، سوف أحث، من اليوم، كل من يسعي إلي جواب أن يطل من نافذته، سوف أبقي أطل من نافذتي أنا أيضا، وكفتنا الدوائر والمثلثات شر الزكام.
|
|
|
رنين متواصل
فرج مجاهد عبدالوهاب الدقهلية
حين عدت من 'الوردية' في المساء كان الأولاد يتأهبون للنوم.. دخلت زوجتي المطبخ لاعداد الطعام بينما دخلت حجرة النوم لتغيير ملابسي المتسخة بالشحم.. التليفزيون يعرض فيلم 'العصور الحديثة' لشارلي شابلن.. ألقيت جسدي المكدود علي السرير، ليظفر ببعض الراحة ريثما يتم تجهيز الطعام.
كانت الماكينات تزأر بعنف وقوة... فجأة توقفت واحدة.. تعطلت.. أشرت إلي أحد الفنيين العمال لإصلاحها ثم اتجهت إلي مكتبي في الطابق العلوي... أوراق كثيرة يجب التوقيع عليها بصفتي المهندس العام للمحلج.
أوراق العمرة السنوية وما سوف نحتاج إليه من قطع غيار...
عمل خطة للأجازات حتي لاتتعطل خطة العمرة الصيفية أو تتأخر..
المدير العام يرسل في طلبي... لابد أنه يريد مناقشة ومراجعة الخطة قبل إرسالها إلي المركز الرئيسي بالقاهرة... دائما هو هكذا.. يطلب الطلب ويريد إنجازه في ثوان كأنني ليس ورائي غيره.. لابد من متابعة اصلاح الجرارات.. ولحام البوابة الحديدية بعد أن كسرتها احدي العربات التي تنقل القطن.. واصلاح ماسورة المياه الخاصة بالحريق و.. و...
خرجت من المكتب بعد أن وضعت الأوراق في جيبي.. تناولت الأجنحة.. صعدت.. أرتفع عن الأرض.. أحوم حول المكتب.. أتخبط في الهواء.. أعلو.. أحاول تفادي المباني العالية إلي فضاء الشونة الكبير.. العمال يتوقفون عن دفع البال علي العربة إلي الشونة.. يتصايحون.. يشيرون نحوي.. أسمع كلماتهم بالكاد..
انس ولاجان!
إنس..
جان..
أحوم حولهم ثم أنزل وسطهم يقولون:
علمنا كيف نطير مثلك!
أرفع يدي إلي السماء وأشير لهم:
هكذا...
تظهر زوجتي من ناحية صالة البذرة وتشير نحوي قائلة:
لو كان زوجي هكذا؟
يصيح الأولاد الثلاثة من خلفها معا:
فيه شيء ما من أبينا...
أتحسس ملامحي وأعاود الانطلاق بعيدا.. أعلو.. أطير.. الفضاء متسع أمامي.. أستطيع الآن أن أحرك ساقي.. أثني جسمي.. أحاول الطيران بأوضاع مختلفة علي جنبي.. علي ظهري..
أري الوجوه تحتي تنمحي.. الأشجار كأنها نقط خضراء.. أسطح المنازل والعمائر متراصة.. عربات النقل الضخمة تتحرك داخل الشونة كأنها ديدان علي الأرض.
العنبر بالبرجين يربض وسط الشونة يحيط به القطن من كل ناحية.. حتي مدخنة الغلابة تطلق دخانها الأبيض رقيقا.. صاعدا نحو السماء.. لايلبث ان يتبخر بعد أمتار قليلة.. العمال الصعايدة يقومون بتستيف اللوطات علي الطبالي الخشبية.. أهم بالنداء عليهم لكني أتراجع.. أسمع رنينا من بعيد.. التف حول نفسي.. لا أري مصدره أفتح ذراعي وأواصل مبتعدا.. يتواصل الرنين حادا.. أرتفع.. صوت الرنين يطاردني.. كأنه يقصدني أنا بالذات.. يتحول إلي صوت أجراس صخمة تدق في أذني.. أحاول الهبوط.. أبحث عن سطح منزلي.. انطلق نحوه.. اقترب منه.. اهبط بسرعة رهيبة.. الصوت يعلو.. سطح المنزل يكبر.. يكبر.. الأجراس تدوي بصوت يتزايد.. اقترب اكثر..
أفتح عيني...
يتوقف رنين المنبه.
|
|
|
غسان الذي تضحكه الملائكة
عبدالعزيز عبدالمعز دياب الشرقية
في لحظة واحدة نطقنا جميعا اسم الولد.. هكذا: غسان.. غسان، كنا نبحث عن اسمه القديم، فلم نجده، اختلفنا كثيرا ونحن نستدعي من ذاكرتنا الأحرف الثلاثة المكونة لاسمه القديم، فمنا من قال سعد، ومنا من قال دعدع، وفهد، وعمر.. ..، فامتعضنا كثيرا ولجمنا أفواهنا حينا من الوقت، حتي انبثق اسمه في لحظة كالبرق: غسان.. غسان.
لم يكن للولد أب، فأبوه مات أو قتل، أو هاجر، أو أصابته اللعنة، فاستحال إلي حجر.. كلب.. هر، لايهمنا ذلك، المهم أن الولد في هذه اللحظة بدون أب، فتخيل كل واحد منا أنه أبوه، أبوه الحقيقي، أبوه الذي أنجبه من صلبه، بعد أن أغوته حورية، أو جنية، أو ست الحسن والجمال، خرجت له من لوحة بديعة مشدودة إلي جدار، أو انشق عنها ماء البحر، أو هبطت من السماء تحاوطها جوقة من الوصيفات الحسان.. كل واحد منا كان في خياله ومعشوقته التي أغوته، فضاجعها في خلاء.. في تجويف صخر.. في قاع بحر، كل واحد منا انتظر مولوده، تلقاه علي كفيه، بحث له عن اسم يزيد عن ثلاثة أحرف، فنطقنا جميعا اسمه في لحظة واحدة، فكان غسان.. غسان.
كأننا جميعا كنا شخصا واحدا، شخصا يمشي، يأكل ويشرب ويعمل، كما هو حال كل البشر، لكنه نسي أنه مثل كل البشر، يحتاج إلي الولد.. السند.. الوريث، وفي غمرة نسيانه كان مندفعا بقوة غامضة، فارتطم في جدار.. صخرة.. شجرة، فانفرط إلي عدة شخوص الذين هم نحن حملوا الولد الذي ليس له أب وأسموه غسان.. هكذا نطقوا الاسم مرة واحدة، لم يعرفوا معناه، لم يستعيروه من أسماء أجدادهم السابقين.. كل هذا لايهم، المهم أنهم اتفقوا علي أن يكون غسان.
لم يكن للولد أم، فأمه فجأة تلاشت.. ماتت.. تزوجت.. باعت نفسها في سوق النخاسة.. عبده امتلكها آخر.. بغل.. فحل، لايهم ذلك، المهم أنه الآن هكذا بدون أم، فتلقفته أيدينا، نحن جميعا حملناه بحنان أم تلقت وليدها، فما عساه الولد يحتاج بعد ذلك إلا إلي حلمة وثدي، فبرزت لنا نحن الرجال، أصحاب الشوارب الكثة أثداء ممتلئة دفئا ولبنا، فتلقفها الولد واحدا وراء الآخر، حتي أخذه النعاس، فتراجعنا بحذر نحن الذين أرحناه علي وسادة ناعمة عندما بدأ يضحك.. يكركع، قلنا تضحكه الملائكة.. لعله يحلم بأننا جميعا نغني له، لم نصبر كثيرا فخرجت أصواتنا مجلوة.. ندية، تزداد ضحكاته.. كركعاته، ونحن آباؤه وأمهاته نتمني أن نقفز مع الولد الذي أسميناه غسان إلي داخل الحلم.
|
|
|
الشوك متشعبط علي كتف الورد
عشري عبد الرحيم سوهاج
لما تحس بإنك
مدوش من حاجه..
أو أحاسيسك ما بتقبلش
غبار بيعكر عينك..
ويصب ف قلبك
حفنة أوجاع..
زخرف شط أيامك
بمشاعر حلوه..
ارمي من ورا ضهرك
حلم مغبش قدامك..
قلمك لسه في إيدك
ومداده بيعزف نور..
الليل بينادي قمرته
تصاحب روحك..
والشمس بتدخل جسدك
تطرح مسك..
سافر جوه قلوب عمرانه
بحبك..
وبلاش تسلم نفسك
لرياح مسمومه..
وقت ما تتعب
ريٌح تحت الشجر الصفصاف..
اللي بيرمي عليك الضله
وفارش تحتك
سجادة بلسم..
البير الشايل سرك
اشرب منه لوحدك
وبلاش يشرب منه الغير..
رفرف زي الطير
في فضاك الواسع..
غني لورق التوت
اللي بيعشق ألحانك..
كرنيف الليف
هلوس الزيف
بيعشعش جوه ضلوعه..
وعيدان الشوك
بتمد إيديها وتتشعبط
علي كتف الورد..
وربابة صدرك
عطر ف نخاشيش
العاشقين..
الريح بتعلي الموجه
بس بترجع تاني..
وبحور شراينك صافيه
مافهاشي عكار
وعمار القلب
بيفتح باب بستانه
للطاهرين..
وأبو وشين
الماسك منجل..
رجله بتتحنجل
قبل ما يدخل يقطع
أشجار الحب..
|
|
|
قصيدتان
عبدالرحيم يوسف الإسكندرية
وعد
ح اعرفك
من ريحة دموعك الباردة
وهي بترن ع البلاط
من دبدبة روحك
وهي بتتخبط في سراديبك الفاضية
من صرختك الأخيرة
وهي بتتشعبط في حبال صوتك
قبل ما تبلعها ميٌة البير السودا
صدٌقيني
ح اعرفك!
وما تأمنيش لفسحة الوقت اللي عدٌي
ولا العمي اللي ح يصاحبني سنين
ح افضل أذاكر تفاصيلك
وأنقشها علي حيطان دماغي الناشفه
واما تحين ساعتك
ح اعرفك..
وح افضل واقف وسط الناس
وهمٌا بيتزاحموا حواليكي
واما ينفض الزحام
ويسألني الواقف جنبي قبل ما يمشي
'تعرفها؟!'
ح امسح دموعي البطيئة
وانا..
'ما اعرفهاش!'
خفٌاش الحب
متشعلق ف سقف قلبك المهجور
رجليا ماسكه في شريان متخشٌب
ودماغي بتتمرجح في الهوا الواقف..
رحلتي العميا وقفت هنا
وصرختي زي مركب بيخرج وما يرجعش
حتي العناكب..
سابت لي غزلها وطفشت!
وحيد
خالص!
بعد ما مصيت دم الناس دي كلها!
ولطشت بجناحاتي كل الشبابيك المنسيٌه
وعلٌمت لمبة السلم تنام م المغرب
والأفكار السهرانه تروٌح مطاطيٌه
وحيد
موت!
وورايا طابور قلوب ممصوصه
ومواعيد بقت جلد علي عضم
باقلٌبها في دماغي علي أقل من مهلي
واستحلب عصارتها المرٌه
نقطه..
نقطه..
وانا متعلٌق في قلب فاضي ومقفول
مش عارف اطلع منٌه
ولا بالزمر البلدي!
|
|
|
|