|
|
| السنة - | 780 | ه - العدد | 1429 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2008 | يونيو | من | 22 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:57:24 AM |
 |
الساعة - |
 |
6/21/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| رحبة |
 |
|
|
يوم في طهران
ندي الأزهري
 | | جدارية في أحد شوارع طهران |
|
علي قارعة الطريق في شمال طهران الحي السكني الراقي. الثلج يهطل والسيارات تعبر عجلي غير عابئة بذراعي الممتدة. يحن بعضها ويتوقف سائلا عن الوجهة. مركز المدينة أرد بالفارسية بصوت متردد.
نه ،نه، معذرة، مركز شهر نه! . أتجرأ في طرح سؤال أعلم جوابه ولكن، لما؟! . ينطلق السائقون في ردود لن أفهم مفرداتها لمحدودية قاموسي اللغوي، لكنني أعرف محتواها رقم سيارتي لا يسمح لي بالدخول إلي المركز، لا تصريح لدي ولا أستطيع دفع الغرامة، أعمل في شمال العاصمة فقط، ألا ترين الثلج؟ لا أريد أن أضيع ساعتين في الزحام... . أشير لكل السيارات دون تمييز. ليس سهلا التعرف علي سيارات الأجرة من عداها، فحتي تلك مصنفة حسب المناطق، و مكاتب التاكسي سياراتها خاصة. كيف لي بالقدرة علي التمييز؟!
ها هو من سيبادر أخيرا إلي إنقاذي. ألقي بنفسي في المقعد الخلفي، تبدأ الرحلة الطويلة. أفكر، قد يستغرق الوقت ثلاث ساعات رواحا وعودة من البيت إلي المركز، من الممكن أن أصل إلي أي بلد عربي مجاور في وقت أقل. الحد الأدني أربعون دقيقة وقد تطول إلي أربع ساعات علي الطريق السريع الذي يربط مركز العاصمة بالشمال.
زحام طهران أسطوري. أرقب السير من نافذة السيارة. تنحشر ست سيارات علي طريق تسع لأربعة في الاتجاهين. صفوف لا نهاية لها. يسألني السائق بتهذيب قبل أن يشعل سيجارته إن كان التدخين يضايقني. أتوقف الأمر علي دخان هذه؟ أقول في نفسي، وأنا من قرأ أن تنفس هواء طهران لدقيقة يعادل تدخين تسع سيجارات. لم يسألني إن كان المذياع يزعجني. هو الآخر لا يفعل. علي العكس أحاول التقاط بعض الكلمات فلا أفهم سوي الشيطان، عبادي وسياسي، وزين العابدين، وسيد الشهداء عليه السلام . نحن في شهر المناسبات الدينية والوطنية من عاشوراء إلي ذكري الثورة. يبطئ السائق من سيره البطيء أصلا، جاءته رسالة علي الجوال. أستعرض ما حولي. لوحات دعائية ضخمة لأجهزة منزلية فرنسية وكورية، لسيارات فخمة ألمانية.


علي جدران بعض الأبنية لوحات مرسومة لشهداء إيران في الحرب العراقية الإيرانية، وما أكثرهم... اتحاد ملي انسجام إسلامي شعار السنة الفارسية الحالية، التي هي علي وشك الانتهاء، معلقا أيضا فوق بعض الجسور. لوحات عمودية للخميني في ذكري فجر الثورة الإسلامية. لا صور للرئيس الإيراني بين كل هذا. ينبعث من المذياع عزف فيه شجن يميز الموسيقي الإيرانية، يغطيه صخب مرور حافلة نقل عام، النساء متجمعات في الخلف والرجال في الأمام. علي السيارات كتابات قليلة لكن معظمها دينية. اللهم عجل لوليك الفرج علي واحدة، وعلي أخري يا حسين يا مظلوم . سيارات بيكان الجميلة في حال صعب لقدمها، لكنها مازالت تلف الشوارع بهمة وتحد نافثة دخانها الأسود. يخيم علي المدينة لون رمادي كئيب، تزيد من كآبته الثلوج التي تحولت إلي وحول علي الطرقات. من المستحسن النظر إلي الثلج الذي يغطي المساحات الخضراء الواسعة علي جانبي الطريق السريع. الزحام كبير رغم تقنين البنزين، أبواق السيارات لا تزعق بمناسبة ودون مناسبة كما في سورية ولبنان. طريقة القيادة لا ترعب القادم من البلدان الغربية فحسب بل أيضا هؤلاء المعتادون علي الفوضي في البلدان العربية. الحوادث قليلة نسبيا. نقترب بتصميم من الساحة المركزية. حركة في جميع الاتجاهات. صفوف من الواقفين انتظارا لوسيلة نقل، وتجمعات لعابرين تحاول بإصرار خرق مسير سيارات لا تتوقف إلا مرغمة، شارات المرور قليلة. لولا ملابس النساء، لذكٌر المشهد العام بمركز دمشق، لا حجاب علي الطريقة العربية. شابات يعبرن، يميزهن جمال واضح وشخصية مؤكدة. لطلتهن سحر خاص رغم طريقة اللباس. البنطال الطويل أو القصير مع الجزمة، يعلوه ثوب خفيف يصل إلي ما فوق الركبتين، فوقه معطف شتوي قصير. بعضهن يضع طاقية ووشاح علي الرقبة ونظارات شمسية، وأخريات يظهرهن شعورهن من الأمام والجانبين تحت غطاء شكلي، فيما يبدو التشادور أكثر ظهورا في مركز المدينة مقارنة بشمالها. معظمهن نحيفات ودقيقات الجسم لا يجمعهن مع العربيات سوي لون الشعر والبشرة. شباب يرسلون شعورهم الحالكة السواد وذقونهم، أو يربطونها كذيل الحصان. يبدون طلبة أو فنانين.


محلات بيع الورد عديدة. تخطر في البال هنا جموع الإيرانيين في المطار. يحمل المستقبلون باقات الورد لتقديمها للقادمين، عادة إيرانية بامتياز. الحدائق والمنتزهات المنتشرة في طهران، ليست فقط محاولة يائسة للتخفيف من تلوثها، بل هي شهادة علي المكانة الأثيرة للطبيعة لدي الجميع. تثير الانتباه كل هذه الزوايا الصغيرة في الأحياء التي استغلت لتحويلها إلي بستان صغير كما يقال بالفارسية.
السير شبه متوقف في شوارع المركز الضيقة، الثلج يعاود الهطول. ياله من يوم، ستفوتني رؤية المسرحية التي تعرض ضمن احتفالات إيران بالثورة الإسلامية. جاء دور مهرجان فجر المسرحي، بعد انتهاء فجر السينمائي والموسيقي. يشرح لي السائق شيئا لا أفهمه. يتأكد من أنني خارجي ( أجنبية) بعد أن خدعه مظهري والكلمات القليلة التي نطقتها بلهجة من يتقن اللغة. يسألني عن بلدي، أتردد ثم أذكر فرنسا فرانساوي! زين الدين زيدان . وبرنة مفعمة بإعجاب يعبر خيلي(كثير) عالي ، في وصفه لأداء زيدان في مباراة فرنسا ضد البرازيل. ثم يضيف ما يعتبره ميزة أخري مسلم . أردد بلي، بلي الكلمة العربية التي تعني نعم بالفارسية. نصعد الجسر، علي اليسار العلم الأمريكي مرسوما علي جدار عال وقد استبدلت نجماته بقنابل وخط عليه الموت لأمريكا . ينتهزها السائق فرصة للتعليق. مفرداتي المعدودة بالفارسية، وإعراضي عن الحديث بالسياسة منعاني من متابعة هذا الحديث معه. احترم صمتي. نعبر كنيسة الأرمن وبعض الأبنية التي اسود لونها. في الجهة المقابلة نستدير لنري جدارية ضخمة مرسومة للعذراء والمسيح، تحت الجسر مكتبات منتشرة علي جانبي الشارع.
استغرق المشوار ساعة وربع. سألت السائق عن الأجرة رد بحياء الأمر لا يستأهل مستخدما صيغة الجمع في مخاطبتي. تحفظ ملحوظ و تهذيب شديد وعبارات مجاملة متكررة. نقدته ما يعادل خمسة دولار ونصف، شكرني بتعبير ساحر يدكم لا تصيبها الأوجاع .


أجول في هذا الزحام في شارع انقلاب أي الثورة بالفارسية، حركة المرور علي أشدها ودخان العوادم يتسلل إلي الرئتين. شعور بتحسس في الحنجرة وبرأس ثقيل، ثقيل.
مكتبات عديدة أيضا، نحن قرب جامعة طهران. داخل مبني المسرح أفواج من الشباب والشابات تنتظر الدخول. وحضور كثيف ملأ القاعة رغم أن المسرحية بالفرنسية وغير مترجمة. عدة فتيات يحملن آلات تصوير ذات عدسات مقربة ضخمة.
عاودت البحث المضني عن التاكسي من أجل رحلة العودة. يبدأ الترافيك حوالي الرابعة. رضي أحدهم بالتوجه إلي الشمال. الجبال المحيطة بطهران من جهة الشمال تقف كسد منيع أمام تجدد الهواء، تبقي الغازات معلقة كأنها غمامة. السائق سألني إن كنت أحب الاستماع إلي الموسيقي. سألت نفسي عما سنسمعه؟ المسجلة والمنوعات الإيرانية المنتشرة بكثرة، أم المذياع الذي هو أكثر انتشارا في التاكسي؟
لا هذا ولا ذاك. صدح صوت مغنية منوعات لبنانية. سألت السائق بخبث راديو إيران؟ . كأنني نطقت بطرفة. ضحك ضحكة صاخبة، ترك المقود وهو يشير نحو السماء راديو إيران؟! راديو إيران، الله أكبر الله أكبر فقط .
|
|
|
البريد السريع
سألنا قراءنا وأدباءنا في صفحة أخبار الأدب علي ' الفيس بوك ' عن رأيهم فيما ينقص الجريدة من وجهة نظرهم وما رأيهم في الهوامش وهذا عدد من المشاركات
رءوف مسعد في رد علي موضوع ما ينقص أخبار الأدب
ينقص اخبار الأدب :اولا البعد عن المجاملات الأدبية وشيلني واشيلك .. بمعني ان اخبار الأدب قدمت كتابات وكتابا هايفين ولم تعتذر عما فعلت في القراء !
اثنان: ان تقدم اخبار الأدب نصوصا جديدة بجد .. اي مرة اخري ان تبتعد عن المجاملات ويكون ذلك ان تطلب من كتٌاب راسخين ومؤسسين ان يقدموا كتابة جديدة قرأوها حتي لو كانت غير مطبوعة وان يحددوا الأسباب لاعتبارها كتابة جيدة تستحق ان يدور حولها نقاش وان تقدم للقراء ورشة كتابة يتداولها المؤلفون بهدف تفهيم القاريء ماذا يدور من حوله.
ثالثا جردة شهرية لاصدارات دور النشر بدون تعليق.
رابعا: جردة سنوية لما قدمته اخبار الأدب من افعال اي تقديم متابعات أو كتاب أو مناقشات هامة وطلب رأي القراء في ذلك
و تقديراتهم .. اي إعطاء درجات نجاح او سقوط!
وأن تقوم أخبار الأدب بعمل استفتاء عن أسوأ وأحسن الكتابات العربية خلال سنة مثلا وتعلن ذلك ..المسائل واضحة لمن له مخ فيفهم !!
سعيد أبوطالب في رد علي موضوع ما ينقص أخبار الأدب
إما أن تلغوا تلقي الأعمال عن طريق الفاكس أو البريد الإلكتروني، أو تحترموه وتعتبروه وتفعلوه، ارسلت لكم للنشر أعمالا عديدة ولا مجيب، أرهقتني كثرة الإرسال، ولا مجيب، هل أنا مضطر للحضور للصحيفة حتي أنشر؟
لن أبالغ أن عددت 20 قصيدة ارسلتها لكم دون جدوي. العوض علي الله.
أخبار الأدب: نعتذر عن تأخر وصول بعض الأعمال التي تصلنا من خلال البريد الإلكتروني، ويمكن لقراء أخبار الأدب الراغبين في إرسال أعمالهم للنشر مراسلتنا علي الإيميل الجديد بجانب الإيميل القديم وهو:
akh bar.eladab@gmail.com
-------------- --
إبراهيم حسن _ في رد علي موضوع هوامش مقترحة لأخبار الأدب
حين استيقظ في الصباح، اختبر لذة لا تجضاهي: إنني سلفادور دالي. وأسأل نفسي ما الذي سيفعله اليوم هذا الإنسان المعجزة، سلفادور دالي .
يوميات عبقري
سلفادور دالي
هاني مهني علي حائط أخبار الأدب
أنا ألفيني حتي النصر :)
أحمد مجدي كتب أول عبارة علي حائط أخبار الأدب
Viva Akhbar aladab
|
|
|
تحية وعتاب ل 'أخبار الأدب'
أحلي سلام لاهالي مدينة أخبار الادب بداية من حارس البوابة والمسئول عن نقطة العبور مرورا بساحة الاخبار والواقفين 'ع الناصية' بكل أدب لا يتركون شاردة ولاواردة شرقا وغربا وصولا الي غارس البستان والمارين من ساحة الابداع وعابري رحبة الكلمة انتهاء بسكان الضواحي.. ضواحي الفضفضة.
تحية تقدير ل 15 عام من السباحة عكس التيار.. ل 15 عاما من الكلمة المسئولة في زمن الصمت الطخب.
ليس من السهل السعي الي نشر ثقافة وطنية تقدمية منفتحة علي التجربة الانسانية في زمن يحاصر فيه المثقف العربي ب 'مثلث الرعب'.
منيو امبريالي يسعي إلي تدجين الهويات الوطنية وصهرها في بوتقة العولمة.. استبداد سلطوي يري في الثقافة الحرة خطرا علي أمن الدولة وخيانة عظمي للوطن (المزرعة).. مد سلفي أصولي يعاني من سوء هضم مزمن للثقافة والابداع (رجس من عمل الشيطان) ويبشر المثقفين الزنادقة بتحولهم إلي مصادر للطاقة في جهنم.
تحية.. لكن عتاب للتقصير في الاهتمام بالانتاج الثقافي في المغرب العربي وأجزاء اخري من الوطن.. يزعجني ان أري بعض المغالاة والافراط في المصرية'. اكره ان تتحوك الي شوفينية لا أري انها تتلاءم مع زمن يسعي فيه الكثيرون الي ضرب مقومات الهوية العربية عبر تدعيم الهويات مافوق القومية او ما تحتها وفي كثير من الاحيان الهويات ماقبل الوطنية (عشائرية ، مذهبية، طائفية).
تحية واستغراب لهذا الانسياق الي موضة 'باولو كويلهو' صاحب النجومية العولمية.. لا اري شخصيا انه قدم الكثير لاخبار الادب أو حتي للادب بحد ذاته.
تحية لكن امتعاص من تحول السعي إلي نظرة نقدية موضوعية وبناءة لتاريخنا العربي المعاصر إلي حفلات سب حقوده وتافهة في حق أشخاص من طينة جمال عبدالناصر رغم كل أخطائهم وتجاوزاتهم.. ليس من الشجاعة الادبية تصفية الحسابات مع الموتي وتحميلهم مسئولية كل آلام البشرية ومصائبها في حين ادعاء قصر النظر مع المعربدين الأحياء.
تحية خاصة للذين اشرفوا علي اعداد ملف 'الارشيف'.. موضوع شيق رغم مايوحي به الاسم من غبار وبرودة و هنا أريد أن أقترح علي المسئولين عن نشر اخبار الادب ان يطوروا هذه الفكرة في شكل عدد خارج السلسلة) يصدر كل شهر أو كل ثلاثية ويتطرق الي مواضيع من 'الحجم الثقيل' كالمدونات والوثائقي الثقافي.. و... و..
كما انني اقترح عليكم ان تخصصوا ركنا للسينما.. خاصة ما يتعلق بالأفلام المستوحاة من أعمال ادبية حتي نحمي الذاكرة من التكلس.
دمتم للثقافة
محمد رامي عبدالمولي
صفاقس / تونس
|
|
|
الأدب في خطر
العزيز/ الأستاذ جمال الغيطاني المحترم أطيب التحيات لكم
ليس من قبيل المجاملة القول بأن مقالكم الاخير في العدد الجديد من أخبارالأدب يستحق ملفا كاملا في صحيفتكم الجميلة لانكم قلتم في نهاية المقال: إن الأدب الحقيقي في خطر وهي حقيقة مرة تستحق البحث من كل جوانبها، فالمساهمون في إبراز الادب الضحل لتمرير مؤامرة، لايختلفون كثيرا عمن يجاملون الادب الضحل، مجاملات مدفوعة الاجر، كما أن غياب النقد الادبي الصادق أدي إلي تلك الغثاثة والضحالة. أطيب التحيات والتقدير لكم ولتوجهكم الادبي الرائع دمتم لنا ذخرا.
توفيق أبوشومر
|
|
|
أنا المؤنث في الأرض الثالثة
لينا الطيبي
 | | فوتوغرافيا : أنطون برويل |
|
خبرتج هذه السماء، خبرتج الأرض، عرفتج كيف يمكن لنيزك صغير أن يودي بحياة قارة، وكيف تدور الشمس حول الأرض، وكيف يفعل القمر، وعرفت أن العالم ينقسم إلي قسمين ليل ونهار، وشمس وقمر، وأن هذه القسمة تنسحب علي ثنائيات كثيرة عرفت منها مؤنث ومذكر.
المؤنث أنا.. والمذكر آخر يختلف عني..
أمدٌ يدي بحثا عن أرض تجمعنا، واحتمال لضفة ثالثة نتربع عليها.
هل يحتوي المؤنث مذكره؟ أم يحتوي المذكر مؤنثه؟ سؤالان ظلا في ذاكرتي، أيهما يعيش في الآخر؟ هل أن الرحم الذي يلد كليهما هو الأقدر علي الاحتواء؟ أم أن الآخر أيضا يستطيع أن يبطن نفسه برحم للاحتواء؟
خبرتج أيضا أن القمر للأنثي (والقمر في اللغة العربية مذكر) لا يشابهها بل يباغتها، يعكس عليها تحولاته وأوهامه، يعايشها في جنونه لما يكتمل، ويفرض عليها فرح كونه هلالا. وإذ يتربع عرش السماء تبتل النساء بمائه ويفضن به.
يهبط الليل رويدا رويدا مثل سماء لا تتأخر أبدا عن موعدها، القمر يباغت أنثاه في أحلامها ويباغتها في واقعها، يستوي ليؤلف دورتها، ويحيط بها ليفيض معها.
عرفتج أن القمر لا يشبه الرجال أبدا، وعرفتج أن الشمس (مؤنثة في لغتنا العربية) تميل إلي الرجال الذين يقومون بأعمالهم الفاضحة في ضوئها، بينما تلوذ النساء إلي حكمة القمر وستار ليله.
للنساء القمر وللرجال الشمس، قسمة عادلة ومضيئة بحدٌ ذاتها.
خبرتج أن العالم الذي قسمنا إلي قسمين احتفي بوجودنا تحت سماء واحدة، تتوالد كل يوم وتظلٌ كما هي أسطورة لبقاء خالد يحتوي جنحي العالم.


في الأنثي منا ذكر، وفي الذكر أنثي، كل يفيض بما يفيض به، يعمم ما يختلجه ويغنيه، وفي الميثولوجيا اليونانية القديمة تضرعت الآلهة كي يمتزج هرمافروديتس (ابن افروديت وهرمس) مع حبيبته سلماسيس ليصبحا كائنا واحدا، وكان أن استجيب للدعاء ليتمازجا في جسد واحد يحمل صفات الأنوثة والذكورة معا.
الجسد في ما يرسمه من تفاصيل يحدد الجنس بين مؤنث ومذكر تبعا للمفهوم العام، لكن الدخول في تفاصيل هذا الجسد، فيما يوحيه وما يستوحي منه أكثر إرباكا في تحديد الهوية، والهوية بمفهومها الذي يندرج لمؤنث ومذكر تصبح سلما طويلا في سياق متشعب، قد يكون توازن الهرمون في جسد الأنثي او الذكر هو بداية المطاف وليس نهايته، في اللغة أيضا تبدو مسألة تحديد الهوية أكثر تشعبا بل وقدرة علي الإيهام.
في الكتابة الإبداعية تصبح اللغة (مؤنثة في العربية) أكثر انسحارا وتوجسا أيضا، تصير أداة غامضة ومكشوفة في آن، وتفصح عن هويتها من خلال سبل عديدة أو أنها تظل في سياق حجابها الايهامي.
اللغة كما الأنثي تضم في رحم داخلي باطنها المستتر، وتستعير هويات مختلفة لتعلن حضورها.
كنت أقفل الصفحة الأخيرة من كتاب لوسي إيريغاري عن §سيكولوجية الأنوثة: مرآة المرأة الأخري§ وتوقفت كثيرا أمام جملة الختام التي قالت فيها إيريغاري: §إذا شئتم معرفة المزيد عن الأنوثة، فما عليكم إلا أن تساءلوا تجربتكم الخاصة، أو أن تتوجهوا بسؤالكم إلي الشعراء§.
هل أن الشعراء فعلا أكثر قدرة علي تعريف ماهية الأنوثة؟ سؤال تردد بي كثيرا وأنا أحاول هنا الوقوف عنده استنادا إلي تجربة خاصة.
أثناء الكتابة أقفل نفسي عليٌ كما لو أني أقوم بفعل تعرية فاضح، أأسر نفسي داخل نفسي، بل أكورها في رحمي حتي أصبح في حالة تشبه مخاضا، ليس فيها آلام المخاض لكنها تكتنز بكل جبروت لذته، الرحم في لغتنا العربية مذكر، غير أنه بطانة للأنثي الكامنة في داخله، تتكور الكتابة )المؤنثة في باطن المذكر، أصبح أنا الأخري قابعة داخل أنوثتي، لكن يظل غلاف لحظتي مذكرا، هل هو مذكر فعلا؟ اتساءل بصوت عال وأنا أراجع انطوائي (هل يبدو الانطواء هنا فعلا حالة سيكولوجية تنضوي تحت ذات المسمي)، وليكن إذن هل أشبه لحظة خروج القصيدة إلي محاولة هدم الرحم المذكر أو الخروج من عزلته؟ تتشابك الأسئلة بحثا عن إجابات؟ لكن هل من شيء قاطع؟ وبمعني آخر هل من إجابة قاطعة عليٌ أن أدركها؟
أقرأ قصائد شاعرات وشعراء، أستدل علي هوية متفاقمة أحيانا وهي تعلن عن مصير هويتها، وأقف أحيانا عند هوية تلمح الأرض الثالثة التي هي أرض الخصوبة، وأرض اللقاء بين قطبي الكون.


الوذ بالمذكر لآخذ قوته (المؤنثة في عربيتنا) وأمنحه ضعفي (المذكر في لغتنا)، متضادان لا غني لأحدهما عن الآخر، قطبا كون تنهار المعرفة عند احتجاب أحدهما؟
هل علي الشاعرة/الشاعر أن يعيدا تأسيس الثنائي لحظة الكتابة؟ هل أن الحياة (المؤنثة في لغتنا) تستطيع أن تكمل سيرورتها من دون الموت (المذكر في لغتنا)؟
علي صعيد شخصي.. أتحايل في الكتابة علي الأرضية الثالثة التي أبحث عنها، يصبح النص أحيانا أقل إكتراثا في إعلان هويته، أسميه لغة مقنعة، لكن ألا يعني هذا أيضا أنه يعلن عن هويته بتجل كامل، ألا يعلن المقنٌع عن أنثاه؟
في الشعر، كما في الحياة، تكتسب الأجساد رهاناتها البيولوجية، يغدو الجسد أشد انزياحا نحو هرموناته، قد يتساوي فلا يعتدل، ويميل فيدلٌ ويعلن، وقد يذهب في انزياحاته كثيرا أو قليلا وفقا لمعادلات حياتية خصبة: الأنثي/الأنثي، الأنثي/الرجل الأنثي، الأنثي/الرجل وبالمقابل يصبح المذكر الرجل/الرجل، الرجل/ الأنثيالرجل، الرجل/الأنثي.
بميلان كامل أعلن عن أنوثتي في الحياة وفي الكتابة، ألوذ بضعفها، وأحلم بقوة الآخر، أضلل الكلمات كي أظلٌ متوارية في انزياحي، وبميلان كامل، أيضا، أحاول اختراق جدار الرحم من أجل ألا أبقي حبيسة داخله.
الشعر لحظة مخاضه، يصبح إختراقا، كائنا وحيدا يواجه مصيره بحياة أولي، لكنها حياة مكثفة لأنها نتيجة خبرات طويلة.
يصرخ أولي صرخاته فيما يعبر حدٌ الألم الفاصل بين حياته الداخلية وحياته الخارجية، ويقبل علي الهواء الأول، الهواء الذي سيقيم في رئتيه طويلا، الهواء الذي لن يستطيع أن يحيا في ما بعد من غيره.


تخرج القصيدة إلي مواجهة حياتها ورهاناتها، تماما كما الوليد، تشفع لها طفولتها بارتكاب (الحماقات) أليس كل اختراق (حماقة) بمفهوم الكل أو بعضه؟
كما الوليد، أيضا، أنزاح الي الهواء الأول، الأكثر عذرية بمفهوم الحجاب، والأكثر قدرة أيضا علي المعصية بالمفهوم نفسه، أجتاز بقصيدتي عتبتها الأولي وأرسم ظلالاجديدة أخوض بها لأتسع.
القصيدة طفولة بكر، لم تتعرف بعد علي هويتها، تكتنز رغباتها وتشتعل في داخلها، تعيش علي الأرض الثالثة، تلك التي تضم العالم في قطبيه، وتلمح الحياة علي افقه. لكن ما أن تتأسس حتي تخرج من غيبوبة لونها لتستقر علي نفسها. القصيدة ايضا مخاض عصي لنا أن نلوذ بلذته، ونحتمي بصرخته.
تشبه حياة القصيدة العالم كله في نزاعاته وانتزاعاته، وتشبه أيضا الأنا التي تتشعب لتخترق أو تلوذ بجدارها راضية به حكما أبديا يكتنز وعيا لا يرتعش.
ولأن القصيدة المؤنثة في عربيتنا ستظل في حالة مواجهة لاختراق جدار الشعر المذكر في لغتنا، ستبقي القصيدة يتيمة إلا من حضورها الشفيف، ما لم تعجل بالاختراق لحظة مخاضها، هي التي جمعت في لحظة غيبوبتها الأولي خصوبة المؤنث بلقاح المذكر؟
ألا تشبه القصيدة هيرمافروديتس لحظة امتزاجه بسيلماسيس، سيصبحا جسدا واحدا يعيش في مشيئة رغباته مستقلا ولكنه لن يواصل صيرورة حياته بلا رحم المؤنث؟
ألهذا ربما تدفع ايريغاري بسؤالها عن الأنوثة الي الشعراء؟
|
|
|
|