دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -780ه - العدد1429جمادي الآخرةمن18- م2008يونيو من22 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:00:52 PM الساعة - 6/21/2006 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
كهان أور
محمد آدم
كزار حنتوش
سوف أدهن السماء بدمعة كبيرة وباحدي أغنياتك التي تركتها علي حجارة البصرة
وأدعو كافة العصافير التي طارت من ساحة الشهداء أن تحط علي قبرك الذي يشبه حنجرة باكية لسركون بولس
أنت أيها السيد كزار حنتوش
يامن قابلتني في ليلة عاصفة قرب ميناء البصرة ووقفت
علي دكتك الخشبية تنظر إلي شط العرب باعتباره معجزة من معجزات الرب
لم تكن تمسك في إحدي يديك غير شمسك التي تبحث عن الدفء
هذه الشمس التي أخذت تتكوم تحت قدميك مثل نبته جافية
فيما ترفع قميصك المنسوج من الدم والأساطير وتطوح به
عبر سموات كردستان
هل أخذتك العزة بالإثم وأنت تعرض جروحك علي طاولة المفاوضات أمام الحاكم العسكري للمدينة ، بينما يقف علي مقربة منك عقيل علي
وهو يحاول أن يربط بين دجلة والفرات بمنديل صغير لقروية كانت تحلب النوق فوق جبال كردستان ومشارف زاخو؟
هل كنت تحلم بوطن يشبه المستعمرات دائما؟
كيف أصبحت رئناك اللتان تورمتا بفعل محبة الوطن مثل نهرين صغيرين من الدم
فيما العلوج الأمريكان يحتسون البيرة المثلجة والفودكا علي الطريق ما بين الرصافة والكرخ ولم يكن ثمة طريق آخر يسلكه المندائيون والصابئة. والكلدانيون
وكهان أور
والعبرانيون الأوائل
إلا ذلك الطريق الذي يمر بين شرايينك ودمك
ألم تقل لي ونحن علي مشارف العمارة أن آزر قد بني خيمة هائلة للرب
فيما يسجد للبعل علي بوابات بابل
كيف تركت قصيدتك هكذا عارية في العراء الضحل
ودون أن تقيم لها نصبا تذكاريا
أو حتي تنسج لها وبيديك اللتين احترفتا كتابة القصائد درعا واقية من القنابل العنقودية ودبابات ميركافا
التي تجوب شوارع بغداد فيما يعرف الآن بالمنطقة الخضراء لكي تحاصر قصائدك
هل أنهيت قصيدتك التي أخفيتها في جيب بنطالك الخلفي
وبعيدا عن أعين اليكتاتور
وحين سئمت من المطاردة جلست في حالة من حانات السليمانية
رحت تبكي علي امرأة تشبه شمس أربيل
لماذا قررت ان تموت الآن باكزار حنتوش
وقبل أن تري الوردة التي زرعتها في دمك؟!!
سركون بولص
قطعا
سيسلك هذه الدروب التي انحنت أوراقها علي خطواتنا
ولم يكن ليدنا التي تعمل مثل كوكب خرب أن تعرف الطريق إلي هذه الأرض
ولم يكن لهذا الجسد أن يغسل تراب نوافيره بمناقير الطيور التي تقف مثل كوابيس مؤجلة علي ساحة السماء الراسخة لتؤسس لموسيقي الرغبة
أما آن لتلك الفراشة أن تنام علي سرير
الليل أما آن لهذا النهار أن يتوقف ولو لدقيقة واحدة علي سن ابرة؟!
قطعا
سيمسك بأصابع البيانو ليعزف عليها نغمة التراب
ولن يكون هناك سوي الضوء ذلك العراف الأعمي لأوركسترا الفراغ!!
توقفي أيتها الفراشات التي تسير علي شرنقة العدم
إلي أن ينتهي العالم علي شفاجرف هار
أو علي مسافة كافية من الجحيم ذاته.
سعدي يوسف
والآن
أيها السيد الطفل
لم نعد نبصر في أيدينا غير العرق والأجر
وسنوات الحصي والرغبة التي توقفت علي الجدران والنوافذ
وأودية الكريستال التي تمتليء بالدم
لتقف شاهدة علي قبورنا الملقاة فوق ظهورنا والمفتوحة عبر الأفق
وأيامنا التي عانينا فيها وبمفردنا الخطأ والنسيان ودون تدخل من الطبيعة الحية أو الصامتة علي حد سواء
تلك الأيام التي أترعناها بالقنوط والنكران!!
أيتها الحوائط المفتوحة لليل
ليس ثمة ما تفعله الآن سوي أن نقيم لها نصبا تذكاريا علي قارعة الطرق
لسنواتنا المضللة وأغنياتنا المجرحة علي الرمل ودون أن نمتثل للآلم
ذلك الخفاش العجوز الذي يزهر علي أطراف اصابعنا ودواخلنا
وهو يعض بأنيابه العنكبوتية علي زهرة الخشخاش اللامعة التي ربيناها صغارا
تحت أسرتنا الملونة
فيما يعمل كحفار هائل علي اختراق الطبقات اللاإنسانية للعالم
ودون أن يصيبه الغثيان أو الملل
ولايريد أن يتوقف ولو للحظة واحدة حتي يصل إلي تلك الشبكات الضوئية
العميقة التي تربط الجسد بالجسد.
والجذر بالجذر
وها هو ذا الألم يقف سدا ترابيا منيعا بين الشهيق والزفير لأحلامنا المبتكرة!!

أمنا الغولة
ا لمحله:محمد داود
حددتْ الغولة مجدٌّة تنسي فيها سبعة صناديق ممتلئة بالأوراق، وانتهت المدة منذ عدة أعوام بحساب البشر للوقت، تذكرتْ الغولة الصناديق، وأماكن إخفائها في شبكة السراديب، والأقبية، ومخازن الفرائس. جاء بالأوراق أن بها ما محته الغولة من نفسها، وما ثبٌّتتْه فيها.
بخمر النسيان والتثبيت الغولي، تجثّبٌِتج الغولة في نفسها وتمحو منها، ثم تجد مع الوقت أنها إن ارتاحت من شيء بمحوه وتثبيت غيره، فالحياة لا تلبث حتي تضيف للنفس المزيد مما يؤلم لدرجة ضرورة محوه. كلما ضاقت بما في نفسها، أعدٌّتْ شراب النسيان والتثبيت، من أمخاخ أطفال رضع بلا ذكريات، وعواجيز ضاعت منهم الذاكرة، تجرتب الطقوس، تتلو التعاويذ، تحذف من النفس ما يثقلها، وتضع ما تريد، وقد تجحدٌِد مدة للنسيان، أو تجعله دائما.
بشغف الباحث عن ذاكرة مفقودة، أخرجت الغولة الأوراق المدونة بخط يدها. كلما بدأت في قراءة صفحة تركتها وقفزتْ لأخري، وصندوق آخر، ولم تتم القراءة.
خافت الغولة لأول مرة في حياتها، زاد خوفها لما قرأت أن الغيلان لا يخافون ولا يندمون، مهما محوا من نفوسهم وأثبتوا بها، قد يمحو الغول من نفسه أنه ابن أو أب لغول ما، ويثبت غير ذلك، بلا تردد ولا خوف، بلا ندم أو بحث عن الحقيقية. خشيت الغولة أن تكون قد تأثرت بحياتها بين البشر فصارت مثلهم تخاف، وتتردد، وتندم. أسرعت فحرقت كل الأوراق.





شربت الإنسية ألطاف من ماء لوٌّثته الغولة بدمعها، وقرأت عليه تعاويذ غولية، فولدت ألطاف، من زوجها الإنسي زهزه الخمخوم، طفلا له صفات الغيلان. وسخطت الغولة الإنسية ألطاف إلي شجرة، واتخذت هي شكل ألطاف: لتعيش مع زوجها زّهْزّه الخمخوم، وما زالت به، تسقيه الأخلاط، تتخذ له أشكالا مختلفة كعقارب وثعابين، وكائنات مخيفة غير معروفة، وأحبٌّة وأعادي ماتوا، وتسخطه هو نفسه لأشكال مؤقتة، بعضجها جمادات كحصيرة، وقجبقاب عمومي بجامع القرية، تدوسة الأقدام، وتتشرب روحه بالأوساخ والمذلة، ثم تعيده لهيئته البشرية، يعاني الهلاوس والهواجس وفقد المال والابن، وانتهي إلي مستشفي المجانين، بعد أن انسخط ليوم كامل إلي حمار جربان بزريبة مجنافسه اللدود المستشار غنيم الثالث، وظل يحمل السباخ والتراب، لا يستطيع الصراخ، ولا هرش أكلان رهيب في جلده، فيما يسوقه أجير عنيف بالكرباج والعصا.
وسخطتْ الغولة زهزه الخمخوم إلي صورة باهتة مصفرٌّة، وخرجتْ به من مستشفي المجانين، ثم وضعته علي الحائط بغرفتها. يطل زهزه من الصورة، يري الغولة تأتي بمّنْ تغويه مِنّ الفرائس، فمنهم من يجد نفسه قد شاخ بعد مطارحتها العشق، أو يتحول أثناء ذلك إلي امرأة، وقد يجد نفسه كتلة دهن ينصهر، أو يتلخبط جسده، يتدلي رأسه من أسفل الظهر وتبزغ قدمه من بين كتفيه، ثم تنفخ فيه الغولة: فيصير حجارة، وتضمه إلي الفرائس المختزنة: لتنفخ فيه، تعيده كما كان وتأكله عندما تجوع، أو تسخطه شيئا تستعمله، كمشط أو مرآة أو وسادة. يري زهزه ويسمع كل شيء من صورته، وقد وجضِعت في براويز بكل ركن من المخازن والسراديب.
هكذا انتقمت الغولة من معشوقها البشري زهزه الخمخوم. كانت لأجله قد تمردت علي غوليتها، نبذت أهلها، أعلي فصيل في الغيلان، وتزوٌّجته راضية أن تكون بلا ذرية، لأن الغولة لا تنجب من إنسي، ثم إذا هو يريد الزواج من الإنسية ألطاف قائلا للغولة:
_ "المال والبنون زينة الحياة. أنت عاقر. من يرث أموالي إن لم أنجب؟!¢.
لم ير أحد الغولة تبكي، كانت تجمع دموعها، وتسكبها خلف الدار القديمة، فتنبت بموضعها أشجار البرقش الغولية، التي تشبه الدوم عند البشر. وتغلبت الغولة علي الحزن بانقلاب الحجب إلي الرغبة في الانتقام. بشفائها من عشق زهزه الخمخوم، استعادت قدراتها الغولية، وبدأت بوادر الشفاء فور علمها بنيته في الزواج من الإنسية ألطاف، استعادت القدرة علي تشكيل الوجوه في أعين الآخرين، قبٌّحت وجه زهزة في نظر الإنسية ألطاف، فكانت ألطاف تري وجهه مثل كلب يتأهب لالتهامها، لكن أهل ألطاف أرغموها علي الزواج منه، وهجر هو الغولة، وإذ حّمْلت منه ألطاف وولدت، اكتمل شفاء الغولة من عشقه، وسرقت ابنه الرضيع، أطلقتْ عليه اسمه الغولي روصنم، واسمه بين الناس في الهيئة البشرية منصور.
هذه الحكاية قرأتها الغولة بالأوراق، حيث دونت حكايات وأقوال كثيرة، مختلطة، متناقضة، مثلا أن الغيلان لا يبكون، وأنه لا يمكن استعمال القدرات الغولية لغير الصيد والالتهام.





ما قرأته الغولة بالأوراق بدا لها غير معقول، لم تستطع تصور قرة عينها، وزهرة حياتها روصنم، ليس ابنها من حبيب عمرها زهزه الخمخوم. شبٌّ روصنم بالهيئة البشرية المعروفة للناس، استعاد بمساعدة الغولة أكثر مما ضاع قديما من ثروة أبيه، وصار الحاج منصور. فهل رعتْ الغولة وربٌّت، وسقتْ الأخلاط الغولية لإنسي ليس ابنها؟!، كيف تتصور أنها لا تسخط ولا تصيد من أهل البلد ولا تسحر القلوب للمحبة والكراهية عجزا، وليس بسبب عهد لها مع زهزه الخمخوم؟!. وكيف ثم كيف تتصور أن هذه هي حقيقة علاقتها بمعشوقها زهزه، الذي تناجي صورته كل يوم، كمن يصلي أمام أيقونة؟!.
تبين للغولة خطأ تدوين تلك الأوراق. كانت بحروف غولية لا يعرفها البشر، لكن ماذا لو وقعت في يد أحد من الغيلان، ماذا لو قرأها روصنم (الحاج منصور) بأي مصادفة عابثة، وكل مخبوء بالأرض إلي انكشاف؟!.
فكرتْ الغولة أنه من المستحيل تمييز الحقيقي من الزائف بالأوراق، لكن كل شيء قد يكون زيفا عدا أن روصنم هو ابنها الغالي من زهزه الخمخوم عشقها الكبير الوحيد. أيد ذلك بنفسها ما وجدت من تناقض فيما قرأت بالأوراق مع بعضه ومع واقع حياتها، مثلا بإمكانها استعمال قدراتها الغولية لغير الصيد والالتهام، هي فقط تقول ذلك لروصنم: من أجل تهذيبه وتربيته، وكي لا يتورط فيما يضره وهو ما زال في بداية طريق التغول.
ما كاد احتراق الأوراق يتم، حتي شعرت الغولة بالتسرع، رأت دخان الاحتراق يتجمع إلي سحابة قاتمة ثابتة فوق الدار القديمة، ندمت، وتداوت بخمر النسيان، محت من نفسها ما قرأت، بل محت للأبد أنه كانت هناك أوراق بخط يدها، فيها حكايات كثيرة عنها، مكتوبة بحبر لا يبهت مستخلص من دماء أجِنٌّة لم تر نور الحياة. وجدت الغولة أن هذا هو السبيل الوحيد للاستمرار في حياتها كما تريد، ثّبٌّتت بنفسها فقط أنه كان هناك ما قد محت منها وما أضافت إليها. ونظرت للسحابة السوداء غير مدركة لأصلها، تساءلت: ¢مالهذه الغيامة سوداء، ولا تتحرك؟!¢.
وثقلت علي الغولة آلام أخري، فحذفت مجددا من نفسها وأضافت، ولما تفكرت في الزائف بذاكرتها وما قد انمحي، قال لها عقلها "عيشي بما في نفسك الآن، لا يهم ما هو حقيقي وما هو زائف¢، عدٌّلتْ في شراب النسيان والتثبيت: لتضيف البراءة والتلقائية، بأن تعده من أمخاخ عصافير مسخوطة عن الأطفال الرضع الذين بلا ذكريات والعواجيز الذين ضاعت منهم الذاكرة. وثّبٌّتتْ الغولة في نفسها أنٌّه لم يكن هناك شيء محته منها، أو أضافته إليها، فلا تدرك أنه كان هناك أصل قبل كل زيف واختلاق، وتعتقد مثلا أنها هي التي اختارت ألا تسحر قلوب البشر للمحبة والكراهية. واختفت السحابة السوداء من السماء.
وفكٌّرت الغولة أنها كفاها ما عاشته من الزمن مرئية للناس بهذه القرية، رتبت مع روصنم (الحاج منصور) أن تختفي بما يبدو موتا. وجاء الجميع لعزائه في (أمه الحاجة ألطاف).





ومما كان بالأوراق التي حرقتها الغولة، أنها اسمها دواهي، وتنافست هي والغولة سواهي في عشق الإنسي زهزه الخمخوم، وفازت بقلبه سواهي. وكان الغول طنطف يحب دواهي، فأغرته: ليسخط سواهي إلي شجرة أمام الجامع الذي كان مصلي صغيرا بقرية زهزه الخمخوم. اضطرت دواهي للاستعانة بطنطف لأنه لا يسخط الغول إلا غولة، ولا يسخط الغولة إلا غول.
وكان بالأوراق أن الحب والعشق ومثل ذلك من تعبيرات إنسية هو عند الغيلان الجنس فقط، ويطلقون عليه المعاشقة، وأن لعنة التيه عن ديار الغيلان تصيب كل من يسخط غولا، أو يعرف بذلك ويوافق عليه، وأن طنطف استهان باللعنة مقابل معاشقة دواهي، وبعد تنفيذ المهمة وجدتْه دواهي أمامها، تفوح منه رائحة معناها "هلمي إلي يا شريكتي في اللعنة، ليس لك غيري بعد الآن¢، قبل نطقه بأي كلام، سخطته إلي كلب وفي: فلم تضطر إلي معاشقته، وأمِنّتْ أن يسخطها هو: بسبب عشقها لزهزه الخمخوم، الإنسي الذي من الأصل فضٌّل عليها الغولة سواهي.
وكان بالأوراق أيضا أن دواهي اتخذت شكل سواهي، تزوجت زهزه الخمخوم علي أنها هي سواهي، وما كادت تفرح حتي وجدته يقول "المال والبنون زينة الحياة¢. وحين سخطت دواهي الإنسية ألطاف، جعلت شجرتها عجوزا مجهولة النوع بجانب الكوبري وسط القرية، فيما بجانبه الآخر وأمام الجامع، شجرة الغولة سواهي المسخوطة بفعل طنطف، مجهولة النوع أيضا، ضخمة، أوراقها كثيفة، تجف ولا تسقط منها، تتراكم عليها إلي كتل كأعشاش كبيرة.
قرأت الغولة بالأوراق أنها ثبتت في نفسها ألا تشعر بالشجرتين للأبد، رغم ذلك طارت في شكل عصفور، حلقت حولهما وحطت عليهما، وعادت بلا يقين، هل ما تطلق الشجرة العجوز (ألطاف) حفيفا، أم هو أنين وآلام التوق المستحيل للتخلص من عذابي يكبر مع الأيام، كابنها (الحاج منصور) الذي يمر أمامها ولا ينتبه لحفيفها، واهتزاز أفرعها، وكثرة تساقط أوراقها؟.





آخر ما هو ثابت الآن في نفس الغولة، ويعرفه منها الحاج منصور، أنه الغول روصنم من أبيه الإنسي زهزه الخمخوم، وكلبه الأسود الضخم، كلب غيلان وفي، وأنها نبذت الأهل والديار: لأجل والد روصنم، واتخذت بعلمه شكل إنسية باسم ألطاف: ليعيشا معا بين البشر.
بدأ روصنم الوعي بالحياة علي العيش مع (أمه) الغولة في دار قديمة، كبيرة، باقية من ثروة الأب المهدرة. أعدته الغولة للتغول بصبر، وعلمته الحروف الغولية، فلما مال قلبه للإنسية حظوظ، سعتْ سرا لينهزم في المنافسة عليها مع الإنسي خليل ابن إبراهيم مجاهد، وسرٌّعت من صعوده للغِني، فصار الحاج منصور، بعد ما بدا للقرية فقرا لابن عزيزي فرٌّ من مستشفي المجانين وتاه في البلاد.
غيٌّر الحاج منصور اسم كلبه من طنطف إلي مينغ، وبني منزلا بالناحية الأخري من الترعة، تاركا الناحية الفقيرة من البلد، حيث الدور طينية، مثل قواقع قديمة، متآكلة، ومتكتلة مع بعضها: فتبدو في البرد متدثرة بالقش فوقها، أكبرها وأبعدها عن الكوبري، الدار القديمة للحاج، وقد تحولت إلي مخزن محاصيل تجارته، وأسفلها مخازن للفرائس التي يصطادها هو والغولة.





الشجرة العجوز (ألطاف) تميل بجذعها الكبير عابرة الترعة، تلامس الماء بفروعها السفلية، وتعلو فروعها العلوية سطح دار الجد إبراهيم مجاهد. كان الجد قد حاول أن يقتطع منها لمنقد التدفئة، وجد أن خشبها صلد كالحديد، حد الفأس اعوج ولم يقطع شيئا. في هذا الشتاء، سقط فرع جاف من نفسه علي المنزل، قطٌّعه الجد بسهولة غير صعوبة القطع من الشجرة نفسها، استعمل أجزاء من الفرع المقطوع في المنقد، قالت أمه الجدة الكركوبة فضلية:
_ "الله،.. يالها من رائحة طيبة!¢.
الجد إبراهيم وحفيدتاه الصغريان دعاء وهند اتفقوا مع الجدة علي أن رائحة الاحتراق طيبة، ولم توافقهم حظوظ، أرملة خليل ابن الجد إبراهيم، وابنتاها الكبريان انشراح وامتثال، لكن الأرملة، وكبري بناتها انشراح، لا تمانعان في تلبية طلب الجدة التي تقول كلما أشعلوا المنقد:
_ "ضعوا قطعة من الخشب المعطر¢.
تجسرِع الصغيرة هند وتضع الخشب (العطري) قبل الجميع، خاصة أختها الصغري دعاء.





قبيل العِشاء، وبغرض الصيد، اتخذ الحاج منصور (روصنم) شكل زوجته ست الدار. بدا امرأة بذراع بيضاء، مضيئة، تشير في الظلام الشتوي من المدخل المرتفع للمنزل، وتنادي:
_ "يا بتوع البطاطين¢.
لم تتوقف سيارة نصف نقل محملة بالبطاطين، تمر ببطء في السكة المحاذية للترعة أمام المنزل. السائق عوض سمع النداء، رغم الزجاج المغلق والتلفيعة الملفوفة علي أذنه، نظر جهة الذراع المضيئة. عطوة، تاجر البطاطين ومؤجٌِر السيارة، أخرج علبة سجائر، وقال:
_ "دعك منها، لا تتوقف¢.
أشعل سيجارة لنفسه، ولم يعزم بمثلها علي السائق عوض. قال:
_ "هذه أول مرة لك معي يا عوض، لكن لعلك مررتّ بهذه القرية¢.
_ "أمجر علي أماكن كثيرة بالسيارة، لكني لم أحضر لهذه النواحي من قبل، نعم، إن شاء الله¢.
_ "صاحب هذا المنزل يدعي الحاج منصور. لا نستطيع المجيء والبيع هنا بدون موافقته، كل تجار البطاطين يدفعون لكبار المنطقة. هذه القرية صغيرة، لكن بها اثنين من كبار الأعيان هما الحاج منصور والمستشار غنيم الرابع، ولهما نصيب طبعا¢.
للحاج منصور (روصنم) قدرة علي السماع في الظلام للمدي الذي يصله بصوته، غضِب: لأنه لم تؤخذ موافقته، ولم يتقاض شيئا للسماح لأحد بالبيع في القرية، فكٌّر أنه يجب أن يفعل ذلك، رغم أن كبار القري الأخري لا يأخذون شيئا كما يدٌّعي التاجر عطوة. قال السائق عوض:
_ "سبحان مقسم الأرزاق، نعم إن شاء الله¢.
_ "نحن يا عوض نبيع هذه البطاطين للغلابة فقط، أما الأغنياء فلا ينخدعون. في الطرف الآخر من هذه القرية سأشير لك نحو قصر المستشار غنيم الرابع، ستري سورا عاليا، وقد تشم رائحة زهر البرتقال، لكنك لن تري القصر، ولا الحديقة الكبيرة خلف السور¢.
تزامن أذان العشاء مع الاقتراب من جامع البلد، قال السائق عوض: _ "ألا نتوقف لنصلي حتي يبارك الله لنا¢.
سكت التاجر عطوة، علي أمل ألا يعود السائق عوض لطلبه بالتوقف، قال عوض:
_ "يجب أن نعطي الله حقه، فنصلي: ليرزقنا، نعم، إن شاء الله، والصلاة بركة للرزق،...¢.
انقطع كلام السائق عوض بخبطات علي السيارة من صندوقها الخلفي، اضطر التاجر عطوة لإنزال الزجاج، رغم البرد، سمع طلب التوقف للصلاة من البائع الطويل النحيل فهيم، الراكب في الصندوق الخلفي للسيارة مع البطاطين والباعة السٌّريحة الآخرين: زكريا الأعرج، وصقر الغضبان، ونعمان الزعلان، وبكر الناشف، ومصيلحي، وسبرتو.
معروف أن البائع الطويل النحيل فهيم يتعاطي الكيوف، وغير معروف عنه الحرص علي الصلاة. يلقبه الباعة بفيلسوف الغبرة. بادر هو بالتعبير عن رغبتهم في التوقف للصلاة ودخول مراحيض الجامع، وفي نيته شراء سجائر من الدكان المفتوح جوار الجامع وأمام الكوبري.
هز التاجر عطوة رأسه بما معناه ¢حتي أنت يا فيلسوف الغبرة تقول الصلاة!¢. ووافق علي مضض قائلا:
_ "لكن بسرعة¢.
هبط الباعة من السيارة، وظل فيها السائق عوض حتي يفرغ أحدهم من صلاته فيحرسها بدلا منه. أسرع البائع فهيم، هز طوله النحيل، واشتري سيجارتين قبل الدخول للجامع.
الزلباني البقال صاحب الدكان آخر من يدخل للصلاة، وأول من يخرج من الجامع: ليستقبل الزبائن الخارجين من الصلاة، ودائما يكون في الصف الأخير من المصلين. فرح بتوقف سيارة باعة البطاطين، وتفاءل ببيع السجائر الفرط للبائع الطويل النحيل فهيم.
البائع سبرتو، واسمه الأصلي محمد زغلول، تباطأ في النزول من السيارة، ولم يدخل الجامع، حمل بضعة بطاطين علي ظهره، وقال لبصة السائق عوض المتسائلة:
_ "سألف لفة، وأعود بسرعة¢.
ولم يترك البائع سبرتو للسائق عوض فرصة للقول ¢صلٌِ أولا: ليكرمك ربك، ويبارك في رزقك، نعم، إن شاء الله¢. انطلق سبرتو في العتمة ونيته المرأة ذات الذراع المضيئة.
مصيلحي، البائع القصير التخين، دخل الجامع مع الباعة بجسمه فيما عقله وقلبه مع سبرتو، فشل في النط من شباك دورة المياه التي دخلها أمام الآخرين، فتسلل خارجا دون أن يراه أحد: ليلحق بسبرتو.

نجم يتيم
العراق:معد الجبوري


مطر يطرق أبواب الضحي،
وامرأة عارية تدنو،
وتدنو،
وأنا أقعد تحت السور
قلبي حجل نام عليه الثلج
والطوفان مني.. قاب جرحين،
علي جيدي ونحري..
مطر،
أم حلم يهطل فيروزا
وقداحا..
علي صحراء عمري؟..
لاخطي كانت هنا تخفق،
لا قطرة صوت،
لا صدي،
من أين جاءت هذه الظبية ؟!
كيف الوهج الطالع من
سرتها
فاض علي عيني.
آن احترق القوس مع
النشاب،
والبرد طواني،
بعد أن قوس ظهري؟!





مطر يطرق أعماقي
يد تنفضني، كالمعطف
المغبر:
­ هيا..
أيها الطالع من تحت الهشيم.
...
قم معي، وانظر الي القلعة،
لم يبق بها غير غزاة وسبايا،
وجهك الان علي أسوارها،
نجم يتيم.
هات كفيك وعينيك،
نرج السور تلو السور،
وليبتدي الطوفان،
هيا.. قم وعانقني
ففي وجهك ما يملأ بالدفء،
ذراعي وصدري..
....................
وتوهجت،
استفاق الحجل،
امتد شهيق الروح،
حتي اخر الأرض:
­ افتحي سيدة الأمطار، وجهي
وادخلي،
وجهي برج،
كلما هدمة الزلزال.
من بين ركام الهدم
والعصف،
يقوم..
ربما من قبل ألفي قدم
داست علي غرسي وزهري..
ها هنا كان يقيم..
في الرخام الاسمر الفاتح
والغامق.
وجهي بعد مازال،
انظري،
تلك سلالات من الطير،
التي اطلقتها من قبل الفين،
عليه، لم تزل بعد تحوم..
ولوجهي ما تبقي من لقي
العاج،
بقعر البئر،
رجي بيديك، الآن بئري،
واحمليني كرقيم..





مطر يفتح ابواب الضحي
وامرأة تخطفني.. اخطفها،
تلبسني. ألبسها،
تجري.. واجري..
ويفور الوهج الاحمر في
القلعة،
في الأسوار.،
في الأحجار،
في الفخار
حتي ينبض الطين،
ومن أبراجها،
تطلع الاف النجوم..
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: