|
|
| السنة - | 780 | ه - العدد | 1429 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2008 | يونيو | من | 22 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:58:55 PM |
 |
الساعة - |
 |
6/21/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
عن عتبات المتاهة:
هاجس العيشفي عالم سريالي
الجزائر: الطاهر وطار
أغواني سطر واحد فيه كلمة واحدة تحت عنوان عتبات المتاهة، رواية، فقلت هذا شاعر آخر، يسقط من شرفة الشعر حيث يتفرد بتأمل ذاته، إلي حلبة الرواية، حيث يلتقي بأناس، بعضهم من صنعه وخلقه، وبعضهم تعلقوا بعوالمه، فاصطدم بهم أحب من أحب منهم وكره من كره منهم كذلك.
لقد مل الشاعر الوحدة والعزلة، قلت كما تعودت أن أقول كلما قدم لي شاعر كتابا أو مخطوطا، عليه تحت العنوان سطر واحد، به كلمة واحدة: رواية.
أغواني، فقلت والله، أتوقف عن متابعة الدمية لإبراهيم الكوني، وأتبصر ما قدم صديقي أحمد عبد الكريم، الذي قرأت له أكثر من نص، وأعجبت بأعسره. وقبل أن أنهي ال142 صفحة، أغويت أيضا بالكتابة عن هذا النص كنموذج لنصوص أخري سبق أن قرأتها مثل كتابي عزالدين ميهوبي واللذين بهما أيضا السطر الغاوي.. رواية. أو كنصوص أخري لشعراء لم أتفرغ لها بعد.
كنت قد وضعت نظرية شخصية، في الدوافع التي تقوي هرمونات الرواية عند الشعراء علي حساب هرمونات الشعر، وطبقا لخياراتي الفكرية، حملت الشعر العربي الحديث المسئولية فقد غرق في التجريد والسريالية، إلي حد نضبت فيه القواميس من الكلمات، وجفت كل آبار الذات الأنانية والنرجسية، والجبن، والطمع، والامتثالية والاتكالية.


لقد انكفأ الشاعر علي نفسه واعتزل الناس وهمومهم حتي كره نفسه، وخرج ليتأمل الآخرين.
بحكم النشأة والتكوين والعادة، كبرجوازية صغيرة، لم تعتن بها أية بوتقة نضالية، يعسر علي الشاعر أن ينزل من عليائه، ويرتمي في أدران الآخرين. لا يبقي أمامه، سوي صنع آخرين وصنع عالم أو عوالم يحركهم فيها، ويتفاعل معهم بكل العواطف.
إنها عملية إشباع لرغبة مكبوتة، وتعويض عن عجز، فرضه مناخ الشعر الحديث، وهي أشبه ما تكون، بالاستمناء في الحلم أو في اليقظة. ولعلنا نسمح لأنفسنا بنعتها بالاستمناء الأدبي.
الناس تموت تنتحر في البر وفي البحر، تخرج من الملة، الناس تعاني وضعيات اقتصادية واجتماعية، أليمة، الانسداد، يجثم علي الحياة، كما لو أنه فيروس لا علاج له، ولا أمل في البرء منه، والشعر يشكو من شوك الوردة، ومن دموع النرجسة.
عام فعام وعقد فعقد، والشاعر وحده، يقرأ زبوره في قاعة شبه خالية، يتلقي بعض الثناء، ثم يهجر، كما يهجر المسلول.
فلتكن، إذن، نصوص فيها الناس. فيها الحياة. فيها التخلص من الغربة.
ولهذا أميل إلي القول، بأن شخصيات روايات الشعراء التي قرأتها، هي مثل شخصيات أحمد عبد الكريم، ملتقي بها، وغير مخلوقة، غير مصنوعة، وبالتالي تفتقد إلي الأبعاد، وهي تتصرف، بأوامر، وبعشوائية، وليس بقدر محتوم، تحمله في جيناتها.
بدءا من البطل الرئيسي، الأعسر الذي يتضح أنه المؤلف إلي كاهنة القبائلية التي جمعته بها الصدفة، إلي الكاهنة التاريخية إلي عقبة بن نافع إلي أبي المهاجر دينار، فسائق التاكسي، فالمدني صاحب المقهي فالمجاهد أيوب فزبائن المقهي بما فيهم ماريا الرومية وابنتها راشيل، فمجموعة الإسلاميين، وغيرهم.. نستطيع أن نحذف بعضهم، أو نضيف إليهم آخرين، أو حتي نغير دورهم.
ولعل أحسن ما يقربنا لهاته الشخوص، هو التعرف علي الموضوع، وعلي تفاعل الناس وهم يؤدون أدوارهم طبقا له.


إنها رحلة شاب من الهامل إلي الجزائر، لا ندري أهو طالب، أم باحث عن شغل، فقط نعرف أنه شريف من سلالة الأدارسة، وبالضبط من سلالة أحمد بن بوزيد، وبما أنه كذلك فقد فرض عليه أن يرقي فتاة تكبره بسنوات وقد شفيت علي يده ودلها عليه جانها كما قالت فتعرفت عليه قرب مقهي اللوتس وصارا حبيبين، ونستطيع القول بأن الموضوع يتفرع إلي مواضيع عديدة، تهم خاصة الأعسر، ويمكن تلخيصه في جملة واحدة: مغامرة فتي صحراوي شريف، في مدينة الجزائر. وهي بكل صفة ورغم بعض المعاناة طيبة.
ولعل أفضل ما يقربنا من التعرف علي هاته الشخوص، هو التعرف علي الأدوار التي أدوها، فشكلت هيكلية العمل، التي تتمثل في عشر لوحات، تنفصل عن بعضها بعناوين بعضها شاعري جميل:
الراقي/ كاهنة.. أولي العتبات / امرأة الأجراس الصعبة / أجراس الأمكنة الأولي / مشاهدات القبلي / تذكارات القبو الأسود / رسالتان إلي رحيل /صيف أرجواني / دماء الياسمين / ورود لزرقة البحر.
الراقي سلاحه انتسابه للعترة الشريفة وما عرفه خلسة عن أبيه من مبادئ السحر وعشق مدينة الهامل وشيوخ زاويتها، وبعض الدراية بالتاريخ الخلدوني.
اللوحة الثانية كما هو عنوانها بنت أمازيغية تصاب بالصرع، ارتمت في أحضان هذا القبلي الذي يصغرها، تدخن ولا مانع عندها من ممارسة الجنس.
من خلال كاهنة هذه يحدثنا المؤلف بتفصيل ممل عن الكاهنة التاريخية ومغامراتها العاطفية وحروبها وموتها علي يد حسان بن النعمان، بحز رأسها وهي عزلاء وإرساله إلي خليفة المسلمين عبد الملك بن مروان، كما يحدثنا عن عقبة بن نافع وأبي المهاجر دينار، وكسيلي وأبناء الكاهنة، والبزنطيين، وما إلي ذلك.
في أجراس الأمكنة، وجد مبرح بالقرية والزاوية إلي حد إثبات نص شعري.
يضطر القبلي إلي العمل كنادل في مقهي، سرعان ما تنقذه مهارته في إعداد الشاي فيعفي من العمل ويتخصص في الشاي، وهذا المقهي عجيب، كل رواده شيوخ علي مشارف الموت، ومن يرحل منهم يبقي مقعده شاغرا ويدفن من طرف زملائه طبقا لوصيته، بما فيهم ماريا الرومية التي سيأتي التعرض لها.
يلقي عليه القبض بغرفة ابن عمه إدريس الملتحي، الذي انتقل إلي الحياة السرية والعمل مع الجماعات الإسلامية المسلحة، يعاني الأمرين في السجن بالقبو الذي يسترجع فيه مرة أخري ذكريات القرية والأصل الشريف.
وعندما يفرج عنه يمنع من الدخول إلي الحي الجامعي، يلتجئ إلي حمام الرومية، وهي سيدة فرنسية، مات زوجها ودفن في مدينة الهامل بمقبرة مسيحيةٌ!، وأوصت بأن تدفن جنبه، وقد حدث ذلك في الظلمة خوفا من المسلحين، من الحمام ينتقل إلي منزل الرومية، ويصير صديقا حميما لها، يكتب لها الرسائل لابنتها رشيل المقيمة في فرنسا، والتي يخبرها بموت أمها وبما قام به من مغامرة الدفن تلبية للوصية.
في صيف أرجواني يفاجئه المسلحون وكاهنة في ساحة صوفية وبعد العتاب والتهديد، يتم عقد قرانهما بولي من المسلحين وبقاض منهم، بعده تختفي كاهنة، بعد أن دخل بها كزوجة شرعية..!
يعيدنا إلي المقهي وإلي منزل أيوب وهو مجاهد يبيع الزهور، هدده المسلحون بتغيير تجارته لأن الزهور تستعمل في الأعراس، فيعد بندقيته ليواجههم، ويقص عليه مآسيه وبطولاته.
وفي الختام يتلقي رسالتين، واحدة من أشيل تشكره فيها عما فعله لأمها، وتدعوه للانتقال إليها مشروع عاطفة وتتنازل له عن التركة.. وواحدة من كاهنة تعلمه فيها أنها بفرنسا تشتغل وأنها أنجبت منه ولدا سمته عقبة، وتدعوه إلي الالتحاق بها إن شاء ذلك. أما سبب اختفائها، فيعود إلي أنه لم يتحمس للزواج، معبرا عن ذلك بعبارة: لكن.
يرمي في البحر بعض الزهرات لراشيل أولا ثم لكاهنة ثم لعقبة ثم له.
في هذه اللوحات العشر، نجد اثنتي عشر محطة تنتشر أفقيا، كما لو أنها إحدي القري الصحراوية، أو بناء قصديري فوضوي، يمكن في كل لحظة أن نضيف بناء آخر، أو حتي أن نهد بعض هذا البنيان، وبسبب انعدام مقدمة منطقية تحصر الهيكل الروائي عموديا، فيكون بناء واحدا له سقف وله أرضيه، وله حدود جانبية، تجري الأحداث في طوابقه ومتاهات غرفه. فنعيش ما يمكن تسميته بدراما الصعود والنزول.
بعض ملاحظات علي الهامش:
الأصل الشريف والانتساب للعترة الشريفة لا يقنع بإمكانية الرقي بمثل هذه السهولة، كما لا يقنع شفاء هذه البنت دفعة واحدة بسهولة ربطها للعلاقة مع هذا القبلي، إلي حد الهجرة إلي الخارج بسببها، وهي أيضا مبررات الهجرة غير مقنعة.
كان المفروض التعمق في التاريخ والحديث عن كل شخوصه كما هم، فالكاهنة زعيمة في مجتمع أمومي، وليس لأنها ساحرة أو جميلة، وفي تاريخ الجزائر كاهنات عديدات، من تينهينان إلي لالا فاطمة بن يوسف إلي لالا خديجة، إلي جميلة بوحيرد ومن معها من الجميلات... ثم إن عقبة بن نافع، وهو ابن خالة عمرو بن العاص، يقول المؤرخون في شأنه أنه كان عسكريا فظا، عكس أبي المهاجر دينار، وهو قبطي الأصل، عرف بالحكمة وبعد التبصر، حتي أنه يقال إن الفضل في استقرار الإسلام بشمال إفريقيا يعود إليه. ثم إن موته (عقبة) لم يكن بأمر من الكاهنة، وكما لو أن الملك كسيلي، ليس له الإحساس بالإهانة.


أستغرب أن يمر البطل الذي هو المؤلف مرور الكرام وبدون أي إحساس إنساني، عن عملية حز رأس ملكة، تحمل حبيبته اسمها، وما يزال الكثيرون من سلالتها يطلقون اسمها علي بناتهم..
إن عدم الاستنكار للعملية، يؤدي حتما إلي الالتذاذ بها أو علي الأقل إلي التشفي.، وإلا ما الداعي لذكرها أو التعرض لها أصلا.
هل كان البطل ينتقم من حبيبته كاهنة؟؟ أم هل كان يهددها؟
شخصية أيوب، المجاهد المناهض للمسلحين، توحي بأنها مستمدة من الحرس البلدي وأننا بصدد التأريخ لبداية التسعينات.
السؤال الذي ظل يلازمني طوال صفحات عتبات المتاهة، هو هل تخلص الشاعر أحمد عبد الكريم من الشاعر، ومن التجريد والسريالية.
أعتقد أن الهاجس الأساسي لما قدمه لنا هو العيش مع الناس لكن في عالم سريالي، يبدأ بالرقية والسحر والجذب، وينتهي بالعودة إلي الذات المتفردة اللامنتمية.
|
|
|
القوائم لها علاقة بالكموالنقد يهتم بالنوعية
غالية قباني
فيما يلي ننشر شهادة الكاتبة السورية غالية قباني عن قوائم البيست سيلر، والمحددات التي تجعل من عمل ما بيست سيلر في عالمنا العربي، وهو الموضوع الذي كنا قد طرحناه في بستان الكتب الماضي
ظهرت قوائم الكتب الاكثر مبيعا في الولايات المتحدة عام 1895 عندما نشرت مجلة (بوكمان) اول قائمة من هذا النوع. اما البريطانيون فقد قاوموا طويلا فكرة ادراج هذه القائمة في صحفهم، بحجة انها اداة تساعد بائعي الكتب علي الترويج لما يريدونه من مؤلفات لم تبع كما كان متوقعا لها. الي ان بادرت صحيفة (صنداي تايمز) عام 1974 وثبتتها في عددها الاسبوعي كل أحد وتبعتها بقية الصحف بعد ذلك. وبسبب وقوف الصحف بالمرصاد ومراقبتها للارقام القادمة من بائعي الكتب ودور النشر، حققت تلك القوائم مصداقيتها وبات من الصعب التلاعب بها.
المنطقة العربية لم تمتلك حتي الان، بحسب علمي، قائمة لها مصداقية تدلنا بصراحة الي مبيعات الكتب. سأشير في هذا السياق الي تجربة بادرت بها صحيفة عربية قبل سنوات عندما اتصلت بمكتبة كبري لتحصل منها علي قائمتها الاسبوعية، ثم تبين بعد فترة ان هناك تواطؤا مع بعض الكتاب الذين تبيع لهم المكتبة، للترويج لكتبهم، وبذلك فشلت المحاولة الصحفية تلك واكتفت بترجمة القوائم الغربية.
اضافة الي غياب القائمة، فان اسباب رواج الكتب تختلف ايضا بين العالمين. الغرب لا يعاني من غياب الحريات، والشفافية هي الاساس في المجتمع، لذا تنفجر الفضائح بسرعة عند اكتشاف كذب مسؤول او شخصية شهيرة اخفيا جانبا من حياتهما عن الجمهور. اما عندنا، فالمسكوت عنه والمخفي والممنوع هم الاساس في مجتمعات تسمي نفسها محافظة، لكنها متواطئة مع الكذب والنفاق تحت شعار الحفاظ علي قيم المجتمع . من هنا تصير المناطق المعتمة في حياة البشر حقولا خصبة لان يخوض بها الكاتب وينبش بجرأة. هذه الرغبة في قراءة المفضوح من الاسرار باتت تغطي علي الاهمية الادبية للرواية، بل علي مستوي الكتابة بصورة عامة، فيتم تجاوز الركاكة والقيمة الادبية لعمل لا يمكن قراءته في اغلب الاحيان سوي قراءة واحدة خبرية، لانه افقر من تقديم قراءة ثانية تحليلية للمجتمع الذي يتحدث عنه.
في الغرب لا ينجح الحضور التسويقي بمفرده في اعطاء الكاتب حضورا ادبيا مؤثرا. فارتفاع المبيعات لها علاقة بذائقة وقتية، ثم انها معنية اساسا بالكم، بينما يركز مراجعو الكتب في الصحف والمهتمون بالشأن الثقافي علي النوعية. هذا الفصل هناك، يقابله ارتباك في الثقافة العربية امام ظاهرة ارتفاع المبيعات التي تمنح صاحب العمل قامة عالية في المشهد الثقافي. كذلك تترجم ظاهرة الروايات العربية الرائجة معلومات خاطئة عن مجتمع يظن انه يقرأ. هل يمكن القول ان نسبة القراءة في مجتمع ما عالية لمجرد ان كتبا من نوعية معينة تبيع برواج عال؟
وقد يعلق شخص ما علي ما سبق بالاستشهاد بالترجمات الكثيرة لتلك الاعمال الي لغات اخري. في الحقيقة هي خدعة تغوينا وتشوش علي تقديرنا للامور. الغرب يحب ان يتلصص علي العوالم الاخري من خلال ادبه لانه اكثر تسلية من الكتب الاجتماعية والسياسية، ومن خلاله يتسلي القراء ايضا في معرفة كيف يحب البشر البعيدون عنهم وكيف يكرهون وكيف يمارسون الجنس. وما يدعم هذا الكلام ان الترجمات الادبية من العالم الثالث يندر ان تتحول الي ظاهرة ادبية أو نموذج في الكتابة تنافس التراث القومي.
لا يعني الكلام السابق ان ارتفاع نسبة المبيعات وجودة الكتابة لا يتجاوران، يحدث ذلك ولكن بحدود ضيقة. انها حالة تشبه رواج السينما المثيرة امام السينما الجادة، مثلا، او رواج المجلات الخفيفة مقابل محدودية مبيعات الصحف الرصينة. لكل جمهوره علي اية حال، والامر ينطبق علي الاعمال الروائية ايضا. وفي الغرب لا تشمل الجوائز الادبية المرموقة، في بريطانيا علي الاقل، اعمالا روائية بوليسية او رومانسية او روايات تشويق. هذه لها جوائزها المستقلة. ولو ان المشهد الثقافي العربي نشط بما فيه الكفاية، لما اختلطت الامور بهذه الكيفية، ولسار كل انتاج بمساره لا يشوش علي غيره.فيما يلي ننشر شهادة الكاتبة السورية غالية قباني عن قوائم البيست سيلر، والمحددات التي تجعل من عمل ما بيست سيلر في عالمنا العربي، وهو الموضوع الذي كنا قد طرحناه في بستان الكتب الماضي
|
|
|
مهمته كانت توفير التناغم بين المرئي واللامرئي:
الفرعون..الملك الإله!
أسامة فاروق
الفرعون، أشهر ألقاب الحكام والملوك علي الإطلاق. الكلمة ذاتها باتت تحمل مدلولات عدة ولا تدل فقط علي شخص الحاكم أو الملك، بل انسحبت علي عصر بكامله، وطبقا لما جاء في كتاب الفرعون.. وأسرار السلطة الصادر مؤخرا عن المركز القومي للترجمة، فان كلمة فرعون استعملت للإشارة إلي الملك بداية من الأسرة الثامنة عشرة، خلال حكم تحتمس الثالث، ثم استعين بها بعد ذلك بمرافقة بعض الكلمات والعبارات مثل جلالته أو عاهل أو سيد القطرين . ويرجع أصل كلمة فرعون إلي المصرية القديمة وتعني البيت الكبير وبداية من الدولة الحديثة استعمل المصريون كلمة الفرعون عند التحدث عن الملك، بعد أن استعين بها لفترة طويلة للإشارة إلي قصره فقط، وربما تبدو هذه الوسيلة متطابقة مع العبارات الدارجة في عصرنا الحالي حين نقول: الاليزيه أو البيت الأبيض أو قصر باكنجهام عند الإشارة إلي بعض رؤساء الدول حاليا.
الكتاب من تأليف ماري آنج بونيم وآني فورجو وهما من أبرز علماء الآثار في العالم، وترجمته فاطمة عبد الله محمود، وراجعه د. محمود ماهر طه وقدمه بمقدمه غريبة دارت حول فرعون موسي وأكدت أن سائر فراعنة مصر كانت تغلب عليهم صفات الطيبة والعدالة والتدين، بالإضافة إلي الشجاعة والحكمة !!، وبشكل عام يحاول الكتاب أن يرصد صورة حقيقية للملك الفرعون من خلال مئات النقوش والأشكال المنحوتة التي تركها المصري القديم .
جزء الكتاب الأول يتناول صورة الفرعون من خلال تساؤل أساسي هو إلي أي مدي يمكن تطبيق فكرة الصورة بمفهومنا نحن الآن علي ثقافة عريقة القدم يهيمن عليها مضمون خاص عن الملكية، يعمل غالبا علي إلغاء شخصية القائم بالسلطة لصالح المؤسسة؟ ويجيب بأن مفهوم الصورة لم يعد يرتكز علي مجرد معايير التفرد، أو بمعني أدق المقدرة علي التمييز ما بين فرد وآخر، ولا علي التشابه.
ولأن جميع الحضارات العريقة لم تقدم لنا معلومات كافية عن حقيقة الوجود الممثلة أو المرسومة، فان معيار فن رسم الصور يبدو وكأنه قد انبثق من القدرة علي التمييز ما بين الموضوع المادي والشخصية الاجتماعية الحقيقية. ولتوضيح تلك الفكرة ينتقل الكتاب مباشرة للحديث عن جسد الفرعون ذلك المجسد دائما بشكل يبدو معه رائعا مكتملا وقد لا يختلف كثيرا عن بنية الآلهة نفسها انه عملاق القامة ذراعاه ممدودتان علي جانبي جسده وغالبا يبدو وقد تقدم بقدمه اليسري إلي الأمام وكأنه يهم بالسير وكعباه مستقران تماما فوق الأرض، ويلاحظ دائما امتزاج الصفات والرموز الملكية مع الشعارات الإلهية هنا يتضح كل شئ فالملك مثله مثل الإله، يضع ذيل أحد الحيوانات مثبتا في حزامه، ويثبت فوق ذقنه لحية مستعارة وكذلك بعض الصولجانات وعددا من التيجان المتباينة الأشكال، لذا وبشكل عام لا يمكن أن يتشابه الفرعون مطلقا مع بقية معاصريه، الذين لا يحملون شارات أو خصائص القوة والسلطة.. رعاياه الذين يبدون بشعورهم الطبيعية أو يغطون رؤوسهم بشعور مستعارة، وقد يطلقون شواربهم في بعض الأحيان.
الفرعون ممثلا
بعد رصد طويل لفكرة الصورة في حياة الفرعون تؤكد المؤلفتان في النهاية أن تمثال الملك أو صورته أعدا من أجل هدف الوجود المطلق واللانهائي، ولكن الملك نفسه مع ذلك يعتبر أيضا مؤديا للأعمال الطقسية الخاصة بالملكية إذن يجب أن ينظر للملك باعتباره ممثلا بكل معني الكلمة، يقوم بتنفيذ برنامج عمل، فيري أحيانا وهو راكع علي ركبتيه يؤدي الصلاة لإلهه، وتارة نجده علي هيئة كبير الكهنة يقوم بالشعائر الدينية، وتارة أخري يتألق في صورة فرعون ينتصر بقوة ذراعه بمفرده علي آلاف من الأعداء الذين يبدون وهم يقعون صرعي تحت قدميه مضرجين في دمائهم.
بطريقة أخري يمكننا أن نقول أن الطبيعة الفرعونية فرضت الكثير علي ذات الملك لذلك ليس من السهل التعرف علي شخصية الفرعون _الممثل الحقيقية، خاصة إذا لم تكن صورته أو تماثيله متضمنة لاسمه الملكي، الذي يعتبر بمثابة المعيار والمقياس الفعلي لتحقيق شخصيته، ومن أبرز النماذج التي يقدمها الكتاب لتوضيح هذه الفكرة، مثال الملكة حتشبسوت حيث ظهرت في حالتان متناقضتان: دورها وطبيعتها كأنثي، ووظيفتها كفرعون.. فبشكل عام تبين مختلف الأوضاع الجسدية لحتشبسوت ازدواج ما تقوم به من أدوار، فتارة نجدها ممثلة كامرأة بكل معني الكلمة، وقد ارتدت رداء أبيض طويلا ملتصقا تماما بجسدها، وفقا للطراز الدارج وقتئذ بين النساء المصريات، وتارة أخري نراها عكس ذلك وقد مثلت في هيئة رجل يتعبد إلي إلهه ويقدم إليه القرابين إذن فلا ريب أن الوظيفة الملكية قد عملت علي إلغاء الجانب الأنثوي لحتشبسوت، فإننا دون وجود اسمها المحفور علي صورتها لا ستحال تماما أن نتبين أنها الملكة.. وبالنسبة إلي المثال الخاص بحتشبسوت فقد تفوقت المؤسسة الفرعونية علي الطبيعة الجسدية وتجاوزتها.
مصير الفرعون
استنادا إلي الفكر السابق فان مصير الملك بعد الوفاة هو الوصول إلي عالم الآلهة، هناك يتم استقباله باعتباره أوزيريس أي ندا ومساويا للإله.. لقد انطلق الصقر نحو السماء غير أنه نصب واحدا آخر مكانه عند سماعهم لهذا النبأ كان عمال دير المدينة أي الجبانة الملكية يهرعون إلي استكمال مقبرة الفرعون التي كانوا يعملون بها، بل كان عليهم أيضا إقامة ساحة عمل جديدة، ويعتبر الملك القائم علي العرش هو فقط الإله الصقر حورس، ولكن عند وفاته سرعان ما ينصب صقر جديد، مثله مثل النجوم اللامعة في أجواء السماء، حيث يتكون كيان الفرعون من مواد لا تفني أبدا قد جسده من الذهب الخالص تطابقا مع الشمس أما عظامه فهي من النحاس وتماثل النجوم في لونها وبالتالي فهو غير قابل للفناء، وبالطبع يمكن إدخال الكثير من هذه الأقوال ضمن ما أسمته المؤلفة ب الدعاية الفرعونية التي تضمن بقاء واستمرارية المؤسسة الفرعونية.
تبدو التزامات الفرعون كثيرة ومتعددة، فهو يقيم الشعائر، ويصدر القوانين، ويسهر علي توفير الأمن الغذائي لبلده، ويخوض المعارك علي رأس جيشه، ولكن في جميع الأحوال ومهما يكن الأمر فمفهوم الملكية في مصر يقوم علي الملكية الموحدة تماما التي لا يمكن أن تتجزأ أبدا، فالفرعون في كل وظيفة من وظائفه يجسد الماعت تجسيدا شاملا، يتضح ذلك من فكرة الملك كمقيم للشعائر، حين يكون بيت الإله هو المعبد الذي يحوي أسرار القوي الكونية ويكون تحت هيمنة الفرعون ومن أجل حمايته أحيط بنطاق مسور، وبسياجه هذا يرتطم الخواء الخارجي ويدمر عند اندفاعه نحوه.
المعبد مكان مقفل يحرم دخوله علي العامة من البشر، وبداخله ينتقل القائم بالشعائر من ضياء الممرات والساحات إلي عتمة القاعات ذات الأساطين ليصل في نهاية الأمر إلي الظلام الدامس بقدس الأقداس، ربما يشبه المعبد المصري بإحدي السنترالات النووية، حيث تتم بعض العمليات الخطيرة التي قد ينجم عنها زلزلة الاستقرار والتوازن العالمي، في حالة حدوث أي إهمال وفي هذا الصدد يمكن اعتبار الكهنة بمثابة فنيين، ولكن الفرعون فقط هو العليم بقوانين هذا المكان السرية الدفينة وهو المسيطر الوحيد علي فعالياتها .
مصر لا تتبع نهج المجتمعات الهندو أوروبية فهي لا تعرف النظم التي ترتكز علي بنية أيدلوجية تتضمن علي التوالي:المجال المقدس والقانوني، والقوي الجسدية والخصوبة، ولكنها ترجع النظم الكونية في عملية الخلق إلي خالق واحد أو إلي مجموعة إلهية. وفي جميع الأحوال يعتبر العالم ككل متناغما ومتسقا لا يمكن فصل عناصره. ولهذا السبب فان النظام الملكي المصري لا يمكن مطابقته أبدا بأي نموذج ملكي في المؤسسات الغربية، ففي مواجهة النظام القائم بالقرون الوسطي علي سبيل المثال نجد أن الفرعون يشغل وظيفة الأسقف عند ملتقي المرئي واللامرئي الملزم بالعمل علي توفير التناغم والتناسق بين العالمين، ووظيفته هنا تحويل نصائح الأسقف وإرشاداته إلي قوانين وقرارات عملية من أجل إرشاد رعاياه وتوجيههم، في المجال الدنيوي أو المادي والجسدي، أما في روما القديمة علي سبيل المثال فكان مجمع الكهنة الثلاثة العظام هو الذي يقوم بمهمة الربط الروحي مع السماء وبجوارهم كان الملك يقوم بمهمة إدارة الحكومة الدنيوية.
ومن هنا يمكننا أن نلاحظ خصوصية المؤسسة الفرعونية وتفردها فالفرعون يجمع في قبضته جميع الوظائف التي يجسدها كل من الكهنة الرومان الثلاثة فهو بمثابة النظام الالهي المجسد في هيئةإنسان.
|
|
|
|