دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -780ه - العدد1429جمادي الآخرةمن18- م2008يونيو من22 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:59:48 PM الساعة - 6/21/2006 آخر تحديث يوم
      أعمدة
بكل أدب
المرشح والسيدة إسرائيل
عزت القمحاوي
سمدار هي إسرائيل وإسرائيل هي العالم، وفاروق حسني تلميذ يتعرض للتأنيب، لكنه من ناحية أخري كلي القدرة، بوسعه أن يجقلٌِب قلوب المصريين، وأن يصنع صورة مختلفة لإسرائيل في مصر!
أقرأ هذه الأيام رواية الطوف الحجري للعبقري جوزيه ساراماجو، التي ترجمها الصديق الدكتور طلعت شاهين، انتظرت الرواية أمامي كثيرا، لكنني لجأت إليها أخيرا، حيث أدخر الروايات الحلوة علاجا لأيام الإحباط.
وبدلا من الاستغراق مع ساراماجو، والطفو معه فوق الإحباط، وقعت في فخ طلعت الذي ذكرني في تقديمه بموقف ساراماجو من إسرائيل، وتصريحاته أثناء الزيارة الشهيرة مع وفد الأدباء للأرض المحتلة عندما وصف مخيمات الفلسطينيين بأنها أوشفيتز جديد وقد تمسك ساراماجو بما قال، أمام كل محاولات الابتزاز من الصحافة الإسرائيلية ومحاولات الاستتابة التي وفرتها له الصحافة الدولية، مؤكدا أنه فكر في تصريحاته جيدا قبل أن يقولها، وهو يعنيها تماما، ويعرف أنه حتي في عدم وجود أفران الغاز فإن ما تفعله إسرائيل يصدر عن روح مماثلة للنازية.
ليسامحني العظيم ساراماجو، أو ليسامح طلعت شاهين الذي ذكرني بتصريحات ساراماجو (وكنا نشرناها في أخبار الأدب في حينها) وفي النهاية ففاروق حسني هو فاروق حسني وساراماجو هو ساراماجو.
وإن فاز فاروق حسني بمنصب أمين عام اليونسكو، فقد سبق أن فاز بطرس غالي بأمانة الأمم المتحدة والبرادعي برئاسة لجنة التفتيش النووية، وإن فشل فقد سبقه اسماعيل سراج الدين، وفي جعبتنا أيضا صفر المونديال، ولم تتغير الحياة في مصر بفوز الفائزين أو بإخفاق المخفقين: فحياتنا ليست معلقة بمنصب في هيئة دولية، بل بما نحن عليه في مصر.
وقد سئمنا من الجدل حول فاروق حسني، وتصريحاته وأخبار مساعديه من أرباب السجون، ولا ينقصنا المزيد من الجدل حول الراية البيضاء التي رفعها بمجرد أن قالت له إسرائيل: أف.
ليست القضية فاروق حسني بل إسرائيل.
هذه الدولة ودورها في الوقيعة بين الأديان والحضارات، قضية يجب أن تكون موضع اهتمام مثقفي العالم، وليس المثقفون المصريون والعرب فقط. ما تفعله إسرائيل هو إزالة الحدود بين اليهودية والدولة العبرية: حيث تجعل تل أبيب من نفسها مرجعية دينية ودنيوية لليهودية واليهود. ومن ينتقد عملا من أعمال دولة إسرائيل يصبح بالضرورة عنصريا معاديا للعرق والدين اليهوديين.
وهذا إرهاب لأصحاب الرأي، واغتصاب لصوت ملايين اليهود المناهضين للأسس التي قامت عليها إسرائيل، وعشرات من كبار المفكرين اليهود الذين يرون في إسرائيل بكل ما تمثله من قيم عدوانية خطرا علي اليهود وعلي مستقبل تعايشهم مع غيرهم من البشر.
والغريب أن هذا التمسك بصيغة الدولة الدينية لم يجعل لتل أبيب في الذهنية الغربية صورة قم الإيرانية، فالإسرائيليون يجسوقون بلدهم باعتباره واحة الديمقراطية في المنطقة. والغرب مستريح لهذه الفصامية. لكن في الغرب أيضا رجال من عينة ساراماجو، يستطيعون الدفاع عن مواقفهم، ويقدرون علي الوقوف بجوار كلمتهم.
من المفترض ألا تكون هناك قداسة لأية دولة، ويستطيع فاروق حسني أن يطلب منصبه الدولي وهو ضد إسرائيل أو ضد فرنسا أو ضد أي بلد في العالم. وبوسعه كوزير في حكومة مصر المرتبطة باتفاقية مع إسرائيل أن يستقبل صحفية إسرائيلية، من دون أن يتصور أو تتصور محاورته أن المثقفين يجب أن يتبعوه في موقفه، فهو المضاف إلي الموقف الثقافي وليس العكس.
كلام فاروق حسني نعرفه جيدا، وهو سريع الإطلاق في كل الاتجاهات. الأخطر هو كلام الصحفية التي حاورته، ولهجتها. وأنا أحتكم هنا إلي الترجمة المنشورة في جريدة الجمهورية، من دون اسم مترجم، وكأنها خرجت من الاستعلامات أو من مكتب الوزير، علما بأن الزميل نائل الطوخي فشل في إيجاد الحوار علي موقع يديعوت أحرنوت.
لكن النص المنشور بالجمهورية أكثر من كاف علي اللغة التي واجهت بها سمدار بيري وزير ثقافتنا، وهي طريقة تتميز بالوقاحة وتمزج بين عمل الصحفي والمحقق الجنائي، وقد صرنا نعرف هذه الطريقة في حوارات الصحفيين الإسرائيليين مع المسئولين المصريين.
الوزير حر في أن يرد عن نفسه أو لا يرد، عندما يعامله صحفي بوصفه متهما، لكن ليس هناك من يرد غيبة الغائبين عن المقابلة وهم المثقفون المصريون.
صحفيو إسرائيل يصرون علي أننا بضعة جنود في معسكر، يأمرهم فاروق حسني بالتطبيع فيطبعوا. ولذلك تعنفه سمدار: تعمل وزيرا للثقافة منذ 21 عاما، والروح التي توحي بها للمثقفين لا تشجعهم علي الاقتراب منا وبعد أن تخبره بأن السفراء الإسرائيليين يشكون منه، تضرب له مثلا بعزلة علي سالم، وتقول له: لو كانت رياح أخري تهب من وزارتك لكان الوضع مختلفا تماما. وما كانت أغنية أنا بكره إسرائيل لتصبح الأكثر انتشارا هنا .
المقابلة كلها تصلح فكرة مسرحية كوميدية لعلي سالم، فسمدار هي إسرائيل وإسرائيل هي العالم، وفاروق حسني تلميذ يتعرض للتأنيب، لكنه من ناحية أخري كلي القدرة، مثل الآلهة، بوسعه أن يجقلٌِب قلوب المصريين بمن فيهم الرجل البسيط شعبان عبدالرحيم، وأن يصنع صورة مختلفة لإسرائيل في مصر، برغم أوشفيتز الذي رآه ساراماجو!

كلمة
ولاءات المثقف
صبري حافظ
المثقف الحر الذي يحرص علي استقلاله ويقبض علي الحقيقة كالقابض علي الجمر يتعرض عادة للبطش الذي يمتد من التصفية الجسدية إلي السجن السياسي وحتي التصفية المعنوية، أو إحاطته بمناخ طارد يدفعه لترك بلاده واللجوء إلي المنفي
في زيارة أخيرة للندن للمشاركة في ندوة شيقة عن النص الحي المتجدد أبدا (ألف ليلة وليلة) التقيت بالصديقة الناقدة العراقية المرموقة فريال جبوري غزول، وقضينا وقتا ممتعا نتناول فيه أخبار الحياة الثقافية في مصر، وما يدور فيها من مشاكل وجدالات. وقد أخبرتني أن بعضهم قد حذرها مني قائلا لها بالتعبير المصري الدال أنني شخص 'مالوش أمان' وضحكنا معا لهذا التحذير الدال. وقد شغلني هذا التعبير زمنا، وأحزنني ما ينطوي عليه من خلط في مسألة بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة ولاءات المثقف. ولكني سرعان ما اعتبرت هذا التحذير نوعا من المدح الذي لم يقصده قائله بأي حال من الأحوال، بل قصد من منظوره لولاءات المثقف المقلوبة في هذه الأيام العكس تماما. لأنه يعني به أن ولاءاتي للأشخاص مشكوك فيها. فولاءاتي، بل وولاءات المثقف الأساسية لا يجب أن تكون لأشخاص بعينهم، مهما كانت وثاقة صلته بهم، ومهما كانت علاقات الصداقة التي تجمعه وإياهم. وإنما يجب أن تكون لمجموعة راسخة من القيم الأدبية والفكرية والأخلاقية الأصيلة. وللموقف الفكري النقدي الحر، وهي قيم ثابته لا تتغير، بينما يتغير البشر ويتحولون تحولات تصل في بعض الأحيان حدا يتنكرون معه لكل ما دافعوا عنه من قبل.
والمثقف إنسان كغيره من البشر، له صداقات شخصية عليه أن يكون وفيا لها. لكن علاقاته الثقافية بما فيها صداقاته الثقافية، هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من دوره الثقافي العام، ومن قناعاته الفكرية ومجموعة المواقف التي يتخلق عبرها هذا الدور ويمارس فعاليته في الواقع. ولا يعني هذا أنه ليس للمثقف صداقات بين المثقفين، بل إن الصداقات الثقافية تلعب دورا كبيرا في تكوين المثقف حينما يسعي عادة مع مجموعة من مجايليه لبلورة رؤيته ولعب دوره في الحياة الثقافية. وتتحول هذه الصداقات في كثير من الأحيان إلي تجمعات أدبية وثقافية، بل وإلي مدارس واتجاهات فكرية وفنية، خاصة إذا ما تمت في مناخ نقدي حر مفتوح.
فمجموعة القيم الأدبية والفكرية التي تلتف حولها تلك الصداقات هي التي تفرز المدارس والاتجاهات عن بعضها البعض، وهذا الفرز والتنوع يثري الحياة الثقافية ويرفدها بالجدل والحيوية. ويدعم هذا الجدل تلك الصداقات ويثريها خاصة في المجتمعات التي تتمتع بتقاليد ديموقراطية عريقة، ويتمتع فيها المثقف بقدر كبير من الاستقلال الاقتصادي والسياسي بالتالي، كما هو الحال في الغرب بل يحيلها إلي أداة لإثراء التيار الفكري أو المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها الأصدقاء، أو إلي زعزعة الاتجاه الآخر الذي يروج له الغرماء. مثل تلك الصداقات الحرة المفتوحة لا يتم فيها مراعاة الصداقة علي حساب القيم الفكرية والأخلاقية منها علي السواء بل تتعزز بها تلك الصداقات وتنمو وتزدهر. كما أن شبكتها العقلية والنقدية معا هي التي تحمي المثقف من الانحدار أو التردي.
أما في مجتمعاتنا العربية فإن الأمر مختلف تماما. ليس فقط لأن المثقف لا يتمتع باستقلاله الاقتصادي الذي ينبني عليه استقلاله السياسي، وهذا أمر يضعضع مكانته. ولكن أيضا لأنه ومنذ ارتكب محمد علي مذبحة المثقفين الشهيرة التي أطاح فيها بالزعامات الثقافية التي أتت به للحكم وعلي رأسهم عمر مكرم، بعد مذبحة القلعة التي تخلص فيها من المماليك والمؤسسة السياسية تسعي لاحتواء المثقف أو البطش به. وتاريخ الثقافة في أي بلد عربي في القرنين الأخيرين هو تاريخ التوتر بين الموسسة السياسية والثقافة من ناحية، وبين المثقف الذي تم احتواؤه وتحول إلي أداة طيعة في يد المؤسسة أو بوق لها، وبين المثقف الحر المستقل الذي يحرص كما يقول إدوار سعيد علي أن يطرح الحقيقة في مواجهة القوة /السلطة.
هذا المثقف الحر الذي يحرص علي استقلاله ويقبض علي الحقيقة كالقابض علي الجمر يتعرض عادة للبطش الذي يمتد من التصفية الجسدية إلي السجن السياسي وحتي التصفية المعنوية، أو إحاطته بمناخ طارد يدفعه لترك بلاده واللجوء إلي المنفي: كما هو الحال مثلا مع عدد كبير من المثقفين العراقيين قبل احتلال العراق وبعده، ومع غيرهم من المثقفين العرب. والمفارقة المؤسفة هي أن معظم المثقفين يبدأون مستقلين كي يتكون لهم قدر من رأس المال الرمزي في المجال الثقافي، وكي تصبح لهم مصداقية ثقافية في المجال الأدبي أو الفني الذي يختارون الإبداع فيه. ثم تتطور بهم الأمور وتتشعب المسالك.
والواقع أن كثيرا من صداقات المثقف في مجال نشاطه تبدأ في مرحلة البدايات والاستقلال تلك. وهي المرحلة التي يتم فيها الخلط بين الولاء لتلك الصداقات والولاء لمجموعة القيم الثقافية والأخلاقية التي كونت رأس مال المثقف الرمزي وساهمت في تخليق مصداقيته. لكن ما أن يسعي المثقف لتحويل رأس ماله الرمزي ذاك إلي رأس مال اقتصادي، وإلي نفوذ وسلطة سهله حتي تبدأ عملية فرز قاسية تتعرض لها تلك الولاءات، خاصة إذا ما دخلت المؤسسة السياسية علي الخط، وهي عادة لاعب مباشر أو غير مباشر في تلك اللعبة الخطرة. هنا يحدث الصراع بين نوعين من القيم وصنفين مختلفين كلية من رأس المال. فلأي منهما ينحاز المثقف؟ هذا سؤال يحتاج إلي تأمل وعودة إلي صياغة عالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيير بورديو لفكرة رأس المال الرمزي في الحقل الثقافي.

مكتوب
دروس الموسيقي
باولو كويليو
ترجمة:هبة رؤوف عزت
أدركت ساعتها أنني أعيش لحظة أبدية وتوحد مع أرواح أخري، وكأننا انتقلنا بلمسة سحرية لعالم آخر حيث أضحي لكل شيء معني
المغنية البديلة
حدث هذا من سنوات طويلة في دار الأوبرا بباريس. كانت التذاكر قد تم بيعها عن آخرها نظرا للإقبال الشديد علي حضور حفل المغني الأوبرالي العالمي الشهير، لكن يوم الحفل ومع امتلاء القاعة عن آخرها بالحضور تبين أن المغني قد حبسه ازدحام الطرق وكثافة المرور وأصبح واضحا أنه لن يدرك موعد رفع الستار علي جميع الأحوال.
بهدؤ بالغ صعد مدير الأوبرا علي خشبة المسرح وطلب من الجمهور الصبر وأذاع أن مغنيا وطنيا لا يحظي بنفس الشهرة سوف يبدأ في الغناء لحين وصول النجم المنتظر.
وكما هو متوقع بدت لعامات الاستياء علي الوجوه، وأفصح البعض عن غضبه بصوت عال مطالبا برد ثمن التذكرة، وتململ من صرفوا السائق فلا مجال لهم للانصراف، وسكت من رأي أنه لا خيار سوي قبول الأمر الواقع والاستمتاع بالمتاح.
صعد المغني إلي خشبة المسرح وبدأ في الغناء، وطال تأخر النجم فقضي ساعتين يحاول ملء الفراغ بكل ما أوتي من موهبة ومهارة وبكل طاقته ومن كل قلبه.
حين أنهي الفنان الغناء خيم الصمت علي القاعة، فلم يكن هذا ما جاء الجمهور لسماعه، ولم يصفق سوي شخص واحد فقط..ثم وقف وارتفع صوته الطفولي مسمعا كل من في المكان:
رائع يا أبي..أنت رائع بحق!
لم تمض لحظة واحدة حتي كانت القاعة كلها تضج بالتصفيق وحيا الجمهور الفنان وهم وقوف.
...إن بضع كلمات حب صادقة لقادرة علي تغيير أي المشهد تماما.
الصوت الملائكي (أرسلتها القارئة كريستسنا سانتوس)
تواجه شرفة منزلي الجهة الغربية، مما يعطيها ميزة الأنس بآشعة الشمس منذ العصر حتي الغروب­صيفا وشتاءا.
ذات صباح كنت منشغلة لأمور المنزل حين لمحت رجلا متواضع المظهر. لم يكن الرجل متقدما في السن لكن كان واضحا أن أيام عمره لم تكن رفيقة به. كان يستخدم أداة تعويضية في إحدي ساقيه لكنه رغم ذلك تمكن من حمل لآلة جيتار ضخمة قديمة.استقر به الحال في مقهي مقابل لمنزلي، حيث جلس وبدأ في العزف والغناء،وما أن وصلني صوته حتي سرت قشعريرة في جسدي كله.لقد كان صوته بالغ العذوبة، كما صوت الملائكة، فيه جلال وقدسية، لكن يقطر حزنا.
رويدا رويدا بدأ الصوت يملأ الأجواءويرن صداه واخترق وجودي واستلبني بالكلية، وبدأت ألحظ الدموع التي تساقطت من عيني دون وعي وأشاهد الجيران يخرجون للشرفات ليستمتعوا بتلك الحالة الفنية الفريدةالتي مست شغاف قلوبهم.
حتي الأطفال الصغار توقفوا عن اللعب وأنصتوا في إعجاب.
أدركت ساعتها أنني أعيش لحظة أبدية وتوحد مع أرواح أخري، وكأننا انتقلنا بلمسة سحرية لعالم آخر حيث أضحي لكل شيء معني، أو ربما حيث فقد كل شيء معناه.
وحين أنهي الرجل الغناء وانتقل للسكون هيمن الصمت وأمسك بتلابيب وجودنا في قسوة وساد شعور بالفراغ، ثم انطلقت الأكف تصفق وامتلأت الوجوه بالبسمات وصرخ الأطفال يطلبون منه أن يغني لهم مرة أخري.
لكن الرجل بدا وكأنه أنهي مهمته، فجمع أغراضه ومضي.
خرجت أهرول ولم أتوقف إلا حين أدركته وأنفاسي تتسارع، ولأنه كان واضحا أن الغناء المرتجل هو مصدر رزقه فقد وضعت في يده بعض النقود ، لكنه لم يبتسم ويبدو سعيدا ليسترد وجهه بعض النضارة إلا حين ربت علي كتفه وقلت له أنه لا يجب أن يتوقف عن الغناء أبدا.حينها أشرق وجهه وابتسم.
لم أره ثانية بعدها، لكن يحلو لي أن أتخيله سائرا علي منحدر، يغني بصوته الملائكي ومؤديا رسالته.إذا صادفه أحد يوما ما فأخبروه أنني لم أنسه.

ناصية
وداعا .. أيتماتوف
أحمد الخميسي
وصية أيتماتوف الوحيدة كانت أن يدفن إلي جوار والده الذي أعدم ظلما.
لم أستطع حين علمت برحيل الكاتب الكبير جنكيز أيتماتوف أن أنحي من ذهني صورة لقائي به في موسكو عام 1978 ، عندما كنت أنهي رسالة الماجستير وكانت روايته الشهيرة جميلة جزءا أساسيا من بحثي . وقد كان الانطباع الرئيسي الذي تركه في هو أنه إنسان واقع تحت ضغط شديد . في حينه لم أستطع تفسير اسباب ذلك الانطباع القوي. لكن السنوات اللاحقة أظهرت تلك الأسباب. فقد ولد أيتماتوف عام 1928 في بداية المرحلة الستالينية في قرية شكير المتواضعة في بلد جبلي فقير نشأت ثقافته تحت تأثير الثقافتين العربية والتركية ، وكان والده توريكول أيتماتوف كاتبا اعتقلته السلطات عام 1937 وأعدمته بعد ذلك بسنة. وربما يكون الخوف الشديد أو الحذر هو الذي رسم خطوات أيتماتوف لاحقا ، فقد أنهي معهد للاقتصاد الزراعي في قرغيزيا ثم عمل سكرتيرا لمجلس سوفيت بإحدي القري، ولم يكف بعد ذلك عن تأكيد ولائه للسلطة السوفيتية التي رفعته إلي القمة بعد صدور أولي رواياته جميلة عام 1958 ، فقد منح جائزة لينين في الأدب عام 1963 ، وكل الألقاب التي كانت تمنح بدءا من كاتب قرغيزيا الوطني وانتهاء ببطل العمل الاشتراكي إلي أن أصبح عضوا في مجلس السوفيت الأعلي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي القرغيزي ، وتقلد منصب مستشار الرئيس جورباتشوف عام 1989 . حينذاك كان أيتماتوف يتحدث كثيرا عن أهمية النظام الاشتراكي والأيديولوجية الشيوعية كوسط اجتماعي في تربية موهبة الكاتب، وفي المقابل حرصت الدولة علي تصدير أعماله الأدبية مترجمة إلي مائة وخمسين لغة ، خاصة عندما قل عدد الكتاب السوفيت الموهوبين وسط جيش من أدباء الدعاية. وكان أيتماتوف موهوبا ، ومخلصا لعمله بشكل مذهل، وفي الوقت ذاته كان يمثل أبلغ رد علي القول بأن روسيا تحتل الجمهوريات الآسيوية ، لأن أغلب ماكتبه كان يمثل بالفعل النزعة الأوراسية التي جمعت بين منجزات الأدب الروسي الأوروبي وتقاليد آسيا ومزجت بين الخصائص القومية المحلية والنزعة الإنسانية . وكان أيتماتوف يكتب باللغتين القرغيزية والروسية، وعام 1965 كتب روايته وداعا جولساري بنفسه بالروسية . وبدءا من روايته جميلة التي قال عنها الشاعر الفرنسي أراجون إنها أعظم قصة حب في العالم استمرت رواياته في الظهور شجيرتي في منديل أحمر ، و السفينة البيضاء و الكلب الأبيض الراكض علي حافة البحر ، و يمتد اليوم أطول من قرن ، ثم النطع وأخيرا نمر من ثلج . وحافظ أيتماتوف في معظم أعماله علي حذره ، وتفادي الصدام مع الأوضاع السوفيتية ، لكنه حين انهارت الدولة أخذ يتحدث عن الأخطاء الاستعمارية لموسكو في قرغيزيا ، ثم تخير العمل سفيرا لقرغيزيا في أوروبا حيث ظل هناك في شبه هجرة لمدة ستة عشر عاما كأنها قطيعة مع الماضي الذي لم يستطع أن يواجهه ، والأكثر من ذلك أنه كان مجبرا علي دعمه بقرار شخصي منه . هناك أدباء سوفيت كثيرون أجبرتهم المرحلة الستالينية علي الصمت، فلزموا الصمت ، لكنهم لم يتطوعوا بقول ما لا يعتقدونه ، وقد لا يجوز أن نحاسب أيتماتوف الأديب الكبير من هذه الزاوية السياسية ، لكن هذه الزاوية تحديدا هي التي حددت أفق كتاباته الأدبية ، بحيث تظل دائما منطوية علي جزء من الحقيقة دون أن تعلو بهذه الحقيقة إلي سماء الأعمال الخالدة التي بلغها كتاب آخرون مثل ميخائيل بلجاكوف في رائعته المعلم ومارجريتا ، لكن موقف بلجاكوف كان مختلفا ، فاختلف مصيره واختلف إبداعه ، ودفع ثمن ذلك عندما ظلت أعماله حبيسة خزائن اتحاد الكتاب السوفيت لأكثر من ربع القرن دون أن تري النور . وبرحيل جنكيز أيتماتوف ، ابن الجبال القرغيزية القاسية ، يختفي آخر الكتاب السوفيت العظام بعد أن رحل من قبله فاسيلي بيكوف ، ويختفي من تاريخ روسيا ذلك النمط من الكاتب الحذر ، الموهوب ، الذي يريد لكنه لا يستطيع أن يقول كل شيء إلي النهاية ، الكاتب التراجيدي بكل تناقضاته ، وبحيرته بين وأد موهبته أو التعبير في حدود المتاح .
كان أيتماتوف قبل وفاته بأسبوعين يتابع في قازان تصوير مشاهد من فيلم عن روايته ويمتد اليوم أطول من قرن ، ثم نقل بالتهاب كلوي إلي مستشفي محلية، وبعدها بثلاثة أيام إلي ألمانيا حيث توفي هناك في العاشر من يونيو عن ثمانين عاما . وصية أيتماتوف الوحيدة كانت أن يدفن إلي جوار والده الذي أعدم ظلما ، هكذا قرر أيتماتوف أن يعود إلي الحقيقة التي خيرته الظروف بين إعلانها والتوقف عن الكتابة ، أو كتابة الجزء المتاح من تلك الحقيقة . وفي كل الأحوال فإن رحيل الكاتب القرغيزي الكبير يظل كما قال الرئيس الروسي السابق بوتين خسارة لا تعوض.. فقدنا بها كاتبا عظيما ومفكرا ومثقفا ذا نزعة إنسانية . أما في قرغيزيا بلاده ، فقد أعلن يوم الرابع عشر من يونيو يوم حداد قومي تنكس فيه الأعلام في كل مكان .
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: