دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -782ه - العدد1429رجبمن3- م2008يوليو من6 السبت
بتوقيت القاهرة 11:10:00 AM الساعة - 7/5/2006 آخر تحديث يوم
      رحبة
رؤوف عباس وجوه المؤرخ

بعد ان مثل العدد السابق من 'أخبار الأدب' للطبع فقدت الحياة الثقافية العربية المؤرخ الدكتور رءوف عباس، بعد رحلة عطاء في التأليف مؤرخا يتسم بالنزاهة، والفصل التام بين انتمائه السياسي ووقائع التاريخ، وفي الترجمة باقتدار وذكاء في اختيار مايترجم، وبالدور الثقافي استاذا، وناشطا مدافعا عن استقلال الجامعة حتي اليوم الأخير من حياته. وفي هذا الملف شهادات من زملاء وتلاميذ ومحبين لرءوف عباس تقدم والجوه المتعددة للراحل الكبير حقا.


قمة الترجمة
د. أحمد زكريا الشلق
مؤرخنا الكبير رؤوف عباس اشهر من ان نعرف به فهو علم من اعلام المؤرخين المصريين وصاحب مدرسة في التاريخ الاجتماعي لمصر الحديثة، كما ان جوانب عطائه العلمي والثقافي اكبر من ان يحتويها هذا المقال الذي سوف يقتصر علي جانب واحد من جوانب عطائه الثري لهذا الوطن الذي احبه واعطاه جهده وعمره في غير مزايدة أول من تشهد بذلك مؤلفاته وكتاباته ومقالاته التي تفخر بها المدرسة التاريخية المصرية وفي تقديري ان رؤوف عباس يعد واحدا من شوامخ المترجمين في مجال التاريخ الحديث والمعاصر حيث كان يتقن التدريس والكتابة بالانجليزية كأهلها تماما ومن ثم كان يترجم عنها بسهولة ويسر، تشهد بذلك الترجمات التي اثري بها المكتبة التاريخية العربية والتي كشفت عندما جمعناها الي بعضها عبر سنوات امتدت منذ اول كتاب ترجمه عام 1977 وحتي اخر مانشر له من ترجماته عام .2005
كشفت عن واحد من شوامخ المترجمين في زماننا، فقد بلغت تسعة كتب ضخمة ضمت الاف الصفحات فضلا عن مراجعة العديد من المؤلفات التاريخية وتقديمه لها بدراسات نقدية ضافية.
ولم يكتف رؤوف عباس بما قدمه من مؤلفات ودراسات وانما كان يستغل فراغه من التأليف العلمي، ليقدم لنا ترجمة رصينة لاحد المؤلفات الانجليزية في مجال تخصصه لايمانه بأن تخصصه الترجمة عامل من عوامل نهضة الامم وتواصلها في الثقافة العلمية، فضلا عن تقديمه خدمة جليلة للمثقفين والقراء الذين تعييهم الترجمة المتخصصة في مجال التاريخ.
وفي ظني انه ليس كل من يتقن لغة اجنبية يستطيع تقديم ترجمة للمؤلفات العلمية المتخصصة في هذا المجال او ذاك، وان العالم المتخصص في احد مجالات العلم اقدر من يستطيع ذلك عندما يتقن هذه اللغة فيحسن تقدير اهيمة مايقدم علي ترجمته كما ينفذ الي عميق المعاني والمصطلحات فضلا عن تمكنه من ان يقدم لنا نظرة نقدية­ باعتباره متخصصا في تقديمه لها وهو مايثري التفكير العلمي باعتباره تفكيرا نقديا.
فضلا عن تحقيق التواصل العلمي مع ما ينتجه الاخرون مما يراكم المعرفة العلمية وتحديثها ويجددها وينهض بالتخصص.
***
لقد كانت ترجمات رؤوف عباس مثالا يحتذي لجهد العالم المتخصص والمتابع لكل جيد في مجال المتخصص والمتمكن ليس فقط في مجال علمه بلغته القومية وانما فيما يستجد فيها من لغات الاخرين، انه سليل مدرسة الطهطاوي ولطفي السيد وكل هؤلاء المؤمنين بان الترجمة هي من اهم اسباب نهضة الامم ورقيها.
فلم يكد يتم رسالته للدكتوراة في بداية السيتنيات من القرن العشرين ويسافر الي اليابان في مهمة علمية، حتي وقع في يده ترجمة انجليزية لكتاب هاتشيما عن هيروشيما والذي يؤرخ لتجربة قصف هيروشيما بالسلاح النووي الامريكي واثاره المدمرة فترجم هذه اليوميات مع شهادات الناجين، واصدرها في كتاب علي نفقته الخاصة 1975 وكان ذلك باكورة ترجماته.
وبعد ثلاث سنوات نشر ترجمة رصينة لكتاب موريس دوب دراسات في تطور الرأسمالية '1978' وهو من المراجع المهمة في التاريخ الاقتصادي العالمي التي قدمت نظرية متكاملة للتطور الاقتصادي وقد استغرق نحو ثلاث سنوات في ترجمته لان المؤلف له طريقة خاصة في عرض الافكار واستنباط النتائج تحتاج عند ترجمتها الي استيعاب وهضم تام ثم نقل امين الي العربية وهذا مانجح فيه رؤوف عباس حتي جعل المؤلف وكأنه يخاطب القاريء العربي بلسانه ولم يكتف بترجمة النص الاصلي للمؤلف بل قام بترجمة الحوار العلمي الخصب الذي دار حول الكتاب.
***
كذلك قدم رؤوف عباس عام 1983 ترجمة لكتاب السكندر شولش عن الحركة الوطنية المصرية في زمن الثورة العربية والتي نشرت تحت عنوان 'مصر للمصريين، أزمة مصر الاجتماعية والسياسية 1878­ 1882 وهو اطروحة المؤلف التي نال بها درجة الدكتوراة في المانيا وصدر طبعته الانجليزية عام 1981 فقدم مترجمنا رؤية مؤرخ غربي لحقبة مهمة لتاريخ مصر من الزوايا الاجتماعية والسياسية من خلال مصادر قلما تتاح لمؤرخ واحد، فضلا عن موضوعية المؤلف التي لم تتوفر للكتاب الانجليز والفرنسيين.
وفي عام 1990 عهد اليه مركز دراسات الوحدة العربية بترجمته سفر ضخم الفه الاستاذ شارل عيسوي تحت عنوان 'التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب 1800­1919 وهو من الاعمال التأسيسية الرصينة في التاريخ الاقتصادي لبلدان الهلال الخصيب في القرن التاسع عشر 'العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والاردن' في عصر تكالب المصالح الغربية علي بلدان المنطقة، ويشكل هذا الكتاب حصيلة جهد المؤلف الذي يملك خبرة كبيرة للتاريخ الاقتصادي للمنطقة، فجاء ليسد فراغا في المكتبة الفرنسية في هذا المجال للتاريخ، وتتضح فيه روح العلم الراقية عندما يترجم دراسة زميلته الدكتورة/ نيللي حنا عن تجار القاهرة في العصر العثماني فينشر الترجمة عام 1997 بمقدمة ضافية تبلور قضية مهمة لاتزال تشغل بال المؤرخين المهتمين بالعصر العثماني وهي قضية النهضة والحداثة في هذا العصر في ضوء المصادر التاريخية الجديدة من وثائق المحاكم الشرعية والمخطوطات وغيرها والتي تخالف المدرسة الاستشراقية التي تجعل نهضة بلداننا تدور في فلك المركزية الاوروبية، كما قدم رؤوف عباس ترجمة لكتاب نيللي حنا التالي عن 'ثقافة الطبقة الوسطي في مصر العثمانية' بين القرنين 16،18 تلك الترجمة التي صدرت عام 2003 مشيرا الي ان تاريخ الثقافة من المجالات المهمة في البحث التاريخي وهو ماتفتقر اليه المكتبة العربية تأليفا وترجمة.
واذكر انني سألته صيف عام 2001 ما الذي تترجم الان ففاجئني بقوله انه يترجم مذكرات السير رونالد ستورس التي صدرت عام 1937 والمستشار الشرقي للسفارة البريطانية في مصر والحاكم العسكري للقدس، والذي لعب دورا خطيرا في توجيه صناعة القرار الخاص بالسياسة البريطانية في المنطقة من خلال موقعه كخبير للشئون العربية وهذا الكتاب يعد مصدرا تاريخيا مهما لانحسب ان باحثا في الشئون العربية لم يطلع عليه وان يفيد منه ورغم ذلك لم يقدم احد علي ترجمته لضخامة حجمه '611 صفحة' وصعوبة اسلوبه وحساسية ما يتناوله من امور، ولكن استاذنا اقدم علي ترجمته ونشره في المشروع القومي للترجمة عام 2004 تحت عنوان 'توجهات بريطانية شرقية'.
***
وفي عام 2005 صدرت له عن المشروع القومي للترجمة كتابان غاية في الاهمية اولهما كتاب دونالد ريد 'فراعنة من ؟ دراسة في علم الاثار والمتاحف والذي قدم دراسة جديدة في تاريخ الثقافة المصرية، يؤرخ لعلم المصريات وصلته بالهيمنة الامبريالية، ويدحض الفكر التي رددتها الكتابات الغربية بشأن عدم احقية المصريين بآثار بلادهم باعتبارهم لا يقدرون قيمتها فيرصد المؤلف كتابات الجبرتي والطهطاوي وعلي مبارك عن الاثار عن تاريخ مصر القديم موضحا وعيهم بالأهمية التاريخية للآثار.. الي اخره، كما اهتم ريد بالتاريخ لرواد علم الاثار المصريين.
وثانيهما كتاب روجر اوين عن اللورد كرومر، الامبريالي والحاكم الاستعماري والذي صدر بالانجليزية عام 2004 وتكمن اهمية الكتاب في انه يؤرخ لكروم الذي كان الحاكم الحقيقي لمصر 1883­1907 ورغم اشارة رؤوف عباس الي أهمية الكتاب ومصداقية المؤلف الا انه انتقد منهج المؤلف باعتباره سرديا لايتسم بالتحليل، كما انه اغفل ما انتجه المؤرخون المصريون مما حرمه من ابراز وجهة النظر المصرية في سياسات كرومر..
ومن المهم ان نلفت النظر الي المقدمات النقدية التي قدم بها رؤوف عباس ترجماته والتي تكشف النظرة العلمية العميقة تحسن تقدير قيمة العمل المترجم ولاتبدي خضوعا من نوع ما لما يترجمه بخبرة استاذ متميز ومثقف رفيع القدر، جزاه الله عما قدم لمواطنيه وامته من علم نافع وخير عميم، وانزله منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

سيبقي مثالا للإخلاص
روؤف عباس
روؤف عباس
د. عبدالمنعم الجميعي
فقدت الساحة العلمية والثقافية المؤرخ الكبير رءوف عباس حامد الذي توفي عن عمر يناهز التاسعة والستين عاما بعد حياة حافلة بالعطاء أثري خلالها الساحة التاريخية بعشرات الأعمال التي سوف تبقي رصيدا هائلا ومتميزا في المكتبة التاريخية، ولم يقتصر عطاؤه علي ذلك بل أسس مدرسة تاريخية تتلمذ علي يديه فيها مجموعة من الباحثين في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي.
لقد استطاع رءوف عباس أن يترك بصمة واضحة في كل.. المواقع التي شغلها وكان له دوره المؤثر في النهوض بالجمعية التاريخية والوصول بها إلي بر الأمان بعد أن تعرضت للأفلاس، وكادت محتوياتها تلقي في الطريق بعد أن رفع صاحب العقار الذي كانت يقطنه في البناية رقم 2 شارع ناصر الدين المتفرع من البستان قضبة لطردها لعجزها عن سداد الايجار.
ان علاقة رءوف عباس بالجمعية التاريخية التي كانت ربيبته ومقصده قديمة فقد استفاد من مصادرها التاريخية وهو طالب بمرحلة الدراسات العليا في قسم التاريخ بآداب عين شمس عام 1962 وأفادها بعلمه وجده وخبرته منذ انضمامه إلي مجلس ادارتها فكان بمثابة العضد واليد اليمني لإستاذه الدكتور أحمد عزت عبدالكريم في ادارتها، والتلميذ الوفي لاستاذه الكبير.
انضم رءوف عباس لمجلس ادارة الجمعية بعد انتخابات 17/12/1979 ثم اختير أمينا للصندوق في 27/9/1992، وفي عام 1993 تولي منصب الأمين العام للجمعية وخلال ذلك بذل رءوف العديد من الجهود لتطويرها ورفعة شأنها، وفي عام 1999 تولي رءوف عباس رئاسة الجمعية خلفا للمرحوم الدكتور ابراهيم نصحي قاسم وخلال ذلك توسعت علاقات الجمعية بالعديد من المؤسسات الثقافية خاصة المجلس الأعلي للثقافة ودار الكتب المصرية، كما توثقت علاقاتها بالعاملين في حقل الدراسات الانسانية علي مختلف أطرافهم سواء في مصر أو أوربا وأمريكا حيث توافدوا علي الجمعية يشاركون في انشطتها.
ونتيجة لصدور قانون ايجارات الأماكن غير المخصصة لأغراض السكني والذي ضاعف ايجار مقر الجمعية إلي حوالي ثمانية اضعاف تعثرت أحوال الجمعية المالية، وتعرضت للطرد خاصة ان الإعانة التي تقدمها الشئون الاجتماعية للجمعية لم تف بمواجهة الزيادات الطارئة.
ونظرا لرفع صاحب العقار الذي كانت تقطنه الجمعية قضية لطردها فقد طرق رءوف عباس كافة الأبواب طلبا للعون حتي تستطيع الجمعية التي تعد أقدم جمعية من نوعها في العالم العربي الاستمرار في اداء رسالتها في خدمة تاريخ مصر، فلجأ إلي وزارة الثقافة طالبا مساعدتها في امتلاك مقر خاص بها ومع أن الاستاذ فاروق حسني وزير الثقافة تعاطف مع الموقف فان المبلغ الذي تحدد صرفه من صندوق التنمية الثقافية وهو عشرة الاف جنيه لم يكف لانقاذ الموقف مما دفع رءوف عباس وأعضاء مجلس ادارة الجمعية إلي اللجوء لبعض رعاة الثقافة في الوطن العربي طالبا مساعدة الجمعية في امتلاك مقر خاص بها.
وقد لقيت الجمعية استجابة وترحيبا من الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة الذي أهدي الجمعية مقرها الحالي بمدينة نصر بموجب عقد هبة تم توقيعه في حفل افتتاح مقر الجمعية مساء الاربعاء 23 مايو 2001 بحضور بعض الوزراء وكبار رجال الدولة ورموز الحياة الثقافية وكان ذلك بمثابة انطلاقة هامة لزيادة أنشطة الجمعية التي اتسع نشاطها اتساعا ملحوظا إلي جانب محاضرات الموسم الثقافي والندوة السنوية وحلقات النقاش والسمنارات العلمية اتسع نشاطها في مجال النشر فإلي جانب نشر مجلتها العريقة يتم طباعة بحوث ندواتها، كما فتحت الجمعية مكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب طوال اليوم خدمة لأعضائها ومجتمعها بعد أن كانت تقتصر علي الفترة المسائية فقط.
وهكذا كان رءوف عباس حريصا علي أن تأخذ الجمعية التاريخية مكانتها اللائقة بها، وهكذا كان عشقه لمصر التي علمته وكان انتماؤه لها مبهرا.

مثقف استثنائي
أسامة عرابي
مثقف استثنائي.. يتسم بالجسارة الفكرية والإسهامات الجادة يعد من أبرز المؤرخين المصريين الذين ينتمون إلي مدرسة التأريخ الاجتماعي العربية التي أسسها الراحلان الكبيران: د. أحمد عزت عبدالكريم ود. أحمد عبدالرحيم مصطفي، التي تعني بدراسة التاريخ في إطار الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكاشفة لأبعاده كافة، متوخية إماطة اللثام من قوانين تطور المجتمع، وطاقات التغيير فيه، ومعالجة إشكاليات التاريخ ومعضلاته بروح الباحث الوطني، والأكاديمي النقدي الذي يولي الأخلاقية المعرفية ونزعته الانسانية ماهما خليقان به من دور مسئول.
لذا راح يبحث عن حقيقته في أعطاف التاريخ المهمش والمتروك، عبر سردية مكنته من مساءلة ذاكرته الجمعية في درسه العلمي لتمثلات الماضي ومشهد الحاضر، علي نحو ماطالعناه في أسفاره التي حملت بعض العناوين الآتية:
الحركة العمالية في مصر منذ نشأتها حتي قيام ثورة يوليو 1952، وهي رسالته التي حصل بها علي الماجستير في نوفمبر 1966، وصدرت في كتاب عام ..1968 الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها في المجتمع المصري (1837 1914) وهي رسالته التي حصل بها علي الدكتوراه في يناير 1971، وصدرت في كتاب عام ..1973 المجتمع الياباني في عصر ما يجي (1980).. جماعة النهضة القومية (1985).. جامعة القاهرة: ماضيها وحاضرها (1989).. تجربة التحديث بين مصر واليابان (1990) وترجم كتبا كثيرة منها: 'تجار القاهرة في العصر العثماني' 'وثقافة الطبقة الوسطي في مصر العثمانية' للدكتورة نيللي حنا، و'فراعنة من' لمالكولم ريد وسواهم من العمد الأساسية التي أثرت مكتبتنا العربية.
أما كتابه (مشيناها خطي.. سيرة ذاتية) فهو وثيقة تاريخية دامغة علي عصر ما فتيء يتحلل ويأفل، وأريجا أخاذا من بستان الأدب والفن الراقيين، بفضل صدقه الجارح، وأسلوبه المترع بالعذوبة والصفاء.. وجرأته علي كشف المستور، ودك الحصون المنيعة لنجوم الفساد وسدنة الاستبداد. غير أن الكتاب الذي أصدرته 'جماعة العمل من أجل استقلال الجامعات والمعروفة بأسم (جماعة 9 مارس) تحت عنوان 'الجامعة المصرية والمجتمع.. مائة عام من النضال الجامعي (1908 2008) فقد قام بتحريره د. رءوف عباس بعد أن شارك فيه بثلاثة أبحاث ضافية.. رصينة، هدف من خلالها إلي التأكيد علي أنه (لايمكن أن يتحقق استقلال الجامعة إلا اذا قام بناؤها علي أسس ديمقراطية).. وهو عين ما تغياه حين أسهم في اصدار تراث د. طه حسين من مقالات صحفية توزعت ما بين 1908 1967 منتصرا فيها للأفكار الطليعية والنظرات الجديدة في الفن والأدب والسياسة والتعليم وحقل الدراسات الاسلامية وهي ترهص بالمغاير والمختلف، وتصغي إلي روح متمردة لاتغلو في الاندفاع والمحو، ولكنها تولد وتنشأ في رحيل دائم داخل عالم حقيقي.
بيد أنه حرص في تأريخه علي تبيان حقيقة دور البورجوازية الوطنية زراعية التكوين، وآفاق تطورها المسدود، ومواقفها البينية المتذبذبة، كما تفصح عنها، مثلا، دراسته الرائدة التي صدر بها كتاب رائد الاقتصاد الوطني المصري 'محمد طلعت حرب' (علاج مصر الاقتصادي ومشروع بنك المصريين أو بنك الأمة) راميا من وراء ذلك كله إلي انتاج معارف جديدة تتصدي لواقع مشوه لايسمح لملايين الفاعلين فيه الذين دعوا 'بالجماهير' بأن يتسنموا دورهم المنوط بهم.
أجل.. لقد كان رءوف عباس قامة علمية ووطنية وانسانية عز نظيرها أوندر.
ورحم الله 'مهيار الديلمي' حين قال:
لو كان أفضل من في الناس أسعدهم
ما انحطت الشمس عن عال من الشهب
أوكان أسير ما في الأفق أسلمهم
دام الهلال فلم يمحق ولم يغب

الحركات 'اللي مش هيه 'في الجوائز التشجيعية
فوتوغرافيا  : جوزيف سوديك
فوتوغرافيا : جوزيف سوديك
سيد الوكيل
عندما أعلنت جائزة الدولة التشجيعية في الإبداع الروائي، شعر الكثيرون بالارتياح لقرار اللجنة الحصيف الذي اجتهد في تفادي صدام تقليدي يتزامن مع إعلان النتيجة كل عام، بلغ أقصي حدوده العام الماضي إثر حجب جائزة القصة القصيرة، أما مبررات حصافة اللجنة، ومبعث الارتياح في الوقت نفسه فهونتيجة لفوز رواية (تغريدة البجعة) كانت قد وصلت للتو إلي القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فمن البديهي، أن الرواية التي تصل إلي القائمة النهائية لجائزة في حجم بوكر عربية، جديرة بأن تفوز بتشجيعية مصرية مرت بسوابق فوز لأعمال أقل قيمة بكثير من تغريدة البجعة.
وقد يكون من أسباب الارتياح وربما الفرح، هذا الصعود المتتابع لنجم مبدع موهوب عاش طويلا في ظلال النسيان، بما يمنح الأمل لآخرين من الموهوبين المؤرقين بالظلال، فيصدقون أن لكل مجتهد نصيبا كما علمتهم كتب المطالعة المدرسية، وأنها سوف تزقزق لهم في يوم ما كما زقزقت للذين من قبلهم، لكن هذا الارتياح لفوز مكاوي سعيد لايمنع من قيام أسئلة تهجس في نفسي لاعلاقة لها بمكاوي وروايته ولكن بقرار اللجنة، منها :
هل لولم تكن تغريدة البجعة قد فازت بالبوكر، ثم تقدم بها صاحبها مثله مثل الآخرين الذين بعضهم علي الأقل لهم من الإبداع الروائي مالايقل بحال من الأحوال عن تغريدة البجعة، هل كانت تغريدة البجعة تفوز أيضا؟ أم أن وجودها خارج المسابقة وفوزها المسبق بالبوكر لهما تأثير ما علي قرار اللجنة؟
والسؤال بصيغة أخري، لماذا لجأت اللجنة إلي استخدام حقها في الاختيار من خارج المتقدمين، هل حقا لعدم وجود رواية واحدة تستحق الجائزة من بين الروايات المقدمة؟ أم لمجرد أن تؤكد حقها في الاختيار من خارج المتقدمين، أم تعويضا لما حدث في العام الماضي مع القصة القصيرة، حينما لم تسع اللجنة إلي استخدام هذا الحق فأخذ عليها أن تقوم بالحجب في حين كان يمكنها البحث عن عمل جدير بالجائزة من خارج المتقدمين ؟
وبالمناسبة لماذا لم تستخدم لجنة القصة هذا الحق في العام الماضي؟ هل لأنها لم تكن علي علم به؟ أم لأن قرارها جاء عاجلا ومرتبكا ولم تسع إلي بذل المزيد من الجهد؟ أم لأنها كانت علي قناعة مسبقة بأنه لايوجد في طول مصر وعرضها قاص يستحق الجائزة فوفرت علي نفسها عناء البحث والتنقيب؟
***
نعود إلي الرواية موضوع الساعة وسيدة الزمن الأدبي، فإذا كانت لجنة الرواية هذا العام لم تجد في الأعمال المتقدمة مايستحق المنح، وآثرت البحث في المشهد الروائي الواسع بعيدا عن دائرة المتقدمين، فلماذا اختارت رواية فازت بالبوكر قبل أيام ؟ وكان يمكن أن تختار رواية أخري تضيف فوزا جديدا للرواية المصرية وتؤكد ثراء مشهدها وتنوعه؟
هل لرغبتها في الاحتماء بالبوكر وحتي لا يستطيع شخص ما الاعتراض علي قرارها أوالتقليل من شأنه فتصادر عليه منذ البداية، باختيارها لرواية حصدت جائزة أكبر؟ وهل يتضمن هذا اعترافا بأن التشجيعية المصرية أقل شأنا من البوكر وتالية لها بحيث يكون الفوز بالبوكر دليلا دامغا ومبررا لايرد للفوز بالتشجيعية؟ أم هو مبدأ اللعب في المضمون، فبدلا من البحث والمعاناة وبذل الجهد وتضييع الوقت، من الأسهل استدعاء لاعب مضمون من علي دكة الاحتياطي، وكأن مكاوي سعيد هوأبوتريكة الرواية المصرية والذي بدونه يكون كل شيء انكشف وبان؟
المقصود : ليس سخرية من مكاوي سعيد وهوصديق عزيز ومبدع محترم، ولا حتي سخرية من اللجنة الموقرة، ولكنه مجرد سؤال استنكاري حول ما احتشدنا له بوصفه زمن الرواية، فما معني أن اللجنة لاتجد بين 36 روائيا تقدموا لها، ولا تجد بين عشرات وربما مئات في شتي ربوع مصر سوي روائي وحيد حصل علي الأيزومن البوكر، ثم بعد ذلك نقول براحة رخيصة إن مصر تعيش زمن الرواية؟
فهل زمن الرواية هومجد زائف حقا وهكذا نعلن إفلاس مصرفي الرواية بعد أن أعلناه في القصة العام الماضي وعلينا أن نفضها سيرة ونقبل العزاء في الأدب المصري؟ أم أن اللجنة الموقرة لاعلم لها بالمشهد الروائي كاملا فتحولت إلي مجرد صدي للبوكر وراحت تؤكد ما هومؤكد أصلا؟
***
الطريف أن اختيار لجنة الرواية أوقعنا في حيرة، فمن جهة، لايجرؤ أحد علي الطعن في تغريدة البجعة بعد حصولها علي الأيزوالعربي، ومن جهة أخري فهذا الاختيار يهدر قيما مهمة في التنافس مثل : تنوع الاتجاهات السردية وتكافؤ الفرص، فمعروف أن رواية تغريدة البجعة صدرت بعد تاريخ التقدم للجائزة (العام قبل الماضي)، ولست أفهم، لماذا لم تبحث اللجنة عن رواية يتزامن تاريخ صدورها مع تاريخ صدور الروايات المقدمة لها؟ بما يتيح تكافؤ الفرص من ناحية، ويتيح من ناحية أخري الحق لمكاوي سعيد أن يتقدم بروايته العام المقبل بين زملائه. فإذا كان من حق اللجنة أن تمنح الجائزة لعمل من غير المتقدمين لها، فعليها مراعاة تاريخ النشر احتراما لشروط الإعلان عنها. والأهم، عليها مراعاة التنوع والتعدد حتي لايتهم مشهدنا الروائي بالفقر والأحادية.
هذه ملاحظات تتعلق بحسن الفطن، ومهارة في رسم السياسات الثقافية!!
ظني أن الرواية بخير، بل والقصة أيضا، والشعر والله العظيم، أما الذي ليس بخير فهي اللجان الموقرة التي كل شيء حولها يتغير وهي لاتتغير فسبحان من له الدوام.
وانظروا يا إخواني إلي حكمة الرب في لجنة الشعر مثلا، التي لاعلم لها أن الشعر تغير، وهي من الحصافة مثل أختها في الرواية بحيث تطلق علي جائزتها (شعر الأوزان الجديدة) ثم تخفي باقي الجملة (في الخمسينيات) ولكننا نحمد لها شعارها الذي لاتحيد عنه، فهي لم يغرها أن ديوان (مخيال الأمكنة) فاز العام الماضي بجائزة عربية فحصل علي الأيزومثل تغريدة البجعة، فإما أن اللجنة رأت أن أيزومخيال الأمكنة تيواني ومضروب، أوأنها فضلت أن تكون أكثر وفاء لشعارها (شعر الأوزان الجديدة.. في الخمسينيات).فيما ديوان مخيال الأمكنة ينتمي لقصيدة النثر، وقصيدة النثر بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أما لجنة النقد، الذي يقال أنه في أزمة أيضا لنستكمل مسلسل الأزمات، فحالها حال، ويبدو أنها تخصصت في تشجيع الأكاديميين، لتوهمنا أنه لاوجود للنقد خارج الجامعات،
وهل الأستاذ الجامعي الذي حصل علي أعلي درجة علمية، وصار باحثا وناقدا محترفا بقرار من لجنة علمية في جامعته، هل يجوز له التقدم إلي جائزة موقوفة علي تشجيع المبتدئين فضلا عن غير الأكاديمين من المجتهدين في مجال النقد؟ وهل ثمة فرق واضح لدي اللجنة بين بحث علمي محكم وعمل نقدي ؟ وكيف نضمن تكافؤ الفرص بين باحث أكاديمي متخصص وناقد يهتم بالإبداع الأدبي أكثر من اهتمامه بالمنهج؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلي أعضاء اللجنة وكلهم أساتذة موقرون، ولكنها موجهة إلي اللجنة بصفتها الاعتبارية لنطمئن إلي معايير العمل فيها من باب الشفافية يعني ولاسيما أن اللائحة تستبعد الأبحاث والرسائل العلمية من جائزة النقد، فمن يضمن لنا، أن بحث الأستاذ الدكتور سامي سليمان لم يدخل تحت هذا المعني؟ ولاسيما أن عنوان البحث، وموضوعه البعيد كل البعد عن قضايانا الأدبية الراهنة والساخنة، توحي بالطابع الأكاديمي.
***
من جديد، نحن لانشكك في قدرة اللجنة علي الحكم والتمييز، ولكن نتحدث عن مزيد من الشفافية لنقطع الشك وفي مناسبة الشفافية، فنحن لا نعرف عن آلية العمل وطرائق الاختيار داخل اللجان شيئا
هل يتم بالتصويت الجهجهوني ورفع اليد وهي طريقة محفوفة بالارتجال والحسابات الشخصية والإحراج الذي يمكن أن يقع فيه العضو إذا جاهر برأيه مخالفا رأي رئيس اللجنة مثلا أورأي زميله أوأستاذه في الجامعة؟ هل يتم فحص الأعمال المقدمة وكتابة تقارير عنها من قبل الأعضاء الفاحصين، أعني تقارير موقعة يمكن الرجوع إليها أويمكن نشرها علي الأقل للعمل الفائز لنقف علي أسباب اختياره ونعرف من الذي اختاره وعددهم ولماذا اقتنع باقي أعضاء اللجنة بهذا الاختيار؟
أم يتم التقييم الأدبي بمنح درجات يضعها الفاحص بخط يده وتوقيعه علي العمل لايمكن التلاعب فيها أوتعديلها لأسباب طارئة أوأهواء شخصية، وحيث يكون من حق كل متقدم الاطلاع عليها عند الطلب؟
أعرف أن ثمة من يرفع حاجبيه دهشة. تقارير ودرجات تنشر ويطلع عليها من يريد؟ هي ثانوية عامة؟
أقول لما لا؟ أليس من حقنا كمثقفين المطالبة بالشفافية ومراقبة أداء اللجان؟ أم هي لجان أخطر وأعلي سلطة من لجان الانتخابات في مجلس الشعب أورئاسة الجمهورية لاسمح الله؟
إن التعتيم وسرية العمل أمران غير مقبولين مادامت اللجان تعمل بما يرضي الله ويرضي ضميرها الثقافي، ومادام أعضاؤها يتمتعون بالشجاعة الكافية، ثم أن السرية التي يتحدثون عنها أمر عبثي في واقع الأمر، فأنا شخصيا ومسؤل عن كلامي هذا كنت علي علم بقرار لجنة القصة العام الماضي بالحجب قبل الإعلان عنه بعشرة أيام علي الأقل ومن داخل اللجنة نفسها، بل وكنت علي علم بالارتباك والتخبط الذي دار فيها قبل الاستقرار علي الحجب،وعندما تكلمت إلي رئيس اللجنة في التليفون قال لي أنه كان مسافرا ولايعلم شيئا مما حدث، وتعجب عزيزي القاريء كيفما شئت!!
وهذه الواقعة ليست استثناء بالتأكيد، فنحن نعرف جيدا، وفي كل عام، أن نتائج الجوائز تتسرب قبل إعلانها.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: