|
|
| السنة - | 782 | ه - العدد | 1429 | رجب | من | 3 | - م | 2008 | يوليو | من | 6 | السبت |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:41:55 AM |
 |
الساعة - |
 |
7/5/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
الدروب في كفٌِنا
لبنان ماهر الخير
يحمِلج النٌّهْرج حّصّي الوجججوه.
عندّ المنحدرات،
يقعج التلاطجم،
ويشتدٌج النٌّهْرج احمِرّارّا.
*****علي الضِفّاف،
وبعدّ الموت، تجولّدج الشٌّقّائِق.
*****في المدّي وردة حّمْرّاء،
صّدّي شّمْس،
أو ظِلٌج نجمة.
*****يسترخي الصٌجوتج فوقّ الماء،
وتقفزج سمكة بيضّاء.
*****ننامج في المسّاءِ علي فراقي،
نلتقي دائما عندّ الفجرِ هجنّا.
وفي مكاني آخر،
في مكاني ما،
تتشظٌّي لقاءات.
*****كي نغيٌِرّ الدروبّ الشائكةّ في كّفٌِنّا،
لا ينفعج أّنْ نقطعّ اليّد.
*****في شِفّاهِنّا،
عّصِيرج الكرمةِ المعتٌّق
لا يشربجهج إلاٌّ من آمّنّ
أنٌّ المسيحّ حّقٌّا قام.
*****في العينِ مرآة زرناها يوما
وللأجذجنِ أّصْدّاءج بحري عبرنّاه.
للأّنفِ رائحةج تجرّابي وطئنّاه
بجعّيدّ ليلةي مجمْطِرّة.
ولمذاقِنّا،
طّعْمج المّلْحِ علي وجججوهِنّا،
بعد عّاصِفّةي هبٌّتْ في مينائِنّا
ذاتّ صّبّاح.
|
|
|
قصيدتان
القاهرة علي عطا
تمرين لاصطياد فريسة
ستسألك
عن ما ترتديه الآن مثلا
وكأنه لغز
قل فورا ما يخطر في بالك
قل ما تراه
ولا تبدي لها دهشتك
حين تحسدك علي حدسك
أولا
أنت تري
لكن ما تراه/ ليس سوي/ مجرد تخمين
فلا تسألن عن أمر/ يفضح عماك
واجتهد/ كي لا تبدو/ كمن يطارد فريسة
وسط ظلام دامس
أو
أنت تري/
وقد لا يكون/ لبعض ما تراه
وجود علي الاطلاق
لكن لا بأس/
فذلك خير/ من أن تصدق عماك
ثم
من يدري/
فربما/ والحال كذلك
يتساوي البعد والقرب
وقد لا تكون المسافات
سوي مجرد وهم
من صنع أيدينا
حتي لو وصمتك بالعمي
قبل أن تغلق 'الماسنجر'
فيما الحراس نائمون
يمكنك إذن أن تشاركها
المشي علي الكورنيش
علي ألا تلحظ وجودك
كي لا تفسد عليها
توحدها مع ذاتها
في تلك اللحظة
يكفيك أن تعرف
أنها تستمتع
بتسللك ليلا إلي غرفتها
وبخروجك
فيما الحراس نائمون
من دون أن تترك
أثرا يذكر.
ستقول لك :أحبني
من دون أن تقول إنك تحبني
ستعلمك هي
ما تحب أن تسمعه منك بلغتها
مفردات لا تتجاوز
عدد أصابع اليدين
وربما تعلمها أنت
كيف تنطق المفردات نفسها بلغتك
وقبل انقضاء اللقاء الأول
سيجيد كل منكما لغة الآخر
لكنكما ستكتشفان بعد الخروج
أن اللغتين ليسا سوي لغة واحدة
يمكن الاستعاضة عنها
بمجرد همهمات
في حال التقيتما أصلا.
|
|
|
ناسك
القاهرة حمدي الجزٌار
أراه، في جبته وقفطانه وعمامته، عمودا كأعمدة الكهرباء الخشبية المندثرة، طويلا عريض الصدر والكتفين ونحيلا، جسده متين، وجهه قاتم البنية مجدور، ومنطفئ العينين، شاربه كث كشوارب الصعايدة، ولحيتة الطويلة مازالت سوداء رغم سنوات عمره الخمسين. عكٌازه الغاب الأصفر، بقبضته الملتوية لأسفل، مضموم بقوة بكفه اليمني، يرتفع شاقا الهواء أمامه، ويهبط لينقر الأرض يسبق خطوته.
يمشي في ظلمته التامة بقلب منير.
كنت في نحو العاشرة من عمري، وكان الشيخ حجب الدين إمام مسجد السٌاحة البيومية وشيخ مكتب تحفيظ القرآن الملحق به، صوته الرقيق الرخيم هو أحب الأشياء إليٌ في طفولتي وصباي. علي يديه حفظت نحو نصف القرآن الكريم في عامين.
سرادقات المآتم الكبري، التي عادة لا تقام لأحد في الجيزة سوي للأثرياء وكبار العائلات، لا يجدعي للتلاوة فيها سوي الشيخ حب الدين.
يذهب الشيخ للتلاوة كأنه ذاهب لعرس أو لحفلة موسيقي كلاسيك، يروح في كامل وقاره وأبهته، صدريته وقفطانه وجبته نظيفة ومكويٌة علي الشعرة.
مرسي المكوجي يولي ملابس الشيخ عناية خاصة، عناية المريد، المحب، لا المهني. ينظفها ويكويها ويطيٌبها بعطر المسك، ويساعد الشيخ في ارتدائها. فلا يجري الشيخ في المساجد والسرادقات والشوارع إلا وهو متأنق، مهيب، يفوح منه ومن ملابسه ريح الطيب.
الشيخ يقوده أحيانا ولد صغير، هو حفيد صديقه اللدود الحاج عيسي، هو أنا.
أصلي مع المصلين خلفه صلاة العشاء في جامع الساحة البيومية. بعد الصلاة أقترب منه وهو يختم، أهمس بأدب حرما يا سيٌدنا، يبتسم ويواصل تمتمته، يتكئ علي عصاه وكتفي ويقوم معي واقفا، كجمل.
ونحن خارجان من الباب الخشبي الكبير، أساعده في اجتياز العتبة المرتفعة، وأحمل عنه عكٌازه وأعلقه تحت إبطي، يضع يده اليسري الثقيلة فوق كتفي، ونسير مخترقين قلب الجيزة. أزهو علي أقراني بمرافقة الشيخ، أكاد أخرج لهم لساني كلٌما رأيت أحدهم. ألف به العطفات والحارات والشوارع من أبعد الطرق وأطولها: ليراني الجميع أقود سيدنا.
هو لا يبالي، لا يمتعض، ولا يتململ. أرفع بصري إليه فلا أري سوي وجه مطمئن، يبدو لي كأنه يبتسم بسماحة من لؤمي وتفاخري. لا تتحرك شفتاه بشيء. كلامه قليل وعزيز.
عندما نصل سرادق العزاء أججلسه علي دكة التلاوة الخشبية المزينة بالقطيفة الزرقاء، أرفع قدميه ليتربع فوق الدكة، فيقرفص في جلسته مثل تمثال الكاتب المصري القديم، أعدل عمامته البيضاء وشاله بيديٌ، أصب له الماء في الكوب أمامه، وأحتفظ بزجاجة الماء البارد في يدي حتي يطلب الشرب، أضبط الميكروفون أمام فمه، أنقره وأجرٌبه نافخا فيه الله.. الله. عندما أطمأن لسلامة الميكروفون وجودة الصوت أقعد عند قدميه، متربعا علي السجادة مثله، فاتحا له أذنيٌ علي اتساعهما.
الشيخ حجب الدين يتلو آيات الله بخشوع يهز القلوب، بخضوع يحني الهامات، صوته موجود، ظاهر، خفيٌ وباطن، غامض كصوت دوران الكرة الأرضية، يصدر من القلب والروح، لا من الفم والبلعوم والأحبال الصوتية والحنجرة. أنصت إليه بكل جوارحي، ويتحرك لساني مرددا خلفه الآيات بنفس طريقة تلاوته، نفس طبقة الصوت، نفس الأداء والنٌبرة والورع. أفتح كفيٌ عن آخرهما وأضعهما علي أذنيٌ، وأتمايل في جلستي يمينا ويسارا مثله تماما. أهتز، ويسري في جسدي لحن شديد العذوبة، وتمتلئ نفسي بصوته السماوي فأطرب، أغمض عينيٌ ويحلق قلبي بنزق طائر، وتكاد ريالتي تسيل من بين شفتيٌ.
كان يتلو، يصدح ككروان، فيذهب بعيدا بعيدا، يغيب بكلٌيته، ويترك لمستمعيه جسد ووجه رجل غائب، طار من دنيانا إلي السماوات العجلي، دخل الجنة فشرب من أنهار مائها ولبنها وعسلها وخمرها، ورأي الحور العين، مؤمن تقي باشر وعرف متعة ولذة فردوسية لا نظير لها، هنا، علي هذه الأرض.
دائما، يبدأ الشيخ تلاوة الربع الأول بسورة المؤمنون، في الربع الثاني يقرأ من غافر، وفي الربع الثالث يتلو من سورته المفضلة يوسف، ثم يختم تلاوته بجوهرته الرحمن. نظام صارم لا يبدٌله الشيخ ولا يستبدله، ولا يرضخ لأحد من أجل تغييره، فالشيخ لم يكن يعنيه من أمر مستمعيه أحد. كان يتلو لنفسه، يشدو لمصلحته الخاصة فحسب، لمزاجه وهواه. الغريب أن الناس أحبوه لهذا السبب فحسب، لأنه ينسي حضورهم ولا يعبأ
بوجودهم، وكف بصره يمنحه حريته كاملة، يجعله غائصا في أعماق ذاته غير مكترث بما حوله، غير عابئ بشيء، سوي صورة روحه المعلقة بالكلمات المقدسة.
وسواء كانت المناسبة عزاء راحل ثري، أو ختمة نذر، أو احتفالا بمولد أحد الأولياء، فإن شيخنا لا يغير ذمته ولا ضميره ولا سوره الحبيبة.
بأربع سور فحسب صنع الشيخ حب الدين شهرته العريضة في الجيزة، وتجاوزها إلي الجنوب حتي قري البدرشين والعيٌاط، وشمالا حتي وصل صيته بشتيل والقناطر الخيرية. وأينما ذهب، أينما تلا الشيخ سوره الأربع تتصاعدالله الله في جوانب وسقف السرادق، تتوالي الزفرات والآهات من السمٌيعة المأخوذين بالصوت الضارع الخاشع، وتردد الألسن
الله يفتح عليك يا شيخ عقب كل وقفة، وسكتة، وقفلة.
سيدنا يجلس للتحفيظ في قاعة المكتب الصغيرة، أعلي مسجد الساحة، من بعد صلاة العصر حتي صلاة المغرب. بعد الصلاة يعود للبيت للراحة حتي قبل العشاء. أرافقه في طريق العودة، هذه المرة أخترق السوق مباشرة من أقصر الطرق للوصول إلي بيته، فمازالت حواري وشوارع السوق عامرة بالناس.
كانت البائعات الجالسات علي الأرض أمام فرشات الجبن والعسل الأسود، والليمون والخضراوات، والواقفات أمام عربات اليد، وخلف أقفاص الفاكهة، وأمام أبواب المحلات والدكاكين، والنسوان الجالسات علي عتبات البيوت، كن يتطلعن إلينا، يسلٌطن أبصارهن علينا، يتغامزن ويحدقن فينا بلا حياء، بلا أدب يليق بمرور الشيخ. أحيانا يحدث ما هو أسوأ من ذلك. تميل الواحدة منهن متوردة الخدين علي الأخري، وتهمس في أذنها بشيء وهي تبتسم، فتخجل الأخري قليلا ثم تفتر شفتاها عن ابتسامة عريضة، تستمر المرأة الأولي في الهمس باحتياط كأنها تبوح بأسرار خطيرة حتي تضحك الأخري وهي تنظر، من تحت لتحت، إلي جسد سيدنا الفارع، ثم تستقر عيناها عند ما بين ساقيٌ وحجر الشيخ، ولا تتزحزح.
أنظر إليهن بحنق، ساخطا، غاضبا، وهن مستمرات في البحلقة، التهامس، الغمز واللمز.
أحاول زجرهن، صامتا، بحركة غاضبة من رأسي ورقبتي، بوجه أحمر وأذنين ساخنتين، فيبتسمن هازئات بي، ضاربات كفوفهن الواحدة بالأخري، وضحكاتهن تتصاعد. أغضب وألوح في وجوههن بعصا الشيخ فيزداد ضحكهن مياصة وارتفاعا. الشيخ يسمع ضحكهن الماجن ولا يبدو عليه أنه سمع شيئا، ولا ينطق بشيء. أنظر إلي وجهه فلا أري فيه سوي الطمأنينة والرضا، وعلي وجهه شبهة ابتسامة مضيئة. برقة، يضغط علي كتفي أن أهدأ، وأن نواصل السير، أشيعهن بنظرة غضب ولعنات مبهمة لا تجاوز فمي، فلا أسمع منهن سوي ضحك صاخب غزير، خلف ظهرينا.
كنت أعرف أن شهرة الشيخ السٌرية في النكاح وعظم الآلة تكاد تساوي شهرته المعلنة في الورع والتقوي، جمال الصوت وروعة التلاوة. فالشيخ الذي ليس له ولد أو بنت معروف بأنه صاحب الأرجل الثلاثة. قيل لأنه يسير علي قدميه وعصاه، وقيل غير ذلك. يجشيع السجوقة الخبثاء أنه اجشتهر بهذا اللقب عقب وفاة زوجته الأخيرة، متأثرة بمتعة قصوي، جراء مضاجعة استمرت عشر ساعات، زلزلها الشيخ خلالها بقضيب، في طول وعرض قدم رجل متوسط الطول !
أنا، لم أره سوي كهل، عذب رقيق، ووحيد.
كان الشيخ قد تزوج كثيرا من النساء في مطلع شبابه وفتوته. لا تعمٌر واحدة منهن معه، ولا تمكث في بيته أكثر من عام واحد، بعده تنتهي، فإما أن تتواري وترحل عن الجيزة كلها مطلٌقة، أو يشيٌعها الناس إلي القبر، حتي تزوج صبيحة آخر زوجاته. لم تنجب هي أيضا ولكنها كفته، كلفت به، ورعته بمحبة دافقة عدة سنوات حتي ماتت. بعد رحيلها لم يقرب الشيخ النساء أبدا، وصارت تلاوته شجية، خافتة وحزينة، وصار يغني عندما يكون وحيدا، وأحيانا في غرزة بجحْلجق بعطفة القسيس.
في جلساته الخاصة بالغرزة، كان الشيخ يجسّرٌِي عن نفسه مع صحبة قليلة، عمي موسي، حسن الأفندي الملحن، والأسطي مرسي، واثنين ثلاثة آخرين من أحبابه.
كان ينبسط، يتمايل ويغني. يغني بسلطنة قصائد غناها الشيخ علي محمود، ويرق صوته ويحنو بمواويل وأدوار لناظم الغزالي، ويصدح بطقاطيق وقصائد لصباح فخري. لا يقرب البيرة، المشروب الأوحد بالغرزة، فقط يدخن علي الجوزة ما تيسر من أحجار الحشيش.
في ظلمة الليل، نحو الثالثة صباحا يعود الشيخ إلي بيته مسحوبا بذراعي عمي والملحن حسن الأفندي. يحكي لهما في السكة دائما حكاية واحدة. حكاية بكائه المتواصل، حين يكون وحيدا، حزنا: لفراق صبيحة التي ماتت بين يديه، وهي منكبه علي يده تقبلها، وشوقه للحاق بها.
عند ناصية الشارع يتركهما الأفندي ليسير في اتجاه شارع المحطة حيث يسكن، بينما يقود عمي الشيخ لبيته الأخضر ذي الطابق الواحد المجاور لبيتنا، يدخله غرفة نومه ويتركه. بعد دقيقة أسمع وقع أقدام عمي وهو يصعد درج بيتنا لشقته.
من كثرة ما دخلت بيت سيدنا أعرف. بيت الشيخ وغرفة نومه تامة الظلمة، لا ينير فيها مصباح ولا تدخلها الشمس. بيت خاو لا يشاركه فيه أحد، لا صوت فيه ولا حس.
وحيدا، يتخبط الشيخ بين السرير والدولاب طويلا: ليخلع قفطانه الثقيل وعمامته. يغفو ساعتين علي الأكثر، ويقوم من نفسه وحده: ليذهب لمسجد الساحة ويؤذن للفجر.
كان الشيخ قد أقسم بعد عشر دقائق من وفاة صبيحة ألا يقرب امرأة ما بقي له من العمر، فلم يدخل بيته قريبة أو خادمة. أعرف أنه يفتح المسجل ويترك الشيخ رفعت يتلو ويتلو، ويترك دموعه تنساب فوق المخدة، يئن بحشرجة خافتة، ويدع جسده القوي ينهار تحت أنين روحه.
هكذا يفعل كل ليلة قبل أن ينام مقلوبا علي ظهره، محتضنا مرتبة سريره الخشنة، فاردا ذراعيه علي امتدادهما.. تماما مثل مسيح مصلوب، مثل مسيح نائم علي فراش الشوك.
يقول عمي موسي إن الشيخ كان بصره ضعيفا فحسب، لكنه قد صار عاجزا، لكثرة ما بكي علي فراق النساء.
سميرة
لم أبك علي فراقها طويلا حتي أفقد نظري، لكني كدت أنتحر فحسب !
ربما لو استطعت التخلص من حياتي بتلك البراءة التي كانت لي، وامتلكت الشجاعة لفعلها، لما وصلت لما أنا فيه الآن، لكان أعدل، وأرحم، وألطف.. أظرف كثيرا.
أتذكرها وابتسامة ممتنٌة علي وجهي، وعيناي متألقتان لامعتان تنظران إلي طيفها، وقلبي يتقافز داخل صدري كصبيٌ غض.
سميرة أيقونة سنوات مراهقتي، تشرق في رأسي كشمس صغيرة: فأشعر بكثير من الشوق إليها، شوقي أن أحس تلك المشاعر الغجفْل، التي كنت أحملها لها، مرة أخري. بتذكرها أعود لأشياء أكاد أقتلعها من نفسي : البراءة، النزاهة، المثالية، والسذاجة الطيٌبة التي فقدتها منذ زمن طويل.
أستحضرها الآن ولا أحس بألم، ولا بوجع قلب، ولا بمرارة، فقط ضحكة ساخرة طويلة تخرج من بين شفتيٌ وقلبي علي ذلك التلميذ الذي كان في أولي ثانوي.
أذكرها وينتابني حنين لتلك الأيام التي ولت بلا عودة، وفرحة لأنني لا زلت أستطيع تخيل ملامح وجهها الرقيقة، لون عينيها العسليتين، أنفها الدقيق المستقيم،شعرها المجعٌد القصير، رنة وبحة صوتها المميزة.
صورها كثيرة وساطعة، تتلاحق في دماغي وأمام عينيٌ بسرعة بطيئة كبكرة شريط سينمائي، أمسكه بين يديٌ، وأتأمله صورة بعد صورة.
قاعدة علي البسطة، والدرجة الأولي الحجرية من سلم بيتهم، جسدها القليل مستقر علي الحجر وساقاها منفرجتان قليلا، وأصابعها الطويلة تطل من شبشب بلاستيك بوردة خضراء، علي البسطة النظيفة. بالماء والصابون والخيشة تمسح سميرة السلم كل صباح.
جسمها مرتاح في القعدة ومائل بزاوية، وظهرها مركون علي الحائط الأصفر، ووجهها مدفون في ديوان شعر مفتوح بين يديها. ساقاها نحيفتان طويلتان، وركبتاها السمراوان الحلوتان تلمعان تحت طرف جلابيتها المنزلية القصيرة. جلابية بيضاء تتناثر فوقها وردات حمراء كبيرة، ومن الراديو الترانزستور في حجرها يصدح صوت نجاة الصغيرة أنا باستناك..أنا.
علي يمين باب بيتهم الخشبي المفتوح واقفة تمضغ لبانة، يدها في وسطها، ووجهها مرفوع لأعلي، تتطلع للبلكونة في الدور الثاني في البيت المقابل، وترغي مع صاحبتها : أسماء المنحنية لأسفل، تتكئ بصدرها الناهد علي حديد البلكونة. سميرة تسألها، بإلحاح ولهفة، عن أحوال جامعة القاهرة.
ما شكل مدرجات الكلية ؟ ماذا يلبس البنات هناك يا سجومة ؟ كيف يمشين، كيف يتحدثن ؟ ماذا يقول الدكاترة في المحاضرات ؟ ما أخبار الشبان في الحرم الجامعي ؟ ما آخر قصص الغرام في الكلية ؟
هل وجدتِ واحدا يرضي بك يا معرقبة الرجلين ؟
احكي كل حاجة بالتفصيل يا بنت الكلب.
وتنفتح حنفية كلام أسماء بلا محبس. أثناء رغي أسماء تتنهد سميرة، تقول آه..آه كثيرا وتسأل ها.. وبعدين، حصل إيه ؟. تسهم وتذهب عيناها لبعيد، ويدها تسوي شعرها، وتستمر في مضغ لبانة سمارة المرٌة بلا وعي، بحركة آلية من فكيها الصغيرين. بعد وقت، تمل، تزهق، وتحط عليها الكآبة: فيرتسم علي وجهها حزن يحاول ستر نفسه بابتسامة
باهتة
في آخر الكلام، وهي لم تعط ظهرها لأسماء بعد، تزفر بحسرة، ربما لأنها لم تر الجامعة وراسبة ثانوية عامة ثلاث مرات، والمعلم فرج أقعدها في البيت، وينتظر بفروغ صبر الخلاص منها، ستر العانس بنت العشرين، وتزويجها بأول واحد يطرق الباب.
أيام، وأنا مزوٌغ من المدرسة أتسكع في الشوارع بصحبة حارث، نراها ماشية في السوق في فستان أخضر ضيق، وبّنْس أسود بكعب عال، تتمختر في مشيتها بجرأة بنت الحتة، فيهتز ردفاها السمينان، وتتمرجح، مع حركة يدها اليمني، شنطة خضار كبيرة وفارغة.
أجر حارث بالعافية: لنتبعها من بعيد، ونحاذر أن ترانا، تخترق سوق الخضار دون نظرة علي محل أبيها، تشتري لحما من جزارة آل جبر، تنحني وتميل، تنقي الطماطم والخضروات والفاكهة، وتعود بحقيبة ممتلئة ثقيلة للبيت ولا تتكلم ولا تفاصل كثيرا مع الباعة. معظمهم يعرفونها، ابنة المعلم فرج والست تريزا، ولا ينادونها سوي بأبلة سميرة، أنا أناديها باسمها مجردا، أحبه كثيرا.
فوق السطوح في ليلة حارٌة مقمرة قاعدة علي صفيحة فارغة، وجهها بين يديها، سارحة وساهمة ترفع عينيها إلي السماء في صمت، وأنا وشوقي ندخل غرفته بعد أن قلت لها مساء الخير يا سميرة، ولم ترد عليٌ. بعد وقت سمعنا نهنهتها وأنينها الخافت.
بعد العصر، أنا وهي قاعدان علي البسطة، في ضوء مّنْوّر السلم. هي تقرأ في كتابها صامتة، وأنا جالس علي بعد شبرين منها، أتكئ بيدي علي الدرابزين الخشبي للسلم وأحدق فيها مبتسما. ادٌّعيت أنني يجب أن أنتظر عودة شوقي من الدكان: ليشرح لي درس الجبر الصعب، فقالت لي برقة طيب.. اقعد. وجلست إلي جوارها صامتا، أسترق النظر إلي الصفحة التي تقرأها، وأتردد في سؤالها عن سر ولعها بالشعر، أهم بالكلام، ولكن الكلمات تتحجر فوق شفتيٌ المرتجفتين: فأتململ في جلستي. لا تحس بي، ولا ترفع عينيها عن الكتاب. أتأمل جسدها كله للحظات طويلة باستمتاع، وأنا مضطرب، شبه مرتجف. تحط عيناي علي ركبتيها اللامعتين وتستقر هناك، أسكن مرتاحا غير خائف: فمنظري منظر ولد مؤدب طيٌب، قال يعني، خجلان ينظر للأرض.
في غرفة شوقي، قبل امتحانات النقل بشهر، ونحن جالسان متواجهان علي الحصيرة، كتابا اللغة العربية والنصوص أمامنا مفتوحان فوق الطبلية الخشبية، أنا أنظر في اتجاه الباب بعيدا عن الكتاب المفتوح، وأجسمٌع لشوقي بفتور شديد إحدي القصائد الحفظ :
ثاوي علي صخر أصم وليت لي قلبا كهذي الصخرة الصماء.
تدخل هي حاملة صينية صاج عليها سندوتشات جبن وبيض وكوبان شاي. تنتابني فجأة الحماسة: فيعلو صوتي ويرن، فتبتسم لي، أستمر في التسميع، وأحاول التجويد وتحسين الإلقاء الشعري. تلتقي عيناي بعينيها: فأضطرب، وترتفع الحمرة إلي وجهي، أخطئ وأتلجلج، وليت.. وليت.. وليت لي قلب كهذي الصخرة الصماء. تضع الصينية علي الطبلية وتميل عليٌ وهي تغمز بعينها : صوتك حلو.. بس كده غلط يا حلو.. الصح وليت لي قلبا.. قلبا يا فالح.
وتمضي خارجة، بقوام رشيق، وأنا غرقان في الخجل والكسوف.
علي عتبة باب بيتها واقف أمامها يّشجر عرقي من ساسي لراسي، قلبي يخفق بشدة، وريقي ناشف، ووجهي أحمر وأذناي ساخنتان، وهي تحدق فيٌ مندهشة من منظري. أتهته بلا شيء، بأصوات ليس لها معني، أستجمع شجاعتي كلها وأخرج من جيبي ما قضيت الليل كله سهران أفعله. قالت بانزعاج مالك يا ربيع ؟ فيه إيه ؟ بأصابع مرتجفة، وضعت في يدها قصيدة شعر كتبتها فيها وعنها، ولها وحدها. ابتسمتج لها ابتسامة شاحبة، وجريت من وجهها، فارٌا أركض. عدوت حتي وصلت حجرتي.
في اليوم التالي، وأنا طالع السلم لشوقي خرجت من شقتهم الأرضية واستوقفتني، كان وجهها متوردا وجميلا جدا، نظرت في عينيٌ ساكتة لزمن، وتفرست في وجهي طويلا، ثم مدت يدها إلي شعري ومسحت عليه، وقالت بعذوبة لا تجنسي أنا كمان بحبك.. بس.... بس انت لسه صغير.
وأعطتني قبلة وحيدة رقيقة علي خدي، هي كل ما نلت منها.
جسدها العاري مضيء ومبهر، شعرها الأسود مبلول ومحلول حول وجهها وفوق كتفيها، وشفتاها لذيذتان بطعم الشيكولاته، نهداها الصغيران مدوٌران بين يديٌ وحلمتها في فمي، يداها علي شعري وظهري، وتيار ماء غزير ينساب فوق رأسي وجسدي من مصفاة الدش. أتأوه، وأرتجف من اللذة، ورغوة الصابون كثيفة وبيضاء، وغزيرة علي يدي اليسري، وعلي ما بين فخذيٌ.
سميرة في فستان فرح أبيض، يدها اليمني معلقة في ذراع لوقا علي عتبة باب كنيسة مار جرجس. لوقا ابن عمها فاشخ فكيه الكبيرين عن آخرهما، ووجهه الدميم الأسود كله فرحان ومبتهج، شعره الشايب ممسوح بالزيت ولامع، وسميرة قزمة بجانب جثته الضخمة.
وجه سميرة أسمر وجميل علي الماء أسفل كوبري عباس، ومراهق في الخامسة عشرة ينظر إليه ويبكي بحرقة، وهو متردد في القفز من فوق السور الحديد.
لا أضحك الآن علي هذا المنظر ولا أبكي. فقط، أشتاق إلي رؤيتها، وهي لم تعد إلي الجيزة أبدا منذ سافرت مع لوقا إلي آخر الدنيا : كندا.
لماذا لم أنتحر أيامها، وأخلص ؟ لماذا وصلت إلي هنا ؟
 فصلان من رواية لذٌّات سرٌِية لحمدي الجزار
تصدر قريبا عن دارالدار للنشر والتوزيع بالقاهرة.
|
|
|
الصفصافة
القاهرة عبدالعال عبدالرحيم
بعد السلام..
من جنب ترعة صغيرة
ف كفر النخيل
بابعت لعبدالعال جواب
حب وعتاب
لواد حليوة كان هنا غرب وغاب
من يوم 11 من جماد الآخرة
عام الرحيل
من كام ربيع
عدوا علي ف وحدتي
وانت هناك
بتبيع هواك
بتبيع ف حبات العرق
والمستحيل
فارد قلوعك للسفر
غيرت توبي الف مرة
وانتظرتك يوم تميل
عماله اسدد ف الخانات
والاسئلة بترفض جوابك
وانت لسه ما قلتهوش
والامكنة بتحلم بعودك
لما كان يتمدد بدري.. ع الغيطان
وعلي الوشوش
مش قادرة اهرب من وصية أم أحمد
انهزمنا.. يوم ما ماتت
وانكسر فينا الامان
امك يا واد أمين
مش قادرة اهرب م الحنين
عمالة اشد ف هدمة الزمن اللي رافض
ينتظر.
لو ثانيتين
عمالة اجل فجري للزمن النبيل
والتوتة خايفة تمد ايدها بالسؤال
حتي الليل فينا انكسر
لسه بينبض بالحياة
لسه بينتظر اللي جاي
وفارد له سجادة صلاة
عدي الربيع
ورا كام ربيع
الحرب قامت وانتهت
وحسين رجع
بيقللي ارضك م الديدان
وينقي فمحك م الغلت!!
سعدية رافضة م المهور اكوام
لا يهمها فدادين
ولا جاه ولا اوهام
خليت بنات الكفر والعواجيز
يطولوها بكلام
خليت ابوها يحني راسه وهمته
خوف م اللئام
قلب الزحام اتمد ع الشطين
بيحلم ويناديك
والكلب عنتر.. كل يوم يسأل عليك
والارض زي ماسبتها
عطشانة تايهة ف حلمها
والساقية صدت م الوجع
بتنام تهلوس بالجدع
من حزنها
الافعي بانية قصرها فوق المدار
بتبخ نار
بتمص دم الفلاحين
وتشد حيل الطمعانين
والأغربة!
اوعي تكون عجزت زيي
أو كساك الشعر الابيض والقلق
أوعي يكون شعرك يا عمري زي شعري
مالوش ورق!!
خد الجميل
من يوم ما سبته لا استوي
ولا حد داقه من العيال
والموج ف حضن النيل
مخاصم حضننا
لا عاد بيضحك ضحكتك
ولا عاد بيعرض طلتك
ولا عاد بيفهم ف الجمال
ما انت اللي رحت وقلت: عدوا وسبتنا..
ليل ما انتهاش!
اتحمد غلط؟
لما سمح لك بالسفر!
قلبي انفطر
وفضلت اسامحك كل يوم
وهموم تزود ف الهموم
فقفلت سدري عليك
بالضبة والمفتاح
ترتاح هنا.. ترتاح هناك
الحضن مستنيك ومد ايديه براح!
قول: عندك ايه
مش عندنا؟
عندك قلوب بتدوب صبابة
أو بتفهم ف الغنا والطبطبة؟
عندك عنين متعلمين
ازاي ترش الفرح والياسمين
حبة حبة ع العيال الطيبة؟
يمكن تشوف عندك حاجات
نفس الملامح
والتسامح
والمطامح
والجراح
نفس الوشوش
الا روح الطين
وريحة شمسنا.. متكررروش!!
هو انت فين؟
عايزن نجيلك كلنا
نمسك عصاية حبنا نمدك بها وتمدنا
نمسح خيوط الزيف
علي جسم الحكايا والدروب
نهدم صوامع خوفك المتداري
ف سنين الهروب
نكسر صوابع قسوتك
ننسج بها للقرب توب!
ما تقولشي:
لون الدنيا اتغير ف وشك وانطفي
ماتقولشي..
مش هاعرف امينة أو حميدة ومصطفي
دول ويا دول
قلب واحد اتخلق لك بالمحبة والدفا
هو انت فكرك ايه يا واد!!
ما وحشتناش؟
الكل يا ابن الايه
بيسأل ليه.. عبدالعال ماجاش؟
وشبعنا رد واجوبة
وشبعنا خوف وملام
رد الكلام ما اسهله!!
ما اجمل الايام
لما تجينا ونحضنك
والعمر يبدأ يا جميل.. من أوله!!
توقيع:
صفصافة
من فرط الهموم بتئن
والدم سايل ذكريات
يمكن اعيش وتحن!
|
|
|
|