|
|
| السنة - | 782 | ه - العدد | 1429 | رجب | من | 3 | - م | 2008 | يوليو | من | 6 | السبت |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:23:45 AM |
 |
الساعة - |
 |
7/5/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| نقطة عبور |
 |
|
|
ملاحظات ليست شخصية
جمال الغيطاني
منذ البداية، أحد همومي الأساسية خلق لغة جديدة استنادا إلي الموروث اللغوي الإنساني في مصر والذي تنصهر فيه عناصر لغوية عديدة
ربما يبدو حديثي شخصيا، لكنه يؤدي إلي صميم القضايا المطروحة بخصوص وضع الأدب في العالم، ولدت عام 1945 في جنوب مصر، لكن تفتح وعيي في القاهرة القديمة حيث يقيم الوالد الذي كان موظفا صغيرا كادحا، لاعلاقة له بالأدب المقروء، وان كان يتمتع بقدرة هائلة علي الحكي، ويحمل ثقافة شفاهية غزيرة، لو أتيحت له فرصة التعليم لأصبح روائيا، بدأت أكتشف نفسي منذ الطفولة، كان خيالي خصبا، أختلق الحكايات وأرويها لأمي وكانت تتظاهر بتصديقي، إلي أن عرفت جنة القراءة، في السابعة من عمري قرأت ترجمة لرواية 'البؤساء 'لفيكتور هوجو، وأيضا ألف ليلة، كونني المكان غزير الثقافة، في المركز منه الأزهر الجامعة والجامع، وحوله مكتبات تخدم طلبته، قرأت ما يقع تحت يدي، الأدب العالمي المترجم، والأدب العربي القديم، ومن هذين العنصرين تكونت، من نتاج الشرق والغرب، داخلي مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، وموبي ديك لميلفيل، ثلاثية محفوظ، والأخوة كرامازوف، جسر علي نهر درينا لإيفو أندريتش وصحراء التتار لبوتزاتي، وأشعار حافظ الشيرازي، والهايكو الياباني، كانت حركة الترجمة إلي العربية متعددة الاتجاهات منذ القرن العاشر الميلادي، دار الحكمة في بغداد، دار الحكمة في القاهرة، كانت الثقافة العربية تتجدد وتصبح اكثر حيوية مع الترجمة، وتنغلق وتتشدد مع قصور النقل من اللغات الأخري،، لكنها في المسار العام منفتحة، عندي كما ذكرت لا فرق بين شرق وغرب، يقول مولانا جلال الدين 'أصبحت غربيا وأمسيت شرقيا..'.
في العصور الوسطي تعقدت العلاقة بين الشرق والغرب، ازدادت الهوة، لكننا من جانبنا بدأنا نتطلع إلي الغرب كمصدر للحضارة، هذا التطلع لم يقابله اهتمام مماثل، انعكس هذا علي الأدب، بدأت الكتابة عام 1959، أي في نفس السنة التي نشر فيها نجيب محفوظ أولاد حارتنا، كان قد قدم أعماله الكبري، الثلاثية، زقاق المدق، خان الخليلي، ولم يكن أحد يعرفه في الغرب، أذكر بعد حصوله علي جائزة نوبل أن جريدة فرانكفورت الألمانية تساءلت في عنوان رئيسي 'محفوظ.. محفوظ.. من هو محفوظ؟'، الآن محفوظ كاتب شعبي في ألمانيا.
هذا العنوان المستفز كان وراء كلمته التي ألقاها عند استلام ابنتيه للجائزة، لقد مر الأدب العربي في الغرب عامة بمرحلتين، الأولي تنظر إليه باعتباره انثروبولجيا تتعلق بشعوب تعيش خارج الوقت، ثم جري اهتمام مصدره سياسي بعد الحروب العربية الإسرائيلية، والمشاكل المتعلقة بالنفط، كان الهدف التعامل مع النصوص الأدبية كمصدر لفهم هذه المجتمعات وتزايد الأمر بعد الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحت قراءة الأدب نوعا من التلصص الخفي، يمكن أن نلمح ذلك في الاهتمام المبالغ فيه بنصوص أدبية متواضعة خاصة من السعودية، وإن كانت هناك استثناءات قليلة، خاصة في فرنسا، التي لاقي فيها نجيب محفوظ اهتماما خاصا، وعدد قليل من الكتاب الآخرين الذين ترجمت أعمالهم بدءا من السبعينات.
بدأت القراءة والكتابة بشكل تلقائي، وكنت أحاول تلبية احتياج داخلي يصعب عليٌ شرحه حتي الآن، كانت الكتابة كالغريزة بالنسبة لي، ومنذ البداية كان طموحي أن أكتب نصا مغايرا لكل ما قرأته، أؤمن أن المبدع يجب أن يضيف إلي الإرث الإنساني كله وليس إلي تراث أمته أو ثقافته، هدفي ان أجد أفضل شكل يتيح لي مساحة قصوي من حرية التعبير، استوعبت الأدب الغربي والشرقي والقديم. كان طموحي أن أحقق خصوصيتي، وحتي منتصف الستينات كانت المقاييس النقدية صارمة نابعة من الأدب نفسه، كان هناك أدباء يكتبون الرواية التي تستهدف قطاعات عريضة من القراء. لكن لم يتعامل النقد مع هذه النصوص باعتبارها أدبا، لكن في السنوات الأخيرة بدأت ظاهرة جديدة تترسخ الآن في الواقع الثقافي العربي عامة والمصري خاصة، إذ بدأ العنصر التجاري، أي الأكثر توزيعا يدخل في التقييم بغض النظر عن القيمة، هذا خلل خطير، فالنماذج التي جري الترويج لها بدأ كثير من الأدباء الجدد يحتذونها، وهذا يؤدي إلي تكرار نماذج سهلة أشبه بالقوالب الجاهزة، ولاحظت ظهور عناوين تحقق انتشارا تجاريا سريعا وسرعان ما تختفي ،لاتترك أثرا، ولا تثير إلا ضجة زائفة، غالبا في برامج التليفزيون، من هنا اطلقت عليها أدب 'الكلينكس'، المناديل الورقية مهمة لكن في حدود وظيفتها، والخطر يبدأ عندما نعتبرها اعمالا ذات قيمة فنية. ان اعتبار الادب سلعة، وتخليق أدباء يجري الدعاية لهم بتخطيط مسبق وبروزتهم بصورة معينة من خلال وسائط الإعلام الحديثة خطر يهدد الأدب العميق، الجاد.
منذ البداية، أحد همومي الأساسية خلق لغة جديدة استنادا إلي الموروث اللغوي الإنساني في مصر والذي تنصهر فيه عناصر لغوية عديدة، ان كل رواية تقتضي لغة جديدة لذلك أعتبر الرواية حالة وليست اسلوبا، باستمرار تتجدد اللغات من خلال آدابها، الآن مع المفهوم التجاري الجديد يسخر البعض من الاهتمام باللغة ويعتبرون ذلك أثرا من الماضي!
 طوال ما يقرب من نصف قرن أكتب للكتابة، أعتبرها أقدس ما يمكن أن يقوم عليه الانسان، باعتبارها الجهد الوحيد لمقاومة العدم، لمقاومة المحو المستمر، والجهد الوحيد لملامسة السر، موضوعي الكتابة، والحكي، ليست الدنيا إلا الحكي الذي نقصٌه باستمرار، لذلك أمضي في هذا الطريق كما يمضي الصوفي عبر مدارج في الترقي صوب حالة الغناء، إن الجوائز التي تجييء كتحية لهذا الجهد مرحبا بها، خاصة إذا اقترنت بقيمة معنوية ومادية، القيمة المعنوية تجييء إذا اتجهت الجائزة للقيمة، ولم تضع في اعتبارها أي عناصر من خارج العمل الادبي، سواء كانت عناصر سياسية أو دينية أو ذات منطلقات عنصرية.
|
|
|
|