|
|
| السنة - | 801 | ه - العدد | 1429 | ذو القعدة | من | 18 | - م | 2008 | نوفمبر | من | 16 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
1:03:11 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/15/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
يوميات كائنات صغيرة
فدوي القاسم كاتبة فلسطينة تعيش بدبي
العطر المخطوف
بدأت مشواري داخل قشور من عطور.. داخل أغشية حميمة، دافئة، رطبة من العبق. لا أذكر لحظة مرت بي دون أن تكون مغلفة بالعبير.
غير صحيح أننا نعتاد رائحة ما فلا يعود لها أثر علينا، فكلما ظننت أني اعتدت أريج الفتنة، أجده يداهمني بروعته كل غروب. وأكيد أن الأمر نفسه يحدث بالنسبة لعطري أنا.
عطري لا يحكمه قانون. لا يعرف الخوف. لا يعرف الموت. تستثيره الأمطار، والمخيلات، والذكريات. فأنا إن شممتني، أعشش داخل دهاليز ذاكرتك.. ابني أساطير، ابني قصور، أبني معابد.. لا تتركك أبدا.
لا أفعل ذلك عن قصد، عطري يقودني للسيطرة علي هذه الحاسة شديدة الحساسية. فهو يعطي أبعادا خرافية، لذكري جميلة، تزيدها ألما ممتعا، ويضفي جمالا مميزا، علي ذكري أليمة، فيسهل تحملها. عطري يعطي للحياة ملامح، وحدود حادة مخادعة.. يخدعك، وتريد له أن يخدعك.. كحلم تعتقده واقع، أو واقع تظنه حلم، ويجعل الحياة تحوي كالحية.. تتجمع.. تلتوي.. وتحيك قصصا يحيا في ثنياها الطيب.
كل جمالي يقطن داخل عبيري، وعبيري هو روحي. فأنا لم أحمل يوما مواصفات جمالية قياسية، وهناك كثيرون أجمل مني. ولأني لم أكن أخشي عنفوان الحياة، لم أختبئ، ولم أتقوقع، فقد تسببت شقاوتي بتمزق بعض أوراقي.
لم يعنيني هذا كله، فأنا لم أرد التحجب عن أشعة الشمس، ولم أخش التمايل تحت موسيقي الأمطار.. ولأني كنت أؤمن بأن انعدام الكمال، هو الجمال، ويضفي علي ميزة خاصة، تحمل بصمات شخصيتي.
..كما أن الطيور والفراشات لم تأت لزيارتي لأني جميلة، بل لأني عطرة.
لم أتخيل يوما الاستمرار في مشوار حياتي دون عطر، ولم أتخيل أن تخطر ببالي هذه الفكرة أصلا، لولا أني بدأت ألاحظ انخفاض نسبة الطيب في محيطي.
لم يعد يجصبح علي أريج الجردنيا بقوة وعنفوان، كما في السابق، والياسمين ازداد بيضاه، ولكن..
أما الفتنة، التي أعشقها، بالكاد يصلني عبر الأثير، عبيرها.
وجدت نفسي الوحيدة بين بني جنسي التي بقيت كما هي، وربما كانت آثار حبي للحياة، هي التي أنقذتني. ولولا أني كنت أشتم عطري، لفقدت صوابي تماما. فقد اربكني كثيرا هذا التغير الجذري في محيطي. شعرت كأن أحدا استأصل حاسة الشم لدي، وبأني سأنزف حتي الموت.. لم أستطع التمييز بين فقدان حاسة الشم، وبين فقدان ما يشم.. ولا أستطيع أن أقدر، أيهما الأسوأ..
هل الأسوأ هو بقائي وحدي؟
فلأبقي وحدي. لا أريد أن أسلك هذا الطريق الشائك، ولا يهمني إرضاء أصحاب المزهريات.. فيوما بعد يوم، كانت الزهور اليافعة من حولي، تخضع للدمج، والصياغة، وإعادة الصياغة من جديد، لكي تصل إلي تلك الحالة، التي يعتقد بأنها الوجه الوحيد، والمقياس الوحيد، للجمال، إلي أن أصبحت كلها تشبه بعضها البعض، مثل توأم مكون من آلاف الأشقاء.. أعترف بأنها جمعيها تفوقني جمالا..
فلأبقي وحدي، جمالها هذا لا أتمناه. جمالها ميت، يخلق، ليقطف، ليسجن داخل أدني متطلبات الحياة، داخل إناء ميت.. لا يشعر بها، لا يشاركها شغف الحياة، لا يسمح لها بالنمو.. بتفتح أوراقها.. ولا تذكرها سوي خيوط العناكب.
يجمّلٌج من روعتها وكمالها في أيام.. تجف، فتهمل، فيقطف غيرها، فغيرها…دون الحاجة للتميز بينها، دون الحاجة للفرح بها، أو الحزن عليها.. إلي أن تتقلص حياتها المختصرة، بالمنفي.. بعيدا عن جذورها، بعيدا عن دفء شمسها، وتغريد عصافيرها.. وبعيدا عن طريق الفراشات، التي كانت ستكون معها علاقات حميمة، مرحة.
وحدي أعرف أن الفراشات لن تعد تقبلها، لأنها لا تستطيع أن تشارك وجدانها مع فتافيت، مع بقايا حياة.. عديمة الروح.. عديمة العطر.. ولكني لا أعرف من غير الفراشات سيبكي أريجها المخطوف؟
الفراشة
منذ لحظة وعيي الأولي، آمنت "بفراشيتي".
أقصد آمنت بكوني فراشة، رائعة الجمال، خالية من القيود. وعلي الرغم من أني كنت أدرك كوني حاليا، مجرد دودة خضراء، صغيرة، بدون أجنحة، إلا أن الساعة الزمنية بداخلي كانت تخفق، وخفقانها يعدني بأن حياتي ستبدأ يوما.
يوما ما سأسافر مع نسيم الربيع، الذي سيحملني مثلما عطر المساء بين ذراعيه. ويوما ما، ستنسج لي الشمس أجنحة بخيوطها المفعمة بألوان الحياة المختبئة بإشعاعها. أبدا لم أشك بهذا الأمر، فهذه حال صنفنا، ولم أفكر كثيرا بجسدي الدودي الذي أستقبحه، لأنه لا يعنيني.
لكنه كان يتعبني، هذا الجسد، ليس بقبحه، بل بالحصار الذي يفرضه علي روحي. ففي الأمسيات ناعمة البرودة، كنت أحب تسلق شجرة الياسمين اليافعة، والمشوار غالبا ما يكون صعبا ومتعبا، بسبب هذا الجسد الثقال الذي لا يتفاعل، وعنفواني. لكني كنت أثابر. وأروع ما في مشواري هذا، الاحتكاك بالأزاهير البيضاء الرقيقة، التي كانت تترك علي جسدي الخصي، عطرها الخرافي. وعندما أصل إلي قمة جبلي، أو علي الأقل، أعلي قمة يمكنني أن أصلها، دون المجازفة بالوقوع، كنت أنهض باتجاه السماء، وأتصفح الأفق الذي سيصبح عما قريب، أفقي أنا. أنا، السر الذي ينتظر أن يباح.. والحياة التي تنتظر أن تعاش.
أن أملك الآفاق، وأن أكسب حريتي من الجاذبية هو ما أريد.. لا يزل المشوار أمامي طويلا. لكني أحس، في لحظاتي هذه، بأن أي مخلوق آخر، في مثل ضعفي، لا يستطيع أن يلتصق بحمله أكثر. كانت هذه المغامرة خطرة جدا بالنسبة لي، وكل خطوة فيها تعبق بالمجازفة، لأني في لحظات انغلاقي بالحلم، وانغلاقي بالعبير، أكون هدفا سهلا لمناقير العصافير. لذا تعلمت استخراج روح العطر من كل لحظة، تماما كما يفعل العطٌار. وتعلمت أن أبخل علي نفسي بلحظات كهذه، وأن لا أكررها كثيرا، رغما عن شوقي لها. كنت أشعر بمتعة الحرمان والشوق، فقط لأني أعلم يقينا أن حرماني واشتياقي لن يطولان، وأن ظمئي سأرويه ذات يوم. والأهم أن الأفق والعطر ينتظرانني، ولن يتخليا عني مهما طال غيابي.
كان لمجازفاتي طعم حلو مخفف للزوجة مرارة الانتظار. مثل طعم مكتبتي، التي كنت أهرب إليها، لأختفي بين أغلفة كتبها، من هذه المأساة التي تسمي بالواقع. كنت القارئ والمقرئ، أكولا ألتهم النقاط علي الحروف، آكل الأدب، والشعر، والفن، ويبقي جوعي لها.
ولكن لحظات انهماكي بامتصاص رحيق الآفاق والكلمات، مجرد قطرات معطرة، تضيع في عرق البقاء الممل، وبذلك المجهود الذي يمتصني، والذي أنفقه في ابتكار أساليب عجيبة للفرار من المناقير القاضمة.
هنا أجد نفسي مضطرة للوقوف فترات طويلة، كالتمثال دون حركة.. وهناك أضطر إلي محو نفسي وذاتي، والتماهي مع محيطي، كي لا تراني الطيور. كنت أحتمل كل شيء، بانتظار يومي يأتي لأخرج فيه من هذه القشرة.. أحتمل لأن عليٌّ البقاء من أجل الفراشة التي سأكونها يوما.
استمرت مرارة مشواري إلي أن وصلتج آخر أيامي كدودة. غدا ألتف بشرنقتي، أقبع بين يدي القدر، بانتظار معجزة انسلاخي من رحم الألم.. قررت أن أستيقظ باكرا. لأشعر بمذاق يومي الدودي الأخير.. ولأحتفظ في رئتيٌّ بآخر شهيق مؤلم، لهذا السجين الشجن.. ولأحمل ندوب الثمن الذي دفعته.. أردت أن أكون أكثر إدراكا لدوديتي، لكي أكون أكثر استمتاعا بفراشيتي.
أمامي الكتاب الذي بدأت قراءته منذ مدة. كان ممتعا حقا، يصعب علي طي صفحاته وتركها، كنت لا أريد له الانتهاء.. لكني في لحظة، قررت أن لا أنهي الكتاب، بل أن التهمه، كي لا ينتهي إلا بانتهائي. رقصت أحرفه أمامي، ورشفتها من تنقيطاتها، من همزاتها، من تناوينها وضماتها. غمرتني بعذوبتها.
ثم.. لا أعرف ماذا حدث. كيف أظلمت الدنيا فوقي، دون أن أشعر؟ من أين جاءت غرزة الألم في ظهري؟ كنت قبل لحظات في أعماق النشوة الغامرة، والآن أشعر بسائل دافئ لزج، يزحف علي جسدي، ثم يصل إلي وجهي وفمي.. إنه دمي!! تذوقت فشلي. تذوقت عدمي. هل سأنتهي هكذا، لقمة صغيرة لا تجشبع؟ بدأت أنشج بالبكاء، فبكت معي السماء بغزارة. تثاقل العصفور، ونسي وجودي بمنقاره.. بدا لي أني أمضيت الأبدية في منقاره فيما نسي هو وجودي كليا.
توقفت الأمطار مثلما بدأت، وذابت الشمس عبر الرذاذ فتسربت منها كافة ألوان الكون، رشيقة تطير بين السحب. كنت، حتي اللحظة، متدلية من منقار الموت، مستسلمة. سألتني الفراشة بداخلي، هل هذا من حقك؟ تقلصت عضلات ظهري، والتوي جسدي. سألتها، هل تستحقين كل آلامي؟ لم يتوقع العصفور مقاومة وجبته. استغل الضعيف الكامن في جسدي لحظة تردد الجلاد، فأفلتّ منه. هويتج إلي الأرض، وتهشم كبريائي. وأصبح لدي ندوب جديدة، أضيفها إلي مجموعتي.
جررت نفسي عبر الحشائش الندية، بحثا عن ملجأ يحتويني لأموت. سوف أموت، كنت أمزٌق كل ما عشته من آمال من أجل لا شيء. وكأني أكتشف صورتي وتعاستي بوضوح، ولزوجة دمي الممتزجة بالتراب، تزيد عزلتي.. متي أطرد جسدي من روحي الجميلة؟
هل أغمي علي؟ أم أني غفوت؟ لعلٌي متٌج وعشت، أو لم أعش ومت.. في الحقيقة لم أعرف! لكن مشاعري غدت غريبة عن جسدي مرة أخري. فقد حان وقت غزل الشرنقة، وتاريخ حياة هذه الدودة، سيختفي داخل مسامات النسيج.
لماذا أستمر؟ لماذا آمل بالشرنقة إذا كنت سأموت داخلها؟ ربما من الأفضل عدم بنائها. ربما من الأفضل الالتفاف بقصافتي داخل هذه الحشائش. كانت الأفكار تتناثر أمامي، وروحي ترتعش داخل جسدي، الذي لم يتوقف عن عمله الموجع. كان يفرز الخيوط، وعقلي يفرز الأفكار.
مع كل خيط جديد يصنعه جسدي، أصنع خيطا جديدا للأمل.. أنسجه بدأب، وأمزجه بما حفظتج والتهمتج من أشعار وصور وموسيقي، ومن رحيق زهيرات الياسمين، والمجنونة، والعبهرة، وشجر البرتقال. تزاحمت حولي ألوان الموسيقي. تذوقت طعم الروائح. تشممت أريج الألوان.. فأسكرتني، وخدرت عقلي.. لكن جسدي استمر غزل الشرنقة.
لا أحد يدرك كم نقضي داخل الشرنقة، وماذا نفعل داخلها، وليس لديٌ من أسأله. فالديدان الأخري مثلي، لم تخضع بعد لهذه التجربة. والفراشات، فراشات. لها عالمها الخاص، وهي لا تتحدث مع ماضيها. ومن أين لي أن أعرف ماذا أفعل بالوقت. وكيف أقنع جسدي روحيّ المسجونة، بدخول سجن آخر؟ أعتقد أنه كان يجب أن أترك وساوسي بالخارج.
لا خيار لنا عند الولادة. لا نختار من، ومتي، وأين، وكيف … ولماذا أصلا!!! فقط نعرف أن وقت الخروج قد حان. الآلية المزروعة داخل صنفنا، لا تعترف بحرية الاختيار. ثمة شعور يدفعني للخروج. قلت لنفسي، سوف أتذكر كل هذا، سوف أرجع وأخبر الديدان الصغيرة. سأخبرها بأني في لحظة ولادتي هذه، نسيت احتساب الزمن، ولا زلت لا أعرف المدة التي قضيتها داخل الشرنقة، ولا أذكر ماذا فعلت لتزجية الوقت. لكني لم أشعر بالضجر.. كما أعتقد.
خرجت بسهولة لم أتوقعها. أخرجت رأسي، وسحبت جسدي الرطب خلفي. كانت الشمس ساطعة، اضطرتني لإغلاق عيوني. شعور غريب سكنني. لم أعد سرا أهمس به لنفسي. لم أعد سرا بعد الآن.. فأنا منذ الآن بوح. وهاأنت فراشتي، هاأنت أنا.
تبخر الألم. فردتج أجنحتي وحلقت بين صفحات أفقي. أنا جزء من صفحاته. هاهي فراشتي. أنا فراشة، رائعة الجمال، خالية من القيود.. أو هكذا ظننت إلي أن طاردتني الطيور. اكتشفت أني لا أملك سوي ثوان للتمتع بألوان جناحي.
لم تكن لحظات انهماكي بالتمتع بفراشيتي، سوي قطرات معطرة، ضاعت ثانية بعرق البقاء الممل، وبذلك المجهود الذي ينهكني، أنفقه في ابتكار أساليب عجيبة للفرار من تلك المناقير القاطمة.
أضطر ثانية للوقوف هنا فترات طويلة بدون حركة، وهناك إلي محو ذاتي وألواني ودمج كياني بمحيطي، كي لا تراني الطيور. كنت أحتمل كل هذا، وأنا دودة، ولكن لماذا أحتمله اليوم؟
استولت عليٌ رغبة بتسلق شجرة الياسمين العتيقة. قررت أن أفعلها. هاهو الأفق يمتد أمامي، والعطر الهامس بانتظاري، لم يتخليا عني. تعمدت أن أغوص بين الأغصان، وأن أدع الأزاهير الساحرة، تحتك بجسدي الذي أحبه، جسدي الذي اشتريته بحياة دودة، ظننتها ضعيفة.
متعتي بهذه الأمسيات، اللينة الملساء، لم تشتد، ولم تضعف. هل بدأت أم انتهت حياتي؟ لم أعرف. ربما لهذا السبب لم ترجع الفراشات للتحدث معنا.. أقصد مع الديدان.
ملكة النحل
مرة أخري، أجد نفسي أتفرج علي الحياة تعيش حياتها من حولي، وتلفحني غيرتي من الفراشات. شعور ملحاح، تتآكل بداخله روحي. حياتين تحيا. تخلع ثوبها الدودي، مثلما أريد خلع ملوكيتي، وتحلٌق حيثما أتمني التحليق.
الملوكية؟ لم أتطلع إليها، لم أطلبها، لم أخترها.. بل إن من اختارتني ملكة كانت مجرد أنثي في الخلية، ليس لها أي مركز، أو منصب. من أعطاها حق الاختيار؟ لولاها كنت سأكون أنا أنا، وليست الملكة أنا.. وبسببها أسمٌي نفسي أنا، دون أن أعرف من أنا.. وهاهي مشاعري تتكهف كأنثي، وتنكمش كثوب كثر غسيله، لكثرة استخدامه.
مرة أخري، علي الحافة أنا. ومع الراقصات أنا. كم تمنيت الرقص علي ذلك المسرح، وإبهار الجميع بمعرفتي، ورشاقتي، وعفوية اختلاجات جسدي. ولكني هنا.. علي الحافة، وكالعادة، ممهوجة البطن، أحمل بداخلي جيل المستقبل، وجيل الحاضر أمامي، لا يدرك قيمة أيامه المعدودة.
والتي اختارتني كملكة جنت عليٌ.. ثم ماتت. ارتضت لحياتها ثلاثين يوما، بعد أن منحتني سبعمائة يوم، أعيشها بهذا المنصب، سبعمائة شروق شمس، أمضيها يبن إخصاب وإنجاب. يقوم الجميع بدوره، والجميع يطلب مني القيام بدوري.
هل أستطيع أن أسميه دور، ذلك الذي يطلب مني؟ فأنا آلة تكاثر، ليس إلا. أخرج من الخلية، فيلحق بي الذكور، لأكون هدفهم الوحيد. سئمت منهم، ومن ملاحقتهم. أحاول الإفلات منهم، فيعتقدون أني أراقصهم! أحاول الابتعاد عن الذكور، وأحلق فوق الزهور، لتصيبني مراسيل المحبة المعطرة المشفرة، الناجمة عنها. تجرحني، ولا تجرحني. ولا يفهم جروحها سواي. أعشقها. أعشقها، وأريد لهم عصير الحياة من بين وريقاتها المترجفة.. ولا أستطيع. بعيون لهوفة، ملهوفة، أنظر إليها. كم أتمني لمسها، والاستلقاء بنعومتها. تخدرني خيوط أريجها التي تراقصني، وتقيد حركاتي، حتي أصبح لا أريد الفرار. أسكر، فيصبح الفرار مستحيل. أسكر، وكالعادة، يتحمل جسدي نتائج سكري.. ثم أندم. لم أكن أعرف، أن جسدي أيضا يغزل خيوطا تغازل الذكور، فعندما أسكر، يسكرون. مصيرنا مرتبط بالعطور، ومصيري كملكة يمتلكني، فهل أملك سواه؟
لا أحد ينام هنا. تحرك النحلات أجنحتها باستمرار، لتحافظ علي البرودة، فتزداد برودتي برودة. وداخل هذا الضوضاء المزعج، أعيش كالناسكة معظم حياتي، مخلوقا ثنائي الأبعاد، أتنفس وآكل. لا أحد يدق عليٌ باب عزلتي، وبالكاد أستطيع الاستماع لأفكاري.. كم هو مرتاح من لا عقل له، كم حاولت أن أكون مثل باقي الرعية، أقوم بدوري تلقائيا، غريزيا.. بدون أن تنحت روحي علامات الاستفهام.
تبتعد عن الواقعية أفكاري، ومشاعري غير منطقية.. ولكن، ما دخل الواقع والمنطق بالأفكار والشاعرية؟ أنظر إلي أجنحتي الصغيرة، الشفافة، تحمل جسدي الثقال بواقعية تتحدي المنطق.
طويلة بدت حياتي في البداية، وقصيرة تبدو في النهاية. لكني لن أقف علي الحافة بعد اليوم، سأقفز لأعيش أو أموت، لا فرق.. لم أجرؤ علي المجازفة من قبل. كانت تغالبني الصعوبات فغلبتها الآن، لأني اتخذت قرارا، أنسف به كافة الحواجز.. فقد اكتشفت بداخلي عبوة نووية!
عندما خرجت النحلات لتقوم بجولتها صباح اليوم، أخفيت خصوبتي داخل رداء من عسل، ودسست نفسي بين أجسادها المستديرة، وخرجت معها. لم يتبعني الذكور. ليتني كنت أعرف أن بهذه السهولة يمكنني الهروب.
تسرع النحلات، وأنا لا أسرع، ليس لديها سوي ساعات، وأنا أمامي نهاية حياتي. أنا لا شيء، وكل شيء أنا. أنا لست نحلة، نسر أنا، أفرك زمن الرياح بجناحيٌ، وأجر سحب من قطن بذيلي.
يبدو أن إحساسي كان يخونني، في جولاتي السابقة. لم تكن المروج بهذه الروعة قبل أيام. شعرت بأن الربيع بعث روحه في الأرض، داعبها، لامسها بأنامل شرارها الحياة، ورش بذوره، دونما اكتراث. استسلمت الأرض، بمفاتنها تلذذ الربيع، وعبقت برائحة حبهما المروج. تغير لون التربة، وولدت الزهور. استنشقت بشدة. تثديت رحيق الزهرات. لم أذق مثيله منذ ولادتي.
سبعمائة يوم عشتها داخل سبعمائة لحظة، دون أن أشعر ألحظات كانت، أم أيام أمضيتها في هستيريتي هذه. كنت أشعر بحنين لذكريات لم تصبح بعد ذكريات. كنت أستعجل ببطء. أقوم بدور النحلة العاملة، الكادحة، التي لم تفهم يوما متعة عملها.
وعندما فاضت جعبتي، عطرا، ورحيقا، وألوانا، تبعثر بعضه في مشوار رجوعي، وحان أخيرا وقت رقصتي.
وصلت الخلية. "أني أعرف مكان الرحيق.." صرخت للا أحد هنا. رفع الفناء صدي صوتي إلي الأسقف المحطمة. "أعرف أين يوجد ألذ رحيق.."
لفحني السكون المريب. بالكاد تعرفت علي خليتي خالية الضوضاء. نظرت حولي، فإذا بجثث النحلات مثل سجاد مأساوي تمتد أمامي. خليتي صارت مقبرة جماعية، خربة وأطلال بنيان، تعب الجميع في بنائه، ولم يبق سوي المسرح.
سأرقص، سأخبرهم، سأبهرهم بمعرفتي، باكتشافي، ستوقظهم خلجاتي، ستحييهم.. فأنا الملكة. رقصت. بعطر زهرة الليمون، بحرمان سنواتي، رقصت. بتحطم آمالي، رقصت. باسم النحلة التي اختارتني، رقصت. رقصت، حتي ذبلت كل الرقصات. رقصت حتي ذبلت فوق مسرح تبخرت سلطته.
لم يستمر السكون، عادت الضوضاء، عادت الحركة. لكنها مختلفة نوعا ما. رفعت رأسي، لأري جثث النحلات، يحركها جيش من النمل.
|
|
|
قصيدتان
محمود قرني القاهرة
قناة السويس
لاشيء معي
أقدمه للرفاق..
لا نمط الإنتاج
ولا فائض القيمة.
معي مصباح
عالجته بزيت أجدادي
وها أنا أسير في ظله
لأبحث عن تلك الأوراق
التي سقطت - عرضا -
تحت أقدامي
إنها وثائق أجدادي،
فؤوسهم،
وتشققات أقدامهم،
بعض السباط التي زرعها الغرباء
في برزخ ما بين البحرين،
والتعاويذ التي تركها آلاف العبيد
قبل أن يقضوا نحبهم
في مقاطف »ديلسبس«..
كانت القناة خطا متعرجا
رسمه سكير
علي ورقة الحساب
الآن صارت خروفا ثمينا
في زجاجة شمبانيا،
سنسكر معها
ونرقص علي إيقاعات موجها
أما الألعاب القادمة
مع السفائن
فستدفع الزوجات والأولاد
لحضنا علي النسيان،
فالرفاق تناكحوا
وتناسلوا
صاروا قساة ومخيفين.
معذورون يا إخوتي
يا أهل الأرواح المنكسرة
والعيون الغائرة
يا أحفاد العبيد...
دعونا نتبادل القبلات
ونستأنف الحب
ورسائل الغرام
ونغني للعالم
الذي يمتثل لغابات النور
ويتحدث إلي مدينتنا
كأرملة محترمة
ربطت بطنها من الجوع
حتي تربي أبناءها
دعونا نقول لها:
أيتها القناة
يا مربية المدرعات
والقاذفات
والشهداء
تحدثي إلينا،
نحن العشاق القدامي...
تعالي نؤلف أوبرا مفتوحة الأبواب
لا يسرقها الجبناء والقساة
جباة الضرائب
والبراطيل.
أما أنت أيها الأرغن
ياحارس البرزخ..
ثمة أوراق ضاعت من الرفاق
دع أحبارها بحالتها
ولسوف يتعرف الأجداد
- الذين غمرتهم المياه -
علي التعاريج
في خطوط أحفادهم.
علي مائدة العشاء
الأصدقاء الجدد...
لن أستطيع وصف وجاهتهم
هذا ما يؤكده لكم
واحد من ذوي الأصول غير المشرفة
لقد تأكدت من تلك المهابة
في أشياء غير محصورة
وها نحن نتبادل الأنخاب
نجلس علي المحفات اللينة
نطلق بخور الصندل فتعبق المكان
ونتحدث في معظم الشئون
بالأمس
تحدثنا عن النساء وقصب السكر
عن السيجار الهاڤانا
أحداث البورصة
ومزارع البنجر
تحدثنا كذلك عن السيور المغشوشة
التي أودت بعشرات العمال
في المصانع
وعن المزارعين الغفل
لما ظهروا
عرايا مطأطئين
بعد أن حصدت البنوك والمرابون
محاصيلهم
قال أحدهم:
المستقبل يبدو - رغم ذلك -
مثل كوكب ذهبي
وقال آخر:
تأمل أعواد القصب الهجينة
وهي تغطي السماء
بنبرتها الحادة
وقال ثالث:
دعونا نخلد للراحة
ولنتأمل - علي مهل -
أناشيد الجياع.
كنت أفكر آنئذ
في تلك الأعالي
بغموضها المبهم
في الدموع التي جرت
من عيون غادرتها الومضات
في الرفقاء الذين صدموني
بانكسارهم
وفي الموسيقات الجنائزية
التي تملأ الشوارع
كنت أشعر بغابات بعيدة
أكثر حنوا
علي المخبولين والجوعي
وأتصور السلالة
وهي تغادر ألوانها
وأتساءل متمتما:
كيف استطاع ذلك السحر الأسود
أن يستحضر جثث أشقائنا
إلي مائدة العشاء .
|
|
|
|