|
|
 |
59 | السنة - | 3057 | ه - العدد | 1424 | ربيع الآخر | من | 7 | - م | 2003 | يونيو | من | 7 | السبت |
|
 |
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
8:55:19 PM |
 |
الساعة - |
 |
06-Jun-02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| آخر عمود |
 |
|
|
موت وخراب ديار
أسعدتنا موافقة الرئيس حسني مبارك علي توصية الحزب الوطني الديمقراطي بإنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، وقد تم بالفعل إعداد مشروع القانون الخاص بهذا المجلس، وتجري مناقشته في مجلسي الشوري والشعب، تمهيدا للموافقة عليه والعمل به.
وعلمت من السيد صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي أن أعضاء هذا المجلس سيختارون من خيرة رجالات ونساء مصر، من أصحاب الخبرة الطويلة في الدفاع عن حقوق الوطن والمواطنين. وأكد لي صفوت الشريف ثقته في أن الإعلان عن هذه الشخصيات المنتقاة سيلقي تأييدا من كل القطاعات الشعبية بمختلف انتماءاتها، وتوجهاتها.
ومن المنتظر أن تتضمن بنود هذا القانون كل ما اتفق عليه عالميا من حقوق للإنسان، الواجب احترامها، وعدم انتهاكها، أو التغاضي عنها. فحقوق الإنسان سبق للعالم كله الاعتراف بها منذ عقود عديدة ماضية، سواء من خلال ميثاق الأمم المتحدة، أو من خلال الجمعيات الأهلية التي أنشئت في العديد من الدول، بما فيها مصر.
الجديد بالنسبة لنا أن المجلس القومي لحقوق الإنسان، المنتظر إقرار قانونه قريبا.. سيكون ملزما في قراراته، وتوصياته، واتجاهاته، بعكس قرارات، وتوصيات، الجمعيات الأهلية.
وبعيدا عن بنود مشروع القانون المتعارف عليها عالميا مثل حق الإنسان في التعبير، وعدم المساس بحريته إلاٌ طبقا للقانون، واحترام آدميته، وحرياته الشخصية، ومعتقداته الدينية وآرائه السياسية، و.. و.. و..إلخ فكم أتمني أن نجد في بنود القانون المنتظر تركيزا علي قضايا أخري، قد يراها البعض غير مهمة أو تحصيل حاصل، لكنني أعتقد أن المواطن يعطيها أولوية مطلقة في حياته اليومية. الأمثلة علي ذلك كثيرة، فمثلا:
قرأت أخيرا حكما أصدرته إحدي المحاكم بحبس جراح شهير 3 سنوات بعد إدانته بإجراء عملية جراحية لمريض في غرفة عمليات غير مجهزة بالتجهيزات الضرورية، ونتج عن هذا التقصير موت المريض. حقيقة أن الطبيب ثبتت إدانته، وحكم عليه بالحبس، وبغرامة10آلاف جنيه.. ولكن لا أعتقد أن أسرة الضحية سعيدة، أو قانعة بهذا العقاب الصارم. لأن محاسبة الطبيب الذي أهمل في ألف باء واجباته، لن تعيد الميت إلي الحياة مرة أخري، كما أن حبس الجراح المهمل لن يعوٌض أسرة الضحية عن تداعيات فقدان الابن، أو رب الأسرة، أو المسئول عن توفير المعيشة الكريمة لأفرادها، مما ينطبق عليه المثل القائل: ' موت وخراب ديار'.
إن أموال الدنيا كلها لن تعوٌض من فقد أحد أفراد أسرته نتيجة خطأ، أو جهل، أو إهمال أحد ممن يفترض فيهم الأمانة، والحرص، والعلم، واحترام حياة المواطنين، لكن من حق المجلس القومي لحقوق الإنسان في الوقت نفسه أن يدافع عن هؤلاء الضحايا في مواجهة هؤلاء وما أكثرهم الذين لا يعيرون أدني اهتمام بحقوق وآدمية الآخرين. فعندما يخطيء طبيب كما أخطأ الجراح الشهير وأودي بحياة مريضه، فإن المجلس القومي لحقوق الإنسان يسارع بالوقوف إلي جانب أسرة الضحية، ويكون من سلطاته أن يفرض تعويضها بمبالغ كبيرة، يتحملها المخطيء، أو نقابته، أو شركات التأمين.. كما يحدث في معظم دول العالم.
إن القضاء يحاكم المخطئين، والمتهمين، والمجرمين.. ويطبق عليهم مواد القانون، أما المجلس القومي لحقوق الإنسان فأتصوٌر أن يدافع عن حقوق ضحايا هؤلاء، ويضع آليات لتعويضهم أو تعويض أسرهم حتي لا يكون الخراب ملازما للموت.
إن الجراح الذي تسبب في موت مريضه لا يعاقب جنائيا فقط في الدول المتحضرة وإنما يعاقب في الوقت نفسه ماديا و بأرقام فلكية سواء تحمٌلها هو شخصيا، أو تتحملها شركات التأمين التي تغطي هذه الغرامات التي تحسب كل واحدة منها بالملايين وليس بمئات الآلاف، أو عشراتها، أو آحادها. وحياة الإنسان المصري يجب ألاٌ تكون أرخص من حياة غيره في تلك الدول.
وما يقال عن جرائم إهمال بعض الأطباء يقال مثله عن جرائم غيرهم الذين يقتلون الإنسان بطعامهم الفاسد، أو منتجاتهم التي فقدت صلاحيتها، أو عماراتهم التي غشوا في حديدها ومواد بنائها، أونتيجة لاستهتارهم ورعونتهم في قيادة سياراتهم، أو.. أو.. إلي آخر حوادث الإهمال، والجهل، والتسيب، التي يروح الأبرياء ضحيتها.. ويقال كذبا إنها حوادث قضاء وقدر.
إن حقوق الإنسان ليست مقصورة علي حق التعبير أو الحريات العامة والشخصية، وإنما يجب أن تبدأ بحق حماية الأرواح، والدفاع عن أسر قتلي الإهمال، والجهل، والاستهتار.
إبراهيم سعده
|
|
|
|