|
|
 |
61 | السنة - | 3135 | ه - العدد | 1425 | شوال | من | 21 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 4 | السبت |
|
 |
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
09:08:29 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| مقالات |
 |
|
|
الذكري المائة لرحيل البارودي واستعادة روح النهضة
بقلم :
د. احمد درويش
وكيل كلية دار العلوم
بعد ايام قليلة تحل ذكري مرور مائةعام علي رحيل محمود سامي البارودي أحد ابرز أعلام النهضة المصرية في ميادين متعددة في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. فقد رحل الباردوي عن عالمنا في الثالث عشر من ديسمبر .1904 بعد حياة مملوءة بالطموح والانجازات في ميادين الاصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي وهي مملوءة كذلك بالعقبات والمصاعب والآلام التي تحملها في شجاعة وصبر قدم من خلالها المثل الذي نحن في حاجة الي استعادة روحه في اتساع آفاق الطموح وحسن التخطيط وطول النفس وتعدد جوانب الاصلاح وارتباط بعضها ببعض علي المستوي الثقافي والاجتماعي والعسكري.
كان محمود سامي (وهذا هو اسمه الاول) قد ولد لاب من كبار ضباط الجراكسة في الجيش المصري يدعي حسن حسني عبدالله في السادس من أكتوبر (وهو من أيام التفاؤل) 1839 بالقاهرة او هو نفس العام الذي ولد فيه جمال الدين الافغاني كبير زعماء الاصلاح في القرن التاسع عشر والذي سيقدر له وللبارودي ان يكونا صديقين يتعاونان معا في ارساء قيم النهضة التي كان يحلمان بأنها يمكن ان تساعد علي تحرر مصر والعالم العربي والاسلامي من ورائها من قيود التخلف الداخلي والاستغلال الخارجي تمهيدا لانطلاق القوي الخلاقة فيها نحو الافاق اللائقة بها في صدارة العالم المتقدم.
وكان حلم ارساء اسس 'الدولة الحديثة القوية' في مصر . قد بلغ ذروته في نفس العام الذي ولد فيه البارودي 1839، حيث كان الوجود المصري في عهد محمد علي وابنه ابراهيم يمتد من منابع النيل في اوساط افريقيا الي بلاد الشام علي حدود عاصمة الخلافة العثمانية ذاتها مع امتداد جناحه الشرقي الي شبه الجزيرة العربية مما دفع السفير النمساوي في تركيا ان يعلن انذاك ان مصر مرشحة لان تكون القوة الخامسة بين القوي الكبري في القرن التاسع عشر، مما دفع بهذه القوي الي التحالف ضد نمو القوة المصرية وتوجيه ضربة قاصمة لها في اربعينات القرن التاسع عشر.
لكن روح النهضة المصرية لم تكن عسكرية فحسب حتي تنطفيء شعلتها من خلال هزيمة حربية، ولكنها كانت الي جانب ذلك علمية اقتصادية ثقافية، تقوي اركانها من خلال 'العلم' الذي سعت الي اكتسابه من كل منابعه، وكانت البعثات وتعلم اللغات الاجنبية وازدهار حركة الترجمة جزءا آخر من الوسائل التي اتبعها علي مبارك (1824 1892) وكان ربط الجذور الثقافية مع التراث العربي ربطا واعيا جزءا من الوسائل التي اتبعها محمود سامي البارودي، معاصر علي مبارك وجمال الدين الافغاني، وتلميذ رفاعة الطهطاوي.
كانت فكرة البارودي التي اتت ثمارها طوال القرن العشرين، قائمة علي أن اللغة العربية هي الرابط الاساسي الذي يمكن ان يساعد علي تشكيل قوة سياسية واقتصادية وثقافية كبري في منطقة الشرق الاوسط، بعد تداعي قوة الخلافة العثمانية التي كانت جدرانها تتصدع ويطلق عليها اسم 'الرجل المريض' وأن اللغة العربية بوضعها الذي رآه البارودي في صباه، كانت من الضعف والإنهاك بحيث لا تقوي علي حمل بنيان هذا الكيان العربي المرتقب، كانت اللغة مزدحمة بظواهر عصور المماليك والاتراك ومصابة بضمور الخلايا مما لا يسمح باستنباط افكار علمية وثقافية جديدة بها، ولم ينفر البارودي من بعض مظاهر الضعف، ويدعو كما يفعل بعض مفكري عصرنا إلي اهمال اللغة او استبدال لغة اخري بها، ولكنه قاد بنفسه جهدا عظيما لكن ينزع عنها 'الكفن العثماني' بعد خمسة قرون من الرقاد.
والعجيب ان اصول محمود سامي البارودي وثقافته لم تكن تدفعه ابدا الي ان يقوم بهذا الاحياء اللغوي الرائع فالبارودي ينتمي الي اسرة عريقة من المماليك الجراكسة. الذي جاءوا الي مصر في القرن التاسع عشر من بلاد جورجيا هربا من وجه التتار فأخذهم الملك العادل الايوبي حرسا خاصا له وظل شأنهم يقوي حتي اصبحوا حكام منهم وظلوا يتوارثون لقب السلطان حتي دخل العثمانيون مصر ودخلوا بعد ذلك في معارك مع نابليون ومحمد علي، ومع ذلك فقد ظلوا طبقة مميزة في الجيش كان احمد عرابي يشكو من احتكارهم للرتب العليا منه وهذه الطائفة لم تكن العربية لغتهم التي يجيدونها ولا الشعر فنهم الذي يغزون به. بل كانت لغة ابنائهم خلال دراستهم في المدرسة الحربية هي اللغة التركية والبارودي نفسه كان في مدرسة يحرم علي التلاميذ الحديث فيها بالعربية حتي في اوقات الفراغ لدرجة ان الشيخ المهدي يقول: ان التلميذ الذي كان يضبط متحدثا باللغة العربية كان يعاقب بان توضع طول النهار في فمه العقلة التي توضع في فم الحمار عندما يقص.
هذه الاصول وتلك الثقافة لم يكن من شأنها ان تدفع صاحبها الي ان يقضي عمره في سبيل احياء هذه اللغة وخدمة ثقافتها وتجديد شعرها ولعله وجد نفسه مضطرا الي ان يوضح لفرسان الجراكسة انه لا ينوي ان يكون شاعرا من شعراء المدح او الذم وانما من شعراء الحكمة والموعظة حين قال:
الشعر زين المرء ما لم يكن
وسيلة للمدح والذام
قد طالما عز به معشر
وربما ازري باقوام
فاجعله فيما شئت من حكمه
او عظة او حسب نام
واهتف به من قبل اطلاقه
فالسهم منسوب الي الرامي
ان ثورة الاحياء الكبري التي قام بها البارودي لاحياء اللغة العربية والشعر العربي في القرن التاسع عشر ارتكزت علي جهد ثقافي رائع في التعرف علي الآداب الاخري وفي 'قتل التراث العربي استيعابا' فلقد اجاد البارودي اللغة التركية واللغة الفارسية لدرجة انه كان يكتب بهما شعرا، كما تعلم اللغة الانجليزية، وترجم منها مقالا عن 'المنهج التجريبي الحديث' وهو اختيار لافت للنظر من رجل كان يظن ان كل اهتمامه الثقافي منصب علي عالم الشعر والادب مؤكدا انه لا انفصال بين العالمين في اي نهضة حقيقية.. والبارودي يلتفت الي التراث العربي فيكاد يقرأ كل ما نشر فيه حتي انه عندما يختار من بين ما قرأ قصائد يقدمها الي قرائه يبلغ عدد ابيات هذه المختارات أربعين الف بيت ولا شك انه قرأ اضعافها قبل ان يختارها.
ان ريادة البارودي لحركة لم تتوقف عند احيائه للشعر العربي والتعبير عن الروح الجديدة للنهضة به ولكنها امتدت الي المشاركة الفاعلة في صنع هذه النهضة عندما مارس البارودي كل الوان المسئوليات التي تساهم في التجسيد العملي لما دعا اليه نظريا فقد كان رئيسا لاركان الجيش ووزيرا للحربية ووزيرا للتعليم والاوقاف ورئيسا للوزراء وقائدا من قواد الثورة العربية وبطلا وطنيا يعاني النفي سبعة عشر عاما دون ان يلين عوده او تتعثر مبادئه في الدعوة الي تحقيق النهضة وهي المباديء التي ينبغي ان ننعشها من جديد، ونحن نستلهم روحه العظيمة في استكمال مسيرة النهضة.
|
|
|
|