عندما تصدر انتقادات لمصر من الإدارة الأمريكية، فإننا نكتفي بالرد عليها من خلال المقالات أو التصريحات الرسمية.. وكأننا نخاطب أنفسنا، فلا هم سمعونا ولا نحن استطعنا تصحيح ما جاء في تلك الانتقادات. وكثيرا ما تساءلنا عن هوية المصادر المضللة التي تمد الإدارة الأمريكية وغيرها من الحكومات الأجنبية بهذه الافتراءات، والأكاذيب، والشائعات؟ ومنذ أيام تحدث الرئيس جورج بوش عن التعديل الدستوري الذي أخذت به مصر بالنسبة لترشيح رئيس الجمهورية بدلا من الاستفتاء. ويبدو أن معلومات 'باعة البطاطا' التي وصلت إلي البيت الأبيض قد أقلقته علي مصير الديمقراطية في مصر، فتطوع الرئيس بوش بالتدخل فيما لا يعنيه، وأبدي رأيه بضرورة اخضاع انتخابات الرئاسة المصرية لإشراف مراقبين دوليين، وهو الاقتراح الذي يرفضه كل المصريين من المؤيدين والمعارضين، باعتبار أن ذلك يشكك في نزاهة وحياد السلطة القضائية المصرية المشرفة عليها.
.. بدون تعليق:
وكم صدمت وأنا أقرأ التصريحات التي أدلي بها د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية لوكالة 'رويترز' أمس الأول مرحبا فيها بالتدخل الأمريكي السافر في الشأن الداخلي المصري، ومعربا عن توقعاته بأن الحكومة المصرية لن تأخذ بالمطلب الأمريكي الداعي إلي إشراف مراقبين دوليين علي عملية انتخاب رئيس الجمهورية! ولم يكتف د. سعيد بذلك وإنما زعم أن مطلب الرئيس بوش يلقي قبولا لدي الكثير من قطاعات الشعب (..).
مهزلة تحت القبة :
جلسة ساخنة لمجلس الشعب تابعناها علي شاشة التليفزيون المصري يوم الثلاثاء الماضي تميزت بانفلات الأعصاب أعقبها انفلات الكلمات التي تبادلها نواب حزب الأغلبية ونواب أحزاب المعارضة، من جانب، ونواب أحزاب المعارضة فيما بينهم 'علي الضيق' من جانب آخر. حقيقة أن مبدأ الرأي والرأي الآخر مطلوب، ومرغوب، ومحمود.. لكن الاعتراض الوحيد أن هذا الخلاف كاد يتحول إلي مهزلة استخدمت فيها الشتائم من الوزن الثقيل، وكاد نوابنا الأفاضل أن يشتبكوا بالأيدي، ولحسن الحظ أن مقاعد مجلس الشعب ثابتة، وإلاٌ استخدموها في تكسير العظام، وإطفاء الأنوار، مما هدد أمن وسلامة الجالس علي المنصة الدكتور أحمد فتحي سرور الذي تحلٌي بالصبر و'التقل'، وأخفي عنا قلقه وانزعاجه.
الجلسة 'التاريخية':
أهمية هذه الجلسة 'التاريخية' وما أكثر شغفنا باستخدام هذا الوصف، بمناسبة وبدون مناسبة، منذ عهد مينا موحد القطرين وحتي لحظة كتابة هذه السطور ترجع إلي أنها كانت أي 'تاريخية' تلك الجلسة مخصصة لسماع تعليقات السادة الموقرين علي مشروع التعديل الدستوري للمادة76، توطئة لأخذ الأصوات بالاسم بالموافقة، أو الامتناع عن التصويت، أو الرفض التام، والواضح، والصريح. حقيقة أن من حق السادة الموقرين أن يختلفوا حول هذه الخيارات الثلاثة، ولكن حقيقة أيضا أن الرأي العام لابد أنه صدم عند سماعه لأحدهم السيد حزين يصف الإجراءات التي تتم للتعديل الدستوري بأنها 'شغل عربجية' !
لولا المسامير :
وإذا كنٌا قد شاهدنا، فدهشنا، ثم فزعنا لأقصي درجة من الشتائم المتبادلة، إلي المحاولات المستميتة لاستخدام القوة البدنية العنيفة ضد الخصوم.. والتي لم تتحقق لحسن الحظ لمجرد أن مقاعد مجلس الشعب كانت ثابتة، و'متسمرة' بالمسامير طويلة المدي فإننا في الوقت نفسه لابد أن نحيٌي الحزب الناصري الذي يرأسه السيد ضياء الدين داود لأنه هدد بفصل نائبه الوحيد تحت القبة السيد حيدر بغدادي عقابا له علي تجاهله للالتزام الحزبي المتعارف عليه عالميا ووافق من تلقاء نفسه، وحساباته وقناعاته الشخصية، علي التعديل الدستوري للمادة 76 الخاصة بإجراءات ترشيح من يرغب في خوض معركة انتخابات رئاسة الجمهورية، وهو التعديل الذي تقدم به مجلسا الشوري والشعب، ووافقت عليه الأغلبية العظمي والكاسحة من أعضاء المجلسين الموقرين.
الاستقالة أفضل من الإقالة:
من حق النائب الناصري أن يعلن موافقته علي مشروع تعديل المادة الدستورية، في كل الاجتماعات التي عقدها الحزب لتقييم مشروع هذا التعديل. كما أنه من حق أي عضو في الحزب الناصري فما بالنا بأحد نوابه تحت قبة مجلس الشعب أن يؤيد، أو يعارض مشروع التعديل، وإقناع قيادات حزبه بوجهة نظره.. المؤيدة أو المعارضة. المهم، أن يتوصل الحزب في نهاية الأمر إلي اتفاق أغلبية الآراء التي تؤيد مشروع تعديل المادة الدستورية، أو ترفضه.. وعلي ضوء هذا الإجماع سواء بالموافقة أو الرفض يكون التزام ممثلي الحزب في مجلسي: الشوري والشعب.. بصرف النظر عن الموافقة، أو المعارضة الشخصية لهؤلاء النواب. أما إذا أصر أحد الأعضاء علي مخالفة رأي الأغلبية فمن حقه أن يتقدم باستقالته، وهو ما فعله السيد حيدر بغدادي عندما أعطي صوته لمشروع التعديل الدستوري، رغم رأي الحزب الناصري.
المهم.. احترام الذات:
وكم كنت أتمني أن يحذو النائب المعين في مجلس الشوري د. أسامة الغزالي حرب حذو النائب حيدر بغدادي رغم تناقض الموقفين. فالنائب الناصري وافق علي التعديل الدستوري، رغم اعتراض الحزب الذي يمثله بغدادي تحت قبة البرلمان، في حين أن أسامة الغزالي حرب رفض التعديل عند أخذ الأصوات عليه في مجلس الشوري، رغم انتماء النائب إلي الحزب الوطني الذي صوت كل نوابه في المجلسين لصالح مشروع التعديل!
كانت الفرصة متاحة أمام الغزالي حرب لإعلان رفضه للمشروع، خلال اجتماعات الحزب التي سبقت التصويت عليه، أما بعد أن وافق أعضاء الحزب علي المشروع، فكان علي النائب المعين وليس المنتخب الالتزام برأي الحزب عند التصويت، أو يتقدم باستقالته.. كما فعل زميله حيدر بغدادي.
الاعتذار واجب :
كتبت منذ سنوات معلقا علي ما نشرته الصحف حينذاك عن الدكتور مصطفي السعيد الذي حققت معه النيابة في بلاغ قدمه رجل أعمال يدعي الطوخي علي الطوخي متهما وزير الاقتصاد الأسبق بأنه تلقي منه مليونا ونصف المليون جنيه، بموجب إيصال أمانة. وفي الأسبوع الماضي قال القضاء كلمته وصدر الحكم النهائي بإدانة رجل الأعمال ومحاميه بحبس كل منهما سنة مع الشغل، لتزويرهما إيصال الأمانة المزعوم.
ولم أكن وحدي الذي تسرعت وعلقت وقتذاك علي هذه القضية، مما أساء إلي شخص د. مصطفي السعيد. وبعد صدور حكم القضاء الأخير رأيت أنه من واجبي تقديم الاعتذار لوزير الاقتصاد الأسبق.
إنه يفسر الماء.. بالماء :
عاتب الدكتور أحمد فتحي سرور الذين انتقدوا عقد جلسات استماع سرية لمناقشة تعديل المادة76 من الدستور. وقال رئيس مجلس الشعب:'إنها جلسات غير علنية وليست سرية'. وزيادة في التوضيح للبسطاء من أمثالنا الذين أبدوا دهشتهم من التعتيم علي تلك الجلسات المهمة أضاف رئيس مجلس الشعب :' إن الجلسات غير العلنية لا تحضرها الصحافة ولا التليفزيون، وتكون مقصورة علي النواب وأعضاء الحكومة، ويحضرها المعاونون من الأمانة العامة للمجلس، وهو ما حدث بالفعل. أما الجلسات السرية فيحضرها النواب فقط'.
أرجو من القاريء أن يكون قد فهم الفرق بين السرية وغير العلنية الذي أتحفنا به الأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور، لأنني شخصيا لم أفهم شيئا من هذا التوضيح!