تحقيق :أحمد هاشم
إنجي توكل ** منذ أيام قليلة أصدر وزير المالية قرارا أعاد إلي الأذهان ما حدث لأموال التأمينات والمعاشات!
قرار د. يوسف بطرس غالي يقضي بسحب حسابات وأرصدة 280 جهة حكومية من البنوك التجارية وايداعها في حساب حكومي لدي البنك المركزي، وهو القرار الذي أثار العديد من التساؤلات خاصة ان قراره بشأن أموال التأمينات مازال عالقا في الأذهان لدرجة أن البعض ذهب إلي القول ان وزير المالية يريد 'التكويش' علي كل أموال الحكومة ويضعها تحت تصرفه!
ما علينا مما قاله البعض.. دعونا نطرح قرار الوزير علي الخبراء ورؤساء البنوك ليقولوا لنا: ماذا يريد د. بطرس من قراره؟ وهل سيكون له مردود ايجابي أم سلبي علي تلك الجهات الحكومية؟ وما الفائدة التي تجنيها الحكومة من وراء تطبيق نظام حساب الخزانة الموحد؟ وهل البنك المركزي قادر علي تحمل أعباء جديدة بالإضافة إلي وظيفته التي تتمثل في رسم السياسة النقدية ؟ وهل تلك هي وظيفة البنك المركزي؟! **
بداية يشير د. يوسف بطرس غالي وزير المالية وصاحب القرار إلي أن تجميع حسابات جهات الدولة المختلفة داخل البنك المركزي بدلا من تفرقها في عدة بنوك لن يؤثر علي أية مزايا تحصل عليها تلك الجهات الحكومية سواء كانت خدمية أو اقتصادية في وحدات الجهاز الاداري للدولة، وقال ان تلك الجهات سوف تحصل علي كامل حقوقها دون تدخل من وزارة المالية.
وأضاف انه تم اخطار البنك المركزي ليصدر تعليمات إلي جميع البنوك الخاضعة لرقابته لتنفيذ قرار تجميع هذه الحسابات في الحساب الموحد بالبنك المركزي حتي يمكن اظهار الصورة الحقيقية لموازنة الدولة من ايرادات ومصروفات لمراقبتها بدقة وايجاد الشفافية للتدفقات النقدية بما يحقق الادارة الرشيدة لمالية الدولة.
وقال د. غالي انه سيكون هناك حسابات موازية بالبنك المركزي مقابل الحسابات 'الصفرية' بالبنوك التجارية بحيث يسمح لكل هيئة أو جهة لديها حساب بالبنك المركزي سحب أي مبالغ في حدود أرصدتها ودون تأثيرات سلبية أو انتقاص من حقوقها.. وستتحمل وزارة المالية أي تكاليف للمعاملات المصرفية ما بين البنوك التجارية والبنك المركزي، ويمكن لهذه الجهات تحصيل عوائد علي حساباتها نتيجة وجودها في البنك المركزي مثلما كانت تحصل علي فائدة من البنوك التجارية.
ويقول محمود الشاذلي وكيل أول وزارة المالية ورئيس قطاع الموازنة العامة للدولة ان فكرة الحساب الموحد للخزانة العامة للدولة مطبقة في معظم دول العالم.. وعلي سبيل المثال تم تطبيقها في أمريكا وبريطانيا.. وقد استحسن صندوق النقد الدولي فكرة تطبيقها في مصر، مشيرا إلي أن التطبيق لن يؤثر علي عمليات سحب الجهات المختلفة لأموالها وكذلك ايداعها.. والغرض منه مراقبة حسابات الدولة وإعادة ضبط وتنظيم الحركة المالية لهذه الأموال.
ويضيف الشاذلي ان الدولة ستستفيد من هذه الأموال بالاقتراض منها بفائدة أقل نسبيا من الاقتراض بسعر السوق، كما سيتم توفير عمولة البنك في السندات علي أذون الخزانة فبدلا من اصدارها بفائدة تتراوح بين 9 و10 % ستصدره المالية بسعر السوق.
قرار ايجابي
هذا ما قاله أصحاب القرار.. كيف يري الخبراء النظام الجديد؟
يقول الدكتور علي لطفي رئيس الوزراء الأسبق إن تطبيق نظام حساب الخزانة الموحد قرار ايجابي لعدة أسباب.. فهو سيوحد حسابات جهات الدولة المختلفة بدلا من أن يكون لكل جهة حساب أو أكثر في عدة بنوك.. وهذا النظام سيتيح مراقبة أموال هذه الجهات بسهولة لمنع سوء استغلالها.. كما ستدر هذه المبالغ فائدة أعلي بكثير عندما يتم توحيدها في مبلغ ضخم بدلا من الفوائد المحدودة للحسابات الصغيرة.. حتي لو تم ايداع المبلغ الموحد في البنك المركزي لمدة يوم واحد في البنك المركزي سيحقق عائدا كبيرا. وأضاف قائلا ان نظام حساب الخزانة الموحد يمكن تطبيقه بسهولة من خلال الاتفاق ما بين البنك المركزي ووزارة المالية والبنوك.. لأن البنوك ترتبط معا عن طريق البنك الالكتروني الذي يتيح للجهات المختلفة المشاركة في نظام حساب الخزانة الموحد السحب من الأموال الخاصة بها ضمن الحساب الموحد بسهولة.
ويضيف د. علي لطفي: ان الخوف من استيلاء وزارة المالية علي هذه الأموال لا محل له لأن الحكومة لن تهرب بهذه النقود ولا يجوز لها أن تستولي عليها أو تستخدمها في سد عجز الموازنة لكنها تستطيع استخدام هذه الأموال في تحقيق عوائد أعلي للدولة أو استخدامها في الحصول علي أذون خزانة بفائدة أقل من طرحها في السوق.
النظام ليس واضحا!
ويلفت الدكتور محمد يوسف أستاذ المالية العامة وعميد كلية التجارة بجامعة القاهرة إلي أن تطبيق القانون 139 لسنة 2006 الذي أصدره د. يوسف بطرس غالي وزير المالية والتأمينات والخاص بتعديلات قانون الجامعات تم بناؤه علي أساس الفصل بين النواحي المالية أو تحقيق الاستقلال المالي للجامعات.. وفي نفس الوقت يدخل جميع حسابات الصناديق الخاصة والمراكز والبحوث بالجامعات الحكومية ضمن حساب الخزانة العامة الموحد بوزارة المالية.. واذا كان القانون يعطي كل وحدة بالجامعة حق الصرف من حسابها.. فما الداعي إلي تجميع هذه الحسابات في حساب واحد؟!
وقال د. محمد يوسف: ان فلسفة القانون ليست واضحة.. فهل سيعني أن حق كل جهة في صرف أموالها بحرية سيستدعي وجود مندوب من وزارة المالية داخل كل وحدة.. لو حدث ذلك ستصبح المسألة بيروقراطية وتعطل الصرف.
ويقول د. يوسف اذا كانت الدولة تريد مراقبة هذه الحسابات فالحل ليس في توحيد الحسابات.. بل مطلوب اصدار لائحة لمراقبة هذه الصناديق وكيفية صرف أموالها والتنبيه علي الوحدات ذات الطابع الخاص لمتابعة الأموال 'السايبة' لأن بعض الوحدات والصناديق بها مئات الملايين.. وتقوم بتصرفات مالية غير سليمة.. فالدولة يمكنها معرفة حجم الأموال الموجودة بالصناديق من خلال خطابات دورية توجه لوزارة المالية لاخطارها بحجم حسابات وأموال هذه الوحدات والصناديق.
تصحيح الأوضاع الحالية
ولكن كيف يري خبراء البنوك النظام الجديد؟
في رأيهم انه يعتبر تصحيحا للوضع الحالي... هذا ما قاله محافظو البنك المركزي السابقون ورؤساء البنوك.
علي نجم محافظ البنك المركزي الأسبق يوضح هذا الرأي قائلا: ان كافة الشيكات الحكومية والتعاملات بين الوزارات تصدر علي البنك المركزي واذا راجعنا قانوني البنك المركزي الأول والثاني وحتي التعديلات الأخيرة سنجد أن القانون ينص علي أن يمسك البنك المركزي حسابات الحكومة ويقوم بهذه المهمة بدون مقابل. ويؤكد نجم ان هذا الوضع كان سائدا خلال فترة توليه منصب محافظ البنك المركزي ويضيف قائلا: ان لهذا الوضع ميزة أساسية وهي تجميع كافة ايرادات الحكومة في حساب اجمالي بما يسمح بمراقبة أدائها ويمنعها من التجاوز في السحب علي أرصدتها. ويذكر خلافا بينه وبين الراحل د. عبدالرزاق عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء الأسبق لأن الحكومة في ذلك الوقت أرادت أن تسحب علي حسابها بقدر يفوق النسبة التي يسمح بها القانون في ذلك الوقت وهي 10 % وتمكن البنك المركزي من اقناعها بعدم تجاوز الحد والبحث عن موارد مالية أخري. ويوضح نجم ان تجميع الحسابات لدي المركزي لا يعني خلطها بل ستظل حسابات كل جهة واضحة بشكل تفصيلي وهناك ادارة متخصصة في المركزي لادارة حسابات الحكومة مما يعطي صورة حقيقية ويسهل مهمة الجهاز المركزي للمحاسبات في الرقابة علي الجهات الحكومية. ويسبتعد نجم أن يكون دفع العائد علي أموال الحكومة مشكلة يواجهها المركزي.. مشيرا إلي أن ايرادات الحكومة تقل كثيرا عن نفقاتها وبالتالي وعبر التاريخ لم يكن للحكومة أرصدة كبيرة تحتاج إلي تشغيلها فما يرد يصرف فورا وهذا وضع طبيعي في كل دول العالم.
رفع أسعار الفائدة
اسماعيل حسن محافظ البنك المركزي الأسبق ورئيس بنك مصر ايران يتفق حول صحة هذا القرار وأهميته ويقول انه يستهدف تجميع كافة الأرصدة الحكومية في حساب الحكومة لدي البنك المركزي ومن شأن ذلك أن يزيد رصيد الحكومة لدي البنك المركزي وقد تضمن القرار تعويض الجهات الحكومية عما كانت تتقاضاه من فوائد علي أرصدتها في البنوك التجارية بذات المعدل ومن شأن هذا الاجراء تخفيض العجز في حسابات الحكومة لدي البنك المركزي والذي تغطيه المالية من خلال اصدار أذون علي الخزانة والتي تدفع عليها عوائد بمعدلات تفوق ما تتقاضاه الجهات الحكومية من البنوك التجارية. و فيما يتعلق بتقديم الخدمات المصرفية من جانب البنوك التجارية للجهات الحكومية المتعاملة معها، فإن ذلك سيستمر كما هو حاليا بشرط تحويل الأرصدة في نهاية عمل كل يوم إلي البنك المركزي وبالتالي فإن الرصيد الموجود لدي المركزي سيعكس بوضوح كافة الأرصدة الحكومية. ويشير اسماعيل حسن إلي أحد الجوانب الايجابية لهذا النظام وهو سحب قدر من السيولة لدي البنوك مما يساعد علي امتصاص السيولة الزائدة لدي بعض البنوك مما يؤدي إلي رفع سعر الفائدة علي الودائع، كما انه سيساعد علي تحقيق انخفاض نسبي في الفائدة علي أذون الخزانة أي انه سيؤدي إلي تصحيح أسعار الفائدة في السوق.
دور السياسة النقدية
د. فائقة الرفاعي أستاذ الاقتصاد ونائب محافظ البنك المركزي سابقا تقول: هذا هو الوضع الطبيعي في كل دول العالم.. فالحكومة لا تضع حساباتها في البنوك التجارية لأن سلوكها في السحب والايداع يختلف عن الأفراد والشركات ولا يخضع لعوامل السوق فيصعب التنبؤ بسلوكها.. الأمر الذي قد يعرض البنوك التجارية لأزمات مالية.. وبالطبع هذا شيء غير محبذ. بالاضافة إلي ذلك فإن تجميع هذه الحسابات في جهة واحدة يسهل الرقابة من وزارة المالية علي صرف الجهات المختلفة، كما يساعد المركزي في ادارة السياسة النقدية حيث يسهل عليه التنبؤ بحجم الودائع وحركات السيولة لدي البنوك لأنها ستكون خاضعة للقوانين الاقتصادية وسلوك السوق بعد خلوها من أرصدة الحكومة وتؤكد د. فائقة ان المركزي لن يعجز عن تشغيل تلك الأموال ولكنه سيقوم بهذه المهمة بأسلوبه الخاص وبالصورة التي تساعده في ادارة السيولة لدي البنوك. وهو دور يقوم به المركزي بالفعل في ودائع البنوك التجارية لديه. وتضيف د. فائقة قائلة: ان وجود ودائع الجهات الحكومية لدي المركزي لا يلغي استقلاليتها في موازنتها فهي تظل تعلن موازنتها بشكل مستقل بل تكون هناك رقابة أقوي علي انفاقها وايراداتها وتكون الرقابة من وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات.
وفي ظل تطبيق أسلوب البرامج والأداء علي اعداد الموازنة وهو المتبع حاليا حيث تقدم كل جهة البرامج التي ستقوم بتنفيذها وبناء عليه يتم تحديد الموازنة الخاصة بها، وهذا يعني المتابعة ربع السنوية للأداء والتنفيذ ويجعل الانتقال بالصرف من بند لآخر يخضع لرقابة أكثر ويسير وفقا لتوصيات الجهاز المركزي للمحاسبات. وفي نفس الوقت فإن البنك المركزي ستكون لديه بيانات تفصيلية اذا احتاجت وزارة المالية أو الجهاز المركزي للتدقيق في تصرفات جهة ما أو حتي في واقعة معينة. كما ان ذلك يفيد في التخطيط واعداد الموازنات العامة التفصيلية. وتري د. فائقة ان فوائد هذا القرار عديدة وسلبياته محدودة في سحب السيولة من البنوك اذا كان السحب أكثر من المطلوب ولكن ذلك الأمر يستطيع المركزي علاجه بسهولة.