موت عميل المخابرات الروسية السابق، والمعارض الحالي لنظام بوتين الكسندر ليتفنينكو مسموما بمادة مشعة، بولونيوم210، أثار شهية أجهزة الإعلام العالمية بحثا وتنقيبا عن الجديد في السموم غير المعروفة، وعن خبراء التسميم الذين يتخلصون من خصومهم ويصعب جدا الكشف عنهم.
'آركادي فاكسبيرج' صحفي روسي، يحمل درجة الدكتوراة في القانون، واشتهر بتحقيقاته حول السموم المعروفة وغير المعروفة، التي استخدمت للتخلص من المعارضين السياسيين، وأصدر كتابا بعنوان:'معمل السموم.. من لينين إلي بوتين'. الكتاب صدر في موسكو ولم يترجم إلي لغات أخري حتي الآن.. لكن مقتل عميل المخابرات السابق الكسندر ليتفنينكو مسموما في لندن يوم 23 نوفمبر الماضي،شجع دور النشر الغربية علي البحث عن كتاب السموم من عهد لينين إلي بوتين، لترجمته إلي الانجليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات، كما أصبح الكاتب الروسي آركادي فاكسبيرج هدفا تسعي إليه أجهزة الإعلام الأوروبية لسماع رأيه في قتل عميل المخابرات السابق، بصفة خاصة، وأشهر السموم التي استخدمت في التخلص من الخصوم السياسيين منذ لينين وحتي بوتين، بصفة عامة.
مجلة'اكسبريس' الفرنسية سألت الكاتب الروسي آركادي فاكسبيرج عن رأيه في مقتل عميل المخابرات الروسية السابق، والذي سقط مريضا في لندن بعد لقائه مع اثنين من زملائه السابقين اللذين يعملان حاليا ك 'رجال أعمال'، فأجاب فاكسبيرج:
' إنني واثق تماما من أن ليتفنينكو مات مسموما بمادة بولونيوم210المشعة. وهذه هي أول مرة تستخدم فيها هذه المادة، علي حد علمي. كما أثق في أن من قاموا بتسميم ليتفنينكو هم من الخبراء المحترفين وغير المعروفين حتي الآن'. ويري آركادي فاكسبيرج أن استخدام مادة مشعة في تسميم الخصوم، يفتح صفحة جديدة في تاريخ السموم الجديدة: الأكثر غموضا، والأكثر فتكا.
وعن رأيه فيما ستنتهي إليه نتائج التحقيقات التي بدأتها بريطانيا وتشارك فيها روسيا حول جريمة القتل التي راح ضحيتها العميل الروسي السابق، قال فاكسبيرج:
' لقد تأكدنا من قتل ليتفنينكو مسموما بمادة بولونيوم، لكن الكشف عن الجناة بعيد المنال. فإذا كان أحد الأجهزة الأمنية الروسية يقف وراء هذه الجريمة، فمن الصعب جدا أن يضع المحققون أيديهم علي الجناة. أما إذا كان القتلة من خارج تلك الأجهزة.. فعلي الحكومة الروسية أن تسارع في القبض عليهم ومحاكمتهم وذلك حفاظا علي سمعة روسيا ونظام حكمها، خاصة بعد أن قال المسموم ليتفنينكو وهو علي فراش الموت أن الرئيس بوتين هو الذي أمر بقتله'.
وردا علي سؤال مجلة 'اكسبريس' حول الفارق بين تسميم الخصوم في زمن الاتحاد السوفيتي، وتسميمهم الآن في روسيا.. قال آركادي فاكسبيرج:
'إن الفارق مقصور علي وسائل التسميم، فبعد أن كانت سموم الماضي معروفة أصبحت الآن غير معروفة، ومنها ما يصعب اكتشافه في أجسام الضحايا'.
وكانت القصص والشائعات، التي ترددت بعد سقوط عميل المخابرات الروسية السابق مسموما في لندن، قد أكدت أنه التقي مع زميلين سابقين في جهاز المخابرات الروسية، في أول نوفمبر الماضي، وبعدها نقل إلي المستشفي ومات يوم23نوفمبر، مما يشير إلي احتمال مسئولية آخر من التقي بهم عن تسميمه. وقد تبددت هذه الشائعة عندما سقط أحدهما ديمتري كوفكتون مريضا هو الآخر بنفس المادة المشعة! ورغم ذلك فإن بريطانيا تصر علي أن تستمع إلي أقوال الرجل الثاني أندريا لوموفويا الذي أصبح الآن من كبار رجال الأعمال الروس، وهو ما أثار غضب الأجهزة الأمنية والقضائية في موسكو، فأعلنت بلسان المدعي العام لوري تشايكا إن التحقيقات الخارجية داخل روسيا هي المسئولة الأولي عنها، وأن تحركات واتصالات المحققين البريطانيين الذين وصلوا موسكو.. ستتم من خلال رجال الأمن والمحققين الروس. وإذا أراد رجال سكوتلاند يارد مقابلة هذا أو ذاك من الشهود، فعليهم التقدم بطلبهم إلينا وقد نوافق عليه أو لا نوافق.
وكان المحققون البريطانيون قد عثروا في منزل المسموم الروسي علي خطاب من زميل قديم له، يحذره من 'قتلة محترفين'، وطلب المحققون من المدعي العام الروسي مقابلة صاحب الرسالة، فاعتذر الأخير عن قبول طلبهم لأن المطلوب سماع شهادته يقضي عقوبة السجن أربع سنوات، وعلق المدعي الروسي علي طلب البريطانيين، ساخرا:
' كل سجناء السجون يقولون أن لديهم معلومات يرغبون في الكشف عنها، فهل يريد رجال سكوتلاند يارد سماع شهادات700000سجين؟!'.
ورغم حرص وزير الخارجية الروسي علي التأكيد منذ البداية أن التحقيق في موت عميل المخابرات السابق لن يؤثر علي العلاقات الروسية/البريطانية، إلاٌ أنه اضطر مع استمرار توجيه الاتهامات للأجهزة الروسية إلي إبداء خشيته من التأثير السلبي علي العلاقات بين البلدين نتيجة هذه الاتهامات المزعومة.
وكان البريطانيون قد أشاروا إلي أن رئيس الحكومة الروسية الأسبق 'إيجور جايدار'، الأب الروحي لبناء الرأسمالية في روسيا خلال فترة حكم 'يلتسين' كان في زيارة لإيرلندا وأصيب بمرض غامض يتطلب إدخاله إلي المستشفي في نفس اليوم 23نوفمبر الذي أعلن فيه عن موت العميل السابق الكسندر ليتفنينكو، متأثرا بالمادة المشعة، ونتيجة هذه المصادفة ترددت الأقاويل عن إصابة رئيس الحكومة الأسبق بنفس المادة، للتخلص من معارضته للنظام الروسي الحالي!
وسارع متحدث باسم إيجور جايدار إلي نفي هذه الشائعة، واتهم أطباء المستشفي ب :'عجزهم عن اكتشاف سبب وعكته الصحية فأثاروا أكذوبة وصدقوها، وكان عليهم أن يصمتوا ماداموا لا يعرفون شيئا'!
.. الحكاية لم تنته، بل تتفرع عنها حكايات وحكايات يصدقها البعض ويندد بها البعض الآخر. ورغم حرص رجال التحقيق من البريطانيين والروس علي المضي في تحقيقاتهم حتي الوصول إلي الجناة وتقديمهم إلي المحاكمة، إلاٌ أن معظم المتابعين والمحللين يؤكدون أن الجريمة ستظل قائمة، وربما تقيد ضد 'مجهول'.. مالم يعثروا علي 'كبش فداء' يتحملها رغما عن أنفه!