لأنه الرئيس مبارك، الذي عودنا علي أن يكون دائما منحازا إلي صفوف البسطاء من أبناء الشعب، جاءت الاستجابة لنداء عمال مصر المضربين في شبين الكوم والمحلة وكفر الدوار، ورفع الظلم الواقع عليهم حتي وإن كانوا اساءوا اختيار الأسلوب والوسيلة المناسبة للتعبير عن مطالبهم!! تلقي الرئيس برقيات عمال مصر، فكانت تعليماته الحاسمة ببحث كل مطالبهم، والحفاظ علي كل حقوقهم ومكتسباتهم... بل أيضا اتخاذ بعض الإجراءات الجديدة، التي تضيف إلي هذه المكتسبات، وهذه الحقوق.
أكد عمال مصر فور اتخاذ قرارات صرف الارباح والحوافز ان انحياز الرئيس مبارك لهم يمثل دافعا وزادا، يظل دائما حصن أمان ودرعا يحميهم.
لقد انتهت الأزمة، ولكن تبقي العبر والدروس!! فلا أعتقد ان الاضراب، الذي قام به عمال مصانع الغزل، يمكن ان يمر مرور الكرام، دون دراسة متأنية لأسبابه أو دوافعه، وأسلوب الحكومة في معالجته، وكيف تم استثماره بصورة سلبية من قبل بعض القوي، للتأثير علي مناخ الاستثمار، وما حققته مصر من نجاح كبير في عملية الخصخصة، طوال السنوات الماضية.
لا شك ان هناك خطأ ما قد وقع؟! يشترك فيه العمال، الذين رفضوا في البداية التعامل مع القنوات الشرعية، للمطالبة بحقوقهم، والحفاظ علي مكتسباتهم، ويشاركهم الخطأ التخبط الذي وقعت فيه الحكومة، وهي تتعامل مع الأزمة، التي كانت محصورة في مصانع الغزل بشبين الكوم، ولكن سرعان ما امتدت لتشمل أيضا عمال المحلة وكفر الدوار، وبعض المصانع الأخري، لولا تدخل الرئيس مبارك، والتصرف الحضاري الذي أبدته وزيرة القوي العاملة السيدة عائشة عبدالهادي، وعقدها عدة لقاءات مع ممثلي العمال، أدت لانفراج الأزمة.
***
لقد كان الحفاظ علي حقوق العمال أحد الثوابت الأساسية، التي أكد عليها الرئيس مبارك، منذ بدء عمليات الخصخصة في التسعينيات، وما من مناسبة إلا ويؤكد الرئيس مبارك خلالها علي ضرورة توفير الحماية والامان لعمال مصر، الذين يعتز بهم، وبدورهم في جميع مجالات العمل الوطني.
واعتقد ان ذلك يمثل خطا أحمر، لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، أو يتحايل عليه، ويجب أن يكون أساسا ثابتا في التعامل مع ملفات الخصخصة، التي تشوبها الآن علامات استفهام كثيرة لم تحدث من قبل!!
وللأسف الشديد فإن علامات الاستفهام، تنجم من جراء عدم الشفافية، والتخبط الواضح في اتخاذ قرارات البيع وشروطه، دون أن تسبق تلك القرارات حوارات جادة مع العمال. وبالطبع لا أقصد ممثلي النقابات، وأعضاء مجالس إدارات الشركات، الذين كانوا وراء الفشل الذريع الذي حققته!! وكانوا أيضا وراء أزمة الاضرابات الأخيرة، والمحركين لها من خلف الكواليس!!
بل نقصد العمال الذين يعانون اليوم وطأة الحياة، والارتفاع المتواصل في الأسعار، مع تدني مستويات أجورهم، وتحول بعض مصانعهم إلي خرابات، وذلك نتيجة تراكم مديونياتها، وعدم تجديد معداتها، والتي يعود بعضها للستينيات.
الحكومة للأسف الشديد تعرف أكثر من غيرها، أن مصانع الغزل والنسيج سقطت لعشرات السنوات من حساباتها، ولم تمتد لها أي أيد للإصلاح، وهو ما أدي لتدهورها ودخول بعضها، لمرحلة الغيبوبة التي تسبق الموت، دون أي ذنب للعمال في ذلك.
فجأة استيقظت الحكومة، وبدأت في إجراء حسبة التلميذ البليد، والتاجر المفلس، الذي يبحث في دفاتره القديمة، لعل وعسي يجد زبونا مدينا لم يسدد ما عليه من التزامات، ثم لم يجد مفرا سوي بيع محل رزقه بما فيه من عمال، دون أن يسدد ما عليه لهم!!
أعرف همومه الكثيرة ومشاغله، ولكن كنت أتمني ان يذهب الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء، لكي يلتقي بنفسه مع ممثلي عمال مصانع الغزل والنسيج، الذين قاموا بالاضراب، دون حس ولا خبر من الحكومة الذكية، التي جلست في مدرجات المتفرجين، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد!!
لا أحد يوافق علي تعطيل الانتاج، أو اللجوء للاضراب كوسيلة لتحقيق بعض الأهداف، التي قد يراها العمال مشروعة، علي حين تراها الحكومة غير ذلك!!
لا أحد يوافق علي أن تحاول فئة قليلة من العمال تغيير مسار الإصلاح الاقتصادي، أو فرملة عجلة الخصخصة لبعض القطاعات، التي تثبت جدوي تحولها للقطاع الخاص.
لكن لا شك ان تداعيات المشكلة تفرض علينا ضرورة التوقف أمام عدة حقائق يعاني منها هذا القطاع، والعاملون فيه، ويصبح الهروب منها نوعا من اللامبالاة، وعدم المسئولية، ويمكن ايجازها في النقاط التالية:
إن الخصخصة أسلوب حديث في الإدارة، يهدف في النهاية إلي تحقيق الجودة العالية في الانتاج، وأيضا رفع مستويات كل الحلقات البشرية المشاركة فيه، وأقصد العمالة، وهي حقيقة يبدو أنها لا تزال خافية عن السواد الأعظم من عمال مصر، الذين تنتابهم مخاوف كثيرة لا مبرر لها، وهو الدور المنوط بالحكومة واللجان النقابية من خلال حوار جاد، وبشفافية كاملة مع العمال.
إن تحقيق مبدأ العدالة بين كل عمال مصر، يمثل مطلبا مشروعا، يجب ان تسعي الحكومة إلي تحقيقه، لان خسارة مصنع معين ليست مسئولية مباشرة لعماله، وربما تكون لإدارته!! وتلك عينتها واختارتها الحكومة، وبالتالي فإن إعطاء بعض المزايا والحوافز لعمال مصنع آخر، يحقق بعض الربحية، يمثل اجحافا غير مشروع بعمال المصنع الأول!! ومن هنا تأتي ضرورة عدالة التعامل مع كل عمال الغزل والنسيج، بغض النظر عما حققوه من أرباح أو خسائر، ليسوا هم المسئولين عنها.
إن هناك بعض العمال الذين جمدت حوافزهم ومكافآتهم، والتي لا تزال تصرف علي أساس مرتباتهم في عام 95، وهو ظلم بيٌن يجب ان يؤخذ في الاعتبار، خلال عمليات التقييم التي تتم للشركات، وخلال صرف الأرباح والحوافز.
إن بعض مجالس الإدارات الفاشلة في بعض المصانع، تعرف مقدما انه سيتم الاستغناء عنها بعد الخصخصة، وهؤلاء لجأوا لاثارة العمال ضد عمليات البيع، ويجب ان يتم استبعادهم فورا. وإذا كان قد تم استبعاد رئيس شركة شبين الكوم، تمهيدا لتسليمها للمستثمر الهندي، فأرجو أن يتم وبسرعة إعادة تقييم لكل رؤساء الشركات الأخري.
إن إعلان الحكومة ان هناك أيدي خفية لجماعة الإخوان المحظورة في عمليات الاضراب، يمثل ادانة للحكومة، لانها تقف دائما مكتوفة الايدي انتظارا لوقوع المحظور، وكان عليها الضرب بيد من حديد علي هؤلاء العابثين، بأمن واستقرار عمال مصر، وبث الشائعات في صفوفهم.
هناك أحد المراكز الحقوقية النقابية غير الشرعية الذي ثبت تورطه في عمليات تهييج العمال وإثارتهم، ويقوم بتوزيع مبالغ مالية ضخمة علي بعض أعوانه من العمال، ومن الضروري محاسبة القائمين عليه، وأيضا محاسبة الذين تقاعسوا عن كشف هذه المراكز، أو مراقبتها واغلاق مكاتبها.
إن عقد صفقات الخصخصة والاسراع فيها، قد يمثل نجاحا لوزير الاستثمار الدكتور محمود محيي الدين، الذي أكن له كل التقدير ولكن ليس في كل الحالات فمن الصعب ان تطبق قواعد واحدة في كل حالات الخصخصة، أو البيع لمستثمرين رئيسيين، لأن لكل مصنع ظروفه، والتزامات ونوعية العمالة فيه، وأيضا هل البيع يتم لمستثمر مصري أم أجنبي؟! يجب ان تراعي كل هذه الأشياء قبل اتخاذ قرار البيع، أو اتمام إجراءاته.
من السهل ان يباع مصنع سيارات في المدن الجديدة لمستثمر أجنبي، ولكن الحال مختلف تماما، لو كان البيع لمصنع نسيج في محافظة، ومعظم عماله من البسطاء، الذين يعانون الأمرٌين، لكنهم يتمتعون بحس وطني، وانتماء رفيع لا يزال يرفض تملك الأجنبي.
الحالة هنا تختلف تماما يا دكتور محمود، ويجب ان تؤخذ كل هذه الظروف والملابسات في الاعتبار، خاصة أنها تتزامن مع موجة غلاء يئن الجميع من وطأتها. وأيضا مع ثقافة مجتمع لاتزال حتي اليوم اشتراكية الفكر، رغم اننا بالفعل قطعنا شوطا كبيرا في تطبيق مفاهيم السوق المفتوح والرأسمالية!!