في الخفاء، وفي سرية كاملة، بدأت جماعة الإخوان المحظورة إعادة ترتيب البيت، لمواجهة التداعيات السلبية، التي كشفت عنها بعض المواقف الأخيرة، والتي ساهمت في تعرية وفضح حقيقة الأهداف التي تنشدها، وهي الوصول إلي السلطة، وبأي ثمن.
لقد منيت الجماعة بهزائم متلاحقة، بعد أن وضح أن التخفي وراء الدين أصبح حيلة بالية لا تنطلي علي المواطنين، وخاصة البسطاء منهم، والذين خدعتهم لبعض الوقت الشعارات الجوفاء للجماعة.
الجماعة بدأت تستعين بالنساء، واقصد تحديدا بعض زوجات وابناء اعضاء الجماعة، الذين يمارسون في حرية كاملة عقد الاجتماعات والندوات، وايضا الدورات التدريبية للتعريف باغراض وأهداف الجماعة، والذين أصبحوا حلقة اتصال، ووسيلة لنقل الرسائل والمخططات والتنسيق بين اقطاب الجماعة، في العديد من المدن والقري، بل إن الأمر قد وصل إلي حد تجنيد الأبناء الصغار في المدارس الابتدائية، وذلك بهدف تهيئة جيل جديد يحمل أهدافها، ويسعي لتحقيق طموحاتها.
إن الأمر أصبح جد خطير، ونحن نواجه جماعة يحظرها القانون شعارا وليس فعلا والدليل علي ذلك سلبية الحكومة في تطبيق القانون، الذي يحظر ممارستها لنشاطها.
الحكومة لاتزال تعطي امتيازات لا أول لها ولا آخر لمن يبنون دور المساجد والرعاية الاجتماعية، ورياض الأطفال، داخل الأزقة والحواري، دون أدني نوع من الرقابة التالية، التي تضمن استخدام هذه الأماكن طبقا للتراخيص الصادرة لها. وهو الأمر الذي حولها إلي بؤر لتصدير الأفكار الضالة، التي تدعو لتكفير المجتمع، مستغلين الحالة الاجتماعية للمواطنين الباحثين عن المأوي، أو السكن أو العلاج.
الحكومة لا تفرض سطوتها ونفوذها علي المحافظات، حتي ان بعض الجماعات المحظورة قامت باستئجار مراكز الشباب التابعة للدولة، وقامت بتنظيم ندوات سياسية ودينية ودورات للكاراتيه والكونغ فو، واستخدام السلاح الأبيض.. من أجل الدفاع عن النفس كما يدعون!!
قلبي مع 'الحزب الوطني' اقصد مع المخلصين في حزب الاغلبية الذي يقود ثورة للتصحيح، تجعله أكثر ادراكا وقربا من طموحات الناس وآمالهم.. واعتقد ان التعديلات الدستورية التي حمل الحزب علي كاهله مهمة إثراء الحوار الوطني حولها، سوف تكون بداية جادة لكي يتفرغ بعدها لتنفيذ كل طموحاته، وخططه وسياساته التي اعلنها خلال مؤتمراته السنوية، والتي شكلت في مجملها أملا لكل المصريين.
المقاطعة تعني الهروب :
انتابني شعور بالحزن الشديد، عندما أعلنت الأحزاب مقاطعتها ورفضها للتعديلات الدستورية، رغم أن الأمر لم يكن مفاجأة لي. لقد اختارت الأحزاب الطريق السهل، وهو الهروب من استكمال الحوار البناء، الذي اتيحت له كل الفرص للمشاركة فيه، بل وطرح بعض التصورات والاراء، التي تم الأخذ بها خلال صياغة النصوص المقترحة لمواد التعديلات. اختارت الأحزاب الأسلوب، الذي يؤكد بالفعل أنها لاتزال تعيش حالة ضعف شديد، رغم أن معظم التعديلات جاءت بهدف إعطاء دفعة جديدة لها، للمشاركة السياسية الواسعة.
لقد قدمت التعديلات مزايا جديدة للأحزاب، تعوض النقص الشديد الذي تعانيه، من عدم وجود قواعد لها داخل الشارع المصري، واعطت لها التعديلات فرصة المنافسة بالانتخابات الرئاسية القادمة، بعد إعادة تعديل المادة 76، والذي يتم انطلاقا من استمرار ضعف هذه الأحزاب، وعدم قدرتها علي تحقيق النسبة المطلوبة، طبقا للتعديل الأول الذي تم علي هذه المادة، والذي سمح لها بخوض الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
اختارت الأحزاب الهشة الهروب من المواجهة، والغريب انها انساقت وراء بعض القوي الهامشية غير الشرعية، التي دعت إلي التظاهر لإعلان رفضها لهذه التعديلات، ودعوة المواطنين إلي رفضها.
وإذا كان التظاهر حقا مشروعا للقوي السياسية الشرعية، إلا ان هذا الحق يظل مقرونا بأسباب التظاهر ودوافعه. لقد اتيحت لكل الأحزاب والقوي السياسية، فرصة المشاركة الواسعة في الحوار حول التعديلات، وفي مناخ ديمقراطي اتاح لها التعبير بكل حرية عن آرائها، وهو ما يسقط شرعيتها في ممارسة حق التظاهر، والذي يأتي عادة عندما تغلق ابواب التعبير الحر عن الآراء، وهو الأمر الذي لم يحدث.
ما تقوم به الأحزاب والقوي غير الشرعية، اصبح سلوكا ممقوتا من كل المواطنين، الذين تابعوا وشاركوا في الحوار الواسع حول هذه التعديلات، والذين يرفضون ان يكون التظاهر وتعطيل المرور بديلا للنقاش الحر، في محاولات رخيصة لفرض الآراء بالقوة.
لقد دخلت التعديلات الدستورية إلي مرحلتها الأخيرة، حيث يتم احالتها بعد موافقة مجلس الشعب عليها إلي الرئيس مبارك، الذي سيكون له الحق في ابداء الرأي حول الصياغات التي وضعت لها، وهل جاءت محققة لأهدافها في اثراء مناخ الحرية والديمقراطية، وتحصينها بالدستور المصري، وذلك تمهيدا لطرحها في استفتاء يقول فيه الشعب المصري كلمته الأولي والأخيرة.
إننا أمام لحظة فارقة في مسيرة الإصلاح السياسي والديمقراطي، يؤكد فيها الشعب حقه الاصيل في التمسك بكل ما يثري هذه الديمقراطية، ورفض أي انتقاص لها.
كلنا مطالبون اليوم ليس للموافقة علي التعديلات، ولكن لكي نخرج إلي الاستفتاء، ونقول كلمتنا في تعبير صادق، يؤكد رغبتنا الحقيقية، وتمسكنا بالاصلاح.
الشعب المصري هو الفيصل الان، وليس من حق احد أن يفرض وصايته أو يملي عليه آراءه. لقد انقضي زمن القطيع، ومن حق الأحزاب أن ترفض التعديلات، أو أن تقبل بعضها، وهو جزء أصيل من مناخ الديمقراطية الذي نعيشه، ولكن ليس من حق أحد أن يجبر الآخرين علي الأخذ برأيه، وإعلان هذه الأحزاب رفض تلك التعديلات لا يتم بالمقاطعة. ولكن بالتصويت وإبداء الرفض أمام صناديق الاقتراع.
وإذا كان مناخ الحرية الذي نعيشه، قد اتاح لنا جميعا فرصة الحوار الواسع، فإنني اطالب الحزب الوطني بوصفه حزبا للأغلبية بأن يقوم بطرح الصيغة النهائية للتعديلات، بعد موافقة مجلس الشعب عليها، في كل الصحف ووسائل الإعلام، وفي جميع الدوائر الانتخابية. وذلك قبل يوم الاستفتاء، لكي تتاح الفرصة كاملة للمواطنين للاطلاع عليها قبل التصويت.