بدا لي المقال الذي نشره 'الأهرام' للأستاذ 'فهمي هويدي' يوم الثلاثاء الماضي، أشبه بالبناء الضخم الذي أقيم علي رمال متحركة، ما تكاد تنظر إلي واجهته أي تقرأ عنوانه حتي يختفي من أمام عينيك، ليترك فراغا بمساحة ثلث صفحة بيضاء، لأول مرة في تاريخ الجريدة العريقة!
واجهة البناء الضخم، وعنوان المقال اللي ما قالش حاجة هو 'لما هزم شعار: الشريعة هي المشكلة'، فإذا بحثت بين أدواره، أو سطوره عن شعار بهذا المعني، لم تجده، ولذا بحثت عن الهزيمة التي مني بها، وجدتها تتمثل في أن متحدثا باسم المجلس الأعلي للسياسات، أعلن عقب اجتماع له في 9 مارس الحالي أنه ليس واردا 'تغيير المادة الثانية من الدستور'، وأن 'الادعاءات التي روج لها البعض بالاتجاه إلي تعديل تلك المادة، استهدفت التشويش علي التعديلات الدستورية واهدافها'.
ولو التزم الاستاذ 'هويدي' بتعاليم الاسلام التي تدعونا للعدل لأنه أقرب للتقوي، لما لخص الحوار الذي دار حول المادة الثانية من الدستور، علي نحو لا صلة له بما ورد فيه ولما ادعي علي غير الحقيقة أن المشاركين فيه، رفعوا شعار 'الاسلام هو المشكلة'، ولما جزم بأنهم المقصودون بالاشارة التي وردت في تصريح المتحدث باسم المجلس الأعلي للسياسات، وليس المقصود به هو ومن يفكرون بطريقته ومن ينتمون للتيار الذي يسانده!
من ناحية الشكل: فليس في طرح بعض المثقفين للمادة الثانية من الدستور للحوار، علي الرغم من علمهم أنها لم ترد في حزمة التعديلات المطروحة الآن، شيء يدعو إلي الريبة كما قال الأستاذ هويدي لأن الاصلاحيين في مصر، لم يكتفوا يوما بما تطرحه الحكومة من تعديلات للدستور، وسواء عندما طرحت تعديل المادة 76 أو طرحت الوجبة الحالية من التعديلات، فقد ارتفعت أصواتهم تطالب بالمزيد، وتراوحت بين المطالبة بتغيير الدستور كله، وبين الالحاح علي تغيير مواد أخري منه، من أبرزها المادة 77 الخاصة بمدد الرئاسة، وفي الحالتين لم يجد أحد بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه في فتح الحوار حول مزيد من التعديلات ما يدعو للريبة، أو للتشكك في دوافع الذين فتحوه، ولا معني لما يقوله الاستاذ 'هويدي' إلا أن علينا أن نكف عن المطالبة بمزيد من التعديلات الدستورية ولن نعتبر ما طرح منها حتي الآن، هو غاية المراد!
وعلي عكس ما يدعي الاستاذ 'هويدي' فليست هناك نوازع 'انتهازية' قادت فريقا من الانتهازيين لاستغلال الصدام الحالي بين الحكومة وجماعة الاخوان المسلمين لفتح الحوار حول المادة الثانية بهدف 'التحرش بالحضور الإسلامي في الدستور'، فخلال 36 عاما منذ صدور الدستور والمادة الثانية في مكانها منه، وخلالها تعددت موجات الصدام بين الحكومة والاخوان، فلم يطرح أحد من هؤلاء 'الانتهازيين' المادة للحوار، لسبب بسيط تجاهله الأستاذ 'هويدي'، ربما لأنه يفضل أن يحافظ علي 'شعبويته'، وأن يساند حلفاءه من الإخوان المسلمين، عن أن يقوم بفرض الكفاية الذي يتوقعه كثيرون من أمثاله من المفكرين الاسلاميين المستقلين وإلي حد ما المستنيرين، فيجتهد في ضبط صياغة المادة، كما فعل غيره..
ولو أنصف الاستاذ 'هويدي' لأدرك أن الحوار حول المادة الثانية من الدستور، هو حوار في 'السياسة' لا في 'الدين'، وفي 'الدستور' لا في 'الاسلام'، هو حوار لم ينشأ من فراغ، ولم تدفع إليه نوازع انتهازية لدي الذين شاركوا فيه، بل املته قراءة للواقع الذي يقول أن المادة بصياغتها الحالية، أصبحت موضوعا لاستغلال سياسي مبتذل، وأن تيارات الاسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، تستغلها لاضفاء المشروعية علي تأسيس احزاب دينية ومذهبية، ولإقامة دولة دينية، من دون أن تجتهد، أو يجتهد الأستاذ 'فهمي هويدي' نفسه، وغيره ممن يساندون هذه التيارات، لكي يفسروا لها ملامح هذه الدولة، وما هو الذي تعتمده من مدونة الفقه الإسلامي وهي في معظمها اجتهادات بشرية وما الذي تجاوزه الزمن، ويحتاج إلي اجتهاد عصري، عجز الجميع عن القيام به..
ألم يقرأ الاستاذ 'هويدي' تصريح أحد نواب الإخوان المسلمين في مجلس الشعب بأن النص علي حظر تشكيل الأحزاب علي أسس دينية في التعديلات الدستورية المطروحة هو حظر للدين، وأنه يخالف نص المادة الثانية من الدستور؟.. وإذا كان ذلك رأيه، فهل يجيز تفسيره لنص المادة لغير المسلمين تشكيل أحزاب دينية؟.. وإذا لم تكن تجيز، فكيف يمكن الحديث عن حقوق للمواطنة؟!
ألم يسمع الاستاذ 'هويدي' عن أحكام تصدرها بعض المحاكم، استنادا الي المادة الثانية من الدستور مباشرة، علي الرغم من تفسير المحكمة الدستورية لها، القائل بأن المخاطب بها هو المشرع وليس القاضي!
وما الذي يدعو لدهشتي إذا نشرت إحدي الصحف مقالا يقول 'المادة الثانية' من الدستور هي التي قتلت أنور السادات وفرقت نصر حامد أبوزيد عن زوجته، مع أن ذلك هو التفسير الذي اعتمده قاتل السادات للمادة، وما قاله في التحقيقات، وما استند إليه بعض المدافعين عنه، وما استند إليه الحكم في قضية نصر حامد أبوزيد؟!
ألم يسمع الاستاذ 'هويدي' تصريح قطب من أقطاب الحزب الوطني في مجلس الشعب، منذ شهور، بأنه سيتقدم بمشروع قانون لفرض الحجاب إجباريا علي المصريات؟!
ألم يقرأ مشروعات القوانين التي أعدتها منذ حوالي عشرين عاما لجان شرعية، رسمية وأهلية، لتطبيق المادة الثانية من الدستور، ومنها مشروعات قوانين لتطبيق حد الردة، وحد الحرابة، وحد الزنا..وكأن الإمام محمد عبده، لم يفت منذ اكثر من مائة سنة بأن الشروط الشرعية لتطبيق الحدود أصبحت مستحيلة، مما يجيز الأخذ بالتعاذير، ويجعل قانون العقوبات المصري، مطابقا للشريعة!
ألم يقرأ الاستاذ 'هويدي' تصريحات بعض قادة الإخوان المسلمين، بأنهم سوف يطبقون المادة الثانية من الدستور، فيفرضون الجزية علي غير المسلمين، أو يضاعفون الضرائب عليهم، وكأنه هو نفسه لم يقل منذ أكثر من عشر سنوات أن فرض الجزية قد سقط بانتهاء عهد الفتوحات؟
ولو أنصف الاستاذ 'هويدي' لما صمت علي ذلك، وعلي كثير مما يشابهه، ولما صمت عن ابداء رأيه في التعديل الذي حظر تشكيل الأحزاب علي أسس دينية، ليشارك بمقاليه الأخيرين في الحملة المنظمة التي تشنها جماعة الاخوان المسلمين، علي هذا النص بالزعم علنا بأنه يتناقض مع المادة الثانية، وباشاعة الهمس سرا بين العوام، بأن النص علي المواطنة، هو انحياز لغير المسلمين!
وإلي أن يفعل، فليأذن لنا أن نستعير خاتمة مقاله اللي ماقلش حاجة، فنقول: ربنا لا تؤاخذنا، بما كتب، ومالم يكتب السفهاء منا!