يغادر الرئيس الفرنسي والسيدة قرينته قصر الإليزيه يوم16مايو القادم، وبعد أيام من انتهاء جولة الانتخابات الرئاسية الثانية بفوز أحد المرشحين: اليميني نيكولا ساركوزي، واليسارية سيجولين روايال.
وإذا كانت أجهزة الإعلام الفرنسية قد تابعت علي مدي العقود العديدة الماضية أخبار وقرارات ومواقف جاك شيراك منذ بداية انخراطه في السياسة وتدرجه في المناصب القيادية كمدير لمكتب جورج بومبيدو، مرورا علي المنصب الوزاري، ورياسة الحكومة، وعمدية العاصمة باريس، وانتهاء بتوليه منصب رئاسة الجمهورية، فإنها أي أجهزة الإعلام الفرنسية تتسابق حاليا لإعلام الرأي العام بآخر ما توصلت إليه من معلومات عن 'حياة شيراك.. بعد الإليزيه'.
خلال الشهور العديدة الماضية.. تلاعب الرئيس جاك شيراك بأعصاب المرشحين لتولي الرئاسة من بعده. فكان حريصا علي عدم الكشف عن نيته في إعادة ترشيح نفسه للمرة الثالثة، أو الاكتفاء بالفترتين الرئاسيتين. في كلماته.. وخطبه.. وأحاديثه مع زواره، كان يتحدث عن أفكار ومشروعات جديدة يسعي لتحقيقها من أجل فرنسا والفرنسيين، وهو ما أقنع السامعين بأنه لا ينوي الابتعاد عن قصر الإليزيه، فالمبتعد لا يتحدث عما ينوي تحقيقه من سياسات، وما يحتاج إلي قرارات جمهورية!
وهذا الغموض الذي حرص عليه الرئيس شيراك، ورفضه الإجابة عن ترشيحه أو عدم ترشيحه لخوض معركة الانتخابات الرئاسية، أجبر أجهزة الإعلام علي البحث عن الإجابة لدي أقرب المقربين، علي رأسهم:'سيدة قصر الإليزيه' برناديت شيراك.
سمعناها في كل المقابلات التليفزيونية أو الصحفية التي شاركت فيها، تكرر تأكيدها علي أنها شخصيا لا تعرف قرار زوجها بالنسبة للترشيح أو عدم الترشيح، فهو قرار كما قالت 'يحتفظ به لنفسه ولا يشركني فيه'.
وعندما سألوها عن مشاعرها في حالة الابتعاد عن مقر رئيس الجمهورية قصر الإليزيه كانت ملامح الحزن بادية علي وجهها وهي تجيب:' بالطبع سأشعر بالحنين للأليزيه الذي أقمنا فيه كل هذه السنوات'.
وازدادت الحيرة بين رموز اليمين الذين يطمع كل واحد أو واحدة منهم في خلافة شيراك، لكنهم احتفظوا بالصمت انتظارا لقراره المنتظر سواء بالبقاء أو الانسحاب ليقرروا مواقفهم. الوحيد الذي لم ينتظر كان وزير الداخلية نيكولا ساركوزي الذي أعلن ترشيحه للانتخابات الرئاسية 'قبل الهنا بسنة'.. كما يقولون. فإذا كان الآخرون مثل رئيس الحكومة، أو وزيرة الدفاع تحفظوا عن إعلان نيتهم في الترشيح إحتراما ووفاء لشيراك، فإن ساركوزي اختلف عنهم بعد أن تدهورت علاقته بالرئيس الفرنسي منذ زمن طويل، وأعلن إنه قرر خوض الانتخابات سواء ترشٌح شيراك أو قرر الانسحاب!
وأخيرا جدا.. وفي بداية شهر أبريل الحالي، أعلن شيراك عدم ترشيحه لفترة رئاسة ثالثة. واضطر فيما بعد إلي إعلان وقوفه إلي جانب تلميذه العاق: نيكولا ساركوزي ودعمه في معركته الانتخابية ضد منافسيه سواء من اليساريين أو اليمينيين الوسط والمتطرفين.. وما أكثرهم. تأييد شيراك لساركوزي ناكر الجميل جاء باردا، باهتا، ومتحفظا.. رغم سعادة ساركوزي به، وتهليله له!
منافسو ساركوزي أرادوا التشكيك في دعم الرئيس شيراك له، فأشاعوا لدي أجهزة الإعلام إن هذا الدعم لم يأت بلا مقابل، وإنما جاء بعد تعهٌد الرئيس القادم بحماية الرئيس الراحل ضد أي ملاحقة قضائية يمكن أن يكون هدفا لها فور خروجه من قصر الإليزيه. وسارع ساركوزي إلي نفي هذه الشائعة، مؤكدا كذبها واختلاقها والتأكيد أن مايسمي ب 'الحماية القانونية' لم يطلبها الرئيس شيراك، ولم يطرحها ساركوزي في آخر لقاء بينهما في قصر الإليزيه.
وأجريت الانتخابات الرئاسية الأولي للتصفية بين12مرشحا، وجاء المرشح اليميني: ساركوزي، والمرشحة اليسارية: روايال ، علي رأس الفائزين بالأصوات مما تطلب جولة انتخابات تالية وفاصلة ليختار الناخبون فيها الأكثر قبولا، والأوفر حظا، لخلافة جاك شيراك في قصر الإليزيه.
حقيقة أن سيدة القصر بدأت بالفعل إذا صدقت ما تناقلته أجهزة الإعلام الفرنسية في حزم حقائبها وحقائب زوجها توطئة للمغادرة النهائية، يوم 16مايو القادم، لكن حقيقة أيضا أن الرئيس شيراك لا يزال يباشر مهام رئيس الجمهورية حتي آخر يوم، وآخر لحظة.
ليس هذا فقط.. بل نجسب إليه بالأمس نقلا عن صحيفة 'لو موند' أنه يريد قبل أن يترك منصبه، أن يحقق ما سعي إلي تحقيقه خلال الشهور العديدة الماضية، بالاتفاق علي تشكيل المحكمة الدولية وبدء جلساتها لمحاكمة قتلة الرئيس اللبناني الراحل رفيق الحريري. ويذكر أن شيراك كان صاحب فكرة هذه المحكمة ذات الطابع الدولي، وأول من نادي بها أثناء مشاركته في تشييع جنازة صديقه الحميم رفيق الحريري في بيروت.
تشكيل المحكمة وبدء جلساتها طبقا للمادة السابعة في ميثاق الأمم المتحدة التي تسمح بفرض قرارها بالقوة أصبح يمثل الهدف الأول والأخير للرئيس شيراك. ومعظم اتصالاته التليفونية ولقاءاته الشخصية مع رؤساء الدول، كان 'للمحكمة' الأولوية المطلقة في موضوعاتها.. كما حدث في لقاءات شيراك الأخيرة مع الرئيس حسني مبارك، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفي المكالمة التليفونية التي أجراها مع خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وآخرها وليست الأخيرة المكالمة التي أجراها أمس مع الرئيس الروسي بوتين.
هناك عقبات كثيرة أوقفت تشكيل محاكمة قتلة الحريري، أهمها الأزمة السياسية الطاحنة التي يعيشها لبنان من نهاية عام2006 وحتي اليوم بين المصرين علي المحكمة والرافضين لها. وهناك من بين أعضاء مجلس الأمن القطري، والروسي، والصيني من يرفض المحكمة طبقا للمادة السابعة التي تجيز العقوبات واستخدام القوة، رغم موافقتهم من حيث المبدأ علي محاكمة قتلة الحريري. والشغل الشاغل لشيراك الآن هو إقناع هذه الدول خاصة روسيا بسحب تحفظاتها علي قيام، وتشكيل، المحكمة الدولية، ويحقق شيراك بذلك آخر وأهم إنجازاته في السياسة الخارجية، من جهة، ويحقق من جهة أخري ما وعد به أسرة صديقه الراحل رفيق الحريري وتقديم قتلته ومن يقف خلفهم للمحاكمة.
ولأن أي عمل يقوم به أي مسئول كبر أم صغر يلقي التأييد من البعض والتشكيك والتشهير من البعض الآخر، فقد سارع البعض من خصوم الرئيس جاك شيراك للربط بين اهتمامه بتشكيل المحكمة، وبين قبوله الانتقال وزوجته للإقامة المؤقتة في شقة يملكها ابن رفيق الحريري أيمن في باريس وتطل علي متحف اللوفر!
المتحدث باسم قصر الإليزيه سارع أمس بالرد علي هذا الربط المهين، مؤكدا أن حرص شيراك علي قيام المحكمة قبل ترك منصبه ليس جديدا، ولا علاقة له بما يردده البعض عن شقة أيمن الحريري.
المدافعون عن شيراك وما أكثرهم استفزتهم هذه 'الجليطة'، ونبهوا أصحابها إلي أن ما فعله الرئيس شيراك كان يستحق منهم الإشادة بدلا من التشهير. فشيراك لا يملك شقة في باريس لينتقل إليها، وحتي لا يضطر للإقامة في بيته الريفي البعيد عن باريس أو الإقامة في أحد فنادقها، فقد وافق علي عرض ابن صديقه الحميم رفيق الحريري للإقامة المؤقتة في شقته 180مترا مربعا انتظارا للعثور علي شقة يمتلكها أو يؤجرها.