كتبت منذ أيام عن فزع وزارة الصحة الفرنسية، وجمعيات حماية المستهلك، من تدفق إعلانات الأغذية الجاهزة باختلاف نوعياتها.. وما أكثرها علي شاشات كل القنوات التليفزيونية، وأدي هذا التدفق إلي فتح شهية المستهلكين خاصة الصغار لتذوق هذه الأطعمة ، وإدمان بعضها، وتناولها بين الوجبات الثلاث اليومية، وانعكس ذلك تلقائيا علي أجسام المواطنين التي ازداد وزنها، وظهر انتفاخها، وفقدت لياقتها، وحيويتها.. أو هكذا سيكون مصيرها مالم تكن هناك وقفة مع هذا التدفق الإعلاني الكاسح.
وخبراء جمعيات حقوق الإنسان وحماية المستهلك لم يكتفوا بإبداء الانزعاج من هذه الإعلانات عن عشرات الأطعمة الجاهزة والسريعة، وإنما خططوا علي طريقتهم الخاصة لمواجهة وتوعية المشاهدين بأخطار ما أسميته في مقالي المشار إليه ب 'الرمرمة.. وأخطارها'. وهي ذات الخطة التي سبق لخبراء جمعيات حماية المستهلك تنفيذها لمحاربة التدخين، فبدأوا بتوعية المواطنين بالأمراض بالغة الخطورة التي يسببها التدخين، ثم أجبروا شركات السجائر علي وضع صورة الجمجمة شعار الموت علي كل علبة، وكتب تحتها:' التدخين يدمر الصحة ويسبب الموت'، وتحمست الحكومات بعد ذلك لمساندة هذه الدعوة الصحية والنبيلة فأصدرت القرارات بمنع التدخين في الأماكن العامة ووسائل النقل، والمكاتب، والمقاهي، والمطاعم.. وغيرها. وبالنسبة لإعلانات الأطعمة التي تحظي بأكبر فترة زمنية يوميا من مساحات الإعلانات التليفزيونية في معظم الدول الأوروبية فقد بدأوا بالتوعية المكثفة لأخطار إدمان تناول هذه الأطعمة، ثم أجبروا قنوات التليفزيون علي وضع شريط إخباري سريع تحت أي إعلان عن طعام ينبه المشاهد إلي الابتعاد عن أكل الطعام المسٌكر جدا أو المالح جدا، ويحذرهم من الرمرمة بين الوجبات، وينصحهم بالتمارين الرياضية. ولا أستبعد أن يأتي اليوم الذي تتدخل فيه الحكومات بقرارات تنظيم ومراقبة وربما حظر عرض تلك الإعلانات.
وفي مصر قام أخيرا 'جهاز حماية المستهلك' الذي نعقد عليه آمالا لحمايتنا من غش التجار وفساد السلع وغلاء الأسعار وغيرها مما يشكو منه المستهلك المصري في كل مكان. وقد أسعدني اهتمام رئيس جهاز حماية المستهلك المصري الأستاذ سعيد الألفي بما كتبته، وتلقيت منه رسالة أوضح فيها أن الجهاز ليس غافلا عن فوضي إعلانات أجهزة الإعلام المقروءة، والمرئية ليس فقط عن الأطعمة وإنما تتسع الفوضي لتشمل إعلانات الأدوية التي يزعم أصحابها أنها تشفي كل الأمراض إبتداء بالسرطان، وتليف الكبد، والفشل الكلوي، والشلل الرباعي.. وغيرها، ثم يتضح أنها أدوية لم يسمع عنها الأطباء، وأن العملية كلها 'نصب ھ نصب'!
ولنقرأ رسالة سعيد الألفي، رئيس جهاز حماية المستهلك:
.. إبراهيم سعده
( قرأت باهتمام شديد ما جاء في عمودكم بجريدة 'الأخبار' الغراء يوم الإثنين 18يونيو الحالي.
ويسرني أن أشكركم علي تناولكم قضايا الإعلانات في عمودكم المعنون: 'الرمرمة.. وأخطارها' فهذه القضية من أعقد وأهم القضايا التي تواجه 'جهاز حماية المستهلك' في أداء مهامه وممارسة اختصاصاته في تطبيق القانون.
ولا يخفي عليكم أن قضية الإعلانات أخطر وأعقد كثيرا لدينا مما هي في الدول المتقدمة، فالأمر يتعلق لدينا بالإعلانات المضللة والوهمية التي تستغل عدم وعي شرائح عريضة من المجتمع في الترويج لبعض السلع والمنتجات التي تلحق به أشد الأضرار علي سلامته وأمنه، بالإضافة إلي جانب آخر من هذه الإعلانات التي تعتمد علي الغش والتدليس في الترويج لسلع أو خدمات صيانة لشركات وهمية ليس لها مقر أو سجل تجاري ولم تحصل أساسا علي ترخيص بمزاولة النشاط، ولكنها فقط تعتمد علي ممارسة نشاطها برقم تليفون أو محمول مع إبرازه خلال الإعلانات المكثفة ولعل الظاهرة البارزة في هذا الشأن: الإعلانات المكثفة عن التداوي بالأعشاب، أو صيانة الأجهزة الكهربائية، أو الترويج لسلع جديدة لها تأثيرات سحرية في التخسيس، والحقيقة أنها وهمية وغير علمية. والواقع أن هذه الظاهرة تزايدت خطورتها مع الزيادة الكبيرة في عدد القنوات الفضائية ومعظمها يبث من خارج مصر، مما يزيد من صعوبة احتواء ظاهرة الإعلانات المضللة للمستهلك.
الكاتب الكبير..
إننا نأمل في تكرمكم بإلقاء الضوء وتناول هذا الموضوع بالغ الأهمية في عمودكم حتي يتنبٌه قطاع كبير من المجتمع إلي مخاطر هذه الإعلانات، وحتي يحرص كل مستهلك عند مطالعته لتلك الإعلانات علي مراعاة الحذر والحيطة في عدم التعامل إلاٌ مع الشركات أو التجار والموردين الذين لديهم مقر معلوم وليس فقط الإعلان من خلال التليفون وتوصيل السلعة أو الخدمة للعميل، وعند حدوث أية مشكلة يكتشف أنها وهم وليس لها أساس.
كما نتمني من سيادتكم التأكيد علي ضرورة أن يحرص كل مستهلك علي الحصول علي حقه في الفاتورة عند شراء أية سلعة، لأنها تمثل المستند الهام في حصوله علي حقوقه عند الضرورة.
وربما كان من المهم دعوة وسائل الإعلام إلي عدم قبول الإعلانات المضللة وهي معروفة لديها وفي مقدمتها التداوي بالأعشاب وعلاج العجز والضعف الجنسي. واسمحوا لي سيادتكم أن أشير إلي المبادرة التي أطلقها 'جهاز حماية المستهلك' في هذا المجال بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة ووزارة الصحة والسكان في مناشدة المسئولين بكافة وسائل الإعلام برفض هذا النوع من الإعلانات المضللة والوهمية، كما أننا نجري حاليا إعداد مشروع قانون لمعالجة هذه القضية.
وقد تم تحويل أحد هذه الموضوعات منذ أيام إلي النائب العام:الأستاذ المستشار عبدالمجيد محمود، وهي أول قضية يتم إحالتها من 'جهاز حماية المستهلك' إلي النائب العام وذلك بعد تعدد شكاوي المستهلكين التي تلقاها الجهاز من هذه الإعلانات المضللة عن التداوي بالأعشاب، والأجهزة الرياضية الخاصة بالتخسيس مجهولة المصدر والتي تلحق الضرر بالمستهلكين صحيا).
رئيس جهاز حماية المستهلك
سعيد الألفي
***
شكرا للسيد/ سعيد الألفي علي رسالته التي تضمنت بعض القضايا الهامة التي تشغل فكر وبال أعضاء 'جهاز حماية المستهلك' الذي أنشيء منذ 5شهور فقط، وكلها قضايا كثيرا ما أرهقت المواطنين، ووقفوا عاجزين عن مواجهتها أو محاسبة من خدعوهم في سلعهم، وأمرضوهم بأدويتهم المغشوشة، وسرقوا أموالهم بفساد منتجاتهم، ونصبوا عليهم كما نجصِِب علي المواطن الطيب الذي اشتري الترام!
لدي جهاز حماية المستهلك خطة عمل متكاملة للتصدي لهذه العمليات كلها، ولن يستطيع الجهاز تنفيذها مالم تبدأ حملات التوعية في كل مكان، ومالم تقف أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة، والمرئية إلي جانبه فتعيد النظر في فوضي نشر وعرض الإعلانات التي تضر بالمستهلكين بدلا من أن تفيدهم، ولا تسمح بالإعلان عن أي دواء لعلاج أي مرض إلاٌ بعد موافقة وزارة الصحة، ونقابة الأطباء، ونقابة الصيادلة، حتي تكون هذه الجهات الثلاث مسئولة مسئولية كاملة إذا ثبت فساد هذه الأدوية أو عدم جدواها.
إن التوعية الشاملة، والدائمة، بحقوق المستهلك بالغة الأهمية، خاصة في مجتمع يرجع تاريخ حضارته لآلاف السنين ما يزال مشغولا بفتوي 'بول الرسول'، وبفتوي 'إرضاع المرأة العاملة لزملائها في المكتب'!