أكتب إليكم هذه السطور، بعد أن قمت بالطواف حول الكعبة المشرفة. وبالطبع وليس سرا إنني انتهزتها فرصة سانحة لكي أدعو علي حكومة الدكتور أحمد نظيف!!
دعائي علي الحكومة ليس بسبب الزيادة التي قررتها في بعض الأسعار استجابة لنواب الشعب، وقناعاتهم بأهمية وضرورة وجود موارد حقيقية لعلاج الخلل بالموازنة، ومواجهة تكاليف الزيادة في الأجور والحوافز، والتوسع في المستفيدين ببطاقات التموين!!
ولكن أدعو علي الحكومة، لأنها تأخرت كثيرا في استخدام مشرط الجراح، الذي يبتر موطن الداء. واكتفت وطوال عشرات السنين باستخدام المسكنات والمهدئات، وعدم الاقتراب من بعض الملفات، نظرا لحساسيتها وعلاقتها بالبعد الاجتماعي.
حدث ذلك بسبب القصور في فهم طبيعة الشعب المصري، والاكتفاء ببعض الشعارات من بقايا الحقبة الاشتراكية، التي كانت الحكومة تتحمل فيها كل الأعباء، إلي درجة أنها غرقت وفضلت الانزواء بعيدا في أعماق اليم. فمجرد الكلام عن إلغاء الدعم، أو حتي مجرد تصويبه، ظل يمثل بالنسبة لكل الحكومات رجسا من عمل الشياطين، لا يجب الاقتراب منه أو حتي البوح بأن هناك تفكيرا حوله.
أصبح الدعم للأسف الشديد نوعا من المتاجرة الرخيصة، وترحيلا لمشاكل كانت تستوجب الحل السريع، لولا المخاوف غير المبررة من رد الفعل الشعبي تجاهها.
صحيح ان المرحلة التي تعيشها مصر اليوم، تختلف تماما عن تلك التي كانت منذ 5 أو 10 سنوات، نتيجة التطور الهائل والكبير الذي شهدته عملية الاصلاح السياسي، والتي أوجدت لأول مرة نوعا من التنسيق والتعاون بين الحكومة، وممثلي الشعب في مجال إعداد الموازنة وتحديد أولوياتها. هذا التعاون أصبح يمثل في حد ذاته أحد العناصر المهمة التي تكفل النجاح لأي خطوات جريئة تقوم بها الحكومة، لتصحيح خلل ظل يستفحل لعشرات السنين. فلقد أثبت المصري دوما إنحيازه الكامل لأي قرارات تتعلق بالاصلاح شريطة وجود ثقة متبادلة، وقناعة في أن تلك القرارات سوف تحقق مصالحه في النهاية.
ليس سرا أن حكومات ما بعد الثورة، لجأت في بعض الأوقات إلي طباعة أوراق البنكنوت دون وجود أي رصيد لها، وهو الأمر الذي أدي لنسبة تضخم اقتربت من 27 % .
ليس سرا، أن حكومات مصر كلها مسئولة عن ثقافة الاتكالية، التي ظلت متوارثة لفترة طويلة، والتي أصبح فيها المواطن المصري مجرد ترس في آلة صدئة، يقتصر دوره فقط علي تلقي الهبات والدعم الحكومي، بدءا بالوظيفة الميري بعد المدرسة والجامعة مرورا بالعلاج وحتي الوفاة!!
كان من نتائج عملية تعميم الدعم، أن أصبحت موازنة الدولة مثقلة ومحملة بأعباء ضخمة، وتأخر ظهور ثمار الاصلاح. فرغم كل المؤشرات الجيدة لأداء الاقتصاد المصري، إلا أن انعكاسها علي حياة الناس وخاصة محدودي الدخل جاء هامشيا، وغير مؤثر أو محسوس. وأدي ذلك إلي مزيد من التشكك في عملية الاصلاح الاقتصادي، وبالتالي بطء تفاعل المواطنين مع أي قرارات، أو اجراءات حكومية جديدة.
إذا جاء قرار إعادة تبويب أولويات الدعم، محققا لهدف سبق لنا جميعا المطالبة به، مع تزايد احساس المواطن بوطأة الغلاء وارتفاع الأسعار، وهو ضرورة تحمل القادرين لأعباء أكبر. وذلك من خلال توجيه الدعم للقطاعات، التي تحقق أقصي استفادة لمحدودي الدخل.
فلم يعد مقبولا أو منطقيا، أن تقدم الدولة دعما للبنزين، يستفيد منه القادرون قبل غير القادرين، وبقيمة تزيد علي اجمالي مخصصات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية معا.
لم يعد مقبولا، أن يكون سعر البنزين موحدا لسيارة يصل ثمنها إلي مليوني جنيه، وسيارة أخري لا تزيد قيمتها علي 20 ألف جنيه.
لم يعد مقبولا، استثناء صناعات تدر أرباحا بالملايين من أي نوع من الضرائب لسنوات طويلة.
ورغم ان الاجراءات الأخيرة، قد تضمنت زيادة في أسعار السولار إلا أن تأثيرها سيظل محدودا للغاية، لأن تكلفة الوقود لا تمثل سوي نسبة لا تزيد علي 20 % في أقصي معدلاتها، بالنسبة لتكلفة النقل. وتحريك أسعار النقل الخاصة، بنسبة توازي هذه الزيادة، لن يمثل عبئا كبيرا علي المواطنين، غير أن ترك تحديد الزيادة لأصحاب وسائل النقل قد يزيد من الأعباء، التي يتحملها المواطن، حيث يميل كثيرون منهم للمغالاة في تأثير هذه الزيادة علي الأجرة التي يطلبونها.
لقد قطعت بلادنا شوطا كبيرا في عملية الاصلاح الاقتصادي، والتي تضمنت إعطاء بعض الحوافز الخاصة لتشجيع الاستثمار. وكان من بينها إعفاء المناطق الحرة من الأعباء الضريبية، التي تفرض علي غيرها من الاستثمارات المماثلة. وذلك بهدف جذب المزيد من الاستثمار للعمل بهذه المناطق.
لا شك ان جميع الصناعات التي تعمل بهذه المناطق، وخاصة الصناعات الثقيلة كثيفة الاستخدام للطاقة، قد حققت أرباحا طائلة علي مدي عدة سنوات، دون سداد أي نوع من الضرائب. وجاء قرار الحكومة بضرورة خضوع هذه الصناعات للضرائب تحقيقا لمبدأ العدالة، وتزايد الاتجاه الحكومي لتحقيق التوازن بين القادرين وغير القادرين، من خلال فرض أعباء أكبر علي القادرين. ويتوقع الخبراء أن يساهم ذلك في زيادة الحصيلة من الضرائب بمقدار 600 مليون جنيه سنويا، توجه مباشرة لعمليات دعم البطاقات التموينية، ومضاعفة السلع المدرجة عليها.
وتضمنت الاجراءات الجديدة، فرض رسم لتنمية الموارد علي الطّفلة المستخرجة من المحاجر، والتي تستخدم في صناعات الأسمنت والسيراميك، بواقع 35 جنيها علي طن الطّفلة، يستحق علي رخص استغلال المحاجر.
ويوفر ذلك للموازنة العامة ما يقرب من 1.6 مليار جنيه سنويا، وهو اجراء يؤكد أيضا الاتجاه إلي إعادة ترتيب أولويات الدعم، والأخذ من القادرين لمصلحة غير القادرين.
أيضا، جاء قرار زيادة رسم تنمية الموارد علي رخص السيارات محققا لمبدأ العدالة الاجتماعية، حيث تدرج الرسم الجديد ليفرض رسوما مضاعفة علي القادرين، بعد أن ظلت ثابتة لسنوات طويلة، رغم ارتفاع أسعار العديد من السيارات، وظهور أنواع جديدة منها يستخدمها القادرون فقط.
وشملت الاجراءات زيادة ضريبة المبيعات علي السجائر، بمتوسط 10 % ، وهو المطلب الذي سبق للجنة الصحة بمجلس الشعب التقدم به، خلال الفصل التشريعي السابق. وهو اجراء يوفر للموازنة ما يقرب من 1.3 مليار جنيه سنويا. ورغم الزيادة الجديدة، تظل أسعار السجائر بمصر خارج المنافسة، مع أسعارها في جميع دول العالم، من حيث انخفاض قيمة الضرائب المفروضة عليها.
وكذلك، جاء قرار فرض ضريبة علي المدارس والجامعات الخاصة، مواكبا للتوسع في تحمل القادرين أعباء أكبر لمصلحة غير القادرين، وبعد أن حققت هذه المدارس والجامعات أرباحا كبيرة.
* * *
ليس سرا، أن لجوء الحكومة إلي عملية إعادة رسم خريطة العدالة الاجتماعية، من خلال رفع نسبة من الدعم عن بعض السلع ظل يمثل خيارا أخيرا، لأن الناس عادة لا تتوقف أمام الأرقام أو المؤشرات، أو غيرها من التحليلات الاقتصادية. فنسبة النمو أو زيادة الاستثمارات أو الصادرات، أمور لا تعني شيئا كثيرا لفئة كبيرة من الشعب المصري، الذي يرصد أي اصلاح اقتصادي في صورة ما يتقاضاه، أو ما ينعكس مباشرة علي مستوي معيشته. وبالتالي فإن الاجراءات التي قامت بها الحكومة، لتصويب الخلل المزمن الذي كانت تعاني منه الموازنة العامة للدولة، لم يلق استحسانا من جانب عدد من المواطنين.. وهو أمر طبيعي، خاصة ان عملية الزيادة التي لحقت بأسعار البنزين، ظلت تمثل بالنسبة للسوق المصري مؤشرا وترمومترا يحدد بقية أسعار جميع السلع والخدمات.
إن إعادة دراسة قرارات الزيادة، تؤكد كلها حقيقة الخلل الذي يعيشه السوق المصري، والذي تتحدد فيه آلياته، ليس من خلال قوي العرض والطلب، ولكن من خلال تفسيرات واجتهادات وسلوكيات يقوم بها القطاع الخاص، في محاولة لتحقيق أقصي استفادة من الجو المشحون، الذي عادة ما يفرض نفسه خلال الأيام والأسابيع الأولي لاقرار الزيادة.
واذا كان مجلس الشعب قد مارس حقه الدستوري، في إعادة ترتيب أولويات الدعم بالموازنة العامة للدولة، فإن دور الحكومة الحقيقي، يبدأ بالفعل عقب تنفيذ تلك القرارات، والضرب بقوة علي أي محاولة للاستغلال، أو للالتفاف حول الأهداف الحقيقية لرفع أسعار بعض المنتجات البترولية، أو بقية الاجراءات التي بدأ تنفيذها الأسبوع الماضي، بغرض تحقيق العدالة الاجتماعية.
إن واضع القرار الاقتصادي عادة ما يلجأ إلي دراسات اقتصادية، ومؤشرات لا تأخذ في اعتبارها ثقافة وعادات المجتمع المصري، وسلوك بعض أفراده في اللجوء إلي خيارات فردية، تسارع عادة برفع أسعار سلع وخدمات أخري، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بتلك التي طرأ عليها بعض الزيادات.
ومن هنا، فإنه من الضروري ان تبدأ الحكومة في رسم خطة متكاملة لضبط الأسواق، والحد من عمليات الجشع والاستغلال. وأيضا وضع ضوابط خاصة بهامش الارتفاع في بعض الأسعار، مثل سيارات التاكسي والأجرة والسرفيس. بالاضافة لضرورة زيادة أعداد المجمعات الاستهلاكية، التي تبيع بدون هامش ربح. كما أن الحكومة مطالبة بوضع حلول عاجلة لبعض المشاكل المحدودة، التي أفرزتها القرارات الأخيرة، وخاصة تلك المتعلقة بعناصر التكلفة في المخابز، التي تقوم بانتاج الخبز البلدي بعد ارتفاع أسعار السولار.
إن القرارات الأخيرة، وإن كانت تمثل بداية حقيقية لإصلاح جانب كبير من الخلل في الموازنة العامة، فأعتقد أنه قد آن الآوان لفتح العديد من ملفات الدعم، أو ملفات إهدار الموارد، وهي لا تعد ولا تحصي. أذكر منها الاعفاءات الممنوحة للمستشفيات الاستثمارية، والمراكز الصحية الخاصة، التي تنطبق عليها نفس الأسباب التي خضعت بموجبها الجامعات والمدارس الخاصة للضريبة.. وللحديث بقية.