حرصت علي الاستماع إلي خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي تصوٌر البعض أنه سيأتي بالحل السحري للأزمة الطاحنة الحالية، والتي تهدد باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية!
بداية متابعة خطاب أمين عام حزب الله كانت غريبة وغير متوقعة. فالرجل الذي ظننا أنه 'بطل الحرب وداعية السلام' ويقبض بيده علي كل مفاتيح حل الأزمات السياسية وغير السياسية داخل لبنان وخارجه، فوجئنا باختفائه جسمانيا وإن سمعناه صوتيا!
تمت دعوة مندوبي أجهزة الإعلام لحضور المؤتمر الصحفي الذي سيعقده السيد حسن نصر الله بعد ظهر الخميس الماضي وجلس رجال وسيدات الإعلام : المحلي، والعربي، والعالمي، داخل القاعة انتظارا لظهور أمين عام حزب الله.. الذي تبين أنه لن يحضر، بشخصه، وإنما ستظهر صورته فقط علي شاشة تليفزيونية كبيرة وأنه سيسمعهم ويرد علي أسئلتهم، من خلال دائرة تليفزيونية مغلقة ومجهولة المصدر. فلا أحد يعرف أين السيد/حسن نصرالله؟ ولا أحد يعرف أيضا كيف يصعب علي حراسه تأمين قاعة صغيرة يلتقي فيها بشحمه ولحمه مع بضعة صحفيين ومصورين معتمدين إسما، وشكلا من مكتب الأمين العام لحزب الله؟!
سؤالان بسيطان ترددا علي ألسنة رجال وسيدات الإعلام ولم يسمعوا إجابة عليهما اللهم إلاٌ المقولة الشهيرة:'احتياطات الأمن ضد مؤمرات جهازي التجسس الأمريكيين:المخابرات المركزية C.I.A ومكتب التحقيقات الفيدرالي F.B.I بالإضافة لجهاز 'الموساد' الإسرائيلي! '
لا أزعم أني من مدمني الإنصات إلي خطب السيد حسن..لكنني أعترف بأن المرة أو المرتين التي استمعت إليه فيها، لم أستطع الصمود أكثر من بضع دقائق سارعت بعدها بتغيير القناة التليفزيونية التي يتحدث منها! وأعترف أيضا أن الرجل كان بارعا في اختيار كلماته، وينفرد بأسلوبه الهاديء في الحديث كعالم دين يجمع ولا يفرق، يجذب السامعين ولا ينفرهم.
في المرة الثالثة التي استمعت فيها للسيد حسن نصرالله أمس الأول رأيت متحدثا مختلفا: في اختياره لألفاظه، وفي أسلوبه الذي كان ينفرد به! حسن نصر الله المختلف.. كان بذيء في أوصافه لخصومه السياسيين، وجامعا ببساطة شديدة بين مناصب: رجل الشرطة، والمدعي العام، والقاضي.. في آن واحد! ويا هول ما قاله عن بعد وعبرالدائرة التليفزيونية المغلقة السيد أمين عام حزب الله اللبناني:
فالرجل كان في أوصافه وشتائمه واتهاماته لا يقل ولا يزيد عن أي محترف سياسي 'نص لبٌه'.. كما يقولون، وإلاٌ كيف يعقل من داعية معمم، ورجل دين تقي، أن يتوعد خصومه السياسيين من أخوته اللبنانيين وليسوا من الإمبرياليين الكفار أو الصهاينة اليهود بأن من يجرؤ منهم علي مد يده إلي شبكة اتصالات حزب الله، أو إلي أسلحته، سوف تقطع يده أو رأسه؟! ولعل أصدق وأدق وصف للسيد حسن نصر الله هو ما كتبه الزميل الصحفي السوري المعارض الأستاذ الطاهر إبراهيم قائلا:
'لا شك أن الذين استمعوا إلي خطاب حسن نصر الله عصر يوم الخميس 8 آيار، قد أفزعهم الدٌرك الأسفل الذي وصل إليه الرجل وهو يتكلم عن قطع الأيدي والرؤوس وكأنه جاء لتوه من مجزرة للأغنام أو الأبقار قبل أن يظهر علي الشاشة!'.
ولم يكن الكاتب الصحفي السوري الطاهر إبراهيم مبالغا فيما قاله عن حسن نصر الله، فالرجل كان منفلتا حقيقة في ألفاظه وجمله وأوصافه لخصومه من اللبنانيين الذين لا يقفون في معسكره، ولا هم لهم غير إنقاذ بلادهم من الأخطار التي تهددها: خارجيا وداخليا.
مشكلة نصر الله ومن يقف معه أنهم يريدون انتزاع حكم لبنان من حكامه الشرعيين. فحزب الله يتصوٌر أنه: الأشرف، والأعقل، والأتقي، والأقوي، لقيادة لبنان من جهة والأمة العربية، من جهة أخري! سمعناه لا يعترف بحكومة يرأسها فؤاد السنيورة ولا يتورع عن وصفها بأنها: حكومة حرامية تحركها عن بعد أصابع أمريكية وإسرائيلية!
مشكلة نصر الله ليست وليدة الأزمة الأخيرة التي فجٌرها في الأسبوع الماضي وليد جنبلاط عن شبكة الاتصالات السرية والمغلقة علي حزب الله، ولا علاقة لوزارة الاتصالات والحكومة والأجهزة الأمنية الرسمية بها من قريب أو بعيد، وإنما يرجع تاريخها إلي شهور عديدة ماضية، عندما حاولوا إقالة الحكومة بحكومة موالية لهم، والإبقاء علي رئيس الجمهورية رغم انتهاء شرعيته منذ سنوات، وعندما لم يستطع نصرالله وقرينه نبيه بري تحقيق ذلك عملا علي تجميد الوضع علي ما هو عليه وعلي السنيورة والحريري وجنبلاط والجميل وجعجع ضرب رؤوسهم في أقرب حائط، وهو ما نجحا فيه حتي الآن: فلا حكومة السنيورة قادرة علي فرض سيادتها علي البلاد، ولا الأغلبية البرلمانية قادرة علي ترشيح واختيار رئيس الجمهورية التوافقي بعد خروج إميل لحود من قصر الرئاسة!
عندما فجر وليد جنبلاط فضيحة شبكة الاتصالات التي تقيمها شركة إيرانية لحزب الله اللبناني وأجهزة ترصد وعدسات في مطار بيروت لمراقبة ممر مخصص لنزول الطائرات الخاصة بكبار المسئولين اللبنانيين والعرب والأجانب، سارعت أبواق حزب الله بنفي هذه الاتهامات، ثم اعترفت بوجود شبكة اتصالات خاصة واعترف حزب الله بأنها لا تقل أهمية للمقاومة اللبنانية عن السلاح، وحذرت من أن أي محاولة لوقف إنشاء هذه الشبكة سيعرض المقاومة ضد إسرائيل للخطر وهو ما لن يسمح به حزب الله أو الغالبية الكاسحة للبنانيين!
حكومة السنيورة لم تسكت علي هذه المعلومات التي أكدتها وزارة الدفاع اللبنانية، وانتهت الحكومة إلي أن ذلك يعتبر وجود دولة داخل الدولة الشرعية، وهو ما لن تقبله الحكومة. وبالفعل.. أصدرت الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة عدة قرارات سيادية رفعت من سقف صراعها الدائم مع حزب الله مثل قرار بإزالة شبكة الاتصالات الخاصة، وقرار بإقالة قائد جهاز أمن المطار العميد الشيعي: وفيق شقير مما شجع 'حزب الله' وقرينته 'حركة أمل' علي التهديد باتخاذ خطوات مضادة قد تدفع البلاد إلي أخطار المجهول.
ما حدث في لبنان يصعب تخيٌل حدوثه في أي بلد آخر، لكن منذ متي يدهشنا أي غريب أو عجيب يحدث في لبنان؟! الحكومة الشرعية برئاسة فؤاد السنيورة، والأكثرية البرلمانية برئاسة سعد الحريري ومن معه قرروا أن يتصدوا لهذا الخروج السافر علي الدستور والقانون والشرعية.. فكان ما نراه ونسمعه الآن من بداية الحرب الأهلية الثانية وسقوط قتلي وجرحي وتحت سمع وبصر الدستور والقانون!
زعيم حزب الله أكد في تهديداته التي أطلقها 'عن بعد' عبر الدائرة التليفزيونية المغلقة إن 'حكومته' هي الشرعية أما حكومة السنيورة فرئيسها الفعلي هو وليد جنبلاط، وأوامرها وقراراتها تصلها أولا بأول من واشنطون والقدس.. وهو الوضع الذي لم يعد محتملا مالم تسارع الحكومة 'العميلة' بإلغاء قراراتها الأخيرة! ولم ينتظر نصر الله وصول قرار الإلغاء.. وإنما سارع وأعلن في خطابه الأخير بأن قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير باق في موقعه ويمارس كل سلطاته داخل المطار.. وبشكل طبيعي!
فور اختفاء صورة حسن نصر الله من علي شاشة التليفزيون إيذانا بانتهاء المؤتمر الصحفي الذي عقده عن بعد، اندلع العنف في شوارع بيروت وسمعنا صوت الطلقات والانفجارات كما شاهدنا الدخان الأسود الذي يتصاعد إلي عنان السماء، ومن المشاهد التي لا تنسي .. مشهد لحارة ضيقة في بيروت.. تظهر فيها سيدة تحتمي بحائط تلتصق به، ومعها زوجها الذي ينادي علي طفل صغير يجري هنا وهناك ضاحكا علي صوت الانفجارات التي لا يعرف مصدرها ولا خطرها، وعندما وصل الطفل إلي حضن أبيه سمع أمه تبكي وتصرخ وتضرب ساقيها بيديها خائفة مرعوبة مع تسارع صوت الانفجارات القريبة من الحارة والبعيدة عنها، فما كان من الطفل أربع سنوات علي الأكثر إلاٌ أن بكي بدموع غزيرة بعد أن كان يضحك سعيدا وهو يجري علي أصوات الطلقات والانفجارات! مشهد بالغ القسوة.. ولن أفاجأ إذا ذاع، وانتشر، عبر أجهزة الإعلام العالمية.. كأصدق، وأدق، إشارة إعلامية 'فلاش' لما يجري في العاصمة اللبنانية بعد أن نفذ حسن نصر الله تهديداته التي أطلقها عصر الخميس عن بعد ومن مكان لا أحد يعرف إن كان داخل الأراضي اللبنانية أو في غيرها القريبة منها أو البعيدة عنها!
الصورة أمس الجمعة ازدادت عنفا ورعبا، مع سيطرة مقاتلي حزب الله وحركة أمل علي أغلبية أحياء بيروت خاصة تلك التي كانت حتي الأمس القريب من معاقل الحكومة الشرعية وأغلبيتها البرلمانية.. واضطروا إلي هجرها وغلق مكاتبهم وسحب مقاتليهم ليتركوها سداحا مداحا لرجال نصر الله وأزلام نبيه بري. عواصم الدنيا كلها أبدت قلقها مما يحدث في لبنان، ومعظمها أيد حكومة السنيورة في محاولتها فرض سيادة الدستور والقانون في لبنان، كما أدانت المذابح التي نصبها مقاتلو حزب الله وحركة أمل لكل اللبنانيين الذين يرفضون توجهاتهم وأفكارهم وطموحاتهم!
.. وحتي لا أعمم فقد راجعت ما يصدر عن طهران من رد فعل فقرأت العجب العجاب. وكالة أنباء فارس من الفرس لا توزع ولا تنشر من أخبار لبنان إلاٌ تلك التي تتلقاها من موقع قناة 'المنار' لسان حال حزب الله، وكم كانت سعادة وكالة الفرس/ الإيرانية بما وصلها أخيرا من تصريحات زعيم جبهة العمل الإسلامي الشيعي 'فتحي يكن' فأعادت توزيعها ونشرها وإذاعتها عبر كل الأبواق الفارسية، خاصة الفقرة التي اعتبر فتحي يكن أن أبرز أهداف حلقة التآمر المنصبٌة حاليا علي ملف مطار بيروت هي 'إرباك المعارضة اللبنانية الوطنية، وإشغال المقاومة عن دورها الرافض والممانع لكل مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.. بالإضافة إلي أن الطريق المسدود الذي وصلت إليه قوي الرابع عشر من آذار وسقوط معظم الأوراق السياسية التي تمتلكها دفعها إلي الاصطياد بالماء العكر أمنيا وقضائيا ' !
وبالمناسبة:
في كلمته التهديدية النرجسية أشار السيد/نصر الله إلي الاحتفالات التي يقيمها الإسرائيليون في هذه الأيام بمناسبة مرور60عاما علي انشاء دولتهم فوق الأراضي الفلسطينية، فقال إن إسرائيل لم تذق مرارة الهزيمة طوال العقود الستة الماضية إلاٌ مرتين فقط ، وجاءت الهزيمتان بأيدي مقاتلي حزب الله، ولا أدري لماذا نسي السيد/ نصر الله أن يقول لنا بماذا يسمي ما حدث في حرب أكتوبر 1973؟!