بقلم:
مها عبدالفتاح
عبارة سياسية ساخرة وبليغة: فلسطيني اراد تفصيل بدلة علي مقاسه فأشاروا عليه بترزي أخذ إليه قطعة القماش فلما عاد ليتسلم البدلة وجدها عجيبة الشكل، غريبة التفصيل. أزرار الأكمام غير متساوية. ذيل الجاكتة طالع نازل والبنطلون ساق قصيرة وساق أطول فقال للترزي ما هذا؟ فرد: ماذا.. ألبسها وسيكون كل شيء علي ما يرام.. اهبط بكتفك قليلا تجاه الناحية القصيرة فتطول.. وارفع من الناحية الطويلة لتقصر ثم اهبط مع الذيل المرفوع وهكذا يا أخي كن عمليا.. ألبسها وتوكل...
ما كان من الرجل الا أن سمع النصيحة وامتثل... ارتدي البدلة وخرج الي الطريق وعمل بما قاله الترزي فصار فرجة للرائح والغادي.. يخفض كتفا ويرفع ذراعا ويمط ساقا حتي يوازن التفصيل الرديء للبدلة، فأخذ الناس يشيرون اليه في الطريق ومن يضحك ومن يتندر ومن يرثي للرجل 'يا لهذا المسخ التعس'... انما وقف رجل أروب في الركن يرقب الموقف وقال لمن حوله: يا ناس.. ما هذا الترزي الماهر الذي استطاع ان يفصل بدلة لهذا المسخ التعس!
سمعت هذا التصور الساخر من الفلسطينية الاستاذة البارعة جميلة العقل فصيحة اللسان د. حنان عشراوي بينما نحيط بها لتحكي لنا عن أحوال المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الأمريكية التي انعقدت في واشنطن وكانوا عندئذ في الجولة الثامنة من 'أول' مفاوضات فلسطينية اسرائيلية مباشرة في تاريخ الصراع.. يومها كتبت الآتي: 'ها هم جميعا جاءوا للجولة الثامنة من العام الأول وعاودوا الجلوس وقد ألفوا التحدث والجدال والانصات الي بعضهم البعض رغم أن كليهما يدرك أن ما من سبيل إلي أي تقدم في المرحلة الحالية.. فالإدارة التي جاءت بهم إلي مائدة التفاوض تعرف وفق التعبير السياسي الدارج في امريكا 'بالبطة العرجا' كل ادارة خارجة من الحكم أو داخلة انتخابات تسمي بالبطة العرجا. وكانت المفاوضات علي أيامها تجري علي مسارين فلسطيني اسرائيلي وسوري اسرائيلي (وكانت أيام!)... من يومها والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية تدور وتسري بين ذات الأرجاء.. فالآن وبعد مضي كل هذه المدة من مؤتمر مدريد 1991 إلي مفاوضات واشنطون 1992 إلي 1998 و1999 وهي تدور في ذات الدائرة المفرغة ولا تصدقوا القول بأن بوش أول من اخترع أو أقدم أو أعلن عن قيام دولة فلسطينية بل كل مفاوضات قامت من قبل دارت حول هذا المضمون ولو تباينت المسميات بل كانت المفاوضات تدور في صميم الصميم منذ البدء وقامت مباريات علي مستوي عال من المهارات التفاوضية وسأثبت لكم مرة اخري ان ما من شيء جديد تحت شمس المفاوضات. وطرأ منذ 16 عاما استغرقها حتي الآن التفاوض المباشر تحت الرعاية الامريكية التي اهترأت مع الوقت... مثلا تشبيه 'الجبن السويسري' الذي تردد مؤخرا نقلا عن السيد بوش (الصغير) وكأنه تعبير جديد أو أوريجينال ولنعود إلي أصله ستجده يمتد إلي عهد ادارة كلنتون وتحديدا لعام ...1993 فالجبن السويسري بشكله المميز 'غير الطعم طبعا' عبارة عن جبن تتخلله خروم... والتشبيه من يومها يعني ان اسرائيل تهدف إلي أن تحول أراضي الضفة الغربية إلي ما يشبه قطعة الجبن السويسري.. الجبن لإسرائيل والخروم للفلسطينيين! ولكن اصرار الفلسطينيين وبحركة دفع الاحداث ستكون قطعة الجبن فلسطينية والخروم اسرائيلية 'مقال من وراء البحار 12/7/1993'.. أريد بذلك أن ادلل علي ان لا جديد تحت شمس المفاوضات مع اسرائيل منذ بدأت مباشرة مع الفلسطينيين وحتي الآن..... ذات الاستراتيجية وان لبست أثوابا شتي وتبدو كما لو كانت تتقدم وهي محلك سر بل الموقف الفلسطيني يسوء مع الوقت..... انما الملاحظ أن الحكومة الاسرائيلية تحاول حاليا التفاوض علي حل يقوم علي أساس دولتين... ذلك خشية ان يتحول الفلسطينيون (بدون دولة) مع الوقت الي المطالبة بحقوق سياسية مساوية للاسرائيليين فتكون النكبة هذه المرة من نصيب الاسرائيليين... من هنا جاء تحذير إيهود أولمرت منذ أسابيع قليلة.. حذر مواطنيه من يوم يواجهون فيه صراعا مماثلا لما سبق وحدث لحكومة جنوب افريقيا مع العالم علي عهد التمييز العنصري.. قال لهم لو حدث فستكون النهاية ليهودية الدولة...
هنا لابد وأستدعي رأيا قيما وقائما علي تحليل عقلاني لشخصية عربية ذات قيمة واحترام هو السيد عدنان أبو عودة ولمن لا يعرفه هو أردني فلسطيني ووزير سابق وكان وزير البلاط الملكي الأردني غير انه مفكر بارز ومعروف في الاوساط الغربية وتحليله هذا قرأته له في صحيفة ديلي ستار اللبنانية 'من أرقي الصحف التي تصدر في المنطقة العربية'.... يبدأ تحليل ابو عودة من احتلال اسرائيل للأراضي عام 1967 أي لأكثر من اربعين عاما حتي الآن باعتبار ذلك عملية 'مد استعماري' استهدف سيطرة كاملة علي الأرض من ناحية ومن ناحية أخري اقتلاع العنصر الفلسطيني العربي من جذوره مع الوقت... استراتيجية اسرائيلية تطبق باحكام منذ عام ...1967 فاسرائيل لم تكن بحاجة طوال تلك المدة لأكثر من 'شراءالوقت'... ويري ابو عودة أن إحدي الوسائل الفعالة التي أدت وتؤدي إلي شراء الوقت لاسرائيل هي ما يعرف 'بالسلطة الفلسطينية'... لان وجودها 'يوحي' بأنها المقدمة الطبيعية لدولة فلسطينية مستقلة. ولكن... ها هي بعد مرور 15 عاما علي أوسلو ما تزال الدولة الفلسطينية تبدو مجرد سراب... وطوال هذا الوقت أتيح لاسرائيل ان تتمدد أكثر وتضع يدها علي أراض أكثر فأكثر... انتزعت فوق ما انتزعت وبنت المزيد والمزيد من المستوطنات وماتزال بل وأقامت حائط الأسمنت... فماذا أدي مجلس الأمن؟ ماذا فعلت ما تسمي بالرباعية؟ وبماذا أفادت خريطة الطريق ابنة قريحة هذه الادارة التي سترحل مع نهاية هذا العام الذي كاد ينتصف...
يري أبو عودة أن المسألة الديموجرافية 'السكانية' هي وسيلة الضغط الوحيدة المتاحة بين أيدي الفلسطينيين... عليهم ان يخيروا إسرائيل بين أن تأخذ الأرض بمن عليها من الفلسطينيين أو توافق فورا علي حل معقول مقبول لقيام دولة فلسطينية... اما وان تلعب بهذا وذاك وتأخذ من ده وده فلا... ولتكن 'رسالة الفلسطينيين' تأخذ الأرض اذن خذني معها فلا انفصام ولا انفصال بين هذا وذاك أو لا يمكن أن تأخذ هذا بدون ذاك.. 'علينا ان نفرض علي إسرائيل الاختيار' حل علي أساس دولتين أو دولة واحدة بشعبين! كيف؟ يقول: بانهاء 'الأداة' التي يؤدي مجرد وجودها واستمرارها إلي اتاحة الفرصة وشراء الوقت لإسرائيل... علي محمود عباس وبقية القيادات الفلسطينية أن يعلنوا حل ما يسمي 'بالسلطة الفلسطينية' التي لا تفعل أكثر من مد حبل الوقت لإسرائيل... وجودها يوحي بمقدمة دولة فلسطينية علي الطريق أقرب إلي الوهم فلا يبدو انها بسبيل ان تكون.. واقع الامر تواجد سلطة فلسطينية راحت وتجيء وتظهر امام العالم هو الذي يتيح لإسرائيل ان تستكمل سرقة مزيد من الاراضي فلا تبقي بعد ذلك سوي ما يكفي لقيام دولة أقرب إلي مسخرة! حل السلطة الفلسطينية بيد أصحاب السلطة أنفسهم هو ما يضع إسرائيل وجها لوجه أمام مصيرها أو الاختيار... وهذا ما ينهي حدوتة دولة فلسطينية لا تبدو في الأفق اللهم الا في الأفق البعيد بعد أن تكون اسرائيل قد التهمت اللحم وتركت العظم.. أكلت الجبن وتركت الثقوب للفلسطينيين...