بقلم:ممتاز القط تأخذ اجتماعات القمه بين مصر وكل من السعودية وسلطنة عمان بعدا فريدا، يجعلها تتميز وتنفرد عن بقية اجتماعات القمم العربية. فهي تمثل في مجملها لقاءات حكمة وخبرة وحنكة، أعتقد أننا أحوج ما نكون لها الآن، وسط أنواء وعواصف، وتحديات كثيرة تحيط بعالمنا العربي.
تبرز علي رأس تلك التحديات، حالة التفكك العربي، التي حولت المصالح العربيه المشتركة إلي مجرد مصالح فردية للدول، تسعي جاهدة لتحقيقها، بعيدا عن مدي استفادة أو تضرر الدول العربية الأخري. وأعتقد أن تلك الحالة تمثل مناخا خصبا لاستنزاف بعض الدول العربية، وخاصة التي حققت معدلات تدفق نقدية لم تشهدها من قبل، نتيجة الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار النفط، علي مدي الشهور الماضية، وقبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجيا في الآونة الأخيرة.
وعلي طريقة أن لكل شيء ثمنا، تجد هذه الدول نفسها مطالبة بسداد فاتورة الثروة الطائلة، التي تراكمت لديها، سواء تم ذلك من خلال صفقات ضخمة للأسلحة، يتم توريدها مباشرة للمخازن، حيث لا تمثل أي احتياجات فعلية لهذه الدول، أو لا تتناسب مع القدرات البشرية التي سوف تستخدمها، أو عن طريق إثارة المخاوف وبؤر الصراعات والتوتر، والتي تشكل في مجملها هاجسا يزيد من حميمية الارتماء في أحضان الدول الغربية، وعلي رأسها الولايات المتحدة!!
ويكفي اننا لو استرجعنا قليلا قرارات القمة العربية الأخيرة في دمشق، فسوف يتضح لنا انها كلها ظلت حبرا علي ورق، كما ان اللجان المشكلة لمتابعة تنفيذ تلك القرارات، لم تجتمع ولو لمرة واحدة.
وقد يكون صحيحا، ان تلك هي النتائج المتوقعة والمعروفة مقدما لقرارات القمم العربية، غير ان طبيعة التحديات الآن وأسلوب العمل العربي الفردي، الذي انساقت له بعض الدول العربية، يزيد من خطورة الموقف، ويؤدي لمزيد من التفكك والانقسام.
الاوضاع في العراق، والمحاولات الأمريكية المستميتة للخروج من هذا المستنقع في أقرب وقت 'ولكن بطريقة مشرفة'، قد تساهم في طي صفحات رعونة الرئيس الأمريكي بوش، واخطائه الجسيمة في حق بلاده وشعبه وشعوب العالم كله. وللأسف الشديد، فان تسارع بعض الدول العربية لفتح سفاراتها بالعراق، يهدف إلي اضفاء نوع من الشرعية العربية للحكومة العراقية الموالية لإيران، بعيدا عن الشعارات الجوفاء، أو محاولات وضع الرءوس في الرمال أمام الزحف الفارسي، ليس علي العراق فقط، ولكن علي كل الدول الخليجية.
إن خطورة الموقف في العراق لا تتوقف فقط علي الداخل العراقي، ولكنها تمتد لأمن المنطقة علي المديين المتوسط والبعيد، مع الأخذ في الاعتبار التوازنات الاقليمية، وتزايد حدة النزاعات الطائفية والمذهبية، وغياب أي اتجاه للمصالحة السياسية، بين أطراف المعادلة العراقية، وهو ما قد يؤدي إلي تزايد احتمالات تدخل قوي إقليمية مجاورة للعراق، في الشئون الداخلية، مع الفراغ الناجم عن فشل الإدارة الأمريكية، في السيطرة علي الموقف، وتحقيق الأمن والاستقرار بالعراق.
ولا شك ان جهود الحكماء الثلاثة مبارك وعبدالله وقابوس، تهدف إلي احتواء مضاعفات الوضع بالعراق، وتحول دون وصوله إلي حد التفكك والانهيار، أو تحويل حالة الانقسام الحالي إلي تقسيم فعلي، يؤدي لتغيير الحدود الجغرافية الحالية، أو يسرع باقصاء أي طرف من العملية السياسية، بما يساهم في تفاقم حدة الصراع الطائفي والمذهبي.
ونقصد هنا تحديدا المحاولات المستمرة، من جانب بعض القوي السياسية لعرقلة أدماج السنة في العملية السياسية، وهو ما يؤدي لانتكاسة حقيقية لفرص المصالحة.
لقد ثبت من كل الشواهد والدلائل، ان تحقيق الانسحاب الأمريكي من العراق، يمثل في جوهره مطلبا أمريكيا، يحفظ ماء وجه واشنطن، وهو أمر يتوقع حدوثه ان لم يكن اليوم فسيكون غدا. من هنا، فإن العالم العربي مطالب بدراسة سريعة لمرحلة ما بعد خروج الاحتلال، والتعامل مع الأوضاع التي يمكن حدوثها داخليا، والتي تمتد تداعياتها إلي كل دول المنطقة. ان العودة للعراق، لابد أن تتم في اطار استراتيجية عربية متكاملة.
***
استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، رغم نجاح جهود التهدئة التي قامت بها مصر بين حماس والسلطة الفلسطينية. ولا شك ان هذه الحالة تترك اثارا سيئة علي المشروع الوطني الفلسطيني في مجمله، لانها تؤثر علي جوهر ومسار أي مفاوضات مستقبلية، مع الاخذ في الاعتبار الأوضاع الإسرائيلية الداخلية، وقرب تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، بعد استقالة أولمرت وما يمثله ذلك من اهدار في الوقت، والعودة بالمفاوضات إلي نقطة الصفر. كما ان الموقف الإسرائيلي يتجه في مجمله إلي تقويض صيغة الدولتين تدريجيا، وهو الإطار الذي سبق الاتفاق عليه بمشاركة أمريكية .. ويتضح ذلك من واقع ما تقوم به إسرائيل من مواصلة لسياسة الاستيطان، واستكمال مشروع الجدار العازل، وكلها إجراءات تهدم الأساس الجغرافي لاقامة الدولة الفلسطينية، التي تبدو في الأفق كدولة ممزقة، لا تحمل أي قدرة علي الاستمرار.
واعتقد ان الدور المصري والعربي أصبح يمثل ضرورة ملحة، بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني، وذلك للدخول في صلب مفاوضات تحقيق السلام، واقامة الدولة الفلسطينية، مع استمرار الدعم العربي لجهود مصر في تحقيق الوفاق، والقضاء علي حالة الانقسام الفلسطيني، ورفع الحصار المفروض علي غزة.
***
قمة الحكماء التي جمعت بين الرئيس مبارك مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، ثم مع السلطان قابوس بن سعيد، تأتي في ظل تزايد الغموض والتعقيد تجاه الموقف الإيراني من التطورات بالمنطقة، وإذا كانت السياسة الإيرانية طوال الشهور القليلة الماضية، قد تركزت علي الملف النووي وحدة التصريحات المتبادلة مع واشنطن، وسط اجماع عربي جسدته مصر، من رفض أي محاولة لضرب إيران، مع التمسك بمبدأ اخلاء كل دول المنطقة من الأسلحة النووية، إلا ان إيران تكشف كل يوم عن وجهها الحقيقي، واطماعها في منطقة الخليج. وهو الأمر الذي أصبح يتطلب أعلي درجات الحيطة والحذر، والتعامل مع سيناريوهات أصبحت متوقعة ومحتملة.
مازلنا نتذكر التصريحات التي أدلي بها منو شهر محمدي مساعد وزير الخارجية الإيراني، التي توقع فيها سقوط الأنظمة الملكية في دول الخليج، وهو الأمر الذي رفضته الدول العربية الخليجية بشدة. وقال عبدالرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، ان هذه التصريحات المشبوهة وغيرها لا تساعد اطلاقا علي بناء الثقة واحترام حسن الجوار، بل من شأنها تأجيج حدة الصراعات، وادخال المنطقة في دوامة من الأزمات الخطيرة.
وأشار إلي ان الأطماع التوسعية والطموحات غيرالمشروعة لأي قوة، سيكون مآلها إلي الزوال، ويخطيء من يعتقد في تقديره بملاءمة الظروف الراهنة من أجل التوسع، والسيطرة علي حساب مصالح الآخرين. وسبق هذه التصريحات التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، والذي يعد تماسا خطيرا مع مصالح كل الدول الأعضاء، بمجلس التعاون الخليجي.
لا شك ان إيران قد استغلت لأقصي حد سقوط نظام صدام بالعراق، لتملأ الفراغ بحكم علاقات الجوار والتواصل مع الشيعة في العراق ودول الخليج، بالإضافة للإطاحة بحركه طالبان في أفغانستان، وما تمثله من اختفاء لنفوذ قوي، كان يمثل سدا منيعا أمام النفوذ الإيراني شرقا وغربا، وكذلك تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان.
ان التحرك العربي للتعامل مع النفوذ الايراني لا يعني تحوله إلي ساحة صراع، ولكن يحتاج إلي اعادة كاملة في صياغة العلاقة بين إيران ودول المنطقة، وفق اسس ثابتة وراسخة، ترفض أي تدخلات إيرانية في الشئون الداخلية للدول العربية، والتوقف عن دعم التيارات والجماعات، التي تعمل خارج إطار الشرعية، وكذلك وقف اثارة النعرات المذهبيه والطائفية في المنطقة، ومحاولات خلط الدين بالسياسة، الذي يجر المنطقة لحالة من الفوضي والدمار، بالإضافة لرفض أي محاولة لامتلاك إيران لاسلحة نووية، في إطار اتفاق عربي شامل علي اخلاء كل المنطقة من هذه الأسلحة. خاصة ان شعوب المنطقة بدأت تدرك وتعي ان هذا السلاح لن يوجه اطلاقا لاسرائيل، ولكن يظل هاجس ترهيب للدول العربية الخليجية.
وإذا كانت تلك هي أهم التحديات، إلا أن الحكماء الثلاثة تطرقوا في مباحثاتهم للأوضاع في السودان، ودعم الموقف الرافض لمحاكمة الرئيس البشير، واستمرار جهود التهدئة في دارفور، بالاضافة للأوضاع في لبنان، التي يمتد الحديث عنها اليوم بين الرئيس مبارك ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة.