بعد نشر مقالين للأستاذ الدكتور محمد سعدزغلول سالم عن الشيعة في إيران، أعقبه نشر رد ودفاع عنهم من القائم بأعمال السفارة العراقية (!!) تلقيت مقالا تحليليا حول موضوع الشيعة و السنٌة كتبه باقتدار الأستاذ الدكتور محمد نعمان جلال الباحث والخبير الشهير في القضايا الإسلامية، والدولية، وحوار الحضارات تحت عنوان:
الصراع داخل الإسلام في عالمنا المعاصر:
السنة والشيعة
بقلم: دكتور محمد نعمان جلال
عندما ظهر الإسلام في القرن السادس الميلادي سادته خصائص معينة، في مقدمتها روح التسامح والاعتدال والاعتماد علي العقل والابتعاد عن الجدال غير المجدي أو الجدال والنقاش العنيف، وكذلك الالتجاء في الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ومع تطوٌر الحضارة الإسلامية دخلت الخلافات والمطامع السياسية ولعبت دورها في إفساد عقيدة المسلمين وتشويه جوهر الإسلام الذي هو الصفاء والنقاء، وأخذت الفرق الإسلامية تتجادل ويكفٌر بعضها البعض ودخلت الأفكار الفلسفية وأفكار الثقافات والعقائد السابقة في تلك المحاجات وبرز علم الكلام وغيره من العلوم.
أخذ المسلمون يبتعدون رويدا رويدا عن بساطة وصفاء العقيدة السمحاء، وبرز الخلاف السياسي علي أشده، وأخذ كل فريق يبحث في القرآن الكريم والأحاديث المشرفة عن أسانيد، وإذا وجد ما يؤيد وجهة نظره فيكون فرحا مسرورا، وإذا لم يجد لجأ لثلاثة أساليب. أولها: تأويل الآيات القرآنية والأحاديث بما يخدم أهدافه. ثانيها: اختراع أحاديث منسوبة كذبا للرسول. و ثالثها: الالتجاء لتزييف أحداث التاريخ والخلافات والتي هي طبيعة بشرية حتي بين صحابة النبي أنفسهم.
وفي حالة عدم تحقق أهداف تلك الفرق فإنها لجأت للاحتكام للسلاح وشهره ضد السلطات القائمة، واتهام المعارضين بالكفر والمروق والخروج عن الإسلام ليتسني لهم إثارة المسلمين الآخرين ضدهم، وباختصار كان أسلوب الاغتيال البدني أو اغتيال الشخصية معنويا من الأساليب التي اتبعتها بعض الفرق الإسلامية عبر العصور.
ومع اشتداد الصراع السياسي بين الدولة العثمانية المسيطرة باسم الخلافة، والدولة الصفوية التي نشأت في إيران.. سعت السلطات الصفوية إلي تحويل إيران من المذهب السني إلي المذهب الشيعي بأساليب متعددة، ليس من بينها الحكمة والموعظة الحسنة. ثم أدخلت علي المذهب العديد من الطقوس والممارسات المستمدة من التراث الحضاري الفارسي والهندي قبل الإسلام، وعززت ما يمكن أن نسميه التشيع الشعبي عبر الطرق الصوفية ليس في نقائها الديني، وإنما في ممارساتها غير الخصائص المحلية مثل: ضرب الدفوف والسيوف، وابتلاع النيران، وغير ذلك من الأمور التي لم تحدث من النبي صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام. كما ابتدعت مواكب العزاء وهي لم تكن أساسا في التشيع حتي بداية العصر الصفوي، وكان الهدف الأساسي ليس هو التدين وإنما إظهار الاختلاف بين سلوكيات أهل السنة، وسلوكيات أهل التشيع وهذا من الأساليب المعروفة لحشد الأتباع والأنصار من ناحية، وإرهابهم وإخافتهم من أي خروج علي الخطة التي ترسمها القيادات الدينية المسيسة.
وعزز التشيع الصفوي الإيراني نزعة الشعوبية التي ظهرت في فترة الخلافة العباسية حتي نشأت أو تم إحياء النزعات القومية، وفي مقدمتها النزعة الفارسية وعبٌر عن ذلك شعراء وكتاب وأدباء، وفي عصرنا الحاضر عبٌر عن ذلك أبرز تعبير شاه إيران السابق عندما سعي لاحياء حكم 'سيروس الكبير'، وأقام احتفالات ضخمة بمناسبة مرور أكثر من ألفي عام علي هذا الحكم. ولم يختلف الأمر مع قيام ثورة الإمام الخوميني. فنزعات الطموح والتوسع القومي الإيراني ازدادت أكثر بطرحه مفهوم 'تصدير الثورة الشيعية الإسلامية' بهدف قلب أنظمة الحكم في دول الخليج، كخطوة أولي نحو باقي الدول الإسلامية.
واعتمد النظام الإيراني علي عدة أساليب في مقدمتها الجاليات الفارسية العديدة في دول الخليج، كذلك المنتمون للمذهب الشيعي. والأهم هو نشر الثقافة والفكر الشيعي داخل صفوف المجتمع. وهذه النقطة الأخيرة كانت هي ركيزة العمل الإيراني في الدول السنية مثل: مصر والأردن وشمال أفريقيا، حيث لا توجد جاليات إيرانية فارسية ولا يوجد شيعة. واستغلوا طيبة وسذاجة أبناء تلك الدول في أسلوب التلبيس بين فكرة التشيع وفكرة حب آل بيت النبي، ذلك لأن حب النبي وآل بيته من ركائز الإسلام، أما الخلط في ذلك والإدعاء أو الإيحاء أنه مقصور علي الشيعة دون السنٌة فهو من أساليب التشويه والدعاية المغلوطة، التي لجأ إليها السياسيون والملالي الإيرانيون. كذلك ربطوا بين ذلك وبين أمرين آخرين.
أولهما: من ينحدرون من سلالة النبي أو بالأحري من سلالة السيدة فاطمة ويسمون الأشراف في كثير من الدول، واعتبرت الدعاية الإيرانية أن كل الأشراف شيعة.
وثانيهما: التصوف واعتبرت الدعاية الإيرانية أن كل المتصوفين شيعة. وبالطبع في دولة مثل مصر يسودها قدركبير من الأمية الدينية حتي بين المتعلمين ساعد ذلك علي نشر الفكر الشيعي دون وعي من المصريين، أو حتي من السلطات الرسمية التي أبدت تسامحا، كما سبق لها إبداء التسامح مع الإسلام السياسي السني، والعادات القبلية التي ارتبطت بما أصبح يطلق عليه 'الزي الإسلامي' ، والأنكي إطلاق اسم 'الإسلامي' علي أشياء ما أنزل الله بها من سلطان مثل 'المايوه الإسلامي'، وما شابه ذلك من تسميات قصد بها تلبيس الباطل بالحق، وهذا أسلوب دعائي قديم، حتي منذ أول خلاف في الإسلام عندما رفع خصوم الإمام علي بن أبي طالب المصاحف وطلبوا الاحتكام للقرآن في أسلوب خداعي لم ينطل علي سيدنا علي بن أبي طالب، وإن انطلي علي كثير من أنصاره وأدي ذلك لشق صفوفهم وخروج بعضهم عليه.
من هنا نقول إن الإسلام في نقائه الأصلي هو المنهل الذي يجب أن نرجع إليه ونعمل بموجب هديه ومبادئه بعيدا عن الإسلام المتلبس بالتشيع أو بالسياسة. وحقيقة أن الإسلام به بعض مباديء وأفكار في السياسة والاقتصاد ونحو ذلك، ولكنٌ ثم حقيقتين هامتين لفهم ذلك:
¼ أولاهما: إن الإسلام جاء دينا ولم يأت كتابا في الطب أو الهندسة أو عقيدة سياسية أو اقتصادية. وأن قيام دولة في عهد الرسول كان مرجعها ضرورات السياسة وليس ضرورات الدين.
¼ وثانيتهما: إنه عندما خلط المسلمون السياسة بالدين وقع الصراع الكبير بينهم فيمن هو أحق بالخلافة؟! وأدي ذلك لشق صفوفهم وتحوٌل أبناء الإسلام المؤمنين بالدين الحنيف، الذين كانوا أخوة بالأمس، إلي خصوم في اليوم التالي.. وهي خصومة تزداد يوما بعد يوم نتيجة عملية التلبيس هذه.
وفي تقديري أن الإسلام كما ذهب لذلك كثير من العلماء ومنهم الدكتور عبدالمعطي بيومي، من أهل السنة، والإمام شمس الدين المهدي، من أهل الشيعة ومن كبار علماء الشيعة اللبنانيين، أن الإسلام لا يؤمن بالدولة اللاهوتية أو الدينية، وإنما بالدولة المدنية ولعل أكبر حجة واضحة وناصعة هي المناقشة الحرة بين الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة، وكانت مناقشة سياسية من الطراز الأول، وكان الخيار سياسيا من الدرجة الأولي، وهذا هو المخرج الحقيقي من المأزق الراهن الذي يؤدي للصراع الدائر بين الإسلام السياسي وخصومه وبين السنة والشيعة. ولا شك أن لجنة التقريب بين المذاهب الإسلامية لابد أن يكون لها صوت مسموع وعقلاني في هذا التحرك الإيراني التخريبي لنشر المذهب الشيعي في دول سنية مما يؤدي بمصر والدول المشابهة لها إلي صراعات مذهبية علي غرار ما هو حادث في العراق أو لبنان أو غيرهما.
***
مقال، رائع، عقلاني، يكشف بسهولة ورشاقة وسعة أفق أبعاد وخطورة السعي الدءوب الذي يبذله ملالي إيران لتثبيت دعائمهم داخل المجتمع العربي السني الخليجي، مما عبٌر عنه نائب وزير الخارجية الإيراني منذ أيام قليلة زاعما أنه لا حل ولا أمل في أمن واستقرار الدول العربية الخليجية إلاٌ بإسقاط أنظمتها وحكوماتها وعائلاتها الحاكمة، وهو ما أقلق تلك الدول وسمعنا تنديدا من الأمين العام لاتحاد دول الخليج العربية 'عبدالرحمن العطية' مطالبا توضيحا عاجلا لهذا التدخل الإيراني السافر في أدق الشئون الداخلية العربية! ويبدو أن طهران لا تهتم من قريب أو بعيد بتقديم الاعتذار عن صفاقة ووقاحة نائب وزير الخارجية الإيرانية، باعتبار أن ما تلفٌظ به هو نفسه الذي يدور في عقول وقلوب حكامها من أعلي رأس إلي أدناهم. ولعلها مصادفة مقصودة أن يتربص مسئول كبير إيراني في الأسبوع الماضي بأنظمة الحكم العربية الخليجية ويحض علي إسقاطها، ثم يعقبه قيام إيران بإقامة منشآت جديدة في إحدي الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها منذ سنوات وتزعم أنها إيرانية أرضا، وبحرا، وسماء!
شكرا للأستاذ الدكتور محمد نعمان جلال علي مقاله العقلاني الرائع، خاصة عندما ذكٌرنا بالنزعة الفارسية للتوسع والتهام كل الدول القريبة منها والبعيدة، التي سبق أن عبٌر عنها شاه إيران الراحل بالاحتفال الأسطوري الذي أقامه ودعا إليه المئات من كبار السياسيين والفنانين والمشاهير العالميين احتفالا بمرور 2000سنة علي حكم 'سيروس الكبير' الذي يحلم الشاه بالسير علي نهجه في التوسع والانتشار علي حساب الدول والشعوب الضعيفة! وبعد أن هرب الشاه من طهران، بقدوم آية الله الخوميني من منفاه في فرنسا وإعلانه قيام جمهوريته الشيعية الخومينية العظمي، فوجئنا بأنه لا جديد تحت الشمس الإيرانية. فإمبراطورها 'الفاسد' ، و 'عميل الاستعمار' كان يحلم بأن يعيد أمجاد التوسع الخارجي خلال حكم سيروس الكبير.. وها هو الحاكم المؤمن، الورع، الصالح، الطاهر الخوميني يلغي الإمبراطورية ويقيم الجمهورية الإيرانية الإسلامية علي أنقاضها.. ويكشف عن أهم أهدافه، وأهداف جمهوريته، مبشرا بسياسته الخارجية التي لا هم لها ولا أمل غير: 'تصدير ثورته الشيعية الإسلامية علي الطريقة الخومينية' إلي كل دولة الغالبية فيها مسلمة.. وفي قارات الدنيا الخمس!