|
|
 |
 | السنة - | 3449 | ه - العدد | 1421 | رمضان | من | 3 | - م | 2000 | نوفمبر | من | 29 | الأربعاء |
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
5:17:49 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/28/00 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| حوار |
 |
|
|
الإمام الأكبر شيخ الأزهر يفسر آيات الصيام :
حديث القرآن عن شهر رمضان وأحكام للركن الرابع في الإسلام
حديث : حسن علام
 | | د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر |
|
 في القرآن الكريم آيات كريمة تحدثت عن فريضة الصوم وشهر رمضان المعظم.. وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر.. يفسر هذه الآيات القرآنية ويبين الأحكام الشرعية التي تتعلق بهذه الفريضة، وعلي أهم الخصائص والمميزات التي امتاز بها هذا الشهر عن باقي شهور السنة.
لقد افتتحت آيات الصوم بنداء المؤمنين بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم، ولحضهم علي الاستجابة لما سيكلفون به من أحكام، لأن من شأن المؤمن الحق أن يطيع الله تعالي في كل ما يأمره به، أو ينهاه عنه.
فما هو حديث القرآن عن فريضة الصيام؟.. وكيف فسر فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الآيات التي تتعلق بالركن الرابع للاسلام: (صوم شهر رمضان المبارك)؟
الحديث هنا عن عبادة عظيمة من العبادات التي جعلها الله تعالي ركنا من أركان الإسلام وهي صوم رمضان، فقال سبحانه:
û يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو علي سفر فعدة من أيام أخر وعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو علي سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله علي ما هداكم ولعلكم تشكرون (185.
الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو في اللغة: الإمساك وترك التنقل من حال إلي حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله تعالي مخبرا عن مريم : 'إني نذرت للرحمن صوما' أي سكوتا عن الكلام. وصوم الريح ركودها وامساكها عن الهبوب، وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.
الصوم: متي فرض ؟ أما الصيام في عرف الشرع فهو كما يقول الألوسي: امساك عن أشياء مخصوصة علي وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو علي صفات مخصوصة.
وقد فرض الله تعالي علي المسلمين صيام شهر رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبي أحد أركان الاسلام الخمسة، فقد روي البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله
يقول: بني الاسلام علي خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا..
والتشبيه في قوله تعالي: 'كما كتب علي الذين من قبلكم' راجع إلي أصل الصوم وفريضته. أي: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة علي الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة علي الأمة الاسلامية.
وقيل إن التشبيه راجع إلي وقت الصوم وقدره، فقد روي عن مجاهد أنه قال: كتب ا عز وجل صوم شهر رمضان علي كل أمة.
وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضي أبو بكر بن العربي: المقطوع به أن التشبيه في الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.
ولفظ (كما) في قوله تعالي : 'كما كتب علي الذين من قبلكم' في موضع نصب علي المصدر، أي: فرض عليكم الصيام فرضا كالذي فرض علي الذين من قبلكم.
ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها سبحانه لأتباع النبي ولأتباع الرسل الذين سبقوه في الدعوة إلي توحيد الله، وهذا مما يقتضي وفرة ثوابها، ودوام صلاحها.
كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة علي المسلمين، لأن الشيء الشاق تخف مشقته علي الإنسان عندما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.
والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهم للنهوض بهذه العبادة، حتي لا يكونوا مقصرين في أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الاسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضي منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.
وقوله: 'لعلكم تتقون' جملة تعليلية جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه سبحانه يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه علي الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوي والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلي أعلي عليين متي أداها بآدابها وشروطها، ويكفي أن الرسول قد قال في شأن الصوم: (الصوم جنة) أي وقاية. إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الافراط في تناول بعض الأطعمة والأشربة.
وقوله: 'أياما معدودات' أي : معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل فيعد والكثير يؤخذ جزافا.
و المراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء.
وقوله : 'أياما' منصوب علي الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أي: صوموا أياما. وقوله: 'فمن كان منكم مريضا أو علي سفر فعدة من أيام أخر' زيادة بيان ليسر شريعة الاسلام بعد أن أخبرهم سبحانه بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال.
والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، بأن يصاب بانحراف في جسده يجعله في حالة وجع أو اضطراب بدني.
حكم المريض والمسافروالمعني: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن في كل ماشرعناه متسما باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهي أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضا مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان علي سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التي أفطرها أياما أخر مساوية لها في العدد.
هذا وقد نص الفقهاء علي أن الافطار مشروع علي سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار في ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوي عليه.
والذي نراه أن الله تعالي قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج، والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته وينتفي حيث تنتفي. وعلي المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب علي ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله تعالي : 'وأن تصوموا خير لكم'. ،وإذا أيقن أو غلب علي ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله تعالي : 'يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر' فالمسألة ترجع إلي ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه.
أجمع جمهور الفقهاء علي أن للمفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضي ما أفطره متتابعا أو متفرقا ، لأن قوله تعالي 'فعدة من أيام أخر'. دل علي وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ كما قال القرطبي مسترسل علي الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. وله كذلك أن يقضي ما عليه علي الفور أو علي التراخي علي حسب ما يتيسر له. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: يكون علي الصوم من رمضان فما استطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله وهذا نص وزيادة بيان للآية.
ويري داود الظاهري أن علي المفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع في قضاء ما أفطره في اليوم الثاني من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء.
والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التي سبق بيانها.
وقوله تعالي: 'وعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين' بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلي فيه تيسير ا علي عباده فيما شرع لهم من عبادات.
ومعني (يطيقونه) يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة علي الشيء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة علي الشيء علي جهة السهولة ..
وللعلماء أقوال في المراد بقوله تعالي: ûوعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين أشهرها : إن هذا راجع إلي المقيم الصحيح خيره الله تعالي بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم ..
وفي رواية للإمام مسلم من طريق آخر عن سلمة أيضا قال : كنا في رمضان علي عهد رسول الله من شاء أفطر فافتدي بطعام مسكين حتي أنزلت هذه الآية û فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..
 ويري بعض العلماء أن قوله تعالي: ûوعلي الذين يطيقونه إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل في شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا ..
 وهناك رأي ثالث لبعض العلماء يري أصحابه أن قوله تعالي : ûوعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ليس بمنسوخ أيضا بل هو محكم، وأن معني الآية عندهم : وعلي الذين يطيقونه أي : يقدرون علي الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك) .. ولم يقصروا ذلك علي الرجل الكبير والمرأة العجوز كما فعل أصحاب الرأي الثاني وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون علي الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا علي أنفسهما أو ولديهما ومن في حكمهما ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة ..
وأصحاب هذا الرأي يستدلون علي ما ذهبوا إليه بمنطوق آية، إذ أن الوسع اسم للقدرة علي الشيء علي جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة كما سبق أن بينا. كما يستدلون أيضا علي ما ذهبوا إليه بقراءة (يطيقونه) بضم الياء الأولي وتشديد الياء الثانية أي يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأي بناء علي أن منطوق الآية يؤيده ..
كما انتصر بعضهم للرأي الأول بناء علي أن الأحاديث الصحيحة تسانده وعلي أنه هو الأقرب إلي روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي فيها مشقة علي الناس، كما انتصر بعضهم للرأي الثاني الذي روي عن ابن عباس ..
وهناك أقوال أخري في الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ..
وقوله سبحانه : ûفمن تطوع خيرا فهو خير له حض من الله تعالي لعباده علي الإكثار من عمل الخير ..
التطوع بدون إكراه والتطوع : السعي في أن يكون الإنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه. والخير : مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معني أتي، أو علي أنه صفة لمصدر محذوف أي تطوعا خيرا ..
والمعني : فمن تطوع خيرا بأن زاد علي القدر المفروض في الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيرا عند الله سبحانه والله لايضيع أجر من أحسن عملا..
وقوله تعالي : ûوأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ترغيب في الصوم وتحبيب فيه. أي : وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعا خير لكم من كل شيء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم في حياتكم، وحسن جزائه في آخرتكم ..
وقوله تعالي : ûشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذي يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه ..
قال الإمام ابن كثير : يمدح تعالي شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، فقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه علي الأنبياء. فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله قال : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوارة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ..
حكمة الترخيص بالإفطاروقوله تعالي (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)بيان لحكمة الرخصة ..
أي شرع لكم سبحانه الفطر في حالتي المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة قال تعالي : (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيف) وقال تعالي : (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وفي الصحيحين أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال لمعاذ بن جبل وأبي موسي الأشعري حين بعثهما إلي اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ..
وقوله تعالي : ûولتكملوا العدة ولتكبروا الله علي ما هداكم ولعلكم تشكرون معطوف علي قوله : ûيريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إلي قوله : (فعدة من أيام أخر)..
والمعني : شرع لكم سبحانه ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر في حالتي المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم في هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه في أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه سبحانه أي تحمدوه وتعظموه، فهو وحده الذي هداكم إلي تلك الأحكام النافعة التي فيها صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا علي الثناء عليه، وعلي استعمال نعمه فيما خلقت له فهو سبحانه الرؤوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم ما فيه اليسر لا ما فيه العسر..
|
|
|