ترويض الجاسوس عزام عزام
سر نقله من ليمان طرةإلي سجن وادي النطرون
جمال عوض
يقول المثل المصري الشهير 'اللي اختشوا ماتوا' هل تذكرون الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام الذي ألقي القبض عليه متلبسا في 'قضية متكاملة' دخلت في 'حسنات' جهاز المخابرات المصري؟ والتي أكثر من أن تعد وتحصي؟ هذا الجاسوس الذي يقضي عقوبة الأشغال الشاقة 15عاما في ليمان طره، أزعج المسئولين عن السجن بكثرة طلباته، في محاولة للحصول علي العديد من المزايا التي قد لا تتفق مع لوائح السجون ..
منها زيادة ساعات التريض ورغبته في تزويد غرفته بتليفزيون خاص به ومنها طلباته بالاتصال تليفونيا بزوجته وعائلته في إسرائيل والاطمئنان عليهم. ولم تقف طلبات عزام عزام عند حد معين وهي أن يتقدم هو بها أو عن طريق السفارة الإسرائيلية وكأنه يتصور أنه يقضي أجازة في أحد فنادق الخمس نجوم ..
فكان القرار نقل عزام عزام من سجن ليمان طره إلي سجن وادي النطرون وهناك تبدلت الأحوال تحول إلي شخص آخر مختلف لم يعد هو السجين المشاغب كثير الطلبات بل تحول إلي سجين يبكي طول الوقت وأصبح عصبي المزاج ولم يعد يأكل كثيرا علي غير عادته بل ولا يتريض كما كان حريصا من قبل وهي الصفات التي يتميز بها. أصبح مشتت الذهن وكثيرا ما يصيح ويلعن قادة إسرائيل وخاصة باراك وسمعه كثير من المساجين يقول: تركني باراك أعيش في الجبل وهو يعيش في النعيم.. وكان يردد أيضا: أنا أعيش في الجبل وهم يعيشون علي النيل ملعون أبو ...... !! ويقصد بالطبع أعضاء السفارة الإسرائيلية !!
واستمر عزام علي هذا الحال طوال ثلاثين يوما كاملة قضاها في سجن وادي النطرون وبعدها عاد إلي سجن ليمان طره وعندما حضرت السيارة ونزل منها عزام عزام نظر إلي المكان وإلي زنزانته وقال: أنا هنا في 'نعيم' أنا تمردت علي النعيم والعز 'أنا مش عاوز أي حاجة زيادة' وخلوني هنا ..
الغريب أنه طوال الشهر الذي نقل فيه عزام عزام من ليمان طره إلي وادي النطرون لم تأت زيارة لعزام سواء من أهله في إسرائيل أو أي مندوب من السفارة الإسرائيلية كما كان يحدث بصفة مستمرة ،..
وعاد مرة أخري عزام عزام ليأكل كثيرا ويتريض كثيرا في ليمان طره ولكن بدون ثلاجة صغيرة في زنزانته وبدون طلبات زيادة !!
مصر أرض الأديان
أعد الملف : ثناء رستم
لا يمكن تخيل مصر بلا نيل هذا النهر الذي خرج عن معناه الطبيعي إلي دلالات أسمي تعني للمصري الخلود والديمومة والانتظام، كذلك كان الدين بالنسبة للمصري طوال تاريخه علي هذه الأرض اتصالا دائما لا انقطاعا وقد مرت علي أرضه الديانات السماوية الثلاث استقبلها بصدر رحب وعقل ممتليء حكمة يعرف ويعترف بوجود خالق واحد للكون وأنه راده إلي ميعاد سيحاسب فيه علي أفعاله هذه الحقيقة أصبحت شيئا فطريا في حياة المصري القديم والحديث ولأنه اقتنع بوحدانية الحقيقة واختلاف الطريق الموصل فقد علمه طول الزمن والحكمة معني التسامح مع الآخر الذي هو مصري مثله، يمكن لهذا المصري الخالد كنهره الموازي له أن يثور علي حكامه أو يفتك بمن ظلمه ولو بعد حين، لكنه لم يفكر يوما في اضطهاد الآخر لدينه المختلف عنه لأنهما يلتقيان عند نقطة واحدة أرادها كل دين وهي السلام والخير، أما الشر فلا يأتي من رجل يصلي لله بطريقة وطقس مختلف عنه، إنما يأتي الشر من رجل لا يعترف بوصايا الله الخيرة وينشر في الأرض الفساد والظلم.
هنا فقط يعرف المصري أن هناك خللا وقع في منظومة السلام التي يعمل دائما علي بنائها بالتشييد أو إقامة الأسرة وبنفس الفطرة التي تطالبه دائما بالخير يخرج لمحاربة الشر ليطارده في أرضه التي يعلم جيدا أنها هي التاريخ ذاته وأن كل من عليها زائل إلا القيم الفاضلة التي غرسها وكطبيعة جغرافية ومناخية أثرت في هذه القيم المغروسة في الأرض المصرية فهي لم تعرف المغالاة والتشدد بل علي العكس كانت دائما تميل إلي الوسطية والبهجة بالخير الذي يجلبه الدين إلي الإنسان، وعندما يمتزج المصري بالدين السماوي فهو يتحد مع قيمه الأصيلة وتبعد عن هذا التشدد لأنه يقابل عنده مساحات شاسعة من الحكمة كونتها عشرته الطويلة مع هذه الأرض، لا يمكن تتبع سيرة المصري مع الدين والحكمة وإلا سنروي سيرة التاريخ ذاته ولكننا فقط سنلتقط من الحاضر ما يشي بهذه الجذور الأصيلة ويدلل عليها من خلال مشاهدات في الممارسة اليومية التي يفعلها المصريون ولكن لا مانع أن نفتح الأجزاء الأولي من كتاب التاريخ لنعرف من أين أتت هذه الحكمة والورع، أقدم النصوص التي تطالعنا وتأسس هذه الروح في وجدان المصري نجد كتاب الموتي، والمصري القديم ينفي عن نفسه كل خطيئة أثناء محاكمته في العالم الآخر واضعا البذور الأولي وسابقا لكل حضاره في وجود الحساب في عالم ما بعد الموت. وواضعا تركيبته الخاصة من القيم التي دائما ما صاحبته في حياته الطويلة علي أرضه.
إنها البذرة الأساسية للنسق الأخلاقي الخاص بالمصري الذي تعود عليه وقد يغير المصري عبر الزمن دينه ولغته لكنه يظل محتفظا بهذه الحدود الهامة في حياته والتي يحملها معه عبر هذه التحولات ولأنها أيضا لا تتعارض مع قيم الدين الذي يعتنقه ولذلك فالمصري قبطي أو مسلم فهو في النهاية من نفس الجذر الواحد الذي ينعكس في ممارسته الدينية وتتوحد الكثير من الأفعال والعادات الشعبية التي تعطي للمصري شخصيته الفريدة الأخلاقية بعيدا عن الانتماء الديني الذي يحمله، وفي كثير من الأحيان تتداخل الأماكن الخاصة بكل دين وبلا حساسية يذهب المسلم أو المسيحي إلي المكان الآخر من أجل تلبية حاجته ونيل البركة والخير والسلام الذي يسعي وراءه دائما لأنه في داخله يعلم جيدا أن كل هذه المقدسات علي أرضه التي ستستمر، لذلك لا أندهش إن وجدت رسائل من أقباط مرسلة للإمام الشافعي لحل مشاكلهم والعكس من مسلمين مرسلة إلي مارجرجس لنفس الغرض، ولم الدهشة وعبقرية المكان تفرض ذلك فطوال تاريخ مصر حتي الآن عكس العديد من الدول لم يحدث فصل لأي إنسان داخل مصر علي أساس دينه فلم يكن هناك أحياء للأقباط أو المسلمين بل تداخل مستمر لا تستطيع فصله بل في الفترة التي كان اليهود يعيشون فيها بمصر كان نفس الوضع لا توجد أحياء خاصة بكل دين، البيت الواحد يمكن له أن يسع أصحاب الأديان الثلاثة، فبعيدا عن الانتماء الديني فالثقافة الشعبية المصرية واحدة..
كأنه نفس المشهد متكرر لا يفرقه إلا الآيات القرآنية في المكان والأيقونات في الآخر، فداخل المساجد الخاصة بالأولياء والتي يعتقد في بركتها جميع المصريين ستجد قطع النقود والرسائل ملقاة داخل المقام، وفي كنيسة مارجرجس بمصر القديمة كان نفس المشهد الرسائل وقطع النقود، حتي المشهد العام الذي يمكن ملاحظته من خارج المكان نفسه ويعطي دلاله كبري لهذا التسامح الفذ في الشخصية المصرية وهو تجاور دور العبادة للثلاث ديانات 'المعبد، الكنيسة، المسجد' بلا أي ضغينة أو تحفز، نعود للمقارنة مرة أخري، الحركة نفسها وطريقة التعامل مع مقدسات المكان لا تختلف ، مسح ولمس الأيقونات أو رفات القديسين في الكنيسة والتمتمة بالدعاء والتمني وفي داخل مساجد الأولية نفس الوضع وبدلا من الأيقونة والرفات كان المقام والجزء الخاص بالحركة يتجلي في النساء المصريات وحركتهن داخل هذه الأماكن الجلسات الخاصة بالقرب من المزار في المكان واصطحاب أطفالهن لنيل هذه البركة والتودد الشديد للمكان وصاحبه، وإذا كان تقبيل المقام الخاص بالولي سمة مميزة فتقبيل الحديد الذي عذب به مارجرجس علي نفس الطريقة لا يوجد اختلاف بين الافعال والوجوه متشابهة تحمل نفس السمات المصرية، والذين يأتون من ريف مصر للزيارة والتبرك تجدهم عند مقام الولي، في كنيسة القديس، نفس الجلباب والملامح والحركة الوجلة في المكان والخوف الزائد والتبجيل المبالغ فيه وبنسبة أكبر من ابن المدينة فهم المخازن الخام للقيم المصرية، وقد تكون الممارسة الشعبية بعيدة عن صلب الدين نفسه، لكنها تعطي الجانب للشخصية المصرية واحتفاؤها الشديدة بفكرة الدين ذاتها والرموز الدالة عليه وكل من ارتفع في سمائه ولي أو قديس، حتي دلالات هذا الارتفاع والشواهد علي بلوغ القديس أو الولي للدرجات العلي من الإيمان فيأتي بالكرامة أو المعجزة تأتي من نفس الجذر المصري القديم، ويورد د. فاروق أحمد مصطفي مقارنة هامة عن كرامة ومعجزة لولي وقديس تمتد أصولها للجذر المصري القديم الحكاية الأولي خاصة بالولي ابراهيم الدسوقي وملخصها أن تمساحا ضخما ابتلع طفلا صغيرا وقد لجأت أم الطفل إلي ولي الله ابراهيم الدسوقي وطلبت منه أن يحضر لها طفلها فما كان من الولي إلا أن خرج إلي البحر وطلب من التماسيح أن تخرج له التمساح الذي ابتلع الطفل فحضر التمساح وطلب منه الولي إخراج الطفل فخرج الطفل من بطن التمساح حيا وعاقب الولي التمساح فقتله، والحكاية الثانية خاصة بالقديس مارجرجس وملخصها أنه كان يسكن النهر تنين ضخم ينفث اللهب من منخريه وفي كل عام كان يلتهم فتاة يجري في عروقها الدم الملكي ولم تبق إلا ابنة الملك وفي نفس يوم التضحية بها ظهر القديس مارجرجس في البلاط الملكي وتطوع لمنازلة التنين فنزل إلي النهر بدلا من الأميرة وهنا دارت معركة انتهت بانتصاره، والحكاية الثالثة من مصر القديمة وهي جزء خاص من أسطورة ايزيس وأوزيريس وابنهم حورس في حربه مع عمه ست لاسترداد عرش أبيه وجاء فيها .. وبعد قليل هاج النهر وارتفعت الأمواج وأخذت سفينة حورس تهتز وتتمايل فقد تقمص ست جسد فرس ضخم من أفراس النهر وأخذ يصطدم بالسفينة بشدة ليغرقها واستطاع حورس أن يعالجه بضربة قاضية اخترقت رأسه فمات وأقام بعدها حورس دولته الموحدة، وهذه الحكايات تحتل مكانة خاصة ومركزا معينا في الأفكار الدينية فالإيمان بقدرة الولي أو القديس.. أو حورس في مصر القديمة لا يمكن فصله عن نسق المعتقدات الموجود فالاعتقاد فيها يبلغ درجة كبيرة داخل الوجدان الشعبي المصري قبطي أو مسلم، وقد تختلف التفاصيل الخاصة بكل حكاية قد يكن تمساحا أو تنينا أو فرس نهر لكنها في النهاية تدور داخل نفس الإطار وقادمة من أرض واحدة، وقد تكون بعيدة عن الدين وحقيقته المجردة، لكنها تقيم دعائم وتمد جسورا موغلة في القدم بين المصري وتاريخه القديم وإن اختلف دينه ولغته