بالطبع سوف يكون ملف الداخل من أولويات جورج بوش الابن خاصة الملف الاقتصادي فقد تزايدت المخاوف من أن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو مرحلة من الركود بعد فترة انتعاش متميزة.. وقد عكست سوق الأوراق المالية في نيويورك هذه المخاوف حيث تراجعت أرباح الشركات الكبري وأن النية متجهة لحدوث خفض أو أكثر لأسعار الفائدة.. كما أصيبت شركات الكمبيوتر بخسائر ضخمة في تعاملاتها الأخيرة ومن الصعوبات التي تواجه بوش في بداية فترة حكمه تذبذب أسعار البترول خاصة أن الآلية التي حددتها دول منظمة البلدان المصدرة (أوبك) هي ربط خفض الانتاج بسعر 22 دولارا للبرميل فأقل ورفع الانتاج إذا تجاوز السعر 28 دولارا للبرميل..
وتعلم دول أوبك أنها سوف تتعامل مع رئيس أمريكا له خبرة طويلة في مجال البترول وله استثماراته الخاصة، ولذا وقبل توليه مهام الحكم رسميا حرص بوش علي أن يبدأ علاقته بأوبك بأسلوب ودي مشيرا إلي تحرك دبلوماسي كبير للعمل مع الأصدقاء في الشرق الأوسط حيث إن لديهم سياسة طاقة واعية تراعي مصالح صديقهم (أمريكا) وباقي بلدان الغرب.. ولاشك أن قضية أسعار الطاقة تؤثر بصورة مباشرة علي حياة المواطن الأمريكي وأن البترول بالنسبة للأمريكي كالماء والهواء وأنه لا يستطيع أن يستيقظ يوما ولا يجد البترول في سيارته أو أن ينتظر بعض الوقت لتموينها وارتفاع سعر جالون البنزين!
وبوش لخبرته العميقة في مجال البترول ربما يكون أقدر علي التعرف بصورة جيدة علي المصالح الاستراتيجية لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط وضرورة الحفاظ علي الاستقرار في المنطقة.. ومن هنا فإن الصراع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية سوف تحتل بلاشك بندا هاما في أجندة الرئيس القادم لأسباب عديدة:
إن تجربة جورج بوش الأب سوف تكون ماثلة أمام الابن وخاصة أن اللوبي اليهودي عمل علي إسقاطه في معركة الرئاسة 1992 رغم أنه نجح في حل عقدة الأمريكيين في فيتنام بتحقيق نجاح في الحملة العسكرية الواسعة في حرب الخليج الثانية عام ..1991
وجود ديك تشيني وكولين باول في فريق بوش سوف يؤثر قطعا في توجه هذه الإدارة لأن باول كان من أنصار عدم التدخل العسكري في تحرير الكويت والتقدم في الأراضي العراقية كما أن تشيني كان من المعارضين للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وأيد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة في بداية الثمانينات ولذا فإن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس.. أعلنت مصادر الإدارة الانتقالية أن هذه المسألة ستؤجل مراعاة للمصالح المشتركة في المنطقة وإعادة تقييم المواقف وهو تراجع عن الوعد الانتخابي بنقل السفارة للقدس رغم أن بوش كان يعلم أن أصوات اليهود الذين سعي لكسب ودهم كانت ستذهب لخصمه آل جور ونائبه السناتور جوزيف ليبرمان (أول يهودي يرشح كنائب للرئيس في التاريخ الأمريكي)..
ان الحزب الجمهوري هو حزب المصالح الرأسمالية حيث يضم كبار رجال الأعمال والصناعة والتجارة الأمريكيين ويهم أقطاب الحزب عدم خسارة استثماراتهم في المنطقة العربية والنطاق الإسلامي (خاصة في انتعاش حركة المقاطعة للمنتجات الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي كرد فعل للاعتداءات الوحشية الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في انتفاضة الأقصي)..
ان اللوبي اليهودي لن ينسي بسهولة خسارة المرشح المفضل ونائبه عند اليهود (آل جور وليبرمان) خاصة أن التجارب السابقة أثبتت قدرة اللوبي علي إنجاح المرشح الذي يؤيده ويدعمه، ورغم تأكيد جورج بوش الابن في أول تصريحاته بالتزام أمريكا بالدفاع عن أمن إسرائيل وأن إسرائيل إحدي ثلاث دول زارها بوش خلال حياته.. ولكن بوش بعد عدة أيام اجتمع برجال دين أمريكيين من بينهم رجال دين مسلمين والذين طالبوه بأن يكون للعرب في أمريكا (7 ملايين) من يمثلهم في الإدارة الأمريكية ووعد بوش بدراسة الأمر ومن ملفات الداخل التي ستواجه بوش أن الناخب الأمريكي يعتقد أنه خدع، كما أن منافسه آل جور في بيان الاعتراف بهزيمته لم ير أن خصمه جدير بالفوز وانتقد حكم المحكمة العليا في واشنطن وانحيازه لبوش، كما أن نائب جور في المعركة الانتخابية السناتور جوزيف ليبرمان كان وراء تصعيد واتساع الخلاف بين جور وبوش حيث أقنعه بسحب تهنئته الأولي لبوش عقب انتخابات 7 نوفمبر الماضي والدخول في معركة قضائية استمرت 36 يوما وأدت لإحداث انقسام واسع في صفوف الأمريكيين ومن هنا فإن بوش يواجه مشكلة أن يوحد صفوف الأمريكيين مرة أخري ولذا سعي بوش لتعيين عدد من السود الأمريكيين مثل كولين باول وكوندوليز رايس. ومن المنتظر أن تضم التعيينات الجديدة أقليات أخري بالإضافة لعناصر الديمقراطيين لمحاولة كسب الود والثقة مع الحزب الديمقراطي وحتي لا يواجه 'كونجرس' معارضا له خاصة مع الأغلبية المحدودة التي يتمتع بها الجمهوريون في مجلسي الشيوخ والنواب..
أيضا من التحديات والملفات الصعبة التي تواجه بوش.. الملف الأوربي وتلوح بوادر صدام بين الأوربيين والأمريكيين فيما يتعلق بسعي أوربا لتكوين منظومة دفاعية مما يؤثر سلبا علي حلف الأطلنطي ودوره، كما أن كلينتون استطاع بشكل شخصي لعب دور في عقد علاقات صداقة عميقة مع زعماء بلدان الاتحاد الأوربي وحتي روسيا.. ولا يبدو أن حظوظ بوش كبيرة خاصة بعد اتهام الأوربيين له بتطبيق عقوبة الإعدام وتصديقه كحاكم لولاية تكساس علي أحكام وصلت إلي 150 حكما بإعدام متهمين!.. بالإضافة إلي أن استراتيجية الحزب الجمهوري تميل عادة للانعزالية وعدم التدخل في شئون الآخرين إلا إذا ارتبط ذلك بما يهدد المصالح الأمريكية ويبدو ذلك من اختيار بوش لكولين باول (الدفاع) ورايس (الأمن القومي).. كما أن هناك أصواتا أوربية سواء في الإعلام أو السياسة تشكك في نجاح بوش من بينهم ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي الذي طرح تساؤلات حول شرعية انتخاب بوش كذلك يثير نجاح بوش مخاوف الصين نظرا لارتباط الجمهوريين بعلاقات وطيدة مع تايوان.. وكذلك الهند لعلاقات الجمهوريين الوثيقة مع باكستان..
وهكذا فإن العديد من الدول تستبق الأحداث وتحاول أن تسعي لممارسة ضغط مبكر علي بوش وإدارته لكبح جماح أي اتجاه أو قرار قد يضر بمصالحها مستقبلا..
وهكذا فإن بوش سيجد نفسه بعد عدة أسابيع أمام عدة خيارات صعبة ومن بينها: الإبقاء علي الدور الأمريكي عالميا وحدود هذا الدور ومواجهة تحدي الاتحاد الأوربي والإبقاء علي فاعلية حلف الأطلنطي والدور النزيه في الشرق الأوسط علي عكس دور الرئيس الأمريكي خلال سنوات حكمه الثماني بالبيت الأبيض كما يبقي ملف الإبقاء علي سلامة وصحة الاقتصاد الأمريكي ومعدلات النمو وخلق الوظائف الجديدة والحفاظ علي معدلات التجارة الأمريكية التي تحظي ب40 % من حجم التجارة العالمية وكذلك الاستثمارات الخارجية.. كل تلك الأمور ستقف أمام بوش الابن ليتعامل معها في سنواته الأربع!