|
|
| السنة - | 3578 | ه - العدد | 1424 | ربيع الأول | من | 20 | - م | 2003 | مايو | من | 21 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
1:02:02 PM |
 |
الساعة - |
 |
20-May-02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| مقالات |
 |
|
|
بدون تردد
جرائم الإرهاب .. تهدد العالم
بقلم :محمد بركات
تشير القراءة السريعة للجرائم الإرهابية الأخيرة التي جرت وقائعها في بعض الدول العربية، سواء ما تم تنفيذه بالفعل في المملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية، أو ما تم إحباطه قبل التنفيذ في لبنان، إلي أن العالم بصفه عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة، علي وشك أن تشهد مدا متزايدا لموجة جديدة من موجات الإرهاب السياسي، ظهرت بوادرها بالفعل، بما ينبيء بعودة غير حميدة لما تعارف البعض علي تسميته 'بطيور الظلام' أو 'خفافيش الليل' التي تحلق دائما مع غياب شمس الاستقرار، وغيبة نور الأمن والأمان، وانتشار التوتر والإحباط.
ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا، إن ما حدث قد روع الجميع، وأثار قلق الكل، ولقي الإدانة الكاملة من كافة الشعوب والدول علي امتداد خريطة العالم الواسعة، وفي مقدمتها الشعوب العربية والإسلامية، التي هي أكثر الجميع اكتواء بنار الإرهاب، واستشعارا لضرره، وتعرضا لأخطاره وبلاياه.
واللافت للنظر في هذا الشأن، أنه لم تمض سوي أيام قليلة علي الجريمة التي وقعت بالمملكة العربية السعودية العزيزة علي قلب كل عربي ومسلم، حتي وقعت جريمة أخري في المملكة المغربية، لا تقل عنها بشاعة، وكأن المقصود أن يكون الترويع شاملا لعموم الجسد العربي من أقصي المشرق، وحتي أقصي المغرب،...، وقبلها بقليل كان قد أعلن في لبنان عن ضبط شبكة إرهابية تخطط لجرائم علي نفس الوتيرة والنوع، بما يعطي دلالة يجب الانتباه إليها، بأن العالم العربي كله هو المستهدف وليس دولة بعينها.
وذلك بالقطع، يستوجب من الجميع التعامل مع الأمور بكل الجدية والحرص نظرا لأهميته البالغة وخطورته المؤكدة، ويتطلب أيضا التعامل مع الواقع بكل ما فيه من تفصيلات مزعجة، وظلال معتمة، وبكل ما يحتويه من عناصر ومعطيات تدعو للقلق، وتثير الألم، سعيا لإدراك حدود الأخطار المحدقة بالمنطقة كلها، وخطورة المرحلة المقبلة في ضوء ما تكشف منها حتي الآن، من شواهد ونذر لاتطمئن ولا تبعث علي التفاؤل.
***
وأحسب أن خطورة الأحداث التي جرت، وتوقع ما هو قادم في الطريق تحتم علينا نحن العرب النظر والتأمل في كل ما جري ويجري في منطقتنا العربية، في ضوء المستجدات التي طرأت والمتغيرات التي حدثت في منطقتنا والعالم، ودراستها وبحثها بعقل مفتوح، ورؤية واضحة بهدف إعداد تصور شامل وخطة متكاملة، لمواجهة الخطر الذي يهدد الجميع، ويشمل الكل دون استثناء لأحد مهما كان موقعه، فكل العرب في مركب واحد الآن، وعليهم أن يعملوا علي نجاتهم جميعا وسط العواصف العاتية التي تحيط بهم من كل جانب.
وفي هذا الإطار أيضا أعتقد أن الوقت قد حان كي تدرك الإدارة الأمريكية التي أصبحت داخل المنطقة الآن بوجودها العسكري المكثف في العراق وقطر وغيرهما، أنها أحد الأسباب فيما تتعرض له المنطقة الآن من قلاقل، وما تواجه من مشاكل وعدم استقرار، هذا إن لم تكن سببا رئيسيا في كل هذا، وأنها ستتعرض بالطبيعة لكل المخاطر الناجمة عن ذلك.
وتخطيء الإدارة الأمريكية إن لم تدرك أن وجودها بالمنطقة هو المستهدف الأول من العمليات الإرهابية التي وقعت، وتخطيء أيضا لو أنها لم تأخذ العبرة والدرس الصحيحين من هذه الحوادث، والتي راح ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء من جنسيات مختلفة ضمت سعوديين ومغربيين وعربا وأمريكان وأوربيين وآسيويين وغيرهم.
ويكون الخطأ أكثر فداحة وأشد أثرا إذا توقفت الإدارة الأمريكية في فهمها لما حدث عند السطح وراحت تبحث في سرعة وعجالة، كعادتها دائما، عن مجموعة من المتهمين تلقي عليهم المسئولية، وتحملهم تبعة الجريمة، دونما تعمق فيما وراء ذلك كله، بحثا عن الأسباب الكامنة وراء ما حدث والدوافع التي أدت إليه، وفي هذا الوقت بالذات.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد طلبت من الجميع بعد حربها علي العراق واحتلالها له، أن ينظروا حولهم بفهم، وأن يأخذوا العبرة والدرس،...، فمن الواجب، بل من الضروري، أن تقوم هي أيضا بالنظر فيما يحدث نتيجة تواجدها وسياستها بالمنطقة، وأن تفكر بعمق في معني ودلالة ما وقع، والتداعيات التي ستترتب عليه.
***
ومن هنا نقول إن قراءة ما حدث تشير إلي ارتباط واضح بين توقع عودة موجات العنف والإرهاب للظهور مرة أخري، وبين حالة التوتر والقلق وعدم الاستقرار التي سادت ولاتزال تسود المنطقة العربية كلها، ومنطقة الخليج بالذات، طوال الإثني عشر شهرا الماضية، والتي بلغت ذروتها في الشهرين الماضيين بغزو العراق واحتلاله، وما صاحب ذلك من دمار وقتل وخراب، شكل في مجمله ضغطا متزايدا وألما متصاعدا في نفوس الأفراد والشعوب.
ونقول أيضا، إن هذا الضغط المتزايد، وذلك الألم المتصاعد، قد ولدا شعورا طاغيا لدي العامة والخاصة، بانعدام العدالة لدي القوة الأعظم في عالم اليوم، وقلة الحيلة أمام جيوشها الغازية التي يراها الكثيرون مفتقدة للشرعية، خارجة عن إطار القانون الدولي، مهما تلحفت بشعارات براقة عن الحرية والديمقراطية، ومهما تذرعت بكراهية الجميع لصدام حسين، وبغضهم له، ولنظامه الديكتاتوري المستبد.
فإذا أضفنا إلي ذلك ما يجري كل يوم بالأراضي الفلسطينية المحتلة، علي مرمي حجر من منطقة الخليج، والجرائم والمذابح والاغتيالات والهدم والتدمير التي ترتكب هناك دونما إدانة أو محاولة للتدخل والردع من جانب القوة الأعظم، لوجدنا أنفسنا أمام شعور طاغ بالظلم، وإحساس قاتل بالعجز يجتاح نفوس البشر ويشتعل في صدور الشعوب.
ولا أعتقد أن هناك خلافا يمكن أن يقع حول الحقيقة التي تؤكد علي أن فداحة الظلم، وقسوة القهر، وشدة العجز، هي البيئة الطبيعية التي يمكن أن يستغلها دعاة التطرف والعنف والإرهاب لزرع أفكارهم المشوهة، ونشر مبادئهم المغلوطة، وتبرير أفعالهم المجرمة والمحرمة.
وغني عن البيان، أن أحدا لا يسعي لإضفاء نوع من المشروعية علي هذه الأفكار الشوهاء، وأن أحدا لا يهدف لتبرير هذه الجرائم البشعة التي لا يقرها منطق أو دين،...، ولكننا نقوم بتوصيف الحالة، ووضع الأصابع علي منبع الداء، ومكمن المرض، وتوضيح الحقيقة مهما بلغت مرارتها أو قسوتها، لعل ذلك يكون دافعا للعلاج الصحيح، وموجبا للتعامل السليم مع الأسباب والدوافع، حتي يمكن مواجهة الخطر القادم، وتدارك آثاره والحد من تداعياته.
***
وفي هذا الإطار، قد يكون من الضروري أن تلتفت الإدارة الأمريكية إلي الإشارة الجديرة بالاهتمام التي خرجت من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن، في اليوم التالي لوقوع الأحداث الإرهابية الأخيرة بالرياض، والتي تقول بأن الهجمات الانتحارية التي حدثت يمكن أن تكون أول رد فعل إرهابي علي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية علي العراق، ولكنها قد لا تكون الأخيرة.
ولعله من المهم أيضا أن تتوقف الإدارة الأمريكية أمام الملاحظة التي أوردها المعهد ذاته، والتي تؤكد أن هذه الوقائع تستوجب العمل بأقصي سرعة ممكنة علي إعادة الاستقرار للعراق وللمنطقة كلها، حتي لا تتلوها هجمات أخري نتيجة تزايد حالة السخط العام داخل العالم العربي ضد الولايات المتحدة.
وأحسب أنه لابد من الإشارة هنا إلي صوت الحكمة، الذي خرج من مصر علي لسان الرئيس محمد حسني مبارك طوال شهور الأزمة والتوتر الذي عايشه الجميع منذ بدأ ظهور التوجه الأمريكي لشن الحرب علي العراق، محذرا من خطورة تلك الأوضاع وخطر هذا التوجه، ومنبها إلي ضرورة العمل علي الحل السلمي للأزمة العراقية، وأهمية السعي لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، ومؤكدا أن الظلم والقهر والعنف والإحباط هي الأسباب الكامنة وراء الإرهاب، والبيئة الخصبة لنموه وازدهاره.
وكم نبه قائد مصر الحكيم إلي أنه من الضروري وقف جرائم شارون وتوقف الممارسات اللاإنسانية التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وإنهاء عمليات القتل والإذلال والقهر، التي يتعرض لها المواطن الفلسطيني كل يوم بل كل ساعة، حتي يكون هناك أمل في نهاية النفق المظلم، وحتي تسود العدالة وتنتهي دائرة العنف والإرهاب.
وكم حذر رئيس مصر برؤيته الثاقبة، وعقله الراجح من مغبة إشاعة التوتر وعدم الاستقرار والاحساس بالظلم والقهر والعجز وما يمكن أن يؤدي إليه كل ذلك، من تصاعد للعنف وتوليد للإرهاب، بحيث يجد العالم نفسه في مواجهة مائة بن لادن، بدلا من بن لادن واحد،...، ولكن يبدو أن سمع العالم أصبح ثقيلا بعض الشيء، كما أن فهمه أصبح بطيئا أيضا.
***
وإذا ما عدنا إلي الجريمة التي وقعت بالرياض، وتأملنا في واقع ما حدث في الحادية عشرة من مساء الإثنين قبل الماضي، لوجدنا ثلاثة انفجارات مدوية تنشر الدمار والخراب في ثلاثة تجمعات سكنية يقيم بها عدد من الأجانب غالبيتهم من الأمريكان العاملين بالمملكة،...، وهو ما أسفر عن سقوط 34 قتيلا وحوالي 200 مصاب، وسط ضجة هائلة وترويع ضخم مستهدف في ذاته ومقصود في معناه ودلالته.
فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلي الجريمة التي وقعت في الثانية من صباح السبت الماضي في الدار البيضاء بالمغرب الشقيق، لوجدنا عدة انفجارات أخري مدمرة استهدفت مجموعة من الأماكن العامة التي يرتادها المواطنون المغاربة وبعض الأجانب، وضمت فندقا ومطعما وناديا ومبني إحدي القنصليات الأجنبية، وسقط ضحية الجريمة 41 قتيلا و100 مصاب،...، ولنا أن نتخيل الضجة الهائلة والترويع الضخم الذي صاحب تلك الجرائم،...، وهو ما كان أيضا مستهدفا في ذاته، ومقصودا في معناه ودلالته.
***
وقد يكون صحيحا ما توحي به القراءة السريعة لما حدث، وما أجمعت عليه أجهزة وخبراء الأمن العرب والأمريكان والأوربيين في أن تلك الجرائم، تأتي في إطار الأنماط المتعارف عليها لخطط وعمليات تنظيم القاعدة، التابع للمنشق السعودي بن لادن وأن هناك تشابها بين ما تم في الرياض منذ أسبوع، وما جري في الدار البيضاء منذ أيام، وبين ما تم قبل ذلك في عملية نسف مقار السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، مع بعض التعديلات الطفيفة، طبقا للاختلافات المكانية والظرفية.
وقد يكون صحيحا كذلك، أن هناك تماثلا في أسلوب التفكير، وطريقة التنفيذ بين الجرائم الأخيرة التي وقعت في الرياض والدار البيضاء، وبين حوادث سابقة ارتكبها تنظيم القاعدة، وهو ما يعزز القول بأنهم الفعلة، ويدعم توجيه الاتهام إليهم، ويؤكد ما أجمع عليه الخبراء بأن هذه الجرائم تحمل بالفعل بصمة وخاتم تنظيم القاعدة في التخطيط والإعداد والتنفيذ.
ولكن الصحيح أيضا، أن هذا التنظيم سواء كان القاعدة القديم، أو القاعدة الجديد، كما يقول البعض، قد ارتكب حوادثه المروعة، وجرائمه المستنكرة في ظل ظروف خاصة تمر بها المنطقة العربية كلها في أعقاب الحرب الأمريكية البريطانية علي العراق، وما أدت إليه من غزو واحتلال كامل لدولة عربية، كانت مستقلة وذات سيادة حتي وقت قريب،...، وما تبع ذلك من فوضي عارمة تسود العراق، وما أشاعه ذلك كله من توتر وعدم استقرار في المنطقة جميعها.
كما أن تلك الجرائم جاءت متواكبة مع درجات قصوي من الإرهاب يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ضد الشعب الفلسطيني، وصمت مريب وغير مقبول، بل وانحياز كامل من الولايات المتحدة لإسرائيل.
***
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، وأعتقد أنها كذلك، نصبح أمام حقيقة شبه مؤكدة يتفق عليها الجميع وهي أن تنظيم القاعدة مازال متواجدا علي الساحة بإرهابه وجرائمه، وأنه مازال فعالا أيضا، رغم كل الادعاءات الأمريكية السابقة بغير ذلك.
ونصبح أيضا أمام واقع يؤكد عدم صحة ما روجت له الولايات المتحدة طوال العشرين شهرا الماضية، من أنها استطاعت القضاء علي هذا التنظيم الإرهابي، وأنه قد واجه بالفعل هزيمة محققة خلال حربها علي الإرهاب، وأنه قد تعرض لدمار شبه كامل أو عجز شبه مؤكد، علي يدها القوية.
ولكن ها هو العالم كله ينتبه علي صوت الانفجارات والدمار وسقوط الضحايا في المشرق والمغرب،...، وإذا بالتصور الأمريكي لم يكن صحيحا،...، أو علي الأقل لم يكن دقيقا،...، وإذا بعفريت الإرهاب يهدد العالم من جديد!!
***
والآن أعتقد أن الواجب يفرض علينا أن ننظر في مدي صحة ودقة بقية التصورات الأمريكية عن الحرية والديمقراطية وغيرها.. وغيرها!!
|
|
|
|