|
|
| السنة - | 3618 | ه - العدد | 1425 | محرم | من | 5 | - م | 2004 | فبراير | من | 25 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
2:48:13 AM |
 |
الساعة - |
 |
2/25/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
 محكمة العدل. . وجريمة إسرائيل
بقلم :محمد بركات
إعلان إسرائيل عدم حضورها جلسات محكمة العدل الدولية في لاهاي، التي تنظر قضية الجدار العنصري العازل، الذي يقام الآن داخل الأراضي المحتلة، لم يكن مفاجأة لأحد ممن يتابعون تطورات الصراع العربي الإسرائيلي بصفة عامة، والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال في الضفة وغزة بصفة خاصة..
فقد دأبت إسرائيل منذ وجودها في قلب المنطقة العربية، علي الخروج المستمر علي الشرعية الدولية، وعدم الاعتداد بكل القوانين والمعاهدات التي اتفق عليها المجتمع الدولي، وارتضاها أسسا وقواعد يستند إليها، ويلتزم بها، ويحتكم إليها في كافة معاملاته في السلم والحرب..
ومن هذا المنطلق، استمرت الدولة الصهيونية في ممارسة عدوانها ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة بعد 1967، طوال السنوات الماضية، غير عابئة بالشرعية الدولية، أو القانون الدولي، وضاربة عرض الحائط بكافة الاتفاقيات الدولية، التي تنص علي ضمان سلامة المواطنين وممتلكاتهم وأرضهم تحت الاحتلال.
وفي هذا الإطار، جاءت جريمة إسرائيل الأخيرة، والمتمثلة في إقامتها للجدار العنصري، الذي يلتف حول المدن والقري الفلسطينية في الضفة الغربية، ليفصلها عن بعضها البعض، ويحول الأراضي المحتلة إلي كنتونات معزولة وسجون منفصلة، تحد من حركة المواطنين، وتسلبهم حقهم المشروع في حرية التحرك والانتقال داخل وطنهم، وتفرض عليهم واقعا يتنافي مع كافة حقوق الإنسان..
هذا بالإضافة إلي المساحة الهائلة من الأراضي التي يبتلعها هذا الجدار الفاصل، وكلها أراض فلسطينية، حيث إنه يقام خارج نطاق الحزام الأخضر، وداخل الضفة الغربية، وبعمق يتجاوز في بعض أجزائه عشرة كيلومترات، وطول يتعدي الثمانمائة كيلومتر..
***
وإذا كان العالم، ونحن معه، لم يفاجأ بموقف إسرائيل المصر علي الاستمرار في ارتكاب جريمة الفصل العنصري، وإقامة الجدار العازل رغم كل النداءات الدولية المطالبة بوقفه، ورغم قرار الأمم المتحدة الذي يدين هذا العمل ويطالب بإزالته،...، إلا أننا جميعا قد فوجئنا بالموقف الأمريكي والأوروبي الرافض لعرض قضية الجدار علي محكمة العدل...
وإذا كان من غير المستغرب، علي إسرائيل أن تدفع بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية، في نظر القضية، وكشف ما إذا كان الجدار العازل يعد مخالفا للشرعية الدولية ومنتهكا للقانون الدولي، أم لا،...، فإنه من الغريب حقا أن تعلن الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك بعض الدول الأوروبية، أن المحكمة غير مختصة في نظر القضية أيضا..
وموضع الغرابة، ومحل المفاجأة، في ذلك أن هذه الدول نفسها أعلنت مرارا وتكرارا أن هذا الجدار غير شرعي، وأنه يمثل اعتداء جسيما علي حقوق الشعب الفلسطيني، وأنه يقف حجر عثرة في طريق السلام، وتنفيذ خارطة الطريق، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عام 2005، طبقا لما تنص عليه هذه الخارطة..
ولابد من التوقف بالبحث والدراسة والتأمل في أسباب ذلك التناقض البين في إعلان الولايات المتحدة وكذلك الدول الأوروبية إدانتها للجدار، ثم وقوفها بعد ذلك ضد عرض قضيته علي محكمة العدل الدولية رغم إقرارهم بأن إقامة هذا الجدار هو بمثابة عقبة جديدة أمام عملية السلام،...،
***
ولقد بات معلوما للجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي في نفس الوقت راعية السلام في الشرق الأوسط، بحكم كونها الدولة الأقوي في العالم، ولكونها في ذات الوقت الأكثر نفوذا وتأثيرا علي الجانب الإسرائيلي، والأكثر ارتباطا بالمنطقة بحكم المصالح والتاريخ، قد بذلت جهدا كبيرا للحيلولة دون إصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بإحالة قضية الجدار العنصري إلي محكمة العدل الدولية للنظر في شرعية هذا الجدار، وما إذا كان يمثل انتهاكا للقانون الدولي والعدالة الدولية أم لا..
وليس خافيا علي أحد أن الولايات المتحدة قد استخدمت كل ما لديها من النفوذ ووسائل الضغط علي دول كثيرة، كان علي رأسها مجموعة الدول الأوروبية، كي تقف ضد مشروع القرار، وتمتنع عن التصويت، وقد نجحت في ذلك بالفعل حيث استجابت هذه الدول للضغط الأمريكي، ولكن ذلك لحسن الحظ لم يؤثر علي مجموع الأعضاء بالهيئة الدولية الذين أيدوا مشروع القرار، وتحول بالفعل إلي قرار ملزم بأغلبية الأصوات..
ووجهة النظر الأمريكية في هذا الشأن تأتي متطابقة تماما مع وجهة النظر الإسرائيلية، إلا قليلا، حيث إنها كانت ولاتزال تري، أن قضية الجدار في جوهرها متصلة اتصالا وثيقا بقضية السلام الفلسطيني الإسرائيلي ذاتها، وأن طرح هذه القضية علي المحافل الدولية، وصدور قرار من الأمم المتحدة، بإحالتها إلي محكمة العدل، لن يفيد الجهود المبذولة للتوصل إلي حل عن طريق التفاوض والاتفاق بين الطرفين، بل ربما يؤثر بالسلب علي هذه الجهود،...، وقد أقنعت الولايات المتحدة الدول الأوروبية وبعض الدول الأخري بهذا الرأي،...، أو هكذا قيل..
كما رأت الولايات المتحدة، ولاتزال تري، أن محكمة العدل الدولية مختصة بالنظر في المسائل والقضايا القانونية، وأنه ليس واقعا في اختصاص المحكمة أو سلطتها النظر في المسائل السياسية، مثل قضية الجدار، التي تراها قضية سياسية بحتة لأنها جزء من قضية السلام ككل،...، وقد أقنعت الولايات المتحدة الدول الأوروبية، وبعض الدول الأخري بذلك أيضا،...، ولكن غالبية الدول لم تقتنع بذلك لحسن الحظ..
***
وإذا أردنا أن نضع أيدينا علي وجه التناقض في الموقف الأمريكي وكذلك الموقف الأوروبي تجاه قضية الجدار العنصري، فإن علينا الرجوع بالزمن إلي الوراء قليلا، قبل بداية العام الماضي 2003، عندما بدأت حكومة الجنرال آرييل شارون الاستعداد لبناء جدار الفصل العنصري، وأعلنت عنه..
في ذلك الحين، سارعت الولايات المتحدة الأمريكية للإعلان علي لسان الرئيس بوش نفسه أنها ضد هذا الجدار، وأنها تري فيه عقبة جسيمة في طريق السلام، وفي هذا الوقت استخدمت الإدارة الأمريكية تعبيرا شهيرا تقول فيه إن هذا الجدار يشبه الثعبان الذي يتلوي داخل أراضي الضفة ويعزل المدن والقري الفلسطينية ويؤثر علي حياة الفلسطينيين، وينشيء واقعا يهدد تنفيذ خارطة الطريق..
وفي نفس الوقت أعلنت مجموعة الدول الأوروبية رفضها القاطع لبناء هذا الجدار، واعتباره منافيا لقواعد القانون الدولي، ويهدد عملية السلام، وكذلك يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية التي تتحدث عنها خارطة الطريق..
وعندما أصر الجانب الإسرائيلي علي موقفه، وواصل عملية بناء الجدار ضاربا عرض الحائط بالاحتجاجات الفلسطينية، والعربية، والأمريكية، والأوروبية، تطور الموقف الأمريكي بعض الشيء في الاتجاه الصحيح، وسمعنا عددا من المسئولين في الإدارة الأمريكية وعلي رأسهم مستشارة الأمن القومي الأمريكي 'كونداليزا رايس' يتحدثون عن عقوبات أمريكية اقتصادية ستوقع علي إسرائيل في حالة استمرارها في إقامة الجدار..
وقد اعتبر العالم كله، ونحن معه، هذا التصريح الأمريكي الذي تكرر عدة مرات خطوة إيجابية، ومساندة أمريكية واضحة لعملية السلام، وخطة خارطة الطريق، كما أنه يأتي أيضا دعما للشرعية الدولية، رغم ما ظهر بعد ذلك من قلة وضآلة المبلغ الذي سيتم خصمه كعقوبة لإسرائيل حيث أعلن أنه لن يزيد علي ثلاثمائة مليون دولار، من المبلغ الاجمالي لضمانات القروض الذي يزيد علي تسعة مليارات
***
من هنا يتضح أن الموقف الأمريكي المعلن، وكذلك الموقف الأوروبي، كان هو رفض الجدار، والمطالبة بإزالته،...، ومن هنا أيضا كانت المفاجأة عندما وقفت الولايات المتحدة الأمريكية موقفا مغايرا لموقفها المعلن السابق، وعارضت بشدة المحاولة العربية لاستصدار قرار من مجلس الأمن، الذي يمثل الشرعية الدولية، يدين استمرار إسرائيل في بناء الجدار العنصري، ويطالب بإزالته واستخدمت الفيتو لمنع إصدار القرار..
ثم كانت المفاجأة الثانية، عندما وقفت الولايات المتحدة موقفا مؤيدا لإسرائيل، وبذلت أقصي الجهد لمنع استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأقنعت الدول الأوروبية باتخاذ نفس الموقف، خلافا لموقفها السابق..
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتد أبعد من ذلك،...، فبعد صدور قرار الأمم المتحدة بإحالة قضية الجدار العنصري إلي محكمة العدل الدولية، لكشف مدي مخالفته للشرعية الدولية، وانتهاكه للقانون الدولي، فوجئنا أيضا بتبني الولايات المتحدة للموقف الإسرائيلي بالكامل، وإعلانها أنها تري عدم اختصاص المحكمة بالنظر في قضية الجدار العازل والعنصري، حيث إن المحكمة غير مخولة بالنظر في القضايا السياسية، وأن هذه القضية سياسية من وجهة النظر الأمريكية، وليست قانونية،...، وهي نفس وجهة النظر الإسرائيلية..
ثم رأينا مجموعة الدول الأوروبية تتبني نفس وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية، وتؤكد أيضا في مذكرة بعثت بها إلي المحكمة أنها تري أن القضية سياسية في المقام الأول، وأن المحكمة غير مختصة بنظرها،...، وهو تطور لافت للنظر، لما يحمله من إشارات واحتمالات، تقول بإمكانية تغيير الموقف الأوروبي المساند للقضايا العربية، وخاصة قضية السلام..
***
وأحسب أننا الآن أمام حالة واضحة من التوافق التام في المواقف الإسرائيلية، والأمريكية، والأوروبية في قضية الجدار العازل علي المستوي العملي، رغم وجود اختلاف أو تناقض في الأقوال والتصريحات الكلامية واللفظية بينهم..
ففي حين تعلن أمريكا والدول الأوروبية المعارضة التامة للجدار في كل التصريحات المعلنة، فإن كلا منهم يؤيد إسرائيل أمام المحافل الدولية، ويرفض توجيه أي إدانة لها، مهما كان الجرم، ومهما كانت الجريمة..
أي أن الخلاف علي الكلمات، ولكن الاتفاق علي الفعل حتي ولو كان جريمة!!
|
|
|
|