|
|
| السنة - | 3618 | ه - العدد | 1425 | محرم | من | 5 | - م | 2004 | فبراير | من | 25 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:08:34 PM |
 |
الساعة - |
 |
2/24/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| تحقيقات |
 |
|
|
بسبب الأحكام المتضاربة :
قرارات الإزالة حبر علي ورق
بعد كل كارثة انهيار عمارة تندفع جهود المسئولين لرصد العقارات المخالفة وكأنها ظهرت فجأة.. وعندما تحاصرهم اتهامات الإدانة بالتقصير والإهمال تكون حجتهم هي 'الطعون' علي قرارات الإزالة أو التنكيس والتي يلجأ إليها أصحاب المصلحة في إبقاء الوضع علي ما هو عليه لتظل القرارات مجرد حبر علي ورق في انتظار أحكام القضاء.
وعندما نسأل عن الحل يقترحون علي الفور إنشاء محكمة خاصة للنظر في هذه الطعون وكأنها العلاج السحري لحمايتنا من كوارث الانهيارات!!
فهل نحن بالفعل في حاجة إلي المزيد من التشريعات؟ أم أن حاجتنا الأكبر في تفعيل ما لدينا من تشريعات لمواجهة أصحاب النفوس الضعيفة والتصدي للفساد والانحراف وهو السبب الأكبر في وقوع هذه الكوارث!!
غياب الحزم وإهمال المتابعة هو السبب الحقيقي للمشكلة علي حد تعبير المستشار القانوني لمحافظ القاهرة عبدالتواب السيسي فهو يري أن الجهات الإدارية المسئولة عن هذه المتابعة لاتقوم بهذه المهمة علي أكمل وجه وبالتالي فهي تفتح الطريق أمام ذوي النفوس الضعيفة.. وفي غيبة القانون والضمير عاث بعض أصحاب العقارات فسادا فلهثوا وراء الكسب السريع دون وازع أخلاقي وأصبح ما يحدث من فساد في عالم المقاولات من غش في مواد البناء ومخالفات مضربا للأمثال في الفساد.
وفي حالة مواجهتهم بهذه المخالفات يلجأون إلي المحاكم للطعن فيها في محاولة للتهرب من تنفيذ القرارات.
والمشكلة الحقيقة هنا أن الجهات الإدارية لا تمد المحكمة بالمستندات المطلوبة لحسم هذه القضايا.. الأمر الذي تبدو فيه هذه الجهات في واد والمحاكم في واد آخر.
وهو ما يؤكد أيضا عدم حاجتنا لمحكمة خاصة لسرعة الفصل في الطعون، فحاجتنا الأكبر لمزيد من التعاون بين الجهات الإدارية والمحاكم خاصة وأن القضاء الإداري هناك دائرة شبه مختصة للنظر في مخالفات المباني سواء أكانت مخالفات في التراخيص أو في شروط البناء.
استسهال إصدار التشريعات تضر بالصحة التشريعية علي حد تعبير محمود قنديل المحامي خاصة وأن هناك أزمة في البنية التشريعية والمناخ التشريعي وراءها التسرع في إصدار التشريعات كلما واجهتنا أية مشكلة وكأن التشريع هو الحل الوحيد لإدارة هذه الأزمة، علي عكس العالم كله الذي يتعامل مع آلية التشريع كواحدة من منظومة آليات متكاملة إداريا واقتصاديا وسياسيا وهندسيا واجتماعيا وهو ما نحتاجه بالفعل في مواجهة مشكلة انهيار العمارات خاصة وأن إنشاء محكمة خاصة ليس بالأمر السهل فالأمر يحتاج لإعداد سواء للقضاة أو للجهاز المعاون للقضاء وهو مسألة صعبة ومكلفة إداريا وفنيا فهل تسمح إمكانات وزارة العدل بتحمل هذا العبء!!
في رأيي أن التسرع في إنشاء محكمة خاصة لن يحل الأزمة والمشكلة الحقيقية تكمن في قوانين الإسكان وتعددها وتعدد الجهات المسئولة عن تنفيذها وتقاعس الجهاز الإداري وما يعاني منه من فساد وانهيار وأي حل يغفل النظر في هذه المنظومة المتكاملة المتسببة في الأزمة لن يكون له أية فاعلية أو تأثيرجاد.
ففساد الجهاز الإداري المسئول عن التصدي لمخالفات البناء هو السبب الحقيقي للكارثة والكل يعلم أن أكثر من 80 % من عقارات مدينة نصر مخالفة ومع ذلك لم يتحرك أحد إلا بعد أن وقعت المأساة الأخيرة،.
غياب الرقابة والضمير هما آفتنا الحقيقية والحديث عن أي حل يغفل مواجهة الأسباب الحقيقية يصبح بلا جدوي.
المشكلة إذن ليست في غياب التشريعات الرادعة وإنما في تفعيل هذه التشريعات لنضرب بحسم علي الفساد وتواجه بجدية وحزم أية مخالف فالتشريعات الخاصة بالبناء في مصر كافية وهو ما يؤكده اللواء محمود ياسين نائب المحافظ للمنطقة الغربية:
وأهمها قانون 106 لسنة 76 وتعديلاته في القانون 101 لسنة 96 وكذلك قرارات مجلس الوزراء والمحافظين كل في دائرة اختصاصه. هذه القوانين كافية ولسنا في حاجة لتعديل تشريعي متسرع ينطوي علي عدم دستورية الأمر الذي يؤدي إلي إلغائه فيما بعد، أو يتبين عدم مواءمته عند التطبيق العملي ومن ثم يصبح بلا جدوي.
فالمشكلة لا تكمن في تقصير التشريعات بقدر ما تكمن في عدم جدية التعامل مع مخالفات البناء خاصة في بدايتها، فالرصد المبكر لهذه المخالفات وعدم غض النظر عنها هو الحل خاصة وأن القانون يعطي للجهاز الإداري صلاحيات كاملة للتعامل مع المخالفة، فأعطي له الحق في التحفظ علي مواد البناء ووسائل النقل، ووضع ساتر وأختام علي أماكن المخالفة،والقبض علي المخالف إذا ما عاود إرتكاب المخالفة وتقديم المالك والمقاول والاستشاري للنيابة.
كما حدد المخالفات وجوبية الإزالة بأربع حالات هي تجاوز قيود الارتفاع وعدم الالتزام بأماكن إيواء السيارات وتحويلها لأنشطة أخري والتعدي علي خطوط التنظيم وحماية الآثار والطيران المدني.
ويكفي القول إن القانون حظر قيام أعمال بناء من الغروب للشروق إلا بإذن من الجهة الإدارية منعا لأية محاولة لارتكاب المخالفات في الظلام وأعطي صلاحية كاملة لمواجهة هذه المخالفات، لكن المشكلة في تقاعس الجهاز الإداري لمواجهة المخالفات، وأيضا تكمن في معاناته من نقص الدعم الأمني والذي يحتاج إليه لإزالة المخالفات ففي الوقت الذي أجاز القانون له استخدام القوة إذا لزم الأمر إلا أن تحقيق ذلك يتطلب تعاونا جادا من الأجهزة الأمنية فهل يتحقق ذلك!!
سكان في خطر
وإذا أردنا بالفعل حسم قضية انهيار العمارات علينا أيضا ألا نغفل بعدا إنسانيا إجتماعيا يتمثل في إيجاد بدائل ملائمة للسكان الذين يتم إخلاء منازلهم، ففي كثير من الأحيان يقف هؤلاء كحجر عثرة في طريق تنفيذ قرارات الإخلاء مفضلين الحياة في خطر لعجزهم عن إيجاد البديل.
وأحيانا ما يلجأ هؤلاء للطعن في قرارات الإزالة الأمر الذي يعوق تنفيذ القرارات ودوامة الطعون المتبادلة تؤدي إلي عدم الحسم السريع وقد تستمر الطعون لسنوات طويلة، فالقانون كما يؤكد اللواء محمود ياسين اشترط لتنفيذ قرارات الإزالة والهدم عدم وجود أحكام أو قرارات إدارية مطعونا فيها، وأن يعرض الأمر علي قاضي الأمور المستعجلة في محاولة لحماية المستأجر من انتهازية بعض الملاك، لكن المشكلة أن القضاء المستعجل لا يحسم النزاع بسرعة، وكثير من القضايا تستغرق سنوات طويلة تتراوح ما بين عامين وأربعة أعوام، فتظل القرارات حبرا علي ورق والعمل علي الاسراع في حسم هذه القضايا سيساعد بلا شك علي حل المشكلة ولن نكون وقتها في حاجة لاجراء تعديل تشريعي جديد.
مجلس الدول هو الحل
علي الجانب الآخر يري المستشار إيهاب إبراهيم السعدني بمجلس الدولة أن حسم الخلاف في الطعون المتبادلة بين المالك والمستأجر لن يحسم إلا من خلال رد هذه المنازعات الإدارية إلي قاضيها الطبيعي وهو قضاء مجلس الدولة باعتباره القاضي الطبيعي لهذا النوع من المنازعات.
فالتضارب في الأحكام الصادرة يرجع إلي أن القانون رقم 49 لسنة 77 بشأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر والذي تطرق أيضا للمنشآت الآيلة للسقوط والترميم والصيانة حيث نصت المادة 56 علي أن تتولي الجهة الإدارية المختصة بشئون التنظيم ومعاينة وفحص المباني والمنشآت وتقرر ما يلزم اتخاذه للمحافظة علي الأرواح سواء بالهدم الكلي أو الجزئي أو التدعيم أو الترميم أو الصيانة لجعلها صالحة للغرض المخصصة من أجله مع تحديد المدة اللازمة لتنفيذ الأعمال المطلوبة وما إذا كانت تستوجب إخلاء المبني كليا أو جزئيا.
كما نصت المادة 57 علي أن تشكل في كل وحدة من وحدات الحكم المحلي لجنة أو أكثر يصدر منها قرار من المحافظ المختص تضم اثنين من المهندسين المعماريين أو المدنيين.
وأجازت المادة 59 الطعن في هذا القرار في موعد لايجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ إعلان القرار أمام المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها العقار.
وما يحدث في الواقع أن يتقدم المستأجر أو المالك بالطعن علي القرار الصادر من الجهة الإدارية المختصة بالتنظيم سواء بهدم العقار أو تنكيسه، ويخلق تعدد المصالح وتضاربها طعونا متبادلة أيضا تصدر من خلال أحكام متضاربة، أحدها نراه يؤيد قرار الهدم بينما يلغيه قرار آخر بتعديله أو إلغائه.
وفي رأيي أن حسم هذه المشكلة لن يتم إلا برد المنازعات لقضاء مجلس الدولة باعتباره القاضي الطبيعي ولن يتطلب الأمر عندها الحاجة لمحكمة خاصة، لأن الخصومة أمام مجلس الدولة خصومة عينية مناطها اختصام القرار الإداري في ذاته والذي من شأنه عدم صدور أحكام متضاربة.
خبراء بلا ضمير
مشكلة الطعون إذن وراءها طرفان مالك ومستأجر لكل مصلحة خاصة والمتناقضة بالطبع مع الآخر كل طرف يلجأ للقضاء وكل طرف يلجأ لخبير إسكان يطلب منه تقريرا يدعم فيه وجهة نظره ليقنع المحكمة برأيه بغض النظر عن مراعاة الأمان ودون اعتبار لأرواح يمكن أن تدفع ثمن التضارب والجري وراء المصلحة.
تحول الخبراء من قضاة إلي محامين علي حد تعبير الدكتور أمين صالح أستاذ الهندسة الإنشائية بجامعة عين شمس.. آراؤهم لصالح من يدفع فكل خبير يكتب تقريره ليتفق مع رغبة الجهة التي لجأت إليه، فإذا لجأ المالك لخبير يكتب تقريره وفقا لرغبة المالك وإذا ما لجأ السكان للخبير ففي هذه الحالة فتقرير الخبير يأتي متمشيا مع رغبة السكان هكذا بصرف النظر عن أي معيار علمي أو فني وبغض النظر عن أرواح يمكن أن تتعرض للخطر ودون تقرير سليم لمدي الخطر من عدمه، قليل من الخبراء من يلتزم بالحياد ويراعي ضميره وقليل منهم أيضا من يتمتع بالكفاءة والخبرة، وما يزيد الأمور تعقيدا أن القانون أحيانا ما يحمل معه ثغرات يسهل علي البعض اختراقها خاصة وإذا كانت غير ملائمة وغير واقعية.
علي سبيل المثال في الوقت الذي يتم فيه تحديد عدد الأدوار للعقارات المبنية في مدينة نصر يواجه فيه الملاك فارتفاع أسعار الأرض والذي يجعل معه الاكتفاء بأربعة أدوار أمر غير مجد استثماريا ولا اقتصاديا مما يدفعهم للمخالفة، وربما يلتزم هؤلاء بقواعد وتعليمات البناء الصحيحة ويقيمون عقاراتهم علي أساس سليم وتقتصر مخالفاتهم فقط علي الورق، لكن هذا لا يمنع أيضا من وجود آخرين يخالفون في كل شيء، الأمر الذي ظهر معه نوعان من المخالفة إحداهما مخالفة آمنة وأخري مخالفة غير آمنة حسم هذا الأمر يتطلب وجود لجنة إستشارية تضم خبراء مشهودا لهم بالعلم والمكانة لتحديد المخالفات وكيفية التصدي لها، فضلا عن ضرورة مراعاة جميع الأبعاد عند سن أي قانون حتي يأتي متمشيا مع الواقع وسدا لجميع الثغرات التي يحلو للبعض النفاذ منها.
هالة فؤاد
|
|
|
|