|
|
| السنة - | 3645 | ه - العدد | 1424 | رجب | من | 16 | - م | 2004 | سبتمبر | من | 1 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:58:25 ك |
 |
الساعة - |
 |
31/08/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| تحقيقات |
 |
|
|
الوصايا العشر.. لمحاربة السحابة السوداء!
وزير البيئة: وضعنا أيدينا علي أسباب التلوث الحقيقية
هانى مباشر
منذ أيام بدأ موسم حصاد محصول الأرز.. ومعه بدأ العد التنازلي لاستقبال ضيف ثقيل الظل إن لم يكن كريها يحوم حول القاهرة الكبري علي وجه التحديد كشبح أسود يأتي بعد كل غروب شمس.. ويظل كالكابوس جاثما علي الصدور والأنفاس حتي مطلع الشمس.. هذا الضيف هو ظاهرة 'السحابة السوداء' التي تتكرر في مثل هذا التوقيت منذ خمس سنوات دون أن يتم إيجاد حل لإنهائها وإيقاف نزيف الخسائر الناتج عنها! وعلي غير العادة وقبل أن يفرض هذا الضيف نفسه كأمر واقع هذا العام بدأت 11 وزارة إلي جانب المحافظات المنتجة للأرز الذي يعتبر قشه هو المشتبه فيه الأول في ظهور 'السحابة السوداء' في سباق مع الزمن لمواجهته من خلال استنفار كل الإمكانيات.. وخوض معركة فاصلة!
ق 'الخسائر بالجملة'!
ربما تكون هذه الجملة القصيرة هي أصلح عنوان لفاتورة زيارة السحابة السوداء التي لا تستغرق أكثر من ثلاثين يوما.. والأرقام في هذه الفاتورة تصل إلي المليارات من الجنيهات التي نخسرها علي كل الأصعدة الاقتصادية والصحية والبيئية وذلك وفقا للعديد من الدراسات والنتائج الموثقة والتقديرات التي قامت بها هيئات دولية ومحلية.. ففي دراسة لوزارة الدولة لشئون البيئة تأكد أن حرق المخلفات الزراعية وخاصة قش الأرز خلال شهري سبتمبر وأكتوبر من كل عام مسئول عن حدوث أزمة تلوث الهواء الحادة بنسبة 42 % بينما تساوت عوادم السيارات والانبعاثات من المصادر الصناعية بنسبة 23 % لكل منها.. وجاء حرق القمامة أو اشتعالها ذاتيا في المركز الأخير بنسبة 12 % ..
ويشير التقرير الذي أعده مركز حابي للحقوق البيئية 'حول الآثار السلبية 'للسحابة السوداء' إلي أن آثارها تزداد مع كثافتها حيث تحدث زيادة في أمراض الحساسية بنسبة تصل إلي 15 % وزيادة حساسية الصدر من 8 إلي 10 % وهي نسبة تفوق المعدلات السابقة.. ويؤدي الدخان أيضا إلي حساسية في الأنسجة المخاطية المبطنة للعين.. ونتيجة للعوالق المصاحبة لدخان 'السحابة السوداء' يتفاقم الخطر ويؤدي إلي حدوث التهاب في العين.. كما رصد التقرير ارتفاع التهاب الجيوب الأنفية والحنجرة إلي نحو خمسة أضعاف معدلات حدوث هذا الارتفاع في الظروف العادية.. ويزيد من المشكلة أن الدخان النا تج عن الحرائق العضوية وغير العضوية به ما يقرب من 11 مادة مسرطنة!..
وتمتد الخسائر لتشمل قطاعات حيوية تشكل روافد تضخ في الدخل القومي كالقطاع السياحي والصناعي.. فمع تكرار ظاهرة 'السحابة السوداء' ستتجاوز الخسائر المتوقعة من ورائها حاجز المليارات ومن الممكن أن تصل إلي أكثر من 17 مليار جنيه كما يقول 'الدكتور أيمن الجندي.. أستاذ الاقتصاد' حيث إن الدراسات السياحية أكدت أن تركيز السائح تنصب 60 % منها علي نظافة البيئة عند تخطيطه للسفر.. كما أن السائح الغني سريع الشكوي والهروب إلي دول أخري منافسة!..
وللعلم فإن مواسم التدفق السياحي عندنا هي الشهور التي تظهر فيها 'السحابة السوداء' خاصة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر.. ومع تكرارها فإننا معرضون لفقدان أكثر من 4 ملايين و200 ألف ليلة سياحية قيمتها 500 مليون دولار.. ومن المعروف أن السياحة تساهم بنحو 15 % من الدخل القومي سنويا.. والمستهدف مضاعفة هذا الرقم خلال السنوات القليلة القادمة.. ولكن هذا الرقم قد يتعرض للانخفاض لو تم ترويج سمعة سيئة عن وضع البيئة المصرية في بورصات السياحة العالمية!..
ولا تتوقف الخسائر في هذا الجانب فقط.. بل إن حرق قش الأرز في حد ذاته هو حرق لما قيمته أكثر من 14 مليار جنيه هي قيمة الثروة الصناعية والغذائية المهدرة من هذه الثروة الزراعية المتمثلة في نحو 3 ملايين طن من قش الأرز حيث يمكن أن تساهم في إمدادنا بأسمدة نيتروجينية عالية القيمة تحتوي علي 250 ألف طن نيتروجين و30 ألف طن فوسفور و225 ألف طن بوتاسيوم..
والغريب أن زيادة نسبة التلوث الناتج عن هذه السحابة صاحبها ظاهرة زيادة نسبة التلوث في الهواء الداخلي في عدد من المباني الجديدة المحكمة الإغلاق والمكيفة التي لا توجد بها تهوية مناسبة إلي ما يعرف بالظاهرة المرضية للمباني وفيها يصاب العاملون بالصداع والغثيان.. كما تقول تقارير جهاز شئون البيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والبنك الدولي.. وهذا معناه زيادة في التكاليف الصحية ونفقات العلاج فضلا عن ارتفاع الفاقد في أيام العمل والموت المبكر وهذه التكاليف تزيد سنويا مع زيادة التلوث إلي أكثر من 500مليون دولار سنويا!..
مواجهة حاسمة
ق بالتأكيد هذه الأرقام المفزعة والنتائج السلبية كانت أمام المسئولين عن مواجهة السحابة السوداء.. وعلي غير العادة في السنوات السابقة بدأت في تنفيذ أنشطة فعالة لمواجهة كل الأسباب التي تؤدي إلي ظهورها بشكل حاسم وواقعي بعيدا عن المبالغة أو اللجوء للمسكنات!..
وفي هذا الصدد يقول 'المهندس ماجد جورج.. وزير الدولة لشئون البيئة': إنه تم وضع خطة عامة من قبل وزارة البيئة وتحددت مجموعة من المهام والإجراءات وبالتنسيق مع كافة الوزارات والهيئات المعنية بالإضافة إلي المحافظات المنتجة للأرز.. وقد أعطيت الأولوية في الخطة لمنع حرق المخلفات الزراعية وعلي رأسها قش الأرز. وقد تم حصر المساحات المزروعة بالأرز في 8 محافظات والتي تصل إلي مليون و469 ألفا و84 فدانا من المتوقع أن ينتج عنها كمية من القش تصل إلي 2مليون و938 ألفا و168 طنا.. ومن المتوقع تدوير 2 مليون و389 ألفا و20طنا من الكومات السمادية والأعلاف غير التقليدية.. والباقي يصل إلي نصف مليون طن يتوقع أن يتم التصرف فيها بالحرق عن طريق الفلاحين.. كما تسعي الخطة لمنع حرق قش الأرز هذا العام.. وتهدف الخطة إلي الحظر الكامل لحرق القش في مسافة 30 كيلو مترا خارج حدود القاهرة الكبري.. والتوسع في التدوير في المناطق المتاخمة للقاهرة..
وقد تم الاتفاق مع وزار التنمية المحلية ووزارة الزراعة علي زيادة عدد المكابس اللازمة لقش الأرز بمائة وخمسين مكبسا جديدا ليصل العدد الإجمالي لها إلي 375 مكبسا وسوف يتم تدوير 550 ألف طن من قش الأرز لتحويلها إلي علف وسماد عضوي بتكلفة تصل إلي 5،1 مليون جنيه بالتعاون بين وزارتي الزراعة والبيئة من خلال برنامج مشترك للتنفيذ تتولاه وحدة المخلفات الزراعية وستكون هناك أولوية لعمل خمس إدارات زراعية حول القاهرة وهي مشتول السوق وبلبيس ومنيا القمح والزقازيق وأبوحماد حيث يوجد بها 100 ألف فدان ينتج عنها 300 ألف طن من قش الأرز..
وعلي صعيد مواجهة الحرق المكشوف للمخلفات هناك شق في هذه الخطة يقضي بإيقاف الحرق في دائرة تبلغ نحو 40 كيلومترا حول القاهرة وحشد كل الإمكانيات لدي أجهزة المحافظات للتصدي لهذه الظاهرة..
ويضيف 'المهندس ماجد جورج' موضحا: إن من بين الأنشطة الصناعية المسببة للسحابة وجود 289 مكمورة فحم و53 فاخورة و75 مكبسا و77 فرن جير حي و71 كسارة حجارة و222 كسارة رخام و60 موقعا لأعمال المحاجر والمناجم حول القاهرة الكبري.. وقد تقرر وضع جدول زمني لتشغيل منشآت المسابك ومصانع الطوب ومكامير الفحم خلال الفترة من أول سبتمبر حتي 15 أكتوبر لتبدأ من السابعة صباحا حتي الرابعة عصرا بينما ستعلق تماما في الفترة من 15 أكتوبر حتي 15 نوفمبر.. وذلك لضمان عدم الحرق المكشوف للأخشاب ومصاصة القصب.. كما تم إفراد جزء كبير من الخطة لتطوير المقالب العمومية للقمامة والقضاء علي المقالب العشوائية ومنع الحرق المكشوف للقمامة..
وسوف يتم تحويل 275 ألف سيارة حكومية خلال 3 شهور إلي استخدام الغاز الطبيعي إلي جوار برنامج آخر بين وزارتي البيئة والبترول لتحويل السيارات الخاصة إلي الغاز الطبيعي استفادت منه 250 ألف سيارة في نفس الوقت الذي ستتابع فيه وزارة البيئة مع وزارة الكهرباء المستخدمة للغاز الطبيعي لتصل إلي نسبة 100 % ..
وفي ذات الإطار سوف يتم التعاون مع وزارة الصناعة والمحافظات لخفض نسب تركيزات الغازات الناتجة عن الأنشطة الصناعية ومحطات الكهرباء الناتجة عن حرق المازوت في 750 مسبكا و530 مصنعا للطوب و32 فرنا للجير الحي ومعملي تكرير بترول و5 محطات توليد كهرباء و16 مصنعا للخيش المقطرن بالشرابية وطريق بلبيس.. إلي جانب الغازات الناتجة عن حرق الكاوتش والكابلات حرقا مكشوفا في مناطق مدينة نصر وشبرا الخيمة وبولاق أبو العلا والزاوية الحمراء وعددها 14 موقعا.. وكذلك الغازات الضارة الناتجة عن صناعات الأسمنت والكوك والحديد والصلب إلي جانب الأتربة وأكثر من 5و12 ألف منشأة صناعية صغيرة ومتوسطة إضافة إلي 50 مصنعا من أكثر المصانع تلويثا لهواء القاهرة الكبري والتي تنفث إلي الهواء غازات وأتربة.
ولعلها المرة الأولي التي تضع فيها الوزارة خطة مبنية علي أسباب تلوث الهواء الحقيقية مثل نسب الأتربة العالية وأكاسيد الكربون والأكاسيد الفوتوكيميائية وأكاسيد النيتروجين بالإضافة إلي الأوزون الأرضي حيث تتابع محطات الرصد مواقع صدور هذه الملوثات وتعمل علي محاصرتها.. وقد تم وضع مؤشر لتحديد خطورة هذه الملوثات لتحديد نوع التحرك وقاعدة المؤشر هي وصول الأتربة العالقة إلي 240 ميكروجرام في المتر المكعب من الهواء فإذا ما زاد إلي 340 ميكروجرام يعتبر هذا بمثابة إنذار بالخطر.. وإذا ما وصل إلي 540 فمعناه حدوث أزمة تقضي بغلق المنشآت المسببة للتلوث فورا وستتم المتابعة بالتعاون بين هيئة الأرصاد الجوية وشبكات الرصد الخاصة بجهاز شئون البيئة..
ويري 'الدكتور مجدي علام.. رئيس فرع القاهرة الكبري والفيوم بجهاز شئون البيئة': أنه من الضروري الاستفادة من مجال نقل التكنولوجيا للاستفادة من المخلفات الزراعية.. ولعل أفضل النماذج في هذا المجال وحدتي إنتاج الغاز الحراري من قش الأرز في كفر العزازي بالشرقية وتمي الأمديد بالدقهلية حيث ستستهلك الوحدتان حوالي 10 آلاف طن من قش الأرز هذا العام وتحويلها إلي غاز للاستخدام المنزلي بهذه المناطق.. وهي تجربة صالحة للتعميم لرخص التكلفة التي لم تتعد مليوني جنيه للوحدتين مقارنة بمصنع تدوير المخلفات الذي يتكلف 7 ملايين جنيه ولذلك هناك اتجاه إلي تصنيع هذه الوحدات محليا من خلال الهيئة العربية للتصنيع وقد تم توقيع اتفاق مع الصين بهذا الشأن.
قرارات وردية!
ق كالعادة وفي مثل هذا التوقيت من العام تأتي تصريحات وقرارت محافظي 'محافظات قش الأرز' في القاهرة الكبري وما حولها.. في إطار واحد ألا وهو أن الأمور كلها علي ما يرام وأن كل شيء تحت السيطرة.. ليظل شهر سبتمبر هو الفيصل في واقعية هذه التصريحات أو كونها مجرد تصريحات وردية تتلاشي وراء السحابة السوداء!..
ق ففي القليوبية أشار المحافظ 'المستشار عدلي حسين' إلي أنه اتخذ عددا من القرارات تقضي بتوقيع غرامات قدرها عشرة آلاف جنيه علي كل مخالف يقوم بحرق قش الأرز مع منع الحرق المكشوف ابتداء من أول سبتمبر حتي نهاية ديسمبر.. كذلك تم وقف جميع مكامير الفحم لمدة 4 أشهر وكذلك وقف تشغيل المسابك ليلا من الساعة الخامسة حتي السابعة صباحا.. وأوضح المحافظ أن الاتهام يوجه في السحابة السوداء إلي قش الأرز ونحن في القليوبية لا نعتبر من المحافظات التي تزرع الأرز لأن المحافظة بها نحو 20 ألف فدان فقط مزروعة بالأرز وتستهلك نصف قش الأرز للمزارع الخاصة بالدواجن.. أما الباقي وهو 12 ألف فدان فمعظمها يتم كبسه بالمكابس ولذلك فليس لنا دور في السحابة السوداء!..
ق ويقول 'المستشار يحيي عبدالمجيد.. محافظ الشرقية': إن المحافظة عقدت عدة اجتماعات لبحث ومناقشة أفضل الأساليب للحد من آثار هذه الظاهرة وأنه تم اتخاذ قرارات بتفعيل قانون البيئة علي المخالفين سواء بالغرامة في المرة الأولي أو بتطبيق الشق الجنائي عند تكرار المخالفة.. وعلي المدي البعيد سيتم نقل مكامير الفحم إلي صحراء بلبيس بعد تخصيص 50 فدانا لتنفيذ عملية النقل ووقف الترخيص للمسابك الجديدة وغير المتوافقة بيئيا..
وفيما يتصل بمواجهة حرق قش الأرز.. فقد تم عقد عدة اجتماعات لجميع الأجهزة المعنية.. وتم تقليص المساحة المحددة لكل مشرف زراعي إلي مائة فدان فقط حتي يسهل عليه إحكام المتابعة والرقابة وتم توفير العدد الكافي من هؤلاء المشرفين.. وتم زيادة عدد اللجان المشرفة إلي 3 أعضاء من شرطة البيئة والمسطحات ومندوب من مكتب البيئة ومهندس من الإدارة الزراعية بالإضافة إلي زيادة اللجان المشرفة علي تلك العملية إلي 6 لجان..
ظاهرة كونية!
ق المفاجأة أن 'السحابة السوداء' ما هي إلا ظاهرة علمية وتسمي 'ضبخان' وهي اختصار لكلمتي 'دخان' و'ضباب'.. أي أن الهواء صار خليطا من الضباب والدخان.. وهي ظاهرة قاتلة.. قتلت العديد في الدول الصناعية.. وبالذات في مناطق الصناعات الثقيلة عندما تكون في أودية بين الجبال وجو بارد مستقر!
هذا الأمر يؤكده 'الدكتور مسلم شلتوت.. أستاذ البحوث الفلكية وعلوم الفضاء بجامعة المنوفية' والذي يدلل علي كلامه بقوله: إن أي إنسان يستطيع من فوق هضبة المقطم أن يري أثناء الغروب غلالة سوداء صاعدة لأعلي فوق القاهرة.. وهي ناتجة من التلوث الهوائي العالي لجو القاهرة من عوادم السيارات والأنشطة الصناعية.. ولولا رحمة الله تعالي ووقوع القاهرة ضمن حزام الشمس الذي يتمتع بأعلي سطوع في العالم لكانت الكارثة وموت الكثير بالاختناق من هذه السموم بالهواء.. حيث تؤدي أشعة الشمس إلي تسخين الهواء بالقرب من سطح الأرض وتصاعده لأعلي حاملا معه الملوثات الجوية ثم تأتي الرياح لتقذف به بعيدا عن القاهرة باعتبار أنها منطقة مفتوحة إلي حد ما.
المشكلة تأتي عند وجود حالة استقرار في الجو مما يؤدي إلي ما يسمي بالانقلاب الحراري.. وهو أنه بدلا من أن تتصاعد الملوثات إلي أعلي في الجو أثناء المساء نجدها تهبط إلي أسفل مع عدم وجود رياح تذكر.. هنا تصبح الظاهرة خطيرة وقد تكون قاتلة.. ولابد وأن ننظر لها بعين الاعتبار وأن نتحاشي تكرارها والقضاء علي أسبابها والتي من بينها توافق حالة استقرار في الجو 'انقلاب حراري' مع حرق كميات كبيرة من حطب القطن وقش الأرز للقضاء علي دورة حياة الحشرات الضارة بهذه الزراعات.. حيث تتم عملية الحرق في محافظات الدلتا أثناء النهار وتصل لمنطقة القاهرة الكبري مع غروب الشمس.
والواقع أن عملية الحرق هذه غير منطقية من الناحية الاقتصادية والبيئية فمصر تعتبر أفقر الدول فيما يسمي بطاقة 'الكتلة الحية' وهي عبارة عن الأشجار والغابات والمخلفات النباتية.. وذلك لأن المساحة المزروعة في مصر لا تمثل إلا 4 % من قيمة المساحة الكلية لمصر.. وبالتالي فإن إحراق هذه المخلفات الزراعية يعتبر إهدارا لطاقة جديدة متجددة وهي طاقة 'الكتلة الحية' حيث تقوم أغني الدول مثل أمريكا بتقطيرها بطريقة الحرق الإتلافي بمعزل عن الأكسجين وتحويلها لزيوت خفيفة وثقيلة يمكن استعمالها لكافة الأغراض..
والحقيقة أن القاهرة الكبري من أكثر المدن في العالم من ناحية الملوثات الجوية حتي بدون حريق حطب القطن وقش الأرز.. وأسباب التلوث الجوي للقاهرة عديدة وفي مقدمتها وجود ما يقرب من مليون ونصف المليون سيارة بها وهي تزيد علي ثلاثة أمثال القدرة الإستيعابية للحركة المرورية لشوارع القاهرة وكباريها العلوية.. كما أن هناك عددا كبيرا من هذه السيارات ويصل إلي 40 % منها تعمل محركاتها بغير كفاءة لحرق البنزين أو الجاز بطريقة كاملة مما يتسبب في مضاعفة الملوثات الجوية في العوادم الخارجة منها..
ويعتبر مطار القاهرة الدولي من مصادر التلوث في جو القاهرة نتيجة لعادم الطائرات أثناء عمليات الإقلاع والهبوط لقربه الآن من المنطقة السكنية بجانب الضوضاء والتلوث السمعي نتيجة ضجيج الطائرات.. كما أن حرق القمامة والكاويتش المستهلك لإطارات السيارات في الفواخير حول القاهرة يعتبر من مصادر التلوث أيضا.
الوصايا العشر!
وإذا كان الكل حرص علي تركيز جهوده علي مطاردة المتهم الأول في هذه القضية ألا وهو قش الأرز.. فإنه من الأفضل تطبيق مبدأ 'الوقاية خير من العلاج' وإتباع الوصايا العشر كما يقول الدكتور مسلم شلتوت.. لتلافي حدوث مثل هذه الظاهرة الخطيرة التي قد تكون قاتلة.. وهي:
ق عدم حرق المخلفات الزراعية 'حطب القطن وقش الأرز' والاستفادة منها كمصادر للغاز الحيوي وكأسمدة عضوية مع ضمان قتل أطوار الحشرات الضارة بزراعة القطن والأرز وذلك بوضعها داخل أجولة بلاستيكية سوداء تمتص أشعة الشمس وتقتل الحشرات بعد ارتفاع درجة الحرارة علي ما يزيد عن 60 درجة مئوية داخل الأجولة عند الظهيرة 'بسترة الأسمدة بالطاقة الشمسية'.
ق إحكام الرقابة علي أداء محركات السيارات.
ق تطبيق نظام نزول السيارات الملاكي لمنطقة وسط البلد بطريقة تبادلية 'يوم لأرقام السيارات الفردية ويوم لأرقام السيارات الزوجية'.
ق نقل مطار القاهرة الدولي علي مسافة أبعد علي المدي البعيد.
ق نقل مصانع الأسمنت بطره وحلوان خارج نطاق القاهرة الكبري علي المدي البعيد.
ق استخدام الغاز الطبيعي في سيارات هيئة النقل العام والحكومة وتشجيع أصحاب السيارات الخاصة علي استخدامه لتقليل انبعاث الغازات الضارة لأقل درجة ممكنة.
ق نقل الفواخير والصناعات المصحوبة بانبعاث عال للملوثات الجوية خارج نطاق القاهرة الكبري.
ق التشجيع علي استعمال مترو الأنفاق والمترو السطحي والباصات الكهربائية.
ق تحويل القمامة إلي مصدر من مصادر الطاقة الحيوية وعدم حرقها داخل أو خارج القاهرة
ق زيادة الرقعة الخضراء بالقاهرة الكبري وزيادة التشجير حول القاهرة سواء في المناطق الصحراوية أو فوق هضبة المقطم لتقليل الأتربة العالقة فوق القاهرة الكبري.
إذن نحن أمام ظاهرة تتكرر في مثل هذا التوقيت من العام وتحديدا منذ خريف عام ..1999 ويعلم الكل هذا الموعد وطرق علاجه.. وكل ما نرجوه أن لا يصبح الأمر مجرد تصريحات وردية تصبح مجرد دخان يتلاشي أمام غول 'السحابة السوداء'.. وهذا ما سوف تكشفه لنا الأيام القادمة!
|
|
|
|