|
|
| السنة - | 3645 | ه - العدد | 1424 | رجب | من | 16 | - م | 2004 | سبتمبر | من | 1 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:22:28 ك |
 |
الساعة - |
 |
31/08/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| فنون |
 |
|
|
رحلة إسكندرية نيويورك :
بين الحلم الجميل .. والواقع المرير !
نعمة الله حسين
 | يسر اللوزي وأحمد يحيي.. وجهان لامعان
في إسكندرية نيويورك
|
|
'نيويورك تقتل أي حنين'..
بغطرستها.. وقسوتها.. وعنصريتها.. وسياستها البعيدة عن منطق الحق والعدل..
'نيويورك تقتل أي حنين'..
عندما تغلق عينيها.. وتصم آذانها.. وتحجر قلبها.. وعقلها، عن رؤية وسماع.. وحب.. وفهم الآخر.. طالما إنه ليس علي هواها.. أو تابع خاضع لها ولهيمنتها وسياستها، خاصة لو كان من بلاد العرب.. لا يهم إن كان مسلما.. أو مسيحيا.. أو حتي يهوديا.. فالعرب لديها سواء..
'نيويورك تقتل أي حنين'..
وهو ما فعلته مع واحد من أكبر عشاقها.. مخرجنا المصري الكبير العالمي يوسف شاهين.. 'جو' فما بالك بصغار مريديها..
'نيويورك تقتل أي حنين'..
جملة في غنوة فجرها 'جو' في فيلمه الأخير 'اسكندرية .. نيويورك' عكست بكل الصدق والوضوح التناقض الحاد الذي عاشه الفنان الكبير هو وكثيرون غيره، حالة الحب والحنين لأمريكا منذ الصغر.. ومدي تأثيرها عليه وتأثره بها.. 'حنين'.. و'حب' يسكنان الوجدان.. والقلب والعقل.. فهي الحلم الوردي، تعلم فيها.. ومنها.. لكن الحلم الجميل ذبحه واقع مرير.. فقد اختفت وضاعت أمريكا التي أحبها 'جو' منذ ستين عاما لتحل محلها أمريكا جديدة تتسم بالعنف.. والقسوة.. والغباء ليس علي مستوي السياسة فقط بل علي المستوي الإنساني والفني.. راحت أيام السينما الجميلة والمشاعر والرومانسية.. وحلت محلها أفلام الدم والخيال العلمي.. وحرب الكواكب والكوارث..
لكن لأنه 'جو' المصري الجميل.. المثقف الواعي.. العبقري المجنون.. فقد فجرت فيه كل هذه التناقضات مابين حلمه الذي يسكن قلبه.. والواقع الذي يعيشه بعقله واحدا من أجمل الأفلام التي جعلتنا كلنا في مواجهة مع النفس أمام كل ثقافة غريبة عنا (أوروبية أو أجنبية) تأثرنا بها.. يوسف شاهين كان أشجعنا عندما أعلنها صراحة في فيلمه إنه 'زهق'.. و'قرف' من هذا الحلم الغالي أمام المجازر الوحشية لما ترتكبه أمريكا في العراق، وتتستر عليه في فلسطين ومساندتها العمياء لإسرائيل. في لقطة واعية يقول له أحد أصدقائه : 'مش أنا صاحبك ويهودي.. لكن لو حاختار بينك وبين إسرائيل.. حاختار إسرائيل طبعا'..
فقد تغير الزمن الجميل الذي عرفه 'جو' في الاسكندرية التي كان يعيش بها 300 ألف يهودي، لم يكونوا يفرقون شيئا عن باقي المصريين.. لكنهم اليوم في المدن والبلدان البعيدة أصبح الانتماء لإسرائيل.. ولم تعد للعلاقات والإنسانيات معني إلا فيما ندر.. بعدما سادت العنصرية.. والكراهية..
'نيويورك تقتل أي حنين'..
وقد قتلته فعلا لدي 'جو' فأعلنها واضحة.. صريحة وبكل شجاعة في فيلمه.. بأنه يرفض 'الابن' الذي حلم به طويلا من حبيبة العمر والصبا والشباب 'جينجر'.. لإنه يتعالي عليه ولا يتقبله.. معتقدا أنه ينتمي للقوة العظمي.. لكن 'يحيي' الأب.. أو 'جو' الفنان يعلمه بأن التاريخ لا يحتفظ بأسماء العسكريين والمحاربين بالكثير من الفخر.. لكنه يرفع من هامة الفنانين والأدباء والشعراء..
إنما غطرسة الابن مرتبطة بالجهل الشديد الذي تعاني منه الشخصية الأمريكية.. المضللة بكل وسائل الإعلام عن 'الآخر' الذي لا تعرفه جيدا.. وبمنطق القوة تطلب منه أن يكون التعرف من طرف واحد.. ناسين أن 'الآخر' دائما مرادف لاثنين أو أكثر..
إن 'جو' ابن الخامسة والسبعين في 'اسكندرية نيويورك' لايستكمل فقط سيرته الذاتية التي استعرضها في أفلامه السابقة 'اسكندرية ليه'.. 'حدوته مصرية'.. 'اسكندرية كمان وكمان'.. بل يطرح بكل صدق وشجاعة ما يعتمل في صدره ويدور بعقله.. مشرحا لمشاعره وآلامه وآماله وأحلامه.. معلنا إحباطه من حلمه الذي لم يعد ورديا في بلاد ضاعت فيها الحريات والقيم، وأصبحت الديمقراطية التي كنا كلنا نحلم بها تبدو كفلكلور وشعار قديم بعد أن قررت أن تكون 'الشرطي والجلاد' لصالح إسرائيل وحمايتها فقط..
إن يوسف شاهين بهذا الفيلم أعاد إلينا الكثير من البهجة والوعي عندما جعلنا كلنا نبحر مع أحلامنا.. ونستظل بآمالنا حتي لو صدمنا بأنها تتحطم علي صخرة واقع مرير..
لقد أضحكنا وأبكانا 'جو' في هذا الفيلم الذي ابتعد فيه عن جنونه.. ورموزه وغموضه.. رغم أن الجنون هو ما يجعله 'سيد الفنون' كعادة 'يوسف شاهين' قدم العديد من الوجوه الجديدة خاصة 'يسرا اللوزي'.. بالاضافة لكبار نجومنا الذين يستحقون كل التقدير علي المباراة الرائعة في الأداء والتي قادها 'محمود حميدة' ويسرا.. ولبلبة.. فكان في العلاقة الثلاثية تناغم وإنسانية ودرس في الحياة ليت الكثير يعرفون قيمته.. فهذا الثالوث قدم نموذجا إنسانيا شديد التحضر فيه الكثير من قيم الفهم والتسامح والقبول خاصة من قبل الزوجة التي أعطتنا درسا في معني الحب والعطاء..
إن جو الحب والمرح الممزوجين بالألم في علاقة 'يحيي' أو 'جو' بأمريكا التي يقول لأهلها إنه باسم الديمقراطية أنتم كلكم كشعب مسئول عما يحدث من ساستكم لأنكم بمحض إرادتكم تختارون حاكمكم وبالتالي فأنتم مشاركون معه في قراراته.. مما يجعله لا يعفيكم كبشر وأناس مما ترتكبه بلادهم.. عليهم أن يفيقوا هم أيضا من غفلتهم وينفضوا عن أنفسهم الكثير من الأمور التي يجهلونها..
وفي النهاية فإن المتعة الشديدة التي أشعرنا بها 'يوسف شاهين' حملت إلي نفسي بعضا من الغصة، لأنه لعلها المرة الأولي التي أشعر فيها بمرارة من يوسف شاهين وكأنه بهذا الفيلم يريد أن يقول 'وداعا' ربما ليس لأمريكا فقط لكن لأشياء أخري كثيرة.. ولذا لا نملك إلا أن نقول كلنا 'ليوسف' سوي أننا نحبه مهما اختلفنا أحيانا معه.. لأنه قيمة ومعني كبيرة في حياتنا الفنية والإنسانية.. أدام الله عليه الصحة.. ليمتعنا دائما بما هو جميل ومثير للجدل.. فهذا هو 'يوسف'..
|
|
|
|